إسلام ويب

تفسير سورة النساء (38)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل ولاة الأمور ممن تولى على المؤمنين أن يحفظوا حقوق رعيتهم، وأن يحكموا بينهم بالعدل، وفي مقابل ذلك أمر الرعية أن يلتزموا بطاعة ولي الأمر فيما هو معروف للشرع، أما ما كان غير ذلك فلا طاعة إلا لله، وإن حصل النزاع والاختلاف في شيء من أمور المسلمين فيرد حكمه لكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخطاب يشمل الراعي والرعية على حد سواء.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فاللهم حقق رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك!

    وها نحن مع سورة النساء، ومع الآيتين الكريمتين اللتين تدارسناهما ليلتين وهذه الثالثة، وما وفيناهما حقهما ولن نستطيع ذلك، وإنما نأخذ بقدر ما وهب لنا وأعطيناه، هيا أتلو عليكم الآيتين، وأنتم ترددون التلاوة في نفوسكم أولاً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:58-59].

    هيا مع شرح الآيات في كتاب: أسير التفاسير؛ لنزداد يقيناً ونزداد علماً أيضاً.

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ روي أن الآية الأولى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ [النساء:58]، نزلت في شأن عثمان بن طلحة الحجبي ].

    وبيان ذلك قال: [ حيث كان مفتاح الكعبة عنده بوصفه سادناً -أي: قيماً على البيت، البيت الحرام- فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه صبيحة يوم الفتح ]، أي: يوم فتح هذا؟ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، أي: فتح مكة، فقد كان يديرها المشركون..مغلقة على المؤمنين، متى فتحها الله؟ في السنة الثامنة من الهجرة (صبيحة)، لما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح من عثمان أعطاه إياه.

    قال: [ فصلى في البيت ركعتين -وشاهد صوراً وتماثيل داخل البيت صورها العرب فأمر بإنزالها وإبعادها وخرج، فقال العباس رضي الله عنه -عمه- أعطنيه يا رسول الله].

    أي: أعطني المفتاح لأضمه إلي فأصبح سادناً وساقياً، السقاية له، ويريد أن يضيف إليها السدانة.

    [ليجمع بين السقاية والسدانة، فانزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها ]، وهما الآيتان اللتان ندرس.

    وقد يقال: الآيتان نزلتا في المدينة، لأن سورة النساء مدينة، ولا مانع أن تنزل الآية والآيتان في مكة، وبعد عام عامين، ويقول جبريل ضعها: يا رسول الله في المكان الفلاني، بين الآية والآية. وجائز أن يقرأها الرسول استشهاداً بها واستدلالاً، فيفهم الناس أنها نزلت الآن، والكل صالح وحسن.

    قال: [ فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية على الناس -قرأ عليهم ليسمعوها- ودعا عثمان بن طلحة وأعطاه المفتاح ]، أما هذا الجزء فهو حق ناداه وأعطاه المفتاح.

    قال: [ غير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ].إن كانت الآية نزلت في هذه الحادثة، فالله فرض على هذه الأمة أن تؤدي الأمانات طول الحياة، وعلى أن من حكم منهم أن يعدل في حكمه.

    (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، اللفظ عام أو لا؟ اسمع! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ [النساء:58]، يدخل فيه هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة، أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:58]، يأمركم أيضاً: أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء:58]، لأنه العدل، وأداء الأمانة، والحياة قائمة على هذين: العدل والأمانة، نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء:58].

    قال: [ غير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ ولذا فالآية في كل أمانة، فعلى كل مؤتمن على شيء أن يحفظه ويرعاه؛ حتى يؤديه إلى صاحبه، والآية تتناول حكام المسلمين أولاً بقرينة: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58]، العدل: الذي هو القسط، وضد الجور ومعناه: إيصال الحقوق إلى مستحقيها من أفراد الرعايا.

    وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء:58]، يريد أن أمره تعالى أمة الإسلام حكاماً ومحكومين أمره إياهم بأداء الأمانات والحكم بالعدل هو شيء حسن، وهو كذلك إذ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحكم بالعدل ].

    تذكرون أن العبادات أنها كلها أمانة عندنا، حتى قلم الأظافر.

    قال: [ وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58]، فيه الحث على المأمور به -وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل- بإيجاد ملكة مراقبة الله تعالى في النفس ].

    فالذي يوجد الله له هذه الملكة، ويصبح يراقب الله في كل حركاته وسكناته؛ قل ما تزل قدمه أو يسقط، إذا علمت أن الله عز وجل كان وما زال سميعاً لأي قول.. لأي صوت، حتى أصوات النمل وكلمها، سميع وبصير بكل دقيقة وجليلة، ما تعجز حتى الآلات عن تصوره أو فهمه أو إدراكه فالله عليم به؛ فإذا وجدت هذه الملكة في النفس، وأصبح عبد الله أو أمة الله يعيش مع الله، يراقب الله في كل شيء لعلمه اليقيني أنه يسمع ما يقول ويبصر ما يفعل، أمكنه أن يستقيم على منهج الحق، يبدأ بأمانات الله أولاً، ثم أمانات عباده، ثم العدل في كل حياته حتى في أكله وشربه كما بينا هذا.

    قال: [ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58]، فيه -أي: في هذا الجملة من كلام الله تعالى- الحث على المأمور به ]، وهو الحكم بالعدل وأداء الأمانة.

    قال: [ بسبب إيجاد ملكة مراقبة الله تعالى في النفس؛ فإن من ذكر بقلبه أن الله تعالى يسمع أقواله، ويبصر أعماله، استقام في قوله فلم يكذب، وفي عمله فلم يفرط، هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    أما الآية الثانية: فإن الله تعالى لما أمر ولاة أمور المسلمين] قلنا: الإمام ورجاله والقضاة، وكل من له مسئولية يقوم بها، هو ولي أمر [أمرهم بأداء الأمانات التي هي حقوق الرعية، وبالحكم بينهم بالعدل، أمر المؤمنين المولي عليهم بطاعته وطاعة رسوله أولاً، ثم بطاعة ولاة الأمور ثانياً ]، إذا كان الأمير يأمر وما يطاع ما فائدة وجوده؟ وإذا لم يطع الأمير من يطع الأب أو الأم؟ الفوضى والخراب والدمار.

    منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الحكام

    سأل بعض الإخوان بالأمس، قال: كيف نطيع الحكام وهم ما يحكمون الشريعة الإسلامية؟ نقول: أطعهم حيث أمرك الله ورسوله أن تطيعهم، فيم تطيعهم؟ فيما هو معروف، جائز، مشروع، أما أن تطيعهم تلبس برنيطة؟ لا. أن تعلق صليباً في عنقك؟ لا. أن تصنع الخمر في بيتك وتسقيها زوجك وأولادك؟ لا. وهل هم أمروا بذلك؟ والله ما كان، نحن الأتباع المحكوم فيهم، أضعنا ديننا بأنفسنا، ثم أصبحنا نلقي بالتبعة على الحاكم. اسأل: من موريتانيا إلى إندونيسيا: هل هناك حاكم شرع قانوناً بأن لا صلاة بعد اليوم؟ سمعتم هذا؟ أو صدر قانون أن من يعلم أنه يخرج زكاة ماله يسجن سبعين سنة؟ حصل هذا ومنعوا الزكاة؟ هل بلغكم أن أمراً صدر أن أيما امرأة لا تكشف وجهها ورأسها وتلبس الميكروجيب والمنيجيب، يحكم عليها بالإعدام.. بالقتل.. بالسجن أبداً؟ صدر هذا؟ والله ما كان، هل صدر أمر من حاكم من الحكام: يجب كما ترقى الغرب والشرق أن نترقى بأن نبيح الخمر ويشربها نساؤنا وأطفالنا في الشوارع، أحصل هذا؟ هل هناك حاكم قال: ما نعترف بطاعة الأبناء لآبائهم الطاعة للحاكم، أيها الأبناء لا تطيعوا أولادكم، اضربوهم والعنوهم، نترك هذه الرجعية؟ هل حصل هذا؟

