إسلام ويب

تفسير سورة الصافات (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما ذكر الله عز وجل افتراءات المشركين من نسبة البنات إلى الله عز وجل، ذكر هنا ما تقوله الملائكة من وصف أحوالهم، ومقامهم عند ربهم، فهم بين يدي ربهم صافون، يصلون له سبحانه لا يفترون، ويسبحون بحمده ولا يستكبرون، وأنهم ليسوا كالبشر المعرضين، الذين كانوا يتمنون كتاباً ينزل إليهم من رب العالمين، ينظم حياتهم وبه يتعبدون، فلما جاءهم الكتاب المبين إذا هم به يكفرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ * وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات:161-170].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:161-163]. هذا الكلام كلام الله، وهو يقوله للمشركين في مكة، ويقوله الرسول الكريم نيابة عن ربه لأهل الشرك والكفر في بلاد العرب في مكة، فهو يقول لهم: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الصافات:161] من هذه الأصنام والأحجار والشياطين، التي تتوسلون بها إلى الله في نظركم، وتستشفعون بها، وهي لا تنفع ولا تضر.

    قال تعالى: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات:162]، أي: ضالين أحداً، إلا من كتب الله شقاوته في جهنم. فأنتم تعملون جهدكم على إضلال الناس، وإبعادهم عن التوحيد وعبادة ربهم، وكفرهم بكتابه ورسوله، واعلموا أنكم لن تضلوا إلا من كتب الله ضلاله وشقاوته.

    وهذه الآية الكريمة تقرر عقيدة القضاء والقدر. وقد وجدت طائفة وانعدمت والحمد لله في الصدر الأول يعرفون بنفاة القدر، وينفون القدر. وإليكم الصورة الواضحة فاحفظوها وتأملوها، والله يفتح علينا وعليكم، وهي: أنه أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن أول ما خلق الله من الخلائق والكائنات القلم. وليس شرطاً أن يكون كأقلامكم هذه، ولكن اسمه قلم؛ لأنه يكتب به كما يكتب القلم، فقال: يا قلم! ( اكتب، قال: ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ). فما من حركة أو سكون في الكون إلا وقد كتبت، حتى حركة اليد هذه والله مكتوبة، ومجلسكم المبارك هذا والله مكتوب، وسماعكم هذا مكتوب، وانتفاعكم بهذا الدرس مكتوب. الشقي كتب الله شقاوته بذلك القلم والله، والسعيد كتب الله سعادته بذلك القلم قبل أن يخلقه، فهو والله لسعيد.

    فهو هنا يقول للمشركين: اعلموا أنكم وما تعبدون من دون الله مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات:162]، أي: بصارفين أو ضالين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا من هو صال الجحيم)

    قال تعالى: إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:163] وداخلها.

    الإيمان بالقضاء والقدر

    اعلموا أن الله عز وجل يكتب الأسباب مع مسبباتها، فالقلم لما كتب كتب عبد الله يدخل الجنة؛ لأنه يموت على لا إله إلا الله موحداً لربه، ويعبده عبادة شرعية، فكتبت له الجنة، وعمرو بن هشام أو أبو جهل كتب شقياً؛ لأنه يصر على العناد والكفر والضلال؛ حتى يموت على الشرك والكفر، فكتب ذلك. ويوضح هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من سره -أي: أثلج صدره وأفرحه- أن ينسأ له في أجله -أي: يؤخر له أجله- ويوسع له في رزقه فليصل رحمه ). وهذا لا يتنافى مع ما كتب القلم في الظاهر. فمن سره .. من أفرحه .. من أثلج صدره أن يوسع الله له في رزقه وأن يطول عمره فليصل رحمه. والحديث صحيح.

    ووجه ذلك: أنك عندما توفق أنت لصلة الرحم وكان عمرك سبعين سنة فيزيد الله فيه ثلاثين أخرى بصلة رحمه، وكذلك إذا كان رزقك كذا طن تمر وكذا طن قمح في عمرك فإذا وصلت رحمك فيزيد الله في ذلك، فيكون أضعاف ما كان لك.

