إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طبع اليهود على حب المال والحرص على اكتسابه من كل طريق، وقد أخبر الله أن الأحبار والرهبان ليسوا استثناء من ذلك، فهم يقننون ويشرعون ويعطون صكوك الغفران لأتباعهم مقابل ما يأخذونه منهم من مال، ويستخدمون هذا المال في الصد عن سبيل الله، ثم بين سبحانه عقوبتهم وعقوبة من يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله بأن الله يعذبهم بها يوم القيامة، فيحمى عليها في نار جهنم ثم تكوى بها ظهورهم وجنوبهم وجباههم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود إذ قال -فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم-: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة التوبة، والله نسأل أن يتوب علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة، ومع هذه الآيتين، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها مجودة مرتلة من أحد العالمين، وبعد ذلك نتدارسها؛ لنظفر بذلكم الموعود إن شاء الله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

    خصوصية مناداة الله عز وجل للمؤمنين بـ(يا أيها الذين آمنوا)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:34]، هذا نداء إلهي موجه إليكم أيها المؤمنون والمؤمنات، فهنيئاً لكم بإيمانكم، فأصبحتم أهلاً لأن يناديكم الله عز وجل، إنه والله لشأن عظيم.

    فمن نحن حتى ينادينا رب العزة، ملك الملوك، ذو الجلال والإكرام؟!

    نادانا الله عز وجل؛ ليخبرنا ويعلمنا، لنكون على علم؛ لأننا أولياؤه فيجب أن نكون علماء عالمين، فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ [التوبة:34]، سبق في الدرس الماضي أن عرفنا من هم الرهبان والأحبار، فالرهبان هم عباد النصارى ورؤساء كنائسهم، وأما الأحبار فهم علماء اليهود.

    بيان عداء اليهود والنصارى للإسلام

    قال تعالى: إِنَّ كَثِيرًا [التوبة:34]، وهذا من باب.. ماذا أقول والكلام كلام الله، حتى لا يقع في نفس أحد ويقول: فلان ما يأكل.. من الأحبار والرهبان، فقال: إِنَّ كَثِيرًا [التوبة:34]، ففيه استثناء لما قد يكون من أولئك من لا يأكلون أموال الناس بالباطل، لكن كثرتهم وعامتهم كما أخبر تعالى عنهم وهو العليم الحكيم.

    قال تعالى: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [التوبة:34]، أموال الناس هي أموال أتباعهم، فالحبر يقنن ويشرع ويأخذ مقابل ذلك، والراهب يعطي صك الغفران ويأخذ مع ذلك، يأكلون أموال الناس من أتباعهم، فاليهود أتباع اليهود، والنصارى أتباع النصارى، فأخبر تعالى بهذا.

    ومن هنا فهم يقفون ضد الإسلام وقفة رجل واحد؛ لأنه يذهب عنهم هذه الأموال الطائلة، وهذه الرياسة السائدة العالية، ويسوي بينهم وبين إخوانهم، فلهذا لا إسلام ولن نسكت على حربه، وهذا لسان حالهم يقول، فمراكزهم وأموالهم، ومناصبهم ورئاستهم كلها قائمة على الكذب والباطل، والإسلام يرفض هذا، فلو أسلموا لن يبقى لهم شيئاً، فلهذا من أشد عداوة للإسلام علماء اليهود ورهبان النصارى.

    قال تعالى: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [التوبة:34]، أي: يأكلون أموال الناس بدون مقابل وبدون حق، يسمحوا لأنفسهم بذلك فقط بالرياسة والكذب، والادعاءات الباطلة.

    فرهبان النصارى يعطون صكوك الغفران لمن يفجر ويفسق لكي يدخل الجنة، بمبالغ طائلة من الأموال، ويدعون ويقولون: لأجل عمارة الكنائس ونشر دعوة المسيحية، وائتسى بهم الروافض، ففرض علماؤهم عليهم خمس أموالهم، من أي دخل يدخل المال، سواء كان من تجارة، أو فلاحة، أو صناعة، أو راتب، فالخمس لابد منه لرجال العلم، فقد بلغني هذا شفوياً أحدهم في الكويت، قال: نحن الروافض أو الشيعة الخمس عندنا يعود إلى رجال الدين.