    أنا أتكلم، لو كنت في الصين أتكلم بهذا الكلام، إياكم أن يعبث الشيطان بقلوبكم، ويقول: الشيخ يقول الباطل ويتملق. والله لا أقول إلا ما أعلم أنه الحق بعينه، ما هذه الوساوس؟

    إذاً: وبالأمس قلنا: جاءت الاشتراكية، العلمانية.. ما هناك حكومة أمرت بالكفر ولا بالشرك ولا ألزمت بالمعاصي ولا بالفسق ولا بالفجور، واستثنينا دويلة عدن الشيوعية، وقد ذهب الله بها وأراح المسلمين منها، فقد ألزموا المواطنين بأشياء كفرية، وانتهت في أيامنا.

    يبقى للذين يقولون: لا نطيع الحكام وهم لا يحكمون كتاب الله، هذه هي المشكلة أو لا؟ لما ما تطيعونهم تخرجون عليهم وتقاتلونهم، آلله أمركم بهذا؟ لا. آلرسول أمر بهذا؟ لا. الرسول يقول: ( عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم حبشي رأسه كالزبيبة )، ويقول: ( إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان )، اسمعوا وأطيعوا ولا تخرجوا أبداً عن طاعة الحاكم وإن كان فاسقاً، ظالماً، فاجراً، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان، حينئذٍ نخلع هذا الحاكم، ونبعده ونضع غيره، هذا هو الطريق أو لا؟ فأنتم لما تصيحون في بلادكم في حكوماتكم، أين الأمة التي تبايع الإمام إذا ظهر؟ أمة استباحت المحرمات، واستحلت ما حرم الله، وجهلت الطريق إلى الله، وما عرفت ربها، ثلاثة أرباعها ما عرفوا الله، وأنت تريد أن تخلع الحاكم، كيف تخلعه؟ قل لي كيف: بالاغتيالات؟ بالتفجيرات؟ لو بقيتم تفجرون وتغتالون ألف سنة هل هذا سيسقط الحاكم؟ لا. وهل الله أذن بهذا؟ هل الله أذن في أن تقتل مسلماً؟ الرسول قال: اقتلوه أو قال: اعزلوه؟ تعزلونه إذا كنتم أمة على قلب رجل واحد، أمة ربانية، كلهم أولياء الله، تقولون: يا فلان! قلت أو فعلت ما هو كفراً بواحاً، ابتعد عن الحكم، اعل يا فلان واحكم، هل هذه الشعوب الهابطة فيها هذه الروح وتقدر على هذا؟ وشاهدنا البلاء ينزل تبجحوا في البلد الفلاني، وقالوا: ضربوا ضربة شديدة، مات الإسلام من بلادهم، في البلد الفلاني تنتقل من محنة إلى محنة؛ لأنه سلوك هائج، باطل، حرام، والله لا يحل. إذا ما عندنا قدرة أن نخلع ونعزل يجب أن نسكت، نعمل كيف نحفظ ديننا، لا أن نهيج الفتن ونثير المشاغب والمتاعب في أمة حتى ينتهي الإسلام.

    هذا أمر الله (وأولي الأمر منكم)، على شرط ما يكون يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً، مؤمن فسق فجر، الشعب ثلاثة أرباعه فسقة فجرة،لم أغير الحاكم؟ أليس شعبنا ما يصلي وفيه العديد ممن يشرب الخمر والحشيش والباطل والعقوق والربا والفجر؟ موجود أو لا؟ لماذا ما ننظر إلا إلى الحاكم ونهيج الناس، مع العلم أن من آدابنا الإسلامية ألا نذكر مؤمناً بفاحشة أبداً، بل نستر عليه ونغطيها.

