إسلام ويب

تفسير سورة هود (25)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن استمر الجدال بين شعيب عليه السلام وقومه، انتهى الأمر بقومه أن حذروه من الاستمرار في دعوته، مذكرين إياه بضعفه بينهم، وأنه لولا قومه وعشيرته لرجموه وأخرجوه، فلما يئس منهم شعيب أخبرهم أن عذاب الله وخزيه قريب من المجرمين، وأن الله مجازيهم على ما كانوا يفعلون، فأخذتهم الصيحة ونجى الله المؤمنين.

    1.   

    منزلة العقيدة الصحيحة في قلب العبد المؤمن

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مازلنا مع سورة هود عليه السلام المكية، وأعيد إلى أذهانكم تعليماً لغير العالمين وتذكيراً للناسين بأن السورة المكية التي نزلت بمكة المكرمة تعالج العقيدة، تريد إيجاد عقيدة سليمة صحيحة في قلوب العباد، فمن وجد في نفسه عقيدة سليمة كان بمثابة الحي الذي يسمع ويجيب، ومن فقدها فهو كالميت سواء بسواء.

    ولهذا فالكافر ميت والمؤمن حي، وفي القرآن: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [النمل:80-81].. الآية الكريمة.

    مرة ثانية: الكافر فاقد العقيدة الإسلامية الصحيحة بمثابة الميت، ولهذا لا نأمره بالصلاة ولا بالزكاة ولا بالصيام ولا بالجهاد، لم؟ لأنه ميت، فانفخ فيه الروح فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وحينئذ مره يطعك، ناده يجبك؛ وذلك لكمال حياته.

    ومن رزقه الله هذه العقيدة وداخلها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير فما أصبحت سليمة ولا صحيحة فصاحبها بمنزلة المريض، وجل العالم الإسلامي اليوم مرضى، ولهذا يستطيع أن يجيبك لأمر ويعجز عن آخر، يترك محرماً ويغشى آخر، يلتزم بأن لا يسب مؤمناً ولا يشتم، ولكن يغتاب وينم، لماذا؟ لأنه مريض ما صحت عقيدته وما سلمت.

    طريق تصحيح العقيدة

    لماذا ما نصحح عقائدنا ونسلمها من الآفات والعاهات؟ كيف لا نستطيع؟

    فالطريق كما قدمنا ونعيد القول: أن نرجع إلى مجالس الذكر لنتعلم الكتاب والحكمة، هذا ما سأل إبراهيم وولده إسماعيل عليهم السلام، سألا الله تعالى أن يجعل في ذريتهما من يعلم الكتاب والحكمة، إذ قال تعالى عنهما وهما يبنيان الكعبة: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، وامتن الله تعالى بهذه النعمة على المؤمنين: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، فإذا كنا شاردين في المقاهي والملاهي والملاعب والأباطيل والاجتماعات الهابطة الفاسدة فأنى لنا أن نصحح عقائدنا ونصبح ربانيين؟ ذلك من باب المستحيل، لا بد من الطلب، وطلب العلم فريضة، وعقيدتنا السليمة مصدرها: قال الله وقال رسوله، لا قال زيد ولا قال عمرو، ولا فلان وفلان، أي: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ...)

    هذا وما زلنا مع نبي الله ورسوله شعيب مع قومه وهم يتقاولون، مرة يقول المشركون ومرة يقول نبي الله شعيب، فاسمعوا هذه الآيات وفيها نهاية القصة، فلنصغ إليها مستمعين لها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله ينفعنا بما نعلم ونعمل.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:91-95].

    بعثة شعيب إلى مدين لكفهم عن مفاسدهم وشركهم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن شعيباً صلى الله عليه وسلم من ذرية إبراهيم الخليل عليهما السلام، وأن مدين هو ابن إبراهيم مباشرة، وذريته في تلك الديار، تكونت منهم أمة وقبيلة تعرف بقبيلة مدين، وديارهم ما بين الأردن والشام، تلك ديار مدين، وكانوا مع الشرك بالله يطففون الكيل والوزن ويبخسون الناس حقوقهم، بل ويأخذون المكوس في الشوارع والطرقات، بل ويكسرون الذهب والفضة ليأخذوا منها شيئاً، هذه المفاسد، هذه الشرور انتشرت بينهم وشاعت فيهم، فبعث الله تعالى رسوله شعيباً إليهم؛ ليدعوهم إلى عباده الله أولاً، أي: إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك يستقيمون على منهج الحق، وهو شريعة الله القائمة على بيان الحلال والحرام، والنهوض بالواجبات والتخلي عن المحرمات، إذ هذا سبيل النجاة في هذه الحياة، وقال وقالوا، ومر بنا هذا.

    سوء أدب قوم شعيب في جواب دعوته

    والآن هذه آخر أيامهم، فقالوا: يَا شُعَيْبُ [هود:91]، بدل أن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، قالوا: يا شعيب! وتذكرون أنه لا يحل لمؤمن منا ولا مؤمنة أن يقول: يا محمد، بل يجب أن يقول: يا رسول الله، أو يا نبي الله، وفي القرآن الكريم يقول تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور:63]، قد تقول: يا عمر أو يا عثمان، لكن لا تقل: يا محمد أو يا أحمد، بل قل: يا رسول الله.