    وقد عرفنا أن الله كتب الغناء والفقر، والمرض والصحة، والعز والذل، والسعادة والشقاء قبل أن يكون الكون؛ حتى ينتظم الكون كله بنظام واحد، وكتب هذا. ولكن لما كتب غناك أنت كتب أنك تصل رحمك، فيوسع لك رزقك، فيقول: يا ملك! وسع رزق فلان؛ لأنه سيصل رحمه، ويا ملك! طول عمر فلان، فبدل السبعين اجعله ثمانين؛ لأنه سيصل رحمه. فالأسباب مكتوبة بمسبباتها.

    فمن هنا الشقي من كتب الله شقاوته، والسعيد من كتب الله سعادته. ولكن الشقاوة سببها الكفر والفسق، والظلم وما إلى ذلك، حتى يدخل النار بها، وكتب سعادة فلان، وكتب أيضاً أسبابها من إيمان وصالح الأعمال، وبعد عن الفسق والفجور، والظلم والاعتداء، وهكذا، فالأسباب مع أسبابها منتظمة، ويدل على هذا قوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الصافات:161] أيها المشركون من الأصنام! مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات:162]، أي: ضالين أشخاصاً أو أمة، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:163]. فمن كتب في كتاب المقادير أنه داخل النار فهذا الذي تضلونه فقط، وأما من كتب الله سعادته والله ما تقدرون عليه، مهما فعلتم ومهما قمتم وقعدتم. فافهموا هذه القضية.

    ونحن نقول: فلان مات رحمة الله عليه. وهذا الموت كتبه الله في وقت معين، أو نقول: فلان نجا، وقد أصيب برصاصة وما مات؛ لأن الله ما كتب موته. وكذلك نرى فلاناً أقبل على الله بالبكاء والدموع، والتقرب والطاعة، هذا لأنه مكتوب ذلك له، وفلان أصر على الشرك والعناد، والظلم والفساد حتى مات؛ لأنه مكتوب هكذا، ولكنه سيحاسب بعمله، وبكسبه الذي كتب عليه.

    وهكذا نحن نؤمن بقضاء الله وقدره. وأركان الإيمان ستة، وسادسها: الإيمان بالقضاء والقدر. وأركان الإيمان هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره.

    فلا يحدث شيء ما أراده الله أو ما كتبه، ووالله ما تتحرك حركة في الكون إلا وقد أرادها الله وكتبها، ولولا نظام القضاء والقدر لم تستمر الحياة ولا ألف سنة، بل إنها تخرب وتفسد، ولكن هذه الأنظمة الإلهية تتم هكذا إلى نهاية الحياة وإلى أجلها.

    وهذه الآية الكريمة دلت على القضاء والقدر، وقد قال تعالى لهم: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:161-163]. فهذا الذي تفتنونه، ويستجيب لكم، ويعبد غير الله، وأما من كتب الله سعادته في الجنة فما تقوون عليه، فهم مثلاً: ما قدروا على رد أبي بكر الصديق أو عمر ، وما استطاعوا ذلك، بل عجزوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم)

    قال تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات:164-166]. وهذا هو كلام الملائكة. فهذه ثلاث آيات من كلام الملائكة.

    وسبب نزول هذه الآيات: أنه لما عرج بأبي القاسم فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلماً. والعروج: الطلوع، والمصعد هو: المعراج. فقد أخذ من بيت أم هانئ بنت عمه من مكة، وجيء به إلى المسجد الحرام، فأجريت له عملية جراحية، فشق صدره وغسل قلبه بماء زمزم، فأصبح قلبه كله نور، ولولا ذلك ما استطاع أن يعرج إلى السماء، ولما قوي على هذا. ثم أخذ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وجمع الله له الملائكة كلهم، فصلى بهم، فكان إمام الأنبياء، فقد جمع الله له الأنبياء والرسل، فصلى بهم إماماً، ثم عرج به من سماء إلى سماء إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى. وكان قائده ورفيقه في هذه الرحلة جبريل عليه السلام، فلما انتهى ووصل إلى سدرة المنتهى وقف جبريل، وقال لرسول الله: تقدم، فقال له الرسول: أهنا تتركني وتفارقني؟ فأنزل الله تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164]. فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: ليس عندي إذن أن أتجاوز هذا المكان. فتقدم الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، وانتهى وخر تحت العرش، فقال ربه: ارفع رأسك، وسل تعط، إلى نهاية الحديث. وفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس.

