إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حينما كان يوسف عليه السلام في السجن أرى الله عز وجل ملك مصر رؤيا منامية أهالته، وطلب من رجال دولته تعبيرها وتفسيرها، فأخبروه أن ما رآه لا يعدو أن يكون أضغاث أحلام ليس لها أي تأويل، وكان ساقي الملك الذي خرج من السجن حاضراً فتذكر حال يوسف من القدرة على تأويل الأحلام، فطلب من الملك إرساله إليه ليعبر لهم الرؤيا، فلما كان الساقي عند يوسف أخبره عليه السلام بأن تعبير الرؤيا هو أن عليهم أن يزرعوا سبع سنين متتالية، وأن يحتفظوا بناتج هذا الزرع للسنين السبع التي تليها؛ لأنها ستكون سنين قحط وجدب، ثم بعد هذه السنوات يأتي عام يكثر فيه الثمر حتى يعصر الناس فيه العنب ليصبح خمراً.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة يوسف

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف:43-46].

    معاشر المستمعين والمستمعات! رجوعاً إلى ما سبق أن درسناه بالأمس واضطربنا في تقرير الحقيقة، وإليكم بياناً.

    قول ربنا جل ذكره: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42]، أهل العلم اختلفوا في تفسيرها، والقول الذي رجحه ابن جرير الطبري إمام المفسرين والذي قررناه في هذا التفسير: هو أن قوله: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ [يوسف:42] يوسف قال لأحد الفتيين الذي ظن أنه ناج حيث رأى أنه يحمل العصير لا الذي يحمل الخبز على رأسه، ماذا قال له؟ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42]، والمراد من ربه: الملك الريان بن الوليد .

    هنا يوسف نسي.. نسي أن الذي أنقذه من القتل وأخرجه من غيابة البئر وعصمه وحفظه من الفاحشة وسلمه ونجاه من فتنة النساء هو أولى أن يرجع إليه ويذكره، فغفل ومشى على سنة الناس وقال له: اذكرني حين تعود إلى خدمتك وشغلك مع السلطان وتسقيه كما كنت تسقيه، اذكرني عنده لعله يراجع الحكم ويخرجني.

    فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ [يوسف:42] أي: أنسى الشيطان يوسف عليه السلام فقال هذه القولة، إذاً: فلبث في السجن بضع سنين عقوبة له.

    وقد قلت لكم: لا بأس أن يعاتب الله أولياءه، وقد عاقب الله تعالى رسولنا وهو سيد الأنبياء وإمام المرسلين لما قال للسائل: غداً أجيبك عن أسئلتك. وما قال: إلا أن يشاء الله؛ عوقب بانقطاع الوحي خمسة عشر يوماً حتى خرجت أم جميل العوراء تغني: قلاه ربه وتركه.

    إذاً: هذا من الجائز، لكن الكمال كما قالت العلماء: حسنات الأبرار سيئات المقربين، حسنات الأبرار الأتقياء سيئات المقربين بالنسبة إليهم.. الذين قربهم الله.

    فيوسف عليه السلام في قوله لذلك الفتى: (اذكرني)؛ غلط، ما من حقه أن يقف هذا الموقف، بل يذكر ربه، يدعو ربه، وقد أنقذه من كذا وكذا وكذا، والآن يقول للفتى: اذكرني؟ فعوقب لذلك.

    وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] أي: سيدك الحاكم.

    فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ [يوسف:42] أنسى الشيطان يوسف عليه السلام، أنساه ماذا؟ ذكر ربه، لو ذكر الله وأن الله بيده كل شيء ما كان يقول لهذا: اذكرني عند ربك.

    إذاً: بسبب ذلك لبث في السجن بضع سنين.. سبع سنوات، وهذا هو الصواب إن شاء الله؛ لأن عليه ابن جرير إمام المفسرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان ...)

    والآن مع هذه الآيات التي تلوناها وسمعناها: قوله تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ [يوسف:43] اسمه الريان بن الوليد، وأما زوج زليخا فهو وزير المالية، العزيز، الملك اسمه الريان بن الوليد ، والعزيز هو وزير.

