إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (37)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ظلم الكافرين لأنفسهم حملهم على أن يجحدوا رسالة ربهم، ويكذبوا رسوله، ويردون ما جاءهم به من الهدى والرشاد، ويطالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزات تشبه ما أوتيه أنبياء الله السابقين كموسى وعيسى عليهما السلام، وما ذاك إلا لفرط تعنتهم واستكبارهم، فتوعدهم الله عز وجل على ذلك بالصغار في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، جزاء ما كانوا يكسبون.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الأنعام

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن نصغي إلى تلاوة هذه الآيات التي سبق أن تلوناها بالأمس أيضاً، وبعد تلاوتها نعود إلى دراستها وبيان ما جاء فيها بإذن الله عز وجل.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [الأنعام:122-124].

    تحقق وصف الموت في فاقد العلم والإيمان وتحقق الحياة في المتصف بهما

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122]، بالأمس عرفنا من دلالة هذه الآية الكريمة: أن الإيمان والعلم روحان: الإيمان روح، وفاقد الروح ميت، والعلم نور، والعلم أيضاً روح وفاقد العلم كالميت، فنعوذ بالله من الكفر والجهل، لقوله عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122]، وهذا ينطبق على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى بلال ، وعلى أولئك الأصحاب الذي كانوا مشركين على دين آبائهم وأجدادهم، ثم شرح الله صدورهم ونور قلوبهم، فآمنوا فأصبحوا يعيشون على نور من ربهم.

    وضدهم الوليد بن المغيرة ، أبو جهل عمرو بن هشام ، العاص بن وائل .. وفلان وفلان من طغاة المشركين في مكة، والسورة مكية، والآيات نزلت فيها؛ فهي -إذاً- تدور حول أهل مكة.

    فقال تعالى: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] من يسوي بينهما؟ هل هناك عاقل يسوي بين حي وميت؟ أو بين عالم بالطريق يمشي في النور، وبين جاهل يمشي في الظلمات؟ من أين لك تفسيرها؟ هذا يصل إلى دار السعادة وهذا يصل إلى دار الشقاء والخسران والعياذ بالله.

    تزيين الشيطان سوء العمل للكفرة ودلالة ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة

    وقوله تعالى: كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]، فالكافرون أبيضهم وأسودهم، أولهم وآخرهم، الموجودون ومن سيوجدون ومن مضوا حالتهم واحدة، زينت لهم الشياطين الكفر فكفروا، زينت لهم الشياطين الكفر، والظلم، والفسق، والفجور، والباطل، والشر فوجدوا في أنفسهم رغبة في ذلك، ولو دعوتهم إلى الحق والخير والفضيلة لرفضوا؛ لأنهم يرون أنهم خير منك، وأعلى قدراً منك، وهذا واقعهم في كل زمان ومكان، لا يشعر الكافر بأنه منحط، وأنه في صغار، وأنه في هون أو دون، وأن سبب ذلك كفره أبداً، الشياطين لم تسمح لهم بهذا النظر.

    كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]، فالمزين من هو؟ الشيطان، ثم إن هناك سنة إلهية لا تتبدل، وهي: أن من توغل في الكفر، في الشر، في الخبث، في الظلم.. وسار مسارات بعيدة وقضى أياماً وأعواماً عديدة يتعذر عليه أيضاً العودة إلى الحق والرجوع إلى الصواب، يصبح ذلك الباطل زيناً في نفسه، ويرى خلافه شيناً، هذه سنة الله عز وجل.

    فمن هنا أوجب الله على عباده المؤمنين وعلى أوليائه أن من زلت قدمه وغشي محرماً وارتكبه أن يتوب على الفور، ولا يؤخر التوبة ولا ساعة، وأجمعت هذه الأمة -أعني علماءها وأئمتها- على أن التوبة لا يصح تأخيرها أبداً، التوبة تجب على الفور بمجرد أن يرتكب العبد إثماً يحاول بسرعة محوه وإزالته من نفسه ببكائه واستغفاره وعزمه ألا يعود إلى الذنب ولو قُطّع وصُلب وحُرّق، صاحب هذه التوبة ما يبقى في نفسه أثر لذلك الذنب.

    أما من استمر على المعصية يوماً بعد يوم، شهراً بعد آخر، عاماً بعد آخر فإنه يأتي زمن -وقد لا يعرف مداه إلا الله- لو قلت له: تب يضحك، لو قلت له: استغفر الله يسخر منك، ما سبب ذلك؟ طبع على قلبه بتزيين الشيطان، والشيطان هو الذي دفعه أولاً لذلك وحسنه له وزينه له.