    والشاهد عندنا في هذه الآيات الثلاث: قول الملائكة: وما منا من ملك إلا وله مقام يقف عنده معلوم. وكذلك قولهم: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات:165]. فهم يصلون في الملكوت الأعلى ويصفون كصفوف المصلين في الملكوت الأعلى، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( ما من موضع قدم في السماء أو موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو راكع ). ولا يعرف هذا ولا يحصيه إلا الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون)

    قال تعالى مخبراً أن الملائكة يقولون: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات:165]، أي: المصفون في الصلاة في السماء. وكذلك يقولون: وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات:166]، أي: المقدسون لله عز وجل. وهنا خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته وقال: ( اصطفوا كما تصطف الملائكة، فقالوا: كيف تصطف الملائكة؟ فقال: يتمون الصف الأول ويتراصون فيه ). وكذلك عمر فعل هذا، وكان يسوي الصفوف بيديه الشريفتين، رضي الله عنه وأرضاه. وهذا فيه فضيلة تسوية الصفوف للصلاة، وحتى صفوف الجهاد أيام كان الجهاد رصها صفوفاً يجعل لتلك الصفوف قيمتها. وأما الآن فليس هناك صفوف، فقد أصبح الجهاد الآن سحراً.

    وصفوف الصلاة الملائكة تصلي عليها، والصف الأول أفضل من الثاني، وأول الصفوف أفضل من آخرها، وعلى الأئمة أن يقولوا: سووا صفوفكم .. أتموا الصفوف الأول فالأول .. تراصوا، وهكذا كما كان السلف الصالح يقولون.

    والحمد لله أننا نتشبه بالملائكة، وقد شبهنا الله بالملائكة، فالمتراصون في الصف كالملائكة. وهكذا يقول تعالى وقوله الحق مخبراً عن الملائكة، فهو يقول أنهم قالوا: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164]. وجبريل ما استطاع يمشي مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا إلى عند سدرة المنتهى، ثم وقف، فقال له الرسول: امش معي، فقال: لا. فقال له: أهاهنا تتركني؟ فقال: نعم، مَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164]. وما نستطيع أن نتجاوز هذا المكان.

    وكذلك يقول الملائكة: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات:165]، أي: في الصلاة لله تعالى في السماوات كلها. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات:166] لله، المقدسون المنزهون له بلا إله إلا الله .. بسبحان الله والحمد لله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كانوا ليقولون ... لكنا عباد الله المخلصين)

    قال تعالى: وَإِنْ كَانُوا [الصافات:167]، أي: أهل مكة والعرب المشركين قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يقولون: لو أننا عندنا كتاب كاليهود والنصارى؛ لنظمنا حياة بلادنا واستقمنا، كما قال تعالى: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:167-169]. وها هو جاءكم الذكر والرسول معه، وأنتم تعرضون.

    وهنا لطيفة سياسية ألهمنيها ربي عز وجل، وهي: أننا نذكر ما كان من إخواننا من إندونيسيا إلى موريتانيا عندما كانوا يحاربون فرنسا وإيطاليا وأسبانيا؛ لإعادة الدولة الإسلامية، فقد كانوا يقولون: لو نستقل، فلما استقلوا فعلوا العجب والله، وأحلف بالله لكان الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي أرحم من وجودنا نحن، وكان الإسلام أوسع نطاقاً يومها. ولست واهماً في هذا، فقد عاصرت هذا وعشته. فهم ما كانوا يلزمون امرأة بكشف وجهها والله العظيم، وما كانوا يلزمون إنساناً بأن يشرب الخمر أو يحثونه عليه، بل كانوا ما يسمحون بفتح المخامر إلا نادراً، وكانوا يحافظون على الزي الإسلامي، وكان البوليس والشرطي يعمل طربوشاً أحمر على رأسه، ولا يعمل برنيطة على رأسه، سواء في مصر .. في سوريا .. في العراق .. في بلاد العرب.

    والشاهد عندنا: أن العرب كانوا يقولون: لو عندنا كتاب كالتوراة أو كالإنجيل لاستقمنا ونظمنا حياتنا، ولكنا وكنا، فلما جاءهم الله بأعظم كتاب وهو القرآن الكريم أعرضوا عنه، كما قال تعالى في هذه الآية: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:167-169].

