إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن عصا إبليس ربه بالامتناع عن السجود الذي أمره الله به ثم وسوسته لآدم وزوجه، وبعد أن عصا آدم وزوجه ربهما بالأكل من الشجرة، كتب عليهم جميعاً الهبوط إلى الأرض، وضرب بينهم العداوة إلى قيام الساعة، وجعل مستقرهم في الأرض بلاء واختباراً ليقضي أمره سبحانه وتعالى، وجعل ظهرها مسكناً لحيهم، وبطنها محضناً لميتهم، ثم يوم العرض عليه سبحانه من جوفها ينتشرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن مع سورة الأعراف المكية المباركة الميمونة، وهي كسابقتها تقرر المبادئ العظمى الأربع: التوحيد والنبوة والبعث الآخر وبيان الحلال والحرام.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فليتلوها أحد الأبناء، ونصغي ونستمع إليها، ثم نأخذ في شرحها، وبيان ما تحويه من الهدى والنور لأهل الإيمان.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:23-25].

    إلهام الله تعالى لآدم وحواء وتعليمهما كيفية التوبة

    معاشر الأبناء والإخوان! ومعشر المؤمنات المستمعات! قول ربنا جل ذكره: قَالا رَبَّنَا [الأعراف:23] القائلين هما آدم وحواء، وقد علمهم الله هذه الكلمة؛ ليتوب عليهما بعد تلك السقطة والزلة الصغيرة، وجاء في سورة البقرة قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37].

    فقولهما عليهما السلام: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] هذه كلمة تلقاها آدم وحواء من الله، فهما لا يعرفان كيف يتوبان، ولا كيف يستغفران، فألهمهما الله، بل أوحى إليهما هذه الكلمة.

    لطيفة في قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات)

    وقال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37] ولم يقل: فتلقى آدم وحواء، فلا حاجة إلى ذلك، فزوجها وبعلها وقائدها ورائدها هو المسئول عنها، وإن كانت هي التي غررت به، وتقدمت إلى الشجرة فأكلت منها، لكن القيادة للرجل.

    وهذه لطيفة من اللطائف التي تسمعونها، وهي أن الرجل مقدم على زوجه، ومن العيب أو العار أن تذكر للرجل امرأته معه، وهذا تعليم الله عز وجل.

    فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37] وحواء معه، وقالاها مع بعضهما البعض.

    دلالة حذف حرف النداء في قوله تعالى: (قالا ربنا)

    قَالا رَبَّنَا أي: يا ربنا، وحذف حرف النداء -الياء- للقرب من الله، فالنداء يكون للبعيد، مثل: يا إبراهيم .. يا إسماعيل .. يا عثمان، أما الذي بين يديك فلا تقول: يا فلان؛ لأنه يسمع، فالله عز وجل أقرب إلينا من حبل الوريد، فلهذا تقول: رب اغفر لي وارحمني، رب خذ بيدي وانصرني، فلست بحاجة إلى أن تقول: يا رب، إلا إذا كنت تريد أن تفرج همك وكربك، يا رب! أما هو فمعك؛ إذ البشرية والخليقة كلها لن تكون أعظم من نملة بين يديك أنت أيها الإنسان.

    رَبَّنَا أي: يا ربنا، ما قال: يا إلهنا. بل قال: يا ربنا. أي: يا خالقنا ورازقنا ومدبر أمرنا، يا مالكنا ومالك أمرنا، يا معبود بالحق.

    من شروط التوبة الاعتراف بالذنب وطلب المغفرة

    فماذا يسألان من الله عز وجل؟

    (( ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا )) هذا إعلان عن توبتهما، واعتراف بذنبهما.

    (ظلمنا أنفسنا) فما هذا الظلم وما سببه يرحمكم الله؟ الظلم أنهما نهيا عن الأكل من شجرة معينة من أشجار الجنة فلما أكلا منها ظلما أنفسهما.