    ما الغيبة؟ ذكرك أخاك بما يكره، فمجالسنا كلها في الطعن والنقد للعلماء والحكام، ونهيج الجهلة والمساكين فيحملون السلاح، ليتمزقوا وتتمزق أمتهم.

    لعلكم ما فهمتم؟

    افهموا: يجب أن نطيع الحاكم في غير معصية الله، ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف )، لا في المنكر.

    إذاً: وإذا كان الحاكم ما طبق الشريعة وضعف، أو عجز، أو ضغط عليه فهذا شأنه ونحن نطبق الشريعة، نحن الذين نطبقها أو الحاكم؟ نحن الأدوات والآلات، ما نسمح لأحد في قريتنا أن يبيع الخمر، ندخل إلى بيته ونتمرغ بين يديه، تأتيه جماعة بعد جماعة، اترك هذا الباب وأغلقه حتى يتوب. امرأة كشفت عن وجهها وخرجت تعربد، نحن المسئولون وليس الحاكم، نأتي إلى ذويها وأهلها احجبوا ابنتكم.. نحن نتوسل إليكم إلى الله أن تفعلوا وتفعلوا، وهم بشر ما هم حجارة، ويتعطل ذاك المنكر، وهكذا في قريتنا، في حي شاهدنا إبراهيم ما يصلي، أو عثمان يصلي يوم ويوم لا، ننتظر الحاكم؟ كيف الحاكم؟ نحن الذي يجب أن نأمره وأن نزوره في بيته، وفي عمله وندعوه إلى الله؛ حتى ما تفسد حالنا ونهبط، وهكذا كلما ظهرت معصية بيننا في قريتنا في حينا في أي مكان، نحن المأمورون بإصلاحها، أما فقط نتبجح بتكفير الحكام، وإذا قلت: ما كفروا؛ كفروك، وقالوا: الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله هو كافر، والعلماء الذين سكتوا كفار، والأمة التي سكتت كافرة، ولم يبق مؤمن إلا الذي يقول هذا.

    هذه جماعة التكفير والهجرة، تربت هنا، وخرجت هناك، وتوغلت في الأفغان، وعادت الآن شراذم هنا وهناك، هذا معتقدهم، الحاكم ما حكم بما أنزل الله كافر، العلماء سكتوا كفروا، الأمة طأطأت رأسها ورضيت كافرة، من هو المسلم؟ قولوا؟

    الذي يقول هذا، الذي يكفر المسلمين كلهم هو المؤمن والرسول يقول: ( من قال لأخيه يا كافر فقد بها أحدهما )، من كفر المؤمن فهو الكافر.

    ثم قضية الآيات التي يؤولونها بدون فهم، قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، لم هذا التكرار؟ الذي يحكم بغير ما أنزل الله يكفر إذا قال: ما نعترف بهذا الدين.. لا أؤمن بهذه القوانين القرآنية.. أنا كافر بها، هذا كافر أو يشك في كفره؟ لا يشك في كفره، هيا ماذا نصنع؟ نحاربه، حتى نوجد أنفسنا، قادرون على حربه أو لا؟ قال: نحن غير قادرين.

    إذاً: نتملق ونعرف كيف نخرج من الفتنة، نحن فقط نتبجح بكفره، ونحن أعجز ما نكون عن إزاحته، لم نوقع أمتنا في البلاء والشقاء؟ آلله أمر بهذا؟

    ثانياً: الحاكم إذا كان يصوم ويصلي ومؤمن بالله واليوم الآخر، كيف تقول: كافر؟ وجد هذه القوانين فرضتها بريطانيا وفرنسا وما عرفها إلا هي وهو يطبقها، وهو غير مؤمن بها، يكفر؟ والله ما يكفر، الكفر لا بد له من اعتقاد، إذا اعتقد أن هذا باطل، ولا ينفع ولا يصح أبداً أبعدوه عنه، كفر قطعاً لا يشك ذو دين في كفره، أما فقط كونه ما طبق، وما قطع يد السارق ولا رجم الزاني، لعجز أو ضعف أو خوف ما أقول: هذا كافر أبداً، ظالم نعم، فاسق نعم، خرج عن الطاعة الإلهية.