    وكنا نقول نحن: لو استقللنا وذهبت فرنسا وإيطاليا وأصبحت لنا دولة لأقمنا الإسلام ودين الله، ثم إذا بالعكس بكامله، فقد ظهر من الفسق والفجور والظلم والشر والله أكثر مما كان على عهد الاستعمار؛ لأن هذه طبيعة البشر إذا ما هداهم الله، وهذه هي البشرية.

    والعرب قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لو عندنا كتاب كالتوراة أو كتاب كالإنجيل لفعلنا وفعلنا، وكنا من المخلصين، فلما جاء الكتاب والرسول لووا رءوسهم وأدبروا، بل حاربوا رسول الله والمؤمنين، وأعرضوا عما كانوا يقولون. ونفس الصورة لهذا هو ما عرفناه من أن المسلمين من إندونيسيا إلى المغرب .. إلى موريتانيا أيام أن كانوا مستعمرين، فأيام الاستعمار كنا نقاتل ونحاول أن نشجع المسلمين، وأنا خرجت من مالي بكامله، ووالله إن المبلغ الذي عندي في بيتي الذي كنت أملكه دفعته للجهاد في الجزائر، وأنا هنا في المدينة، ولم أترك نصفه كما فعل عمر ، بل فعلت كما فعل أبو بكر .

    ثم لما استقللنا فيما بعد عم السفور .. عم الفجور .. عم الربا، وحورب الإسلام، وحورب أهله ما أقيمت دعوة الله ولا دين الله، وما أقيم شرع من شرع الله، بل أعرضوا إعراضاً كاملاً. وهذا هو الواقع.

    وهذا لنعرف أن الإنسانية هي الإنسانية، وأن البشر هم البشر، سواء في القرون الأولى أو في الثانية. فهيا ندعوهم إلى التوحيد كما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم أهل مكة، حتى دخلوا في دين الله، ونحن دعوناهم وكتبنا لهم، وقدمنا لهم الدولة الإسلامية في صورة واضحة، وقلنا لهم: أسسوا دولتكم على هذا النوع، وقدمنا لهم الدستور الإسلامي، ووالله العظيم لو طبق في قرية لسادت وعز أهلها، ولكنهم أعرضوا ولم يستجيبوا أبداً.

    طريق النجاة

    آخر ما نقول للمسلمين: هيا إذا أردتم أن تعودوا إلى السلامة والطهر والصفاء، وذلك بأن تصدروا أمراً: يا أهل القرية! إذا دقت الساعة السادسة مساء فلا يبقى أحد خارج المسجد، بل كلكم بنسائكم وأطفالكم تتوضئون وتتطهرون وتأتون إلى المسجد، فيصلون المغرب، ويجلس لهم عالم بالكتاب والسنة كجلوسنا هذا، ويعلمهم ليلة آية وليلة حديث، وهم يحفظون الآية ويحفظون الحديث، ويطبقون، ووالله ما تمضي سنة إلا وقد طهرت تلك القرية، ولا يبقى فيها زانٍ ولا مرابٍ، ولا كذاب ولا مخادع، ولا تارك صلاة أبداً.

    ولو انتظم هذا في كل المدن والقرى ففي عام واحد فقط تنتهي مظاهر الخبث والشر والفساد، والدليل قول ربنا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]. وهم عرفوا هذا وصرفونا عن العلم. والبرهنة على هذا نقول: ادخل أي قرية أو مدينة في العالم واسأل عن أتقاهم .. عن أبرهم .. عن أصلحهم، والله لن تجده إلا أعلمهم، وأقسم بالله على هذا. ومع هذا ما استجبنا. ونفوض الأمر إلى الله. والله تعالى يقول: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]. ينتظر هل من توبة؟ هل من رجعة صادقة؟ هل من إنابة صحيحة؟ وإن لم يحدث منا هذا فستنزل النقمة طال الزمان أو قصر. فربك بالمرصاد. ولهذا إن لم يستعجلوا التوبة في أي مكان .. في أي إقليم فسوف تنزل نقم الله وعذابه.