    وَقَالَ الْمَلِكُ [يوسف:43] لرجاله إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:43] هذه رؤيا منامية.

    ولنعلم أن الرؤيا المنامية يراها الفاسق والفاجر والكافر والمؤمن، فهذا الملك كافر ورأى رؤيا كما تسمعون.

    إذاً: قال: إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ [يوسف:43] جمع بقرة يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:43] عجاف مهازيل ضعاف لا لحم ولا شحم فيهن.

    سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات مهازيل وضعاف! أمر عجب، الهزيلة تأكل القوية!

    وكذلك: وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ [يوسف:43] السنبلة معروفة، من الزرع من شعير أو قمح، سبع سنبلات خضر وَأُخَرَ [يوسف:43] أي: وسبع أخر يَابِسَاتٍ [يوسف:43]، فاستقبل رجاله من أهل العلم هذا كاهن وهذا ساحر وهذا كذا وهذا كذا وسألهم وقال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43] أي: تعبرونها حسب ما هو عند الناس.

    والمراد من الملأ: أشراف بلاده.. العلماء على اختلافهم، ورجال الحكم؛ لأنه تهول من هذه الرؤيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين )

    إذاً: فبم أجابوه؟ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44] لأن الرؤى كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم: رؤيا حلم من الشيطان، ورؤيا من الرحمن.

    والأضغاث هي التي يكون مهتماً بها في النهار فتظهر في الليل، إذا كان مهتماً بشيء في النهار فإذا نام تخطر له تلك الخواطر وتدور حوله وتهوله.

    فالملأ بعلمائهم وأشرافهم اعتذروا، هو طلب منهم الفتيا، وطلب الفتيا من أهل العلم مشروع، وأيما مؤمن له أن يستفتي ويفتى ويجاب.

    قال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43]، والعبور: العبارة معروفة من شاطئ البحر إلى شاطئ البحر الثاني، أي: تتجاوزه.

    فاعتذروا وقالوا: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [يوسف:44] أي: رؤياك هذه أضغاث أحلام.

    أضغاث: جمع ضغث، حزمة من خشب أو من عشب أو نباتات لا قيمة لها.

    وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44] الأحلام ليس عندنا قدرة على تأويلها ومعرفة ما تدل عليه.

    ولو كانت الرؤيا صادقة لكنا عبرناها، لكنها بهذه الصورة! وهذا لجهلهم، ليسوا بأنبياء ولا بعلماء، فاعتذروا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة ...)

    وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا [يوسف:45] الذي نجا ممن؟ من الفتيين وهو الساقي، وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا [يوسف:45] أي: من الفتيين وهو الساقي الملك بالخمر.

    وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] (ادَّكَرَ) أصلها: اذتكر، من الذكر، فأبدلت التاء دالاً ثم أدغمت فيها الذال، وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] من الوقت.. من الزمن، مدة ما مكث يوسف في السجن.. قرابة سبع سنين.

    تذكر الآن وقد وصاه عندما كان خارجاً منه، ولكن نسي لأن الله يريد أن يتم وعده، فلا بد أن يبقى يوسف في السجن ما كتب الله له.

    وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] أي: كذا سنة، فقال للملك الريان بن الوليد : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:45] أنا أخبركم بتأويل هذه الرؤيا فَأَرْسِلُونِ [يوسف:45].

    أرسلوني إلى أين؟ إلى يوسف. قال: هذا كان من أهل العلم وعايشناه في السجن وجربناه ورأينا صلاحه وكذا وكذا، وهذا هو الذي سيعبر هذه الرؤيا، فَأَرْسِلُونِ [يوسف:45]، فأرسلوه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان ...)

    ووصل إلى يوسف فقال: يُوسُفُ [يوسف:46] ما قال: يا يوسف؛ لأنه قريب منه.

    يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [يوسف:46] ويجوز المدح بدون مبالغة، وهو الصديق، فلهذا يوسف هو الصديق ابن الصديق ابن الصديق، والكريم ابن الكريم ابن الكريم عليهم السلام.

    يُوسُفُ [يوسف:46] أي: يا يوسف، أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا [يوسف:46] وقد قدمنا جواز طلب الفتيا في أي علم ومن أي عالم.

    أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ [يوسف:46] أي: سبع بقرات عِجَافٌ [يوسف:46] مهازيل ضعاف وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف:46] أي: وسبع أخر يابسات.

    أخبرني.. عبر لي هذه الرؤيا لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف:46] فيتخذوا الحيطة وما ينبغي لهم أن يفعلوه.

    إذاً: أجابه يوسف في الآيات الآتية، ونتركها إلى غد إن شاء الله.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ [يوسف:43] ما اسم هذا الملك؟ الريان بن الوليد .

    ماذا قال؟ قال: إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ [يوسف:43] يعني: في منامه سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ [يوسف:43] واحدتهن السمينة، والجمع سمان، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ [يوسف:43] أي: سبع بقرات عِجَافٌ [يوسف:43] أي: ضعاف ومهازيل.

    وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ [يوسف:43] غير يابسات، وإلى جنبها سبع سنبلات يابسات، وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف:43] وسبع يابسات.

    يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ [يوسف:43] يا أشراف البلاد وأعيان الأمة! أو يا علماء ومنهم الكاهن ومنهم الساحر ومنهم المنجم! أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ [يوسف:43].

    هذا الملك هو الذي رأى الرؤيا وهو الذي يطلب من رجاله أن يعبروا له، لأنها أهالته، وظن أن لها شأناً عظيماً.

    يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43] وتتجاوزون معانيها وتبينونها لنا.

    فأجابوه معتذرين: قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44].

    وقد بينت لكم ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الرؤيا من الرحمن، والحلم من الشيطان ).

    وهناك رؤيا أضغاث أحلام.. تهاويل يراها في المنام، كان منشغلاً بها في اليقظة فرآها في المنام، فالرؤى ثلاث إذاً، لكن الأصل: رؤى من الرحمن ورؤى من الشيطان.

    قَالُوا [يوسف:44] معتذرين أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ [يوسف:44] أي: بتفسير الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44] لا قدرة لنا على ذلك، اعتذروا وسكتوا.

    هنا ماذا كان؟ الفتى الذي كان مع يوسف في السجن ووصاه وقال له: اذكرني عند ربك، هذا الفتى بعد كذا سنة تذكر، وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45].

    وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا [يوسف:45] أي: من الرجلين أو الفتيين؛ إذ أحدهما قتل وأكل الطير من رأسه، وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] وتذكر بعد أمة من الزمن قرابة خمس سنين أو سبع سنين.

    أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:45] قالها في الملأ، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:45] إذاً: فَأَرْسِلُونِ [يوسف:45] إلى أين؟ إلى يوسف، أين يوسف؟ في السجن، والسجن له بوابون وله مفاتيح وله كذا، أرسلونِ إليه.

    وبالفعل استجاب الملك وأرسله إلى السجن، وما إن وصل إليه وانتهى حتى قال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا [يوسف:46] أفتنا في كذا وكذا. فقد شاهد صدقه وعاش معه في السجن كذا فترة.

    فقال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف:46] أفتنا لَعَلِّي أَرْجِعُ [يوسف:46] أي: كي أرجع إلى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف:46] (لعل) هنا بمعنى (كي)، كي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب! ‏

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وهو في محنته.

    إنه لما قارب الفرج أوانه رأى ملك مصر رؤيا أهالته، وطلب من رجال دولته تعبيرها وتفسيرها، وهو ما أخبر تعالى به في هذه الآيات؛ إذ قال عز وجل: وَقَالَ الْمَلِكُ [يوسف:43] أي: ملك البلاد إِنِّي أَرَى [يوسف:43] أي: في منامي سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:43] أي: مهازيل في غاية الهزال. وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف:43] سنبلات يابسات.