    الخطيئة كانت سبب طرد إبليس من الرحمة وإخراج آدم من الجنة

    والذي ساقهما إلى هذه المحنة هو عدوهما إبليس عليه لعائن الله، وعداوته تجلت يوم أبلسه الله عز وجل، وقد سبق في الآيات الكريمات أن الله عز وجل لما خلق آدم، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، قال الله للملائكة: اسجدوا لآدم، وإبليس من عالم الجن، وكان مع الملائكة، وقد عرفنا التجانس بين الملائكة والجن أنه قريب جداً، فعالم الملائكة مخلوق من مادة النور، وعالم الجن من مادة النار، فبين النار والنور تجانس، ليس كالطين بالنسبة إلينا، فكان مع الملائكة فرفض أن يسجد لآدم، وحمله على ذلك الكبر، نزعة كبرية، فكيف أسجد لمن خلقت طيناً، وادعى أن خلقه من النار أفضل من خلق آدم من الطين، وكان القياس باطلاً وفاسداً؛ لأن الطين مادة فيها السكون والطمأنينة والفوائد الكثيرة والثمار، وأما النار ففيها الطيش والخفة والإحراق، قاس فأخطأ في قياسه، ولكن تدابير العلي الحكيم، فلما أبلس توعد، فقال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83] ما دام هذا النوع هو الذي كان سبب في هلاكي، وفي إبلاسي وانقطاعي عن الخير، وشقائي الأبدي، فسأعمل على أن أغويه وذريته؛ انتقاماً منهم حتى يشقوا كما أشقى أنا.

    وحقيقة: أن آدم كان السبب في إبلاسه؛ لأنه رفض السجود له، فأبلسه الله عز وجل.

    كلمات التوبة

    إذاً: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا بأكلنا من الشجرة حيث نهيتنا عن أكلها فأكلناها، بتغرير العدو وتزيينه، فبذلك كنا ظالمين لأنفسنا.

    وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] الخسران الأبدي الذي لا ينتهي.

    (إن لم تغفر لنا) فتمحو هذا الأثر السيئ من نفوسنا، ثم ترحمنا برضاك والقرب منك؛ لنكونن وعزتك وجلالك من الخاسرين.

    تقدم لنا أن الخاسرين هم الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وجاء هذا مبيناً في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ أي بحق الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، أما أن تخسر صفقة تجارية، أو تخسر قطيع من الغنم تؤخذ منك، أو تخسر امرأة أو ولد، فهذا ليس بالخسران الحقيقي، فالخسران: هو أن يفقد الإنسان نفسه وأهله؛ إذ علمنا أنه يلقى في عالم الشقاء في النار فيعيش بلايين السنين لا يرى أباً ولا أماً ولا أخاً ولا صديقاً أبداً، وهو في ذلك العذاب الأبدي، أعوذ بالله من عذاب النار، هذا هو الخسران.

    رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] فبهذه الكلمات تاب الله عليهما، فقد تلقاها آدم من الله وعلمها حواء، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37].

    وهذا أبو بكر الصديق يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة التوبة، فقال له: ( إذا كنت في صلاتك في التشهد الأخير فقل: رب ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين ).

    قال النووي رحمه الله: لو نجمع بين ظلماً كثيراً وكبيراً. فأصبحنا نجمع بينهما: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً كبيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.

    ويحسن بنا أن نحفظها ونقولها، وكيف نحفظها وما هي الطريق إلى حفظها؟

    جاءني بدر إلى المنزل مساء اليوم، وكتب أدعية، فهذا الذي جاء يطلب الأدعية ويكتبها هو الذي يحفظها، وهو الذي يدعو بها ولا يفارقها أبداً، وأما كلمة عابرة فما أكثر ما عبر، فلو دخلت هذه في أعماق القلب وعرفنا مكاننا من ربنا ومصيرنا إليه وبين يديه، لما استطاع أحدنا الليلة أن ينام بدون حفظها.

    فـأبو بكر الصديق يتعلم من رسول الله هذه الكلمة، كلمة التوبة: ربي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين، رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم.

    هذه كلمات التوبة.

    إذاً: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا حفظا هذه الكلمات أم لا؟ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] سبع كلمات أو ثمان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ...)