    هذا معنى قوله تعالى: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:167-169].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكفروا به فسوف يعلمون)

    قال تعالى: فَكَفَرُوا بِهِ [الصافات:170]، أي: بالذكر الذي كانوا يتمنونه، ألا وهو كتاب الله، فقد كفروا به، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات:170] عواقب كفرهم وضلالهم. وصدق الله العظيم.

    هذا كلام الله، وهو لا يقرأ على ميت، فالميت لن يقوم يصلي والله، أو يتوب إلى الله عز وجل، أو يستغفر. ولكن الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية غمرتهم أنوار الإسلام، وانتشرت دولة الإسلام في الشرق والغرب، فتحالفوا على أن يطفئوا هذا النور، ويقفوا في هذا الإسلام، فبحثوا عن أسباب حياته فعرفوا أنه القرآن، وقد سما الله روحاً، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]. فقالوا: هيا نبعدهم عن القرآن، فاجتمعوا في مجالس في الظلام، وحاولوا أن يسقطوا حرفاً واحداً أو كلمة (قل) فما استطاعوا، فقالوا: هيا نحاول إذن أن نصرفهم عن قراءته، والاجتماع عليه وتدبره، وذلك بأن نجعلهم يقرءونه على الموتى، ووضعوا قاعدة وقالوا: تفسير القرآن الكريم صوابه خطأ وخطؤه كفر. فإن فسرت وأصبت فأنت مخطئ؛ إذ ليس من حقك أن تفسر، وإن أخطأت كفرت. فمن ثم كمموا أفواه العلماء، فما أصبح القرآن يقرأ إلا على الموتى، كما هو الواقع.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات ] التي تدارسناها الليلة:

    [ أولاً: تقرير عقيدة القضاء والقدر؛ إذ من كتب الله عليه النار فسوف يصلاها ] كما بينا هذا. وهذا هو عقيدة المؤمنين والمؤمنات، فلا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا وقد كتب الله ذلك في كتاب المقادير؛ لتحقق ربوبية الله على كل شيء، وليس هناك من له هوى أو عقل يفعل كما يريد، بل كتب الله ذلك له.

    [ ثانياً: تقرير عبودية الملائكة وطاعتهم لله، وأنهم لا يتجاوزون ما حد الله تعالى لهم ] فالملائكة عباد الرحمن، يعبدونه كما شاء أن يعبدوه بالصلاة والذكر والتسبيح، وأن أحداً منهم لا يستطيع أن يخرج عن طاعة الله، وجبريل ما استطاع أن يتقدم مع رسول الله عند سدرة المنتهى؛ إذ قال: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164]، ما نتجاوزه.

    قال الشيخ في النهر: [ وفي الآية رد على نفاة القدر، ومن أحسن ما قيل شعراً: قول لبيد بن ربيعة :

    إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي والعجل

    أحمد الله فلا ند له بيديه الخير ما شاء فعل

    من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل ]

    [ ثالثاً: فضل الصفوف في الصلاة، وفضل تسويتها ] فالصفوف في الصلاة لا أفضل منها في الدنيا أبداً إلا صفوف المجاهدين كما قدمنا. والصفوف في بيوت الله للصلاة من أفضل ما يكون، وأعظم ما يكون، وتسويتها واجبة، فلا تتقدم ولا تتأخر، بل نسوي صفوفنا.

    قال الشيخ في النهر: [ روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم في المسجد فقال: ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقالوا: يا رسول الله! كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول، ويتراصون في الصف ) ].

    [ رابعاً: بيان كذب المشركين؛ إذ كانوا يدعون ] قبل المبعث المحمدي [ أنهم لو أنزل عليهم كتاب كما أنزل على من قبلهم ] وبعث فيهم رسولاً [ لكانوا عباد الله المخلصين، أي: الذين يعبدونه، ويخلصون له العبادة ] ولاهتدوا واستقاموا، فلما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم أعرضوا.

    واللطيفة السياسية التي سمعتموها هي: أننا كنا نقاتل فرنسا وإيطاليا، ونطالب بالاستقلال، ولما استقللنا أعرضنا عن ربنا، والعياذ بالله. فنحن إذاً تحت النظارة، إما أن نتوب وإما أن تنزل بنا نقمة الله.

    [ خامساً ] وأخيراً: [ تهديد الله تعالى للمشركين على كذبهم بقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات:170] ] العواقب والنتائج.