    مكر مجرمي القرى وعاقبته

    وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا [الأنعام:123]، بالأمس عرفنا أن القرية بمعنى العاصمة والحاضرة والمدينة الكبرى، وفي اصطلاح الجغرافيين اليوم: القرية: البلد الصغير، والصواب: أنها البلد الجامع للأمة بحكومتها ورجالها، وكما جعل هذا في مكة يجعل في كل قرية أكابر مجرميها يمكرون فيها، ونبهنا بالأمس إلى أن هذا موجود في كل مكان وزمان، الذين شعروا بالغنى، وشعروا بالعز والرفعة ما يبغون ولا يريدون أن يتوبوا، فماذا يصنعون؟ يحاولون أن يزينوا القبيح للناس، ويهونوا من التوبة وآثارها، ويشجعوا على الاستمرار على المعصية والبقاء عليها، ليحفظ لهم مركزهم وما هم عليه، هذه سنة الله عز وجل؛ إذ قال عز من قائل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123]، والمكر ما هو؟ أن يحسن لك القبيح وهو يعلم أنه قبيح وأنه يضرك، ويبغض لك الصالح والخير وهو يعلم أنه خير لك وصالح، وهذا هو المكر والعياذ بالله تعالى.

    والله يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43] ، كل الذين مكروا في مكة ومكروا في المدينة وفي غيرها ذاقوا جزاء مكرهم والعياذ بالله تعالى، وكان ذلاً وهوناً ودماراً وهلاكاً، وما زالت سنة الله عز وجل، إذا وجد الصالحون بحق ووجد من يمكر بهم، فإن الماكرين سوف يئول أمرهم إلى خسرانهم وهلاكهم؛ إذ مكرهم لا يعود إلا عليهم، وهم الذين يندمون ويتجرعون الغصص والآلام والأتعاب من مكرهم. هذا كله بينا مراد الله منه بالأمس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ...)

    والآن مع قول الله تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نؤْمِنَ حَتَّى نؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسلُ اللَّهِ [الأنعام:124].

    من هؤلاء؟ أكابر مجرمي مكة: الوليد بن المغيرة قال: لا أتابعه، ولا أؤمن بمحمد، أنا أكبر منه سناً وأنا أكثر منه مالاً وولداً، فكيف يصبح رسولاً؟ أنا أولى بهذه.

    و أبو جهل قال مثل ذلك، وقال: لن نؤمن حتى يوحى إلينا كما يوحى إليه، أو يأتينا بآية كأن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير كما فعل عيسى، أو يأتينا بآية كعصا موسى نشاهدها، وإلا فلن نؤمن. وأصروا على كفرهم وماتوا على كفرهم والعياذ بالله تعالى.

    وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ من آيات الله القرآنية حاملة للبيان تحمل الحجج والبراهين ما يقبلونها، ويقولون: لن نؤمن بهذه الآية حتى نؤتى مثل ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم، حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ يعنون موسى وعيسى ومن بلغتهم معجزاتهم.

    معنى قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)

    قال تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] ولهذا فالنبوة والرسالة توهب ولا تكسب، الرسالة النبوة توهب، أي: يهبها الله من هيأه لها وهو في أصلاب آبائه وأرحام أمهاته، فلا تكسب أبداً لا بعلم ولا بجد ولا بشرف ولا بمركز أبداً، فهي هبة الله وعطيته، فلهذا لا يبالغ أحد في العبادة والانقطاع إلى الله والزهد في الدنيا وتظهر له كرامات فيقول: أنا سأصبح نبياً أو رسولاً، فالرسالة توهب ولا تكسب بالكسب، والله أعلم حيث يجعل الرسالة، فلا بد أن يهيأ لها مركزاً صالحاً لها، وهو أنه يجتبي ويختار من بني آدم من هو أهل لذلك، فكون أبي جهل يقول: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله هذا كلام باطل، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124].

    معنى قوله تعالى: (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون)

    ثم قال تعالى: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ [الأنعام:124]، بالأمس سمعنا معنى الإجرام، أجرم يجرم إذا أفسد، فكل مفسد مجرم، الذي يفسد في الأشجار فيقطعها مجرم، الذي يفسد في الطرقات فيخبثها ويلوثها مفسد، الذي يسب ويشتم الصالحين مفسد، الذي يرتكب كبائر الذنوب مفسد لنفسه، أول إجرامه يعود على نفسه، فالإجرام هو الإفساد، قد يكون في النفس ويكون خارجها، وما كان خارج النفس فهو عائد إليها.