    إذاً: أمرهم أن يعبدوا الله وحده ويتخلوا عن تلك الجرائم والموبقات التي يتعاطونها ليل نهار، فردوا عليه: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91]، هذا أسلوب سخرية واستهزاء وضلال وعمى: مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91] مما تأمرنا به وتنهانا عنه، وما تبين لنا من نتائج الطاعة ونتائج المعصية، ما فقهنا كثيراً من قولك، ولم ما قالوا: ما نعلم، وإنما قالوا: ما نفقه؟

    الجواب: لأن الفقه معرفة أسرار الشرع، بخلاف العلم، فالفقه معرفة أسرار العبادة أو العمل أو التشريع، ما نفقه أسرار ما تقول، نفهم قولك: أقيموا الصلاة، اتركوا عبادة غير الله، لكن أسرار ذلك ما بلغنا، ما فقهناه.

    قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91] أولاً، ثانياً: وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا [هود:91] لا وزن لك ولا قيمة، وقد أكثرت من طعننا ونقدنا، وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ [هود:91]، وعرفنا الرهط فيما تقدم أنهم قبيلته الذين يحمونه ويتولونه، الجماعة التي تنصره، وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ [هود:91]، والرجم يكون بالحجارة، وكانوا يقتلون بهذا الأسلوب؛ يضعون الشخص في مكان ويرمونه بالحجارة حتى الموت.

    ثالثاً: وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود:91]، أي: بممتنع، نحن قادرون على إنهاء وجودك للاستراحة منك، لكن نظراً إلى رجالك من رهطك نحترمهم، أو قد تقع حرب بيننا وبينهم، لولا ذلك لرجمناك، وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود:91] أي: بممتنع وقوي قادر. هذه كلماتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهرياً ...)

    فرد عليهم شعيب قائلاً: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ [هود:92]؟ هذا الاستفهام إنكاري، كيف يكون هذا؟ أَرَهْطِي [هود:92] جماعتي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ [هود:92] أقدر وأقوى من الله عز وجل تخافونهم ولا تخافون الله؟ تهابونهم ولا تهابون الله؟! كيف يعقل هذا؟

    أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود:92]، جعلتم الله وراء ظهوركم لا تسمعون كلامه ولا تلتفتون إليه، ولا تقولون بأمر ولا نهي، غير مبالين بالله، أين يذهب بعقولكم؟ تخافون من رهطي وتتركون الله الذي بيده كل شيء؟ ثم بماذا تعاملون ربكم؟ تجعلونه وراء ظهوركم فلا تلتفتون إليه، ولا تسمعون منه ولا تستجيبون له.

    إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [هود:92] أي: بأعمالكم الباطلة من الشرك والكفر والفساد والشر، عليم به خبير به محيط بهو سوف يجزيكم به طال الزمان أو قصر، والأيام تقترب من بعضها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ...)

    ثم قال لهم: وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ [هود:93] أنا كذلك على مكانتي، اعملوا ما أنتم عاملون من حفاظ على الشرك والفسق والفجور والباطل، وأنا سأعمل على دعوتي ونشرها وإبلاغها لعباد الله.

    وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ [هود:93] سوف تعلمون هذا، وقد قربت الأيام، هذا في آخر أيامه، ماذا قال لهم؟

    وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ [هود:93] من الحفاظ على مركزكم وقوتكم ودولتكم، وأنا عامل كذلك، إذاً: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ [هود:93] منا أو أنتم عَذَابٌ يُخْزِيهِ [هود:93] أي: يذله ويهينه، وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ [هود:93] في دعواه وقوله وما يقول ويعمل، أنا أم أنتم؟ وَارْتَقِبُوا [هود:93] انتظروا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [هود:93] منتظر تلك الساعة، ارتقبوا تلك الساعة التي يذلكم الله فيها ويخزيكم ويبيدكم ويدمركم، وينجيني والمؤمنين ويسعدنا، ارتقبوا فما بقي إلا أيام، وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [هود:93].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة ...)

    قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [هود:94]، كأنما استلهم كاستلال الشعرة من العجين، أمرهم أن يخرجوا، فما إن غادروا المنطقة أو البلد حتى أصاب الآخرين ما أصابهم.

    وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود:94]، ويروى أن هذه الصيحة صيحة جبريل، ما إن صاح بهم حتى خرجت القلوب ولصقت في الحناجر وجثموا على ركبهم كالبهائم من صيحة واحدة بعد دعوة دامت سنين وهم يتمردون ويغالون في الشر والشرك والباطل والفساد.

    هكذا يقول تعالى مخبراً عن نهاية هذه القصة: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا [هود:94] بإهلاكهم، وحضرت الساعة ودقت نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود:94] جثوم الحيوانات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود)

    وأخيراً: قال تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [هود:95]، كأنهم ما عاشوا تلك الأعوام والقرون ولا كانوا موجودين في هذه البلاد أبداً، إذ انتهى وجودهم ولم يبق منهم أحد: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا [هود:95] أي: يعمروا ويكونوا في ذاك البلد.

