إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كثر النقاش بين موسى عليه السلام وفرعون بشأن توحيد الخالق جل وعلا، ولم يجد فرعون ما يدفع به ماجاء به موسى من الحجج والبينات، قام يستعمل السلاح الأخير في يده وهو التهويل الإعلامي، حيث اتهم موسى أنه ساحر وأن سحره هذا سيفسد البلاد وأحوال العباد، فاتفق الملأ من حوله على أن يجمعوا سحرتهم لملاقاة موسى وإبطال سحره، ويعدهم فرعون بما يأملونه من الجعل والمكافأة، وزيادة على ذلك أن يجعلهم من المقربين منه والمتمتعين باصطفائه وحبه.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الشعراء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:23-42].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا الحوار الذي سمعنا بعضه ونسمع اليوم إن شاء الله بعضه، ونسمع ما بعده، هذا الحوار تم منذ أكثر من أربعة آلاف سنة فكيف يقص عبد أمي لا يقرأ ولا يكتب هذا القصص العجب؟

    الجواب: مستحيل هذا إلا أن يكون من يقصه على البشرية نبياً لله ورسولاً. إذاً: هذه الآيات تشهد أن محمداً رسول الله!

    أمي لا يقرأ ولا يكتب ويحدث بأحداث مضت عليها آلاف السنين ويقصها كما تمت في أزمنتها وأمكنتها، فلو لم يكن رسولاً لله فمن أين له أن يأتي بهذا الكلام أو يقص هذا القصص؟

    إذاً: الآيات تقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

    وهنا تقدم معنا قول ربنا: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء:18]. من القائل لهذا القول؟ فرعون وملائه ورجاله وأعيان بلاده.

    وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ [الشعراء:19] وهي قتله للقبطي الذي قتله قتلة خطأ والله العظيم، وليس قتل عمد.

    وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء:19] فأجابهم موسى عليه السلام قائلاً: فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:20] أي: من الجاهلين. نعم يومئذ فعلت تلك الفعلة ولكني كنت جاهلاً ما عرفت، وحقاً كان جاهلاً لا يعرف؛ إذ أحداثه هذه تمت في مصر.. ثلاثين سنة تربى في بيت فرعون ونشأ وكمل، وبلغ الثلاثين من عمره، وما نبئ ولا أرسل ولا عرف شيئاً، فلهذا حدث ذلك الحادث واعتذر وقال: إني كنت من الضالين، فلما زاد عشر سنوات أخرى في مدين وذهب إلى مصر أوحى الله إليه ونبأه لما بلغ الأربعين سنة؛ لأن الله عز وجل يرسل الرسول وينبئ النبي إذا بلغ من العمر أربعين سنة، قال موسى عليه السلام: فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [الشعراء:20-21] أن تقتلوني فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:21] بعد عشر سنوات. أعطاه الحكم وهو السيطرة على نفسه والسلطة عليها؛ حتى لا تقع منه جريمة أبداً، ولا يحدث له ذنب وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:21]، وقال لـفرعون : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:22] أنت عبدت بني إسرائيل أربعمائة سنة فأية نعمة هذه التي تقول أنني تربيت عندك. نعم تربيت عندكم وأنا فرد، ولكنك استعمرت أمة كاملة ستمائة ألف وأربعمائة سنة لا قيمة لقولك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين... ربكم ورب آبائكم الأولين)

    هنا قال تعالى حاكياً قول فرعون: قَالَ فِرْعَوْنُ [الشعراء:23] ماذا قال فرعون؟ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]؟

    المفروض أن يقول: ومن رب العالمين؛ لكنه بكبريائه وعجرفته يتجاهل: ما رب العالمين؟ والمفروض أن يقول: ومن رب العالمين؟ أي: خالق العالمين ورازقهم ومالكهم. لكن للغطرسة والتعالي والكبر قال: ما رب العالمين؟

    وأنتم تعرفون أن العالمين المراد به: الإنس والجن، أو الكائنات كلها.

    فأجابه موسى عليه السلام النبي الرسول الكريم كليم الله: قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:24]. أي: تسألني عن رب العالمين، إذاً فاسمع هو رب السماوات والأرض وما بينهما من هذه المخلوقات والموجودات، كلها هو خالقها والمتصرف فيها، وهو مالكها وهو ربها وسيدها.

    إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24] لو كنتم موقنين فيما أقول لكم وتعرفون لما قلتم هذا الكلام، لكن قولك: ما رب العالمين؟ الجواب: رب السماوات والأرض وما بينهما، وإن كنت موقناً فقد بينا لك من رب السماوات والأرض ورب العالمين ألا وهو الله جل جلاله وعظم سلطانه، الذي أوحى إلى موسى وأرسله إلى فرعون. هكذا يتم هذا الحوار.. قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23] فأجابه موسى قائلاً: قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:24] أي: من المخلوقات والكائنات إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24] بأن الله عز وجل خالق كل شيء ومالك كل شيء.

    وهنا قال فرعون لمن حوله من رجاله من شرط وحرس ووزراء: قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ [الشعراء:25] يستهزئ ويسخر فيقول: ألا تسمعون ما يقول هذا؟!

    أي: هل هذا كلام سليم صحيح حتى يقول: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:24] ويتجاهل فرعون الذي هو رب العالمين -كما يزعم- ويقول هذا؟! فأجاب موسى عليه السلام: قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26].

    رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24] لما ما أيقنتم وشككتم أقول لكم: إنه رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26] ففرعون لن يكون رباً بل هو مربوب وعبد من عباد الله، فقطع حجة فرعون وأسكته: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26] وهو كذلك.. من خلق فرعون؟!

    من خلق ملكه؟! من خلق شعبه؟! من خلق السماوات؟ من خلق الأرض؟ من من من؟

    ليس هناك جواب إلا أن نقول: الله فقط، والله ليس إلا الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون)

    هنا قال فرعون لما رد عليه موسى وأفحمه وأسكته، قال: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27] هذه كلمة فرعون، وهي كلمة كل الطغاة والجبابرة والمتمردين والمفسدين.

    يقول في استهزاء وسخرية: إن رسولكم أيها الناس أيها الجمع الحاضر: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27] أي: لو لم يكن مجنوناً فكيف ينفي ربوبيته وينسب الربوبية إلى رب السماوات والأرض؟!

    إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27] لو ما كان مصاب بالجنون ما يدعي هذه الدعوى ويقول رب السماوات والأرض هو رب العالمين ورب كل شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون)

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين)

    هنا قال فرعون: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي [الشعراء:29] كأنما حلف: وعزتي ودولتي وسلطاني لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29]. ما وجد ما يفعل إلا التهديد: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي [الشعراء:29] لأن فرعون يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] ما عرفت أبداً في الكائنات إله غيري لكم.

    وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] في مواقف كثيرة، فلما بهره موسى وقهره عاد على السلطان والقوة فقال لموسى: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] أسجنك في قعر الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أولو جئتك بشيء مبين ...)

    فهنا أجاب موسى عليه السلام قائلاً: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [الشعراء:30].أي: ولو أتيتك حجة قاهرة غالبة مبينة ما تقول؟!

    أولو جئتك بشيء مبين يدل على أني رسول الله رب العالمين وأن الله رب السماوات والأرض وما بينهما وأنك أنت مربوب مخلوق عبد من العبيد ولست بإله.

    أخبرني إذا جئت بشيء يدل على أنه لا إله إلا الله وأني رسول الله وأنت عبد فاسد كافر مشرك والعياذ بالله؟!

    فأجاب فرعون: قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:31]. أي: هات هذا الذي تدعي أنه حجة بينة واضحة تدل على كذبي وتدل على صدقك أنت فيما تقول.

    هنا واعده موسى عليه السلام بأن يجتمعوا يوم عيد من أعيادهم وتم بعد ذلك، وهنا ما كان من موسى عليه السلام لما قال فرعون: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:31] إلا أن ألقى عصاه، قال تعالى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ [الشعراء:45] تلك العصا التي كان يرعى بها الغنم في بلاد مدين، رعى بها الغنم عشر سنوات، تلك العصا التي قيل: إنها عصا آدم عليه السلام وتوارثتها الأنبياء حتى وصلت إلى موسى عليه السلام وأعطاه إياها شعيب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين)