    هؤلاء الذين أجرموا يقول تعالى وقوله الحق: سيصيبهم صغار عند الله، والصغار: الذل والخزي، الصغار من الصغر، الذل والخزي والعذاب المؤلم الأليم، هذا عند الله عز وجل، وجائز أن يصيبهم أيضاً الصغار في الدنيا، فكم ذل الكافرون وهبط المجرمون وأصبحوا أسوأ الناس حالاً، ولكن هذا موكول إلى الله عز وجل، سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ [الأنعام:124]، ولا يستطيع أحد أن يتصور شدة عذاب يقول فيه الرب الذي يقبض الأرض والسماوات بيمينه: إنه شديد، كيف تتصور هذا العذاب الشديد!

    وعلل لذلك فقال: بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [الأنعام:124]، أي: بسبب مكرهم والعياذ بالله تعالى، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43].

    هذا ثم نتلو معنى الآيات في الكتاب، ومنها ما سمعناه بالأمس.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في حرب العادلين بربهم الأصنام الذين يزين لهم الشيطان تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله؛ إذ قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، أي: أَطاعةُ هذا العبد الذي كان ميتاً بالشرك والكفر فأحييناه بالإيمان والتوحيد -وهو عمر بن الخطاب أو عمار بن ياسر - كطاعة من مَثَلُه رجل في الظلمات -ظلمات الشرك والكفر والمعاصي- ليس بخارج من تلك الظلمات وهو أبو جهل ؟ والجواب: لا ] لا يسوى بين هذا وذاك.

    قال: [ إذاً :كيف أطاع المشركون أبا جهل وعصوا عمر بن الخطاب ؟

    والجواب: أن الكافرين لظلمة نفوسهم واتباع أهوائهم لا عقول لهم، زين لهم عملهم الباطل حسب سنة الله تعالى في أن من أحب شيئاً وغالى في حبه على غير هدى ولا بصيرة يصبح في نظره زيناً وهو شيْن، وحسناً وهو قبيح، فلذا قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123] أي: فيهلكوا أيضاً.

    وقوله: وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:123] هو كما قال، قوله الحق وله الملك، فالماكر من أكابر المجرمين حيث أفسدوا عقائد الناس وأخلاقهم، وصرفوهم عن الهدى بزخرف القول والاحتيال والخداع، هم في الواقع يمكرون بأنفسهم؛ إذ سوف تحل بهم العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ولكنهم لا يشعرون، أي: لا يدرون ولا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهم.

    وقوله تعالى في الآية الثالثة: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ [الأنعام:124] أي: حجة عقلية مما تحمله آيات القرآن تدعوهم إلى تصديق الرسول والإيمان بما جاء به ويدعو إليه من التوحيد؛ بدل أن يؤمنوا قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الأنعام:124]، أي: من المعجزات كعصا موسى وطير عيسى الذي نفخ فيه فكان طائراً بإذن الله، فرد الله تعالى عليهم هذا الغلو والتكبر قائلاً: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124]، فإنه يجعلها في القلوب المشرقة والنفوس الزكية، لا في القلوب المظلمة والنفوس الخبيثة.

    وقوله تعالى: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [الأنعام:124] على أنفسهم بالشرك والمعاصي وعلى غيرهم حيث أفسدوا قلوبهم وعقولهم، صَغَارٌ [الأنعام:124] أي: ذل وهوان، عِنْدَ اللَّهِ [الأنعام:124] يوم يلقونه يوم القيامة، وَعَذَابٌ شَدِيدٌ [الأنعام:124] قاس لا يطاق بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [الأنعام:124] أي: بالناس بتضليلهم وإفساد قلوبهم وعقولهم بالشرك والمعاصي التي كانوا يجرئونهم عليها ويغرونهم بها ].

    هداية الآيات

    والآن مع هداية هذه الآيات.

    [ أولاً: الإيمان حياة ]، هكذا علمنا: الإيمان حياة، [ والكفر موت، المؤمن يعيش في نور والكافر في ظلمات ].

    استنبط هذا من قوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    [ ثانياً: بيان سنة الله تعالى في تزيين الأعمال القبيحة ].

    وقد بينا أن الشياطين تزين، وسنة الله في أن المرء -ذكراً أو أنثى، أياً كان جنسه- إذا أقبل على المعاصي واستمر يفعلها ولم يرجع وطالت مدته تصبح تلك المساوئ حسنات في نظره، ولا أشك أن عاقلاً ينكر هذا، فالذي استدام المعصية زمناً ما يتصور أبداً كيف يتركها، لا يستقبحها أبداً.

    وعلى سبيل المثال: هل هناك أبشع من أن ينزو ذكر على ذكر؟ والله لا أبشع من هذه الصورة قط، وهذا من تزيين الشيطان لقوم لوط، ومع هذا إذا ألفها الشخص يعتادها، فمن هنا فكل قبيح مما قبح الله من سائر الذنوب يجب على المؤمن أن يبتعد عنه كل بعد، خشية أن يصبح يراه حسناً ويأتيه.