    وأخيراً: يقول تعالى: أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:95]، و(ألا) مثل (ألو)، هذه معروفة عندنا، الطفل الصغير يفهم ألو، يمسك السماعة: ألو.. ألو! أما (ألا) فما نعرفها، ما اعتدناها ولا عرفناها.

    وأزيد فأقول: أولادكم البرانيط على رءوسهم، لماذا عدلوا عن الطاقيات البيضاء التي تدل على الإيمان ويضعون برانيط اليهود والنصارى على رءوسهم الآن في الشوارع؟

    أقسم بالله! إن لم نأخذ بالطريق السليم المنجي فوالله! لأهلكنا الله؛ لأننا نزحف إلى الهلاك، غفلة كاملة وجهل عام في وقت العلم كما يقولون، ما هذه البرانيط الآن على الشبان على رءوسهم، يقود السيارة والبرنيطة على رأسه يتبجح كاليهودي أو كالنصراني! أعوذ بالله أعوذ بالله، ماذا قال الحكيم صلى الله عليه وسلم؟ ( من تشبه بقوم فهو منهم )، لولا حب زيهم وحالهم لما فعلنا البرانيط على رءوسنا.

    أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:95]، ثمود قبلها، أما أخذتهم الصيحة والرجفة وهلكوا، وهذه مدائنهم موجودة هي مدائن صالح؟ وهؤلاء ما هم ببعيدين عنهم؟ أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:95]، أي: ألا هلاكاً لمدين كما هلكت ثمود.

    معاشر المستمعين! أعيد القول: إني مسئول أمام الله، لا تسمحوا لأبنائكم ولا لإخوانكم بلبس هذه البرانيط في الشوارع، لو كنت عسكرياً فشأنك ولك ذلك، ذاك زيك، أما مدني يلبس لباس اليهود والنصارى فوالله! لنقتربن من حبهم، وإذا أحببناهم يهلكنا الله بإهلاكهم، فلم لا نعمل؟ لم نسمع هذا ونسكت؟

    على كل حال ما علينا إلا البلاغ والبيان.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيات من الكتاب كما هي لنزداد معرفة.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في الحديث عن شعيب وقومه، إنه بعد الحوار الذي دار بين شعيب وقومه يقول ويقولون، وكان عليه السلام فصيحاً مؤيداً من الله تعالى فيما يقول، فأفحمهم وقطع الحجة عليهم؛ لجئوا إلى أسلوب القوة والتهديد، بل والشتم والإهانة، وكان هذا منهم إيذاناً بقرب ساعة هلاكهم، فقالوا فيما قص تعالى عنهم في هذه الآيات: يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91] فقد نادوه ليسمع منهم ثم أعلموه أنهم لا يفقهون كثيراً من كلامه، مع أنه يخاطبهم بلغتهم، ولكنه الصلف والكبرياء، فإن صاحبها لا يفهم ما يقوله الضعفاء.

    وقالوا له: وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا [هود:91] وهو احتقار منهم له، وقالوا: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ [هود:91] أي: ولولا وجود جماعة من عشيرتك نحترمهم لرجمناك، أي: لقتلناك رمياً بالحجارة، وأخيراً: وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود:91] أي: بممتنع لو أردناك.

    وهنا رد شعيب عليه السلام عليهم [ فقال ما أخبر تعالى به عنه: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود:92] أي: غير مبالين بأمره ولا نهيه، كما جعلتموه وراء ظهوركم لا تلتفون إليه ولا تسمعون منه ولا تطيعونه، يا ويلكم.

    إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [هود:92] أي: علمه، فأعمالكم معلومة له، لا يخفى منها عليه شيء، ولسوف يجزيكم بها عاجلاً أو آجلاً.

    وقابل تهديدهم له بمثله فقال لهم: وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ [هود:93] أي: على تمكنكم من عملكم، إِنِّي عَامِلٌ [هود:93] أي: على تمكني من العمل الذي أعمله، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ [هود:93] أي: يذله ويهينه، وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ [هود:93] منا فيعذب ويخزى ويذل ويهان أيضاً، وعليه فارتقبوا يومذاك، وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [هود:93] أي: منتظر.

    قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا [هود:94] أي: بالعذاب نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [هود:94] أي: بفضل منا ونعمة من عندنا.

    وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:94] أي: بالشرك والعصيان، أخذتهم الصيحة، أي: صيحة العذاب التي ارتجفت لها قلوبهم وانخلعت فبركوا على ركبهم جاثمين هلكى لا يتحركون.

    قال تعالى في بيان حالهم: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [هود:95] أي: كأن لم يقيموا في تلك الديار ويعمروها زمناً طويلاً، ثم لعنهم فقال: أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ [هود:95] بعداً لها من الرحمة وهلاكاً كما بعدت قبلها ثمود وهلكت والعياذ بالله ].

    والله نسأل أن ينجينا من العذاب في الدنيا والآخرة، وذلك بأن يرزقنا معرفته ومعرفة محابه ومكارهه، ويعيننا على فعل المحبوب وترك المكروه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.