    قال تعالى: فَأَلْقَى عَصَاهُ [الشعراء:32] التي بيده فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الشعراء:32] والثعبان هي الحية العظيمة الكبيرة، ثم أدخل يده في جيبه ونزعها فكانت كفلقة قمر، وموسى عليه السلام كان أسمر اللون، ما هو بأبيض بل أسمر فلا هو أسود ولا أبيض، فأخرج يده من جيبه كأنها فلقة قمر.. هذه الآية التي تطالب بها.. هذا يدل على أني رسول الله إليكم.. ألقى عصاه بينهم وهم يشاهدون وإذا هي ثعبان تهتز، وأخرج يده من جيبه فإذا هي كفلقة قمر. هنا ماذا يفعل فرعون؟ قال للملأ حوله: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال للملأ من حوله إن هذا لساحر عليم ...)

    قال فرعون للملأ حوله: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34].

    إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34] عاد يركض إلى الباطل يستر عورته إِنَّ هَذَا [الشعراء:34] أي: موسى لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34] بالسحر يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء:35].

    استعمل السياسة وهيج الشعب.. يريد موسى أن يستعمركم ويستغل خيراتكم وبركات دياركم فماذا تفعلون؟

    تحركوا! هيجهم بقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء:35].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين ...)

    استشارهم فأجابوه وقالوا: قَالُوا أَرْجِه وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:36].

    أَرْجِهِ وَأَخَاهُ [الشعراء:36] أي: أعطه موعداً هو مع أخيه للقاء العام يوم العيد حيث الشعب كله حاضر ويشاهد من ينتصر ومن ينكسر.

    قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ [الشعراء:36] وهو هارون شقيقه إذ طلب من ربه أن يرسله معه فنبأه وأوحى إليه ونبأه وأصبح رسولاً معه.

    قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:36] ابعث في المدن من يجمعون الناس من شرق البلاد وغربها ليشاهدوا المباراة ومن ينتصر فيها نحن أم موسى، وكان لهم عيد من أعيادهم فاجتمعوا فيه.

    قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:36] يحشرون الناس يجمعونهم يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الشعراء:37] وابعث في المدائن من يسألون عن السحرة ويأتون بهم إليك.

    قالوا لفرعون: أرسل في المدن أناساً يجمعون السحرة الفنانين في هذا الفن. وهذا دليل على أن السحر كان عندهم فن من الفنون يتعلمونها، وما زال إلى الآن السحر والسحرة ويتعلمون ويعلمون، ولكن لا يحل أبداً لمؤمن أن يتعلم سحراً أو يعلمه غيره كما يأتي بيان ذلك.

    يقول تعالى: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ [الشعراء:36] فترة من الزمن حتى نعد ما نعد وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الشعراء:36-37] ممتاز في السحر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فجمع السحرة لميقات يوم معلوم ...)

    قال تعالى: فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:38] هذا الميقات اليوم الموعود المعلوم يوم عيد عندهم تجتمع فيه الأمة ويتركون فيه العمل حتى يشاهدوا المباراة وما يتم فيها.

    وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ [الشعراء:39] يعني: أصدر أمره بأن يجتمع الناس كلهم نساءً ورجالاً في كل البلاد ليشاهدوا من ينتصر: موسى أو فرعون، والذي ينتصر يؤمنون به ويتبعونه.

    إذاً: وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ [الشعراء:39]؟ وبالفعل اجتمعوا لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40] فرعون يقول لقومه وملئه: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40] أما إذا كانوا مغلوبين فلا نتبعهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً ...)

    ثم قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:41].

    فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ [الشعراء:41] وصلوا من المدن شرقاً وغرباً وأرادوا أن يأخذوا عهداً وميثاقاً على أن يعطيهم مقابل تعبهم وعملهم: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:41]. أي: تجعل لنا راتباً وجعالة معلومة كذا قنطاراً من الذهب أو الفضة إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:41].

    قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:42] أيضاً نجعلكم من مقربي الحكومة والدولة وليس المال فقط.

    وما زال السياق في هذا القصص العجيب، ولكن نقرأ الآيات من الكتاب لنزداد بصيرة وعلماً ومعرفة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحوار الدائر بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الرحمن.