    فمن هنا رجال الدين ما يسمحون لإخوانهم أن يسلموا قلوبهم ووجوههم لله عز وجل، وأن يذوبوا في أنوار الإسلام والمسلمين، فلابد أن يبقوا مستقلين حتى يتمكنوا من أخذ أموالهم، فائتسوا ائتساء كاملاً بالرهبان والأحبار.

    فهل علماء السنة يفعلون هذا؟

    الجواب: لا، وإن شذ من شذ شأنه لا علم له، لو كان على علم والله ما يأخذ مال الناس.

    إذاً: هذا الخبر خبر الله عز وجل، ومستحيل أن يحتمل الكذب، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [التوبة:34]، أي: بدون مقابل وبدون حق.

    معنى قوله تعالى: (ويصدون عن سبيل الله)

    قال تعالى: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34]، (وَيَصُدُّونَ): أي: يصرفون أولاً أنفسهم، فلا يقبلون الإسلام ولا يرضون به؛ لأنه سيسوي بينهم وبين الفقراء والمساكين، وبين عامة الناس، وخوفاً من أن يفقدون هذا المنصب وهذه الرياسة، ويصدون غيرهم عن سبيل الله من اليهود والنصارى؛ حتى يبقى لهم المنصب وتبقى لهم الأموال وتبقى لهم السيادة.

    و(سبيل الله) أي: الإسلام، أي: ويصدون عن الإسلام؛ لأن الإسلام هو طريق موصل بالسالكين إلى رضا الله والجنة، سبحان الله العظيم!

    فلن يستطيعوا أن يصدوا عن الإسلام، فهو الواقع.

    فقدان هداية الله.. انغماس في الباطل والفساد

    ويصدون عن سبيل الله أنفسهم أولاً، وغيرهم من أتباعهم، فلو تعرض لأحدهم وتقول له: أريد أن أسلم، يا سيد. يغضب عليك غضبة شديدة لا تتصورها، إن لم يقل خذوه مزقوه، وهو يعرف أن الإسلام والله! لحق، وهو الدين الحق، وأدلة التوراة والإنجيل كافية، فضلاً عن أدلة القرآن، ولكن للحفاظ على المنصب كان هذا الصد.

    ونظير هؤلاء بعض الخرافيين من المتصوفة، يوجدون وقلوا الآن؛ لأن الدعوة الإسلامية انتشرت، شيخ الزاوية، شيخ الطريقة من هذا النوع يستغل أتباعه بما يقدمون، ولا يرضى لهم أن يجلسوا في حلقة كهذه أبداً؛ خشية أن يفقدهم، ويوجد وإلى الآن قلة، فقبل خمسين سنة كل قرية فيها ثلاث طوائف: هذا قادري، وهذا تجاني، وهذا رحماني، وهذا عيساوي، لكن بفضل الله عز وجل، ثم بوجود هذه الدولة الإسلامية، ثم بوجود الاتصالات هذه خمدت تلك النار أو انطفأت في غالب البلاد، عرف الناس أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    إذاً: فبغض المشايخ يستغلون أتباعهم، بل يفجرون بنسائهم، ويتقرب أحدهم بتقديم امرأته للشيخ، فضلاً عن المال وغيره، والبشر هم البشر، إذا فقدوا هداية الله انغمسوا في الباطل والفساد والشر، وهذا إخبار الله تعالى عن علماء اليهود ورهبان النصارى، فقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34]، يصدون أولاً أنفسهم، وثانياً أتباعهم.

    والصد: هو الصرف والإبعاد، ومن أراد أن يجرب يجرب، يدخل على قس من القسس، يقول له: أنا تاريخي كذا، وآبائي كلهم نصارى وأنا أحببت أن أسلم، ويسمع منه ماذا سيقول، أو يشاهد ماذا سيفعل به.

    جزاء من يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، هذا الخبر معطوف على الأول: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة:34]، أي: يدخرونها، في السابق كانوا يدفنونها في الأرض، وهذا عام في البشرية كلها، ما عندهم حديد، ولا عندهم كما عندنا مصارف وبنوك، فالذي عنده قسط من المال يجعله في قارورة أو في كذا ويدفنه في بيته؛ حتى لا يسلب، ويسمى: كنز؛ لأنه اكتنزه.

    والذهب والفضة هما العملتان الرئيسيتان، فهذه الأوراق الآن كلها ناتجة عنها -أي: عن الذهب والفضة-، الأصل في التعامل بين البشر بالذهب والفضة، والذهب معروف والفضة معروفة أيضاً.

    وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34]، أي: يكنزونها ويدفنونها، يحافظون عليها بأي واسطة ولا ينفقونها في سبيل الله، يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، والبشارة هنا فيها نوع من التهكم بهم والازدراء بحالهم؛ لأن البشارة بما يسر ويفرح ويثلج الصدر، لا بما يحزن ويكره، لكن يستحقون هم الهم والغم والكرب والحزن.

    فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، والعذاب الأليم الموجع وهو عذاب جهنم، وبينه تعالى بقوله: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة:35]، أي: تحول الدراهم الفضية والدنانير الذهبية إلى صفائح، صفيحة عريضة تحمى بالنار من قبل الزبانية الموكلون، ثم يأتون بالكافر أو بهذا المعذب ذكراً أو أنثى فيكوون بها جباههم أولاً، وجنوبهم ثانياً، وظهورهم. أي: من أمام ومن خلف وعن يمين وعن شمال، بتلك الصفيحة، التي كانت قطعة من ذهب.

    قال تعالى: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [التوبة:35]، ويقال لهم: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35]، أي: يقول لهم الزبانية الموكلون بتعذيبهم والمتهكمون المستهزئون بهم: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35].

    دلالة الآية على وجوب زكاة الذهب والفضة وبيان شروط وجوبها

    وهنا نعود إلى الفقه في هذه الآية:

    أولاً: دلت الآية على زكاة الذهب والفضة، فزكاة الذهب والفضة كزكاة العُمل النائبة عن الذهب والفضة وتجب بأربعة شروط:

    أولاً: الحرية، أما العبد المملوك لا زكاة عليه؛ لأن هو وماله لسيده، فلابد أن يكون المزكي حراً غير عبد.

    ثانياً: الإسلام، أما اليهودي أو النصراني أو البوذي أو الكافر لا زكاة عليه، أي: لا يأخذ منه إمام المسلمين ولا دولته الزكاة؛ لأنهم كفار.

    ثالثاً: الحول، والحول هو مرور سنة على ذلك المال، فإذا ابتدأت في رمضان، كان رمضان الثاني هو نهاية الحول، أو بدأت في شعبان كان شعبان الثاني، أو بدأت في جمادى كان جمادى الثاني وهكذا.. لابد من حولان الحول وإلا لن تجب.

    رابعاً: النصاب، والمراد بالنصاب هو القدر إذا بلغه العدد وجبت الزكاة، كأنه نصب منصوب، إذا انتهى إليه وجبت الزكاة.

    النصاب مع السليم من الدين، فهذا النصاب يجب أن يكون سليم من الدين، أما عندك مليون وعليك تسعمائة ألف دين، لا تزكي إلا على مائة ألف فقط. عشرة آلاف زكاتك، وعليك ثمانية آلاف دين، سدد الدين والباقي هو ألفان تزكيهما، لابد من السلامة من الدين.

    إذاً: قلنا هذه الشروط: الحرية، الإسلام، الحول، النصاب، النصاب السليم من الدين. بلغ مالك نصاباً، وعليك دين أسقط الدين والباقي هو نصابك وهو مالك.

    مقدار نصاب الذهب والفض

    والنصاب مائتا درهم من فضة، أو عشرون ديناراً من ذهب.

    النصاب إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة إن سلم من الدين، النصاب في الفضة مائتا درهم، وفي الذهب عشرون ديناراً، ويكمل أحدهما الآخر؛ وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ليس في أقل من مائتي درهم زكاة، وليس في أقل من عشرين ديناراً زكاة )، فمن كان عنده مائة وخمسين درهم، وعنده مائتين وعشرة دينار، يكمل هذا ذاك؛ لأنهم بمعنى واحد في الحقيقة، تجمع فضتك مع ذهبك وتقدرهما وتزكي عنهما.

    وكيف نعرف الدينار الآن والدرهم؟

    لقد اجتهدنا وأعاننا ربنا سبحانه وتعالى مع طلبتنا وعرفنا أن سبعين جراماً بالجرام الأوروبي وهو الذي نتعامل به هو نصاب الذهب والفضة، فالذي يملك من الدراهم والدنانير ريالات أو غيرها ما يساوي سبعون جراماً وجبت عليه الزكاة، وأقل من السبعين جراماً فلا زكاة عليه؛ لأنه لم يبلغ النصاب.