    معنى قوله تعالى: (اهبطوا)

    فأجابهم الله عز وجل قائلاً: اهْبِطُوا [الأعراف:24]، اهبطوا من الأعلى إلى الأسفل، أي: من دار السلام فوق السماء السابعة إلى هذه الأرض، ومن العجيب في حيرة الناس وتخبطهم أن من أهل العلم من الظاهرين من يقول: إن هذه الجنة ما كانت في السماء التي هبط منها آدم، فكيف يقول الله: اهْبِطُوا [الأعراف:24] إذا لم يكونوا في أعلى الأماكن، فكيف يستسيغون هذا الكلام؟ لأنهم معرضون عن كلام الله، فالهبوط يكون من الأعلى، ولا يكون من مكان مساوٍ للأرض.

    معنى قوله تعالى: (بعضكم لبعض عدو)

    اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الأعراف:24] بعضكم: أي آدم وذريته، لبعض: أي إبليس وذريته، أعداء لبعضهم البعض.

    بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الأعراف:24] آدم وزوجه وذريته، وإبليس وذريته والذي لا يحصي عددهم إلا الله، الكل عدو لبعضهم البعض.

    إذاً: عرفنا أن الشيطان عدو لنا فهيا نعاديه، فلا نصفق له، ولا نؤهل، ولا نرحب، ولا نصغي إليه، ولا نسمع منه، ودائماً المشعال أو الشهاب في أيدينا، فما إن يحوم حول قلوبنا حتى نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    فأصحاب الحفلات الضائعة، حفلات الرقص والأغاني والكلام السيئ والمثيرات للغرائز، كل هذا من باب أنهم صافوا العدو ووالوه، وأصبحوا في زمرته وجماعته، وأصحاب المحطات السليمة التي ما بها دخن ما إن يحوم الشيطان حولها حتى يتفطنوا ويلعنوه فيرحل إلى مسافات بعيدة.

    ولنقرأ لذلك كما سيأتينا في آخر هذه السورة المباركة: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ [الأعراف:201-202] الغي: هو الكلام الوسخ، والأفعال الوسخة، والعقائد الهابطة، فهذه يغمسهم العدو فيها؛ لأنهم والوه، وليس عندهم من يحميهم.

    إذاً: هيا نعمل على أن نتقي ربنا، أي: نجعل بيننا وبين غضبه وقاية، من أي جنس هذه الوقاية؟ كهوف تحت الجبال؟ أو قبيلة من الرجال يحمونا؟ أو جيوش جرارة؟ لا يمكن هذا، والله الذي لا إله غيره ما يتقى الله إلا بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أردت أن تعلن الحرب على الله فاعصه وتمرد عليه واخرج عن طاعته، وتهيأ وانظر من الغالب.

    إذاً: لا سبيل إلا أن نسلم قلوبنا ووجوهنا له تعالى، فلا نفكر إلا في طلب رضاه، ولا نلتفت إلى غيره أبداً، لا راغبين ولا طامعين ولا خائفين وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء:125].

    فإذا عزمت الليلة وقلت: لأتقين الله عز وجل، نقول: هنيئاً لك على هذه العزيمة الصادقة، ولكن تعلم ما يحبه وما يكرهه؛ حتى تفعل المحبوب له، وتترك المكروه له، وإذا صعب عليك هذا، وما أدركت كيف الحب والكره، اعرف بما أمر الله عباده أن يفعلوا، وبما نهاهم أن يتركوا.

    وبعبارة أسهل: طاعة الله تكون بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقول الحق، وتجنب ما يغضب الله عليك من الكذب والخيانة والتلصص والشرك والباطل.

    فالقضية ما هي قضية لا شيء، فأنت تريد أن تخترق السبع السماوات الطباق، مع ضعفك وعجزك وبشريتك، فلو قيل لك: لن تستطيع أن تصل إلى هذا المستوى إلا إذا مت يابساً جافاً ألف سنة وأنت تموت، وهذا هين أيضاً بالنسبة إلى أن ترتقي الملكوت الأعلى مقابل أداء فرائض بخشوع وإنابة واجتناب محرمات، وتستصعب هذا وتقول: كيف؟!