    ثم واجه رجال العلم والدولة حوله وقد جمعهم الملك لذلك ]، لما رأى الرؤيا استدعاهم، أهل العلم والحكم استدعاهم ليقص عليهم رؤياه، [ فقال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43] أي: تؤولون، فأجابوه بما أخبر تعالى عنهم بقوله: قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [يوسف:44] أي: رؤياك هذه هي من أضغاث الأحلام التي لا تعبر أبداً، إذ قالوا: وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44] والمراد من الأضغاث: الأحلام، وفي الحديث الصحيح: ( الرؤيا من الرحمن والحلم من الشيطان ) ]، ولأن نحفظ هذا الحديث خير لنا من عشرة ريالات: ( الرؤيا من الرحمن والحلم من الشيطان )، والله! لخير من ألف ريـال! والحُلم غير الحِلم الذي هو الأناة، الحُلم في المنام. إذاً: الرؤى ضربان: رؤيا من الرحمن ورؤيا من الشيطان، والذي من الشيطان هو الحلم، وهم قالوا: أضغاث أحلام. أي: من الشيطان.

    [ وقوله: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا [يوسف:45] أي: من صاحبي السجن السابقين.

    وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] أي: وتذكر ما أوصاه به يوسف وهو يودعه عند باب السجن ]، ماذا قال له؟ اذكرني عند ربك. وصاه به وهو عند باب السجن يودعه، إذ قال له: اذكرني عند ربك.

    وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] يعني: بعد سبع سنوات.

    [ قال ما أخبر تعالى به عنه: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [يوسف:45] أي: أرسلونِ إلى يوسف في السجن، فإنه أحسن من يعبر الرؤى، فأرسلوه بالفعل، فدخل عليه في السجن وقال ما أخبر به تعالى عنه في قوله: يُوسُفُ [يوسف:46] أي: يا يوسف. أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف:46].

    وقوله: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ [يوسف:46] أي: الملك ورجاله، هم الذين طلبوا منه ذلك، لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف:46] أي: ما تعبر به أنت يا يوسف، فينتفعون بذلك ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال تزرعون سبع سنين دأباً ...)

    والآن نتم جواب يوسف عليه السلام لصاحبه الذي في السجن:

    قال تعالى: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:47-49].

    أجاب يوسف عليه السلام الفتى الذي جاء يستفتيه في رؤيا الملك: قَالَ [يوسف:47] أي: يوسف عليه السلام، تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف:47] متواصلة، تزرعون الأرض البر والشعير وما إلى ذلك.

    فَمَا حَصَدْتُمْ [يوسف:47] من حبوب فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ [يوسف:47] كما هو إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف:47] ستأتيكم سبع سنين بأمطار شيء عجب، وتزرعون وتحصدون سبع سنين حبوباً، لكن أنصح لكم أنكم لا تصفونها، اتركوها في سنابلها أكواماً أكواماً إلا الذي لكم حاجة به فقط، فقال: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف:47] أي: متواصلة، فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ [يوسف:47] اتركوه فِي سُنْبُلِهِ [يوسف:47] كما هو إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف:47] الذي لكم إليه حاجة تصفونه وتأكلونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد ...)

    ثم قال: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ [يوسف:48] سنين جدب لا مطر ولا نبات، سبع سنين شداد.

    يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ [يوسف:48] ذاك الذي ادخرتموه يأكلنه إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف:48].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)

    ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [يوسف:49] بعد نهاية السبع الأولى والثانية عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:49] العنب وما إلى ذلك.

    هذا تعبير يوسف عليه السلام للرؤيا.

    يقول تعالى: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف:47] على عادتكم بانتظام فَمَا حَصَدْتُمْ [يوسف:47] من الزرع فَذَرُوهُ [يوسف:47] اتركوه في سنبله، لا تدرسوه وتصفوه، اللهم إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف:47] لا بد من أن تدرسوه وتصفوه، والباقي اتركوه كما هو.