    ومنذ سنين قلنا لهم: يا إخواننا، لما الحاكم نحكم بكفره ننظر: هل نحن قادرون على خلعه ونصب غيره أو لا؟ فإن قالوا: لا ما نستطيع. إذاً: حرام أن نتكلم بكلمة نحدث بها فتنة، نعمل على إصلاح أنفسنا، هذا الحاكم ما أصلحنا.. ما هو متهيئ للصلاح، إذا نعمل على إصلاح أنفسنا، أما أن نكون نحن ثلاثة أرباعنا لا صلاة، لا زكاة، لا ذكر الله لا تقوى الله، والتكالب على الدنيا، والفسق والفجور، ونقول: الحاكم فقط.

    أمور تحرق القلوب، وقد شاهدنا آثار هذه الحركات، لو نسمي بلاد مسحوا الإسلام بها، وها نحن الآن في الديار الجزائرية، النار ملتهبة، أيجوز لمسلم أن يقتل مسلماً؟

    تكفره ظلماً وعدواناً وتقتله؟ كيف يصح هذا؟ ما هي النتائج، ما جاء الرسول بهذا، ولا جاء الإسلام بهذا أبداً، الرسول ثلاثة عشرة سنة في مكة ما أمر صحابياً مؤمناً أن يغتال مؤمناً، والله ما أمر، ثلاثة عشر سنة في مكة أو لا؟ وإخوانه يضطهدون ويعذبون أو لا؟ وهو يهرب بهم من جهة إلى جهة، هل سن سنة اغتيال أو قتل وهم مشركون كافرون؟ وهذا أخوه يصلي في المسجد ويقتله.هذه هي ثمار الجهل والعياذ بالله، ما عرفنا الله ولا عرفنا الطريق إليه.

    إذاً: أنا أتحداهم: دلونا على جماعة غضبت لله، واستطاعت أن تقيم دولة إسلامية؟ كيف ما لا يوجد؟ لأن الأمة لاصقة بالأرض، ما هي أهل أبداً لأن تعبد الله وحده وترفع راية لا إله إلا الله إلا الله، فلما ربى النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين من المهاجرون والأنصار، جاء الأمر إلهي: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39]، (أُذِنَ)، من الآذن؟ الله لا إله إلا هو، أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39].

    تابع معنى الآيات

    قال: [ أما الآية الثانية، فإن الله تعالى لما أمر ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانات التي هي حقوق الرعية، وبالحكم بينهم بالعدل، أمر المؤمنين المولي عليهم بطاعته وطاعة رسوله أولاً، ثم بطاعة ولاة الأمور ثانياً، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] ].

    ما قال: وأطيعوا أولي الأمر، ما أعاد الفعل؛ لأن طاعة ولي الأمر تابعة لطاعة الله والرسول، فإذا أمر ولي الأمر بمعصية الله فلا طاعة.

    فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] والطاعة لأولي الأمر مقيدة بقيد، ما هو بما كان معروفاً للشرع، أما في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار، إذا كنت مكرهاً والكرباج على رأسك، والحديد، في يديك، وقالوا: سب الله. ما أنت بمختار، لكن في حال الاختيار ما في إكراه ولا إلزام، وقال الأمير: افعل كذا أو كذا من الباطل، لا يحل أن تفعل أبداً، الطاعة في المعروف.

    قال: [ وإنما الطاعة هي في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    وقوله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] فهو خطاب عام للولاة والرعية، فمتى حصل خلاف في أمر من أمور الدين والدنيا وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكما فيه وجب قبوله حلواً كان أو مراً ].