    وعلى سبيل المثال: هل بلغكم أن الدخان حرام أم لا؟ فالذين اعتادوه وألفوه زمناً طويلاً ما استطاعوا أن يتركوه، يعتذر إليك يقول: ما قدرت. ما سبب ذلك؟ هو الاستمرار في فعل هذه الجريمة، والذي ألف الكذب شأنه كذلك، والذي ألف أي باطل واعتاده يصعب عليه الخروج عنه، فلهذا يجب أن نتوب على الفور، ولا نؤخر التوبة يوماً ولا ساعة، زلت القدم ووقعت فقل: أستغفر الله وأتوب إليه.. أستغفر الله وأتوب إليه.. أستغفر الله وأتوب إليه، وكلك عزم وتصميم على ألا تعود إلى هذا الذنب، فإنه يمحى بإذن الله على الفور.

    والحبيب صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى من سورة المطففين: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] شرحها أيما شرح، فأخبر أنه إذا أذنب العبد ذنباً وقع في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ورجع صقل ومسح ذلك الأثر، فإن لم يتب وزاد الذنب وقع نقطة أخرى إلى جنب الأولى، والثالثة إلى جنب الرابعة، وذلكم الران الذي قال الله فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14].

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذا باب الله، ما من مؤمن ولا مؤمنة تزل قدمه، فيقول كلمة سوء، يكذب كذبة، يقول باطلاً، ينظر نظرة محرمة، يأكل لقمة حرام ثم يعلن عن توبته في صدق؛ فإن هذا الأثر يزول بإذن الله تعالى، وإذا استمر فحاله حال الثوب، إذا تسخ وغسل تنظف، وإذا اتسخ وبقي الاتساخ يوماً بعد يوم يصبح غير قابل للنظافة والغسل أبداً، فيمزق ويرمى.

    [ بيان سنة الله تعالى في تزيين الأعمال القبيحة]، يزينها الشيطان، والشياطين من الإنس والجن الماكرون يزينون أكاذيب المجرمين، يحسنون الباطل لأهله؛ لأنهم قارفوه وقائمون عليه، حتى لا يبقوا وحدهم في ميدان الباطل، فيزينونه لغيرهم حتى يقع فيه ويلازمهم ويكون معهم.

    [ ثالثاً: قلما تخلو مدينة من مجرمين يمكرون فيها ].

    قلما تخلو مدينة من مدن العالم من أكابر مجرمين يمكرون فيها، ويمنعون الحق والفضيلة والطهر والصفاء، هذه سنة الله عز وجل.

    [ رابعاً: عاقبة المكر عائدة ] على من؟ [ على الماكر نفسه ].

    لقول الله عز وجل: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، هي ثلاث: المكر كما في الآية، والثانية: البغي، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس:23]، فمن بغى فإنما يبغي على نفسه، والثالثة: النكث: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [الفتح:10]، ثلاث على أصحابها رواجع: النكث، والمكر، والبغي، ثلاث سيئات، قبائح، جرائم، على أصحابها تعود: المكر، والنكث، والبغي.

    [ خامساً: بيان تعنت المشركين في مكة على عهد نزول القرآن ].

    تعنت المشركين دلت عليه الآية، قال أبو جهل : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، حين يوحى إلينا سنؤمن، والوليد قال: أنا أكبر منه سناً وأكثر منه مالاً وولداً، كيف يكون هو رسول وأنا لا أكون رسولاً؟ كيف نمشي وراءه ونتبعه؟

    [ سادساً: الرسالة توهب لا تكتسب ].

    ما وجد على وجه الأرض من قال: لأعملن بطاعة الله ورسله حتى أصبح نبياً، ما كان ولن يكون أبداً، العباد الذين يضرب بهم المثل في الطهر والصفاء والإنابة إلى الله والرجوع والتقوى ما طمع منهم أحد أن يكون نبياً أبداً؛ من هنا علمنا أن الرسالة توهب، أي: يعطيها الله عز وجل ويهبها من يشاء، والذي يشاؤه الله هل هو صعلوك في السوق؟ لا بد أن يعده إعداداً خاصاً من صباه، بل في أرحام أمهاته وأصلاب آبائه، خيار من خيار من خيار؛ حتى يصبح أهلاً لأن يتكلم مع الله، فأمر النبوة عظيم.

    [ سابعاً: بيان عقوبة أهل الإجرام في الأرض ].

    هل عرفتم الإجرام ما هو؟ الإفساد للعقول، للنفوس، للأموال، للقلوب، للناس، كل فساد هو إجرام، وأكبر منه الذين يفسدون على الناس قلوبهم ينفخون فيها الشرك والكفر والشر والباطل والعياذ بالله.

    والله تعالى أسأل أن يطهرنا ويجنبنا من هذا الإجرام ومن أهله.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.