    فمثلاً: تذهب لبائع الذهب في مصر، وتسأله عن سعر السبعون الجرام من الذهب، فإن قال لك: بخمسين جنيه مصري، فذاك هو نصابك، فإن كان عندك هذا المبلغ زكيت.

    ويذهب السوري ويسأل بائع الذهب: كم سعر سبعون جراماً من الذهب بالليرة؟ فإن قال له: عشرين ألف ليرة، فذاك هو النصاب. والسعودي يذهب إلى الصائغ ويسأل: من فضلك السبعين جرام بكم تبيعونها أو تشترونها؟ فإن قال: بألفين وخمسمائة ريال، فإن كان عندك هذا المبلغ وجبت الزكاة، وهذا هو نصاب مالك، وإن كان ليس عندك هذه المبلغ فلا زكاة هذا العام حتى يكمل هذا النصاب.

    فيجب أن نفهم هذا ويبقى في أذهاننا.

    وبعض أهل العلم من جعل النصاب خمسة وسبعين، ونحن -والحمد لله- جمعنا بين الفضة والذهب؛ لأن أحدهما يكمل الآخر، فوجدنا السبعين جراماً هي النصاب، وهي أحوط من خمسة وسبعين، فالآن الأمر فيه سهولة عجيبة، يذهب الإنسان لمن يبيع الذهب، يقول له: من فضلك سبعين جرام بكم تبيعونها؟ فإن قال: بألفين أو بثلاثة آلاف فذاك هو النصاب، فإن كان عندك زكيت أو ما عندك الله أعلم، وإن كان عندك أكثر زكي بحسبه، اثنين ونصف في المائة، أي: كل مائة ريال اثنين ونصف ريالات منها.

    والتعامل بالريالات والليرات والجنيهات كيف يكون؟

    مثلاً: نذهب إلى بائع الذهب، ونقول له: سبعين جراماً من الذهب كم تساوي؟

    فالقدر الذي يقوله هو انظر هل عندك هذا أو ما عندك، فإذا كان عندك وأكثر وجبت الزكاة، وإن لم يكن عندك هذا النصاب أو عندك أقل منه فلا زكاة عليه.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35]، فلما نزلت هذه الآية ضج المسلمون واحتاروا -والآية مدنية-، فذهبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: أنا أفرج عنكم إن شاء الله، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، ومعنى ظاهر الآية: أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يكتنز ريالاً واحداً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم )، فهذه الحكمة من فرضية الزكاة، وهي أنه يطيب ما بقي من أموالنا فيصبح حلالاً طيباً، فالذهب والفضة إذا زكيتهما تكون طيبتهما وطهرت أنت معهما فلا تخف.

    ( لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث في أموالكم لتكون لمن بعدكم )، فلو كان يجب على كل رجل أو امرأة بالغ مسلم ألا يبيت عنده دينار، أي ينفقها كلها ولم تبق أموال لما نزلت آيات المواريث بالنصف، والربع والسدس والثمن، ولم يكن هناك مواريث أصلاً.

    فمنذ بداية الحركة الإصلاحية هنا، قام بعض الطلبة يحاجج ويجادل، يقول: لا يحل أبداً أن يدخر الإنسان أي شيء، إذا حال الحول يخرج كل المال، فقلنا: لو كان كما تقول، لماذا فرض المواريث؟ وفي أي شيء تكون هذه المواريث؟ أليس في المال المتبقي؟

    وهذا الذي احتج به الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ( وإنما فرضت المواريث في أموالكم؛ لتكون لمن بعدكم )، فكبر عمر رضي الله عنه: الله أكبر.. الله أكبر؛ فرحاً وسرواً بالفتيا النبوية، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته )، أفضل من ملايين الدنانير والدراهم في البنوك، فالذين عندهم هذه المرأة يحمدون الله عز وجل، والذين ما حصلوا عليها يسألون الله أن يرزقهم إياها.

    المرأة الصالحة التي إذا نظرت إليها سرتك وأثلجت صدرك، وإذا أمرتها أطاعتك: قومي قامت، أقعدي قعدت، أطبخي طبخت، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وفي عرضك وأولادك، فهذه هي المرأة الصالحة وهي الكنز الحقيقي، أما كنز مليون دولار أو مليون ريال فلا قيمة له.

    إذاً: فمن كانت عنده هذه المرأة فليحمد الله عز وجل، ومن لم يرزقه إياها فليسأله مثلها.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2977078803

    عدد مرات الحفظ

    713156919