    إذاً: قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ والعدو لا يحب لعدوه الخير أبداً، فلنتأكد من هذه العداوة، ولنلعن الشيطان، ولا نسمح له أبداً بتزيين الباطل لنا، أو إغرائنا به وفعله، سواء كان عقيدة أو قولاً أو عملاً.

    لا استقرار ولا حياة ولا موت للإنسان إلا في الأرض

    ثم قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [الأعراف:24] فليس بدائم، بل إلى وقت معين.

    وَلَكُمْ أي: آدم وحواء وأولادهما وإبليس وذريته.. الكل لكم فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي: مكان فيه استقرار.

    مما فتح الله به علينا هنا أنه لما أثيرت قضية الصعود إلى القمر، وصحف القاهرة تكتب: احجز تذكرة من الآن قبل أن يفوتك الوقت، احجز تذكرة الصعود إلى القمر، فيقوم أحدهم ويقول: والله ما صعدوا إلى القمر، فيعجب الآخرون، فنقول: دعوه يحلف، فلماذا لما قلنا: صعد رسول الله إلى السماوات، قالوا: كذب وخرافة؟ فلماذا نصدقهم ويكذبوننا؟ فكذبوهم. فهم لم يصعدوا إلى القمر.

    ومع هذا نقول للأبناء والإخوان: نلتزم الأدب واللياقة، ونقول: جائز، أما أن نقول: صعدوا، والله ما نقول هذا، فنقول: من الجائز أن يكون قد صعدوا.

    وتمضي الأيام والأعوام وتنكشف سوءة المبطلين، ويعلن الطيار الأمريكي، ويقول: كل ذلك أفلام وكذب، ما صعدنا إلى القمر، ولا وصلنا إليه.

    والذي استنبطناه من الآية: أنهم لو طلعوا إلى القمر، ونزلوا به، واتخذوا منازل، فيموتون في القمر، ويدفنون فيه، والله يقول: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [الأعراف:24] مستحيل أن يكون هناك استقرار في الكوكب الفلاني أو الفلاني.

    وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [الأعراف:24] إلى نهاية هذه الحياة.

    تصدق من يقول: ممكن نسكن في الكوكب الفلاني ونموت هناك؟ مستحيل هذا، حتى إذا مات في الطائرة يلقونه في البحر أو يهبط إلى الأرض، فالآية واضحة: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي: مكان استقرار، تبقون فيه إلى حين.

    فأولاً: كلنا يموت، فنحن الآن مستقرين على ظهرها وغداً نكون في بطنها، وبعد غد ينفذ من بطنها وظهرها وتلفظه.

    أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26] الأحياء فوق ظهرها، والأموات في بطنها، فيعيشون كالقمل على ظهرها، والذي يموت تدخله في جوفها، وهي تمشي إلى النهاية.

    وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ هذه المعهودة المعروفة مُسْتَقَرٌّ مكان استقرار وَمَتَاعٌ والأكل والشرب والحياة إِلَى حِينٍ [الأعراف:24] الآجال والبعث الآخر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون)

    ثم قال تعالى: قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:25] فصل الأمر ووضحه، قال تعالى: قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ يا آدم وذريته، ويا إبليس وذريته.

    إذاً: فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:25] لو قلنا: أن صعود القمر ممكن فأين يموتون؟ يموتون هناك، إذاً: كذّبوا الله، إذاً: لن يموتوا إلا هنا في الأرض، حتى لو مات في القارب، في الطائرة، في كذا، فلا بد وأن يموت في الأرض.

    وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:25] الله عز وجل يخرجنا، وقد بين كيفية ذلك في كتابه.

    أولاً: ينزل ماء من السماء، أي: من فوق، فالجنة فيها أرض وسماء، فإذاً هم جالسون فوق الأرض، والأرض فوقها سماء.

