إسلام ويب

كل يغدوللشيخ : علي عبد الخالق القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الناس في مسيرهم إلى الله منقسمون إلى فريقين اثنين: إما غاد لإيباق نفسه وإما غاد لإعتاق نفسه.

    وفي هذه المحاضرة المباركة توضيح لهذين الطريقين، وتبيين لبعض معالمها.

    فانظر -أيها القارئ الكريم- أي الغاديين أنت، واتبع سبيل النجاة تسعد في دنياك وأخراك.

    1.   

    بعض معجزات النبي صلى الله عليه و سلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    يقول المولى -تبارك وتعالى-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    ويقول تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. ويقول تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وأسأل الله الذي جمعني وإياكم في هذه الروضة، أن يجمعنا وإياكم في روضات الجنان، إنه سميع مجيب وعلى كل شيء قدير.إني مُسَائِل مساءلة:

    إلى كم ذا التراخي والتمادي     وحادي الموتِ بالأَرْوَاح حادي

    فلو كنا جماداً لاتعظنا     ولكنا أشد من الجمادِ

    تنادينا المنيةُ كلَ وقتٍ     وما نصغي إلى قولِ المُنادِي

    وأنفاسُ النفوسِ إلى انتقاصٍ     ولكن الذنوبَ إلى ازديادِ

    إذا ما الزرعُ قارنه اصفرار     فليس دواؤه غير الحصادِ

    كأنك بالمَشِيبِ وقد تَبَّدى     وبالأُخرى مُناديها ينادي

    وقالوا قد قضى فاقْرُوا عليه     سلامَكم إلى يومِ التَنَادي

    إخوة الدين والعقيدة: لم خلقنا؟ لم أُوجدنا؟ ما الهدف وما الغاية؟ آلهدف أن نأكل؟ آلهدف أن نشرب، أن نلبس، أن نتمتع؟

    لا والذي رفع السماء بلا عمد ما خُلِقنا إلا لعبادة الله جل وعلا القائل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:57-58]، والقائل تبارك وتعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    أما والله لو عَلِمَ الأنامُ      لما خُلِقوا لما هَجَعُوا وناموا

    مماتٌ ثم حشرٌ ثم نشرُ     وتوبيخٌ وأهوالٌ عظامُ

    ليومِ الحشرِ قد عملت أناسٌ     فصلوا من مخافته وصاموا

    ونحن إذا أُمِرنا أو نُهِينا     كأهلِ الكهفِ أيقاظٌ نِيامُ

    جعل الله لنا طريقًا مستقيماً فقال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام:153] وأنزل لنا القرآن، حجة لنا أو علينا، وأرسل إلينا رسولا شاهداً علينا ومبشراً ونذيراً صلى الله عليه وسلم جاءنا بالآيات الباهرات، وبالآيات البينات، وبالمعجزات الظاهرات، هاكم بعض هذه المعجزات قبل أن نبدأ فيما نحن نريد أن نبدأ فيه.

    أعظم معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم

    أول معجزة جاءنا بها المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا القرآن الذي بين أيدينا، والذي هجرناه وتركناه؛ فكان لنا ما كان، حبل الله المتين، من تمسك به هُدِي، ومن ابتعدَ عنه ضلَّ وانحرف وإلى النار وبئس القرار، وجاءت معه الآيات الأخرى؛ لتقيم الحُجَج على الذين يريدون أن يتنكبوا الطريق.

    الذئب يشهد بالرسالة

    روى الإمام أحمد -رحمه الله- في مسنده: أن أعرابياً خرج بغنمه على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم ليرعى الغنم، وبينما هو مع غنمه إذ بذئب يعدو على شاة، فيتقدم فيأخذ الشاة من فم هذا الذئب، فيكون من هذا الذئب أن يُقعِي عنه بعيداً، ويقول له -ويتكلم كلام الإنس-: أما تتق الله؟! تأخذ رزقًا ساقه الله إليَّ. فقال: يا عجبي! ذئب يتكلم كلام الإنس.

    قال الذئب: وأعجب من ذلك رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بشر يخبركم بأنباء من سبق.

    فلم يملك الأعرابي نفسه، وأخذ غنمه وسار بها إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فيدخل بها المسجد، ويضعها في زاوية من زوايا المسجد؛ ليدخل إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم ويخبره الخبر، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن نادى في الناس: الصلاة جامعة.