    لما قال موسى: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:16] في أول لحوار، قال فرعون مستفسراً في عناد ومكابرة: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23] أي: أيّ شيء هو أو من أي جنس من أجناس المخلوقات ] يسأل عن الله من أي كائن؟ من أي جنس؟ [ فأجابه موسى بما أخبر تعالى به عنه: قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:24] أي: خالق السموات والأرض وخالق ما بينهما ] يعني من الكائنات [ ومالك ذلك كله إن كنتم موقنين بأن كل مخلوق لابد له من خالق خلقه، وهو أمر لا تنكره العقول.

    وهنا قال فرعون في استخفاف وكبرياء لمن حوله من رجال دولته وأشراف قومه، قال لهم: أَلا تَسْتَمِعُونَ [الشعراء:25] كأن ما قاله موسى أمر عجب أو مستنكر، فعرف موسى ذلك منه فقال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26]. أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين، الكل مربوب له خاضع لحكمه وتصرفه.

    وهنا اغتاظ فرعون فقال: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27] أراد أن ينال من موسى لأنه أغاظه بقوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26] فرد موسى أيضاً قائلاً: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:28] أي: رب الكون كله إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء:28] أي: ما تخاطبون به ويقال لكم.

    وفي هذا الجواب ما يتقطع له قلب فرعون فلذا رد بما أخبر به تعالى عنه في قوله: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي [الشعراء:29] أي: رباً سواي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] أي: لأسجننك وأجعلك في قعر تحت الأرض مع المسجونين.

    فرد موسى عليه السلام قائلاً: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [الشعراء:30] أي: أتسجنني ولو جئت بحجة بينة وبرهان ساطع على صدقي فيما قلت وأدعوكم إليه؟!

    وهنا قال فرعون ما أخبر تعالى به فقال: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:31]].

    وفي المقطع الثاني من الآيات يقول المؤلف غفر الله له: [ ما زال السياق الكريم في الحوار الدائر بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الرحمن ولقد تقدم في السياق أن فرعون طالب موسى بالإتيان بالآية. أي: بالحجة على صدق دعواه، وهذا هو موسى عليه السلام يلقي عصاه أمام فرعون وملئه فإذا هي ثعبان ظاهر لا شك فيه، وأخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين لا يشك في بياضها وأنه بياض خارق للعادة.

    هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء:32-33].

    واعترف فرعون بأن ما شاهده من العصا واليد أمر خارق للعادة ولكنه راوغ فقال إِنَّ هَذَا [الشعراء:34] أي: موسى لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34] أي: ذو خبرة بالسحر وتفوق فيه.

    قال هذا للملأ حوله كما قال تعالى عنه: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34].

    وقوله تعالى عنه: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ [الشعراء:35] قال فرعون هذا الذي قال تهيجاً للملأ ليثوروا ضد موسى عليه السلام، وهذا من المكر السياسي إذ جعل القضية سياسية بحتة وليست دينية ولا شرعية، وأن موسى يريد الاستيلاء على الحكم والبلاد ويطرد أهلها منها بواسطة السحر.

    وقال لهم كالمستشير لهم: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء:35] فأشاروا عليه بما أخبر تعالى به عنهم قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ [الشعراء:36] أي: أخر أمرهما ] أخر موسى وأخاه [ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ [الشعراء:36] أي: مدن المملكة رجالاً حَاشِرِينَ [الشعراء:36] أي: جامعين يَأْتُوكَ [الشعراء:37] أيها الملك بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الشعراء:37] أي ذو خبرة في السحر متفوقة.

    وفعلاً أخذ بمشورة رجاله فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:38] أي: لموعد معلوم وهو ضحى يوم العيد عندهم، واستحثوا الناس على الحضور من كافة أنحاء البلاد وهو ما أخبر تعالى به في قوله: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ [الشعراء:36-40]. فنبقى على ديننا ولا نتبع موسى وأخاه على دينهما الجديد ] هكذا يقول لهم [ فنبقى على ديننا ولا نتبع موسى ] وأخاه هارون على دينهما الجديد [ إِنْ كَانُوا [الشعراء:40] أي: السحرة هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40] وهذا من باب الاستحثاث والتحريض على الالتفاف حول فرعون وملئه.

    وقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ [الشعراء:41] أي: من كافة أنحاء البلاد قالوا لفرعون: ما أخبر تعالى به عنهم أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا [الشعراء:41] أي: جعلاً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:41] فأجابهم فرعون قائلاً نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:42] أي: زيادة على الأجر مكافأة أخرى وهي أن تكونوا من المقربين لدينا، وفي هذا إغراء كبير لهم على أن يبذلوا أقصى جهدهم في الانتصار على موسى عليه السلام ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير الربوبية المقتضية للألوهية من طريق هذا الحوار ليسمع ذلك المشركون، وليعلموا أنهم مسبوقون بالشرك والكفر وأنهم ضالون ].

    هذا الحوار يقرر أن الله رب كل شيء، وأنه إله الأولين والآخرين، فأثبت ربوبية الله عز وجل ونفاها عن فرعون فلم يبق إلا أن يكون الله هو الرب وهو الإله المعبود بحق؛ لأن السورة مكية، وهذا يفهمه أهل مكة ويعرفون أنه لا إله إلا الله.

    [ ثانياً: سنة أهل الباطل أنهم يفجرون في الخصومة وفي الحديث: ( وإذا خاصم فجر ) ].

    سنة أهل الباطل أنهم لابد لما يواجهوا الحق لابد يحتالوا ويمكروا ويأتون بأشياء ليبطلوا الحق ولا يبطل الحق.

    [ ونص الحديث الشريف كما هو في الصحيح: ( أربع مَنْ كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) ].

    وإذا خاصم فجر، فالمنافقون والكافرون إذا خاصموا لابد وأن يفجروا ويخرجوا عن الحق والعدل كما فجر فرعون.

    والرسول صلى الله عليه وسلم: ( أربع صفات من كن فيه كان منافقاً كاملاً ) الأولى: ( إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) والشاهد في الخصومة، فرعون خاصم ففجر وكذب وقال ما قال.

    [ ثالثاً: أهل الكبر والعلو في الأرض إذا أعيتهم الحجج لجئوا إلى التهديد والوعيد واستخدام القوة ]. هذه سنة قائمة إلى يوم الدين، أهل الباطل والظلم والشر عندما يحاورون ويجادلون إذا انهزموا يعودون إلى العصا والحديد والنار.

    في أول الأمر كانوا يريدون أن ينتصروا بالكلام.. بالحجج.. بالمنطق.. فلما ينهزمون يفزعون إلى العصا والحديد والنار

    [ رابعاً: إثبات المعجزات للأنبياء كمعجزة العصا واليد لموسى عليه السلام ].

    إثبات المعجزات للأنبياء إذ ما أرسل الله رسولاً إلا وأعطاه معجزات والمعجزة هي الأمر الخارق للعادة التي تعجز البشرية عنه بالمرة كاملة.

    هل تستطيع البشرية أن تحول العصا إلى ثعبان؟

    هل تستطيع أن تخرج اليد السمراء بيضاء كالقمر؟

    الجواب: لا تستطيع.

    ومن معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أن صاع ماء توضأ منه تسعون مؤمناً. وهذا في المدينة أما في الحديبية فبركة صغيرة من ماء توضأ منها ألف ومائتين مؤمن.

    [ خامساً: مشروعية استشارة الأمير رجاله في الأمور ذات البال ]. مشروعية استشارة الحاكم الأمير رجاله في أي مشكلة تحدث.

    من أين أخذنا هذا؟ فرعون لما استشارهم: ماذا ترون أنا فاعل. إذاً: هذه سنة.. سياسية شرعية أيضاً، وعلى المسئول أن يستشير رجاله في القضية الشائكة كهذه.

    [ سادساً: ثبوت السحر وأنه فن من فنون المعرفة وإن كان تعلمه وتعليمه محرمين ]. تقرير أن السحر فن من الفنون وعلم من العلوم ولكن الإسلام حرمه تحريماً أبدياً، فلا يحل لمؤمن أن يأتي ساحراً ولا يحل له أن يسحر لا أن يأتي الساحر ولا أن يسحر فضلاً على أن يتعلم السحر ليكون ساحراً، والساحر كافر وحده القتل ولا تطلب منه توبة.

    [ سابعاً:] وأخيراً [ إعطاء المكافأة للفائزين في المباراة وغيرها ومن ذلك السباق في الإسلام ].

    السباق في الإسلام فيه جوائز فالذي سابق بفرسه يأخذ جائزة وكذلك فرعون عمل بهذا وأعطى جعله لرجاله.

    هذا والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.