    يبقى: أين الذين يعرفون كلام الله وكلام رسوله حتى نرد إليهم ما اختلفنا فيه؟

    يجب أن يوجد في كل قرية، في كل مدينة العالمون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. العلم الصحيح.. علم الفقه والبصيرة ما هي مسائل سطحية لا نظير لها، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ [النساء:59] من يقوم مقام الله في القرية أو المدينة؟ العالم بكتاب الله، الفاهم لأسراره، العليم بشرائعه بما فيه من حلال وحرام.

    والرسول من يخلف الرسول أيضاً فينا؟ العالم بسنة رسول الله، الفقيه فيها، المحقق لمعانيها.

    [ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] فهو خطاب عام للولاة والرعية، فمتى حصل خلاف في أي أمر من أمور الدين والدنيا وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكما فيه وجب قبوله حلواً كان أو مراً.

    وقوله تعالى: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59] ] ما هي دعوى [ فيه: أن الإيمان يستلزم الإذعان ] والتسليم [ لقضاء الله ورسوله ] ومن رفع رأسه وأبى كفر ما هو بمؤمن بالله ولا باليوم الآخر [ وهو يفيد أن رد الأمور المتنازع فيها إلى غير الشرع قادح في إيمان المؤمن.

    وقوله: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، يريد ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا المختلف فيها إلى الكتاب والسنة هو خير حالاً ومآلاً ] أي: مستقبلاً [ لما فيه من قطع النزاع، والسير بالأمة متحدة متحابة متعاونة ].

    هذا هو القرآن الذي نقرأه على الموتى.

    هداية الآيات

    هاتان الآيتان فيهما هداية عجيبة، عرفناها، من باب التقرير اسمع.

    قال: [ هداية الآيتين

    من هداية الآيتين:

    أولاً: وجوب رد الأمانات بعد المحافظة عليها ].

    حافظ عليها لعام أو عامين... الزمن المطلوب وتقدمها كما هي، سواء كانت ليهودي أو نصراني أو لفاسق أو لفاجر، أو حتى لمكار، اؤتمنت على شيء يجب أن ترده.

    [ ثانياً: وجوب العدل في الحكم وحرمة الحيف والجور فيه ].

    وفي غير الحكم أيضاً بينا أن العدل في الكلام يجب أن يكون عدلاً، في النظر إلى وجه امرأتيك تبتسم في هذه وتبتسم في هذه في كل حياتنا العدل.

    [ ثالثاً: وجوب طاعة الله وطاعة الرسول وولاة المسلمين من حكام وعلماء فقهاء ].

    إذا أمر الحاكم يأمر بأمر الله، وإذا أمر العالم بأمر الله أيضاً، إذا أفتاك الفقيه هذا ما يجوز، لا تقل: ماذا فيه؟ وتصر على عدم الطاعة حرام ما أطعت أولي الأمر.

    [ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، وطاعة الوالي من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، لحديث: ( من أطاعني فقد أطاع الله ) ].

    رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة أقرأها عليكم:

    قال: ورد أو روي في الصحيح أن عبد الله بن حذافة الأنصاري رضي الله عنه وكان به دعابة. من أخلاقه أنه يداعب الإنسان إذا جالسه وما إلى ذلك، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية من ألف أو خمسمائة أو عشرة سرية تسري للعدو، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية فأمرهم عبد الله بن حذافة يوماً أن يجمعوا حطباً فجمعوا الحطب، ويوقدوا ناراً، فأوقدوا النار في ذلك الحطب العظيم، ففعلوا، ثم أمرهم أن يدخلوها، ادخلوا النار، محتجاً عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم: ( من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني ).

    إذاً فماذا يفعلون؟ إذا عصوه عصوا رسول الله، وإذا عصوا رسول الله عصوا الله، وقال: ادخلوها. فلم يستجيبوا له، وقالوا له: إنما آمنا وأسلمنا لننجو من النار، فكيف نعذب أنفسنا بها؟! وتركهم، هو أراد فقط أن يمتحنهم، قال: وذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف ) لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة أبداً ( إنما الطاعة في المعروف ) ، فإذا الأمير أو العالم أمر بمعصية ما يطاع أبداً.. ونفس الحاكم ما يأمر بالمعصية لأنه عارف ما يطاع فيها، من يطيعه؟

    قال: [ ثالثاً: وجوب طاعة الله وطاعة الرسول وولاة المسلمين من حكام وعلماء فقهاء ].