    لماذا؟ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف:48] سبع سنين جدب وقحط، لا زرع فيها ولا نبات، فتأكلون ذاك الذي ادخرتموه، وهذا من تدبير الله عز وجل.

    ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:49] يعصرون ماذا؟ العنب ليكون خمراً.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: قَالَ تَزْرَعُونَ [يوسف:47] إلى آخره. هو جواب يوسف الذي استفتاه، أي: طلب منه تعبير رؤيا الملك، قال له في بيان تأويل الرؤيا: تَزْرَعُونَ [يوسف:47] أي: ازرعوا سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف:47] أي: متتالية كعادتكم في الزرع كل سنة، وهي تأويل السبع البقرات السمان، فما حصدتم من زروع فذروه في سنبله. أي: اتركوه بدون درس حتى لا يفسد، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف:47] أي: فادرسوه لذلك.

    ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [يوسف:48] أي: من بعد المخصبات سَبْعٌ شِدَادٌ [يوسف:48] أي: مجدبات صعاب، وهي تأويل السبع البقرات العجاف.

    يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ [يوسف:48] أي: من الحبوب التي احتفظتم بها من السبع المخصبات. يريد: تأكلونه فيهن إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف:48] أي: تدخرونه للبذر ونحوه.

    ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:49] أي: يأتي من بعد السبع السنين المجدبات عام فيه يغاث الناس بالمطر، وفيه يعصرون العنب والزيت وكل ما يعصر لوجود الخصب فيه.

    وقوله: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ... [يوسف:49] إلى آخره، هذا لم تدل عليه الرؤيا، وإنما هو مما علمه الله تعالى يوسف، فأفادهم به من غير ما سألوه ذلك إحساناً منه، ولحكمة عالية أرادها الله تعالى وهو الحكيم العليم].

    ما سألوه عما يأتي بعد سبع سنين ولكنه أجابهم، سبع سنين جدب وسبع سنين خصب، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:49] هذا ما طلبوه ولا استفتوه، وما هو بداخل في الرؤيا، فأجابهم من فضل الله تعالى.

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [ هداية الآيات] نعود إلى هداية الآيات السابقة:

    [من هداية الآيات:

    أولاً: جواز الرؤى الصالحة يراها الكافر والفاسق ] كما قدمنا [والتقي ]؛ لأن هذا شيء يعرضه الله على الإنسان.

    [ ثانياً: الرؤى نوعان: حلم من الشيطان ورؤيا من الرحمن.

    ثالثاً: النسيان من صفات البشر ]، من أين أخذنا هذا؟

    من قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] نسي وذكر بعد أمة.

    [ رابعاً: جواز وصف الإنسان بما فيه من غير إطراء ]، جواز وصفك الإنسان بما فيه من غير إطراء.

    من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [يوسف:46] مدحه بالصدق، فيجوز هذا.

    [ خامساً: (لعل) تكون بمعنى (كي) التعليلية، كي يعلمون ].

    ومن هداية الآيات الثلاث الأخيرة:

    [ أولاً: أرض مصر أرض فلاحة وزراعة من عهدها الأول ] إلى اليوم وستبقى هكذا.

    من أين عرفنا هذا؟ من قوله تعالى: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف:47].

    [ ثانياً: الاحتفاظ بالفائض في الصوامع وغيرها مبدأ اقتصادي هام ومفيد ] ويستعمل الآن.

    الاحتفاظ بما زاد عن أكل الناس من الزرع وجعله في صوامع ومخازن أو في غير ذلك هذا من الاقتصاد المحمود، وسبق إليه القرآن.

    [ ثالثاً: كمال يوسف في حسن تعبير الرؤى شيء عظيم ] وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6].

    [ رابعاً: فضل يوسف عليه السلام على أهل مصر، حيث أفادهم بأكثر مما سألوا ]، سألوه عن ماذا؟ عن سبع بقرات وسبع سنبلات، فأجابهم عن الكل ثم زادهم: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:49] وهذا الذي يأتي فيه إخوته يطلبون الزرع والحب.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.