    فاجتمع الناس كلهم، فقال للراعي: قل لهم ما رأيت، وما سمعت، فقام فذكر قصته مع الذئب، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: {صدق والذي نفسي بيده! لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس} ولقد حصل هذا على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    هذه آية حصلت على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فانقسم الناس أمامها إلى فريقين؛ فريق آمن وصدق، وفريق آخر تنكب الطريق، والفريقان مقتسمان إلى قيام الساعة.

    حادثة انشقاق القمر

    روى مسلم: أن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية ليؤمنوا به، فطلب من الله جل وعلا أن يريهم آية، فانفلق القمر في تمامه نصفين، نصف على جبل أبي قبيص ونصف على الجبل المقابل له، فماذا كان منهم؟ هل صدقوا وآمنوا كما وعدوا؟ ما كان منهم إلا أن تنكبوا، وقالوا: هذا سحر، سحر أعيننا محمد. وقال المنصف منهم: نذهب إلى أهل البادية، ونرى هل رأوه في تلك الليلة قد انفلق فلقتين على الجبلين؟ فذهبوا إلى أهل البادية وسألوهم، فأخبروهم بأنهم قد رأوه قد انفلق فلقتين على الجبلين في تلك الليلة، فقالوا: سحر مستمر، عم الحاضرة والبادية!

    نسأل الله العافية! إذا طمست البصيرة فلا تنفع آية، ولكنها حجج تقذف عليهم لتقام عليهم أمام الله جل وعلا: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1-2] سحر عمَّ الحاضرة والبادية.

    مخاطبة الحجر والشجر للرسول صلى الله عليه وسلم

    ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث: أنه كان يمر على الشجر فيقول: السلام عليك يا رسول الله! ويمر على الحجر فيقول: السلام عليك يا رسول الله! روى مسلم في صحيحه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {والله! إني لأعلم حجراً كان يسلِّم عليَّ بـمكة قبل أن أبعث} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    شكوى الظبية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

    والآيات كثيرة، وأكتفي بآية أخيرة ذكرها أبو نعيم في دلائل النبوة، يقول: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ذات يوم خارج المدينة ، وإذ بفسطاط -خيمة- ومشدود بهذا الفسطاط ظبية -غزالة- وإذ بها لما رأت المصطفى صلى الله عليه وسلم ذرفت عيونها الدموع، فتقدم إليها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله! إن لي خشفين صغيرين -وليدين صغيرين- وأمسكوا بي ولم أرضعهما منذ الصباح، فأذن لي لأذهب لأرضعهما وأعود. فقال: من صاحب الظبية؟ من صاحب الغزالة؟ قالوا: نحن يا رسول الله! قال: ائذنوا لها لتذهب وتعود. قالوا: من يضمن ذلك يا رسول الله؟ قال: أنا.

    فأطلقوها، فذهبت وأرضعت خشفيها، وعادت إليهم؛ وفاءً بالعهد -يوم ضاع الوفاء بين كثير من الناس- فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أتبيعونها؟ قالوا: هي لك يا رسول الله! بلا بيع؛ فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الضب يشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة

    آيات وآيات .. الضب يأتي به الأعرابي، ويرفعه في يده، ويقول: لا أومن حتى يشهد أنك رسول الله. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم للضب: {أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: أشهد أنك رسول الله}.

    والآيات كثيرة وكثيرة. لكن مع هذه الآيات، ومع أعظمها؛ وهو القرآن وجدت عقول جامدة، وقلوب فارغة ساهية لاهية غافلة، لا تقبل الحق ولا تؤمن به، كالكوز مُجَخِّياً، لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً.

    أرأيتم لو أن كوباً وضع على وجهه، وأدخلنا فيه من المياه، وهو منصوب على ظهره لن يدخل فيه قطرة واحدة، وهم يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    1.   

    أحوال الناس في مسيرهم إلى الله

    هل اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد، بل وقف يوم نزل عليه قول الله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] فنادى، وعمَّ وخصَّ، وقال: (يا بني كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد ! أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنكم من الله شيئاً، لا يغني أحد عن أحد). فغدا البعض بعد هذا وانقسموا إلى قسمين، غدا البعض منهم لإعتاق نفسه من النار؛