    أما عالم بالهندسة أو المكانيك! لا. علماء فقهاء بأسرار الشريعة.

    [ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، وطاعة الوالي من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للحديث الصحيح: ( من أطاعني فقط أطاع الله، ومن أطاع أميري فقط أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني ) ].

    هذه محفوظة في الزمان الأول عند النساء والرجال والعوام.

    [ رابعاً: وجوب رد المتنازع فيه: عقيدة أو عبادة أو قضاء إلى الكتاب والسنة ].

    اختلفنا في مسألة في العقيدة نردها إلى الله ورسوله، في العبادة سنة أو باطل أو بدعة نردها، في مال فلان لفلان نرده إلى الكتاب والسنة.

    [ وجوب رد المتنازع فيه: عقيدة أو عبادة أو قضاء إلى الكتاب والسنة، ووجوب الرضا بقضائهما ].

    إذا حكم الحاكم أو العالم بأن الحق لفلان يجب أن تبتسم أنت وترضى، وتخرج وأنت فرح، لأن الله نجاك من باطل.

    [ خامساً: العاقبة الحميدة والحال الحسنة السعيدة في رد أمة الإسلام ما تنازع فيه إلى كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم ].

    1.   

    حكم إطلاق لفظة سيدنا عند ذكر النبي وغيره

    سائل بالأمس يقول: لم الشيخ يقول: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

    أولاً: هذه القضية اعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لأصحابه قولوا: سيدنا، علمهم الأذان والإقامة والتشهد بأن يقول المؤمن: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فلا ينبغي لمؤذن على المنارة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، والذي في صلاته بين يدي ربه يتشهد ما يقول: وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله؛ لأن الرسول علمهم قالوا: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟ قال: ( قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد )، ما قال: على سيدنا محمد وعلى سيدنا إبراهيم، وهذه كتب السنة من موطأ مالك أول كتاب إلى الصحاح إلى غيرها، لا توجد فيها هذه الكلمة عند السلف أبداً، انتبهتم؟

    لكن لما هبطت الأمة وأصبحت تسيد من هب ودب، وأصبح الشائع: سيدنا علي ، سيدنا فلان، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا أو لا؟ وارتفع مستوى الجهل حتى إذا سمعوا شخصاً ما يقول: سيدنا رسول الله، يكفرونه، أو يغلقون آذانهم، أو يحرمون وجودهم من طلب العلم، فهمتم هذا أو نحلف لكم؟ والله العظيم، هذه وضعية هذه الأمة من يوم ما هبطت بالجهل بالكتاب والسنة، فنحن نقول: إذا أنت قلت في مناسبة: سيدنا. على المنبر ما يضر، لا سيما إذا كنت تراعي ذلك الجانب التائه الهابط؛ لتسترده له، وتعود به للصواب.

    فخلاصة القول: ما علمنا الرسول أن نقول فيه: سيدنا، نقول، وما لم يعلمنا لا نقول فيه وما نبتدع بدعة، والرسول قال: ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) إي والله العظيم لا سيد فوق رسول الله من البشرية قط، كذا أو لا؟ وإنما العبادة شيء والتمدح شيء ثاني.

    فلهذا إذا تشهدنا نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلينا عليه: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد؛ لأن الصحابة والتابعين والأئمة هذه كتبهم ما قالوا: سيدنا فيها، وهل نحن أعلم منهم، أو نحن أفضل أو أفقه؟ خطأ.

    المهم هذا من آثار الجهل والهبوط، فمن قال: سيدنا ما كفر ولا أثم، هو سيدنا رغم أنوف الكافرين، ومن لزم السنة خير له من أن يزيد في دين الله.

    وصلى الله على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007961915

    عدد مرات الحفظ

    720509985