    إذاً: ينزل ماء من السماء كمني الرجال، وهذا بعد أن تنتهي الخليقة كلها، وبعد نفخة الموت والفناء وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الزمر:68] فإذا هدأت الأرض وسكنت وما بقي على ظهرها أحد، واستقرت وأصبحت كالصحفة الواحدة، ينزل ماء من السماء، فننبت بواسطته كما ينبت البقل، والبقل -بالقاف- هو الخردل .. اللفت .. الجزر .. البطاطس .. البصل .. الثوم، فينزل ذلك المطر ويصيب البذرة الأولى التي احتفظ الله بها في الأرض، وهو ما يسمى بعجب الذنب، فعجب الذنب: هو عبارة عن حبة صغيرة أصغر ما تكون، وهي النواة التي منها نتكون، وتوجد هذه في آخر خرزات الظهر، فالظهر فيه خرزات واحدة بعد واحدة، آخر خرزة فيها هذا العُظيم الصغير الذي لا يرى إلا بالمناظير المكبرة، ويسمى بعجب الذنب، فمنه ننبت كما ينبت البقل.

    هذه أحاديث الرسول في الصحاح، فلما ننبت تحت الأرض وتستوي أبداننا؛ يؤمر إسرافيل عليه السلام بالنفخة الثانية، وتسمى نفخة البعث، ينفخ إسرافيل تلك النفخة فتنتشر الأرواح كلها من ذلك البوق، وكل روح تدخل في جسدها ولا تخطئه.

    ولا تفهم أن روح إبراهيم تدخل في بدن عيسى أو عيسى أو فلان أو فلان، كل روح تدخل في بدنها، وهذا عجيب.

    وبما أننا نعلم إخواننا العوام -ونحن مثلهم- نقول: لا تعجبوا كنا أهل قرى نجمع ماعزنا للراعي في الصباح، نأخذه إلى ذلك المكان المراح يرعى طول النهار ومع الغروب يأتي، ويرسل الماعز في أول باب في القرية، فكل عنزة تدخل إلى بيت صاحبها لا تخطئ أبداً، والراعي مع باب العنبرية يترك الماعز، فكل عنز تدخل إلى بيتها، فلا تعجب إذا كانت كل روح لا تجهل نفسها وتعرف بدنها.

    إذاً: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68] هذه النفخة الثالثة، وهناك نفخة رابعة قالها بعضهم وأنكرها البعض وهي إن شاء الله حق، عندما تقف البشرية كلها في صعيد واحد، ينفخ إسرافيل نفخة أخرى للصعق، فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ الرابعة، فإذا هم قيام ينظرون.

    ولماذا أكدنا هذه وسبقنا إلى ذلك ابن حزم وغيره من العلماء، فالذي رجح عندنا هو قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( فأكون أول من يفيق، فإذا بأخي موسى آخذ بقائمة العرش، لا أدري أفاق قبل؟ أم جوزي بصعقة الطور فلم يصعق؟ ) فاتضح الأمر.

    قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:67-69] جاء الرب، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22] فالأرض كلها تصبح أنواراً من نور الله عز وجل ليحكم بين الناس، ويتم فصل القضاء، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فأكون أول من يفيق ) من الصعقة ( وإذا بأخي موسى ) واقف ( آخذ بقائمة العرش )، قال: ( لا أدري أفاق قبل أم جوزي بصعقة الطور فلم يصعق ) فموسى صعق في الدنيا؛ لأنه لما كلمه ربه عز وجل كفاحاً بلا واسطة في جبل الطور من سينا، تاقت نفس موسى إلى رؤية ربه، وما علم أنه لا يقوى؛ لأن بصره هذا لا يقوى على الأجسام التي ليست كهذه المعهودة، والدليل: أن الملائكة معنا ولا نراهم؛ لأن بصرنا محدود الطاقة.

    فتاقت نفسه إلى رؤية ربه فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] ولا عجب، حبيب يا رب أرني أنظر إليك، فأجابه الله تعالى بقوله: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، فإذا كنت ترغب وتلح في الرؤية وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، فأنت أضعف من الجبل الذي أمامك، فما قيمتك بالنسبة إلى الجبل، وتجلى الرب وظهر للجبل فاندك الجبل، فموسى كان يرى الجبل كأحد أمامه، وإذا به كله يصبح رمل، فصعق موسى من هول الموقف والمنظر، فَلَمَّا أَفَاقَ من صعقته قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143].

    قال نبينا صلى الله عليه وسلم: لعل موسى جوزي بهذه الصعقة، فما صعق لما نفخ إسرافيل في الصور، فمن هنا كانت النفخات أربع، ومن قال ثلاث فلا تجادلوه، فالقضية قضية علم فقط، فإن استقر في نفسك هذا لا بأس، وإلا كبار العلماء من الصحابة يقولون إنها ثلاث نفخات:

    النفخة الأولى: نفخة فناء الحياة ونهايتها.

    النفخة الثانية: نفخة الصعق.

    النفخة الأخيرة: للقيام للحساب والجزاء.

    مداخلة: يا شيخ بعض الناس يقولون: لما اقترف آدم الخطيئة قال: اللهم إني أسألك بحق محمد، ما مدى صحة ذلك؟

    الشيخ: يقول هذا البحر الذي وراءنا زاده الله علماً، فالحمد لله لقد استوعب كل كلام الشيخ من سنوات، اللهم زده نوراً وهداية، يقول: إن بعض الناس يقولون: إن آدم توسل إلى الله عز وجل ليتوب عليه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم إني أسألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم أن تغفر لي، كذبوا.. كذبوا.. كذبوا إلى يوم القيامة، لو أنزل الله هذا في كتابه لهللنا وكبرنا، ولو أخبر به رسول الله وأعلنه لقلنا: الله أكبر، هذه كلها خرافات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال تعالى: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:23-25].

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: قول آدم وحواء: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا الآية هي الكلمة التي ألقاها تعالى إلى آدم فتلقاها عنه فتاب عليه بها ].

    هذه الآية هي قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37].

    [ ثانياً: شرط التوبة: الاعتراف بالذنب ] قَالا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا فشرط قبول التوبة: الاعتراف بالذنب.

    [ وذلك بالاستغفار ] فقولك: أستغفر الله.. أستغفر الله هذا اعتراف مائة بالمائة بأنك أذنبت وأنك أعلنت عن ذنبك، وليس شرط أن تقول: زنيت أو ظلمت أو كذبت، فيكفيك أن تقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فهذه علامة توبتك.

    [ شرط التوبة: الاعتراف بالذنب وذلك بالاستغفار أي: طلب المغفرة ].

    [ ثالثاً: شؤم الخطيئة ] الخطيئة لها شؤم ومصائب ونكبات.

    [ شؤم الخطيئة كان سبب طرد إبليس من الرحمة ] فإبليس أخطأ ورفض أن يسجد لآدم، فكان شؤم هذه الخطيئة هو إبلاسه، وطرده من رحمة الله نهائياً، وآدم أخطأ فأكل من الشجرة، فكانت توبته بأن قال: ربنا ظلمنا أنفسنا.

    [ وإخراج آدم من الجنة ] بسبب خطيئته، أي: شؤم الخطيئة، فإلى الآن -والله العظيم- لا نخطئ خطيئة إلا ولها أثر سيئ إما نفوسنا أو في حياتنا.

    رابعاً: [ لا تتم حياة للإنسان على غير الأرض ] ولهذا لا قمر ولا كوكب آخر، فلا تتم حياة للإنسان على غير الأرض أبداً.

    [ ولا يدفن بعد موته في غيرها ] أبداً [ لدلالة آية فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:25] ].

    فهذا القرآن الذي حولوه إلى الموتى؛ لتبقى الأمة كلها في ظلام الجهل، وفازوا في مكرهم، وهبطوا بنا أكثر من ألف سنة، فهيا نعود إلى القرآن الكريم، وها نحن عدنا، فقولوا: الحمد لله، فنحن ندرسه ونتدبره، ونحن -والحمد لله- في خير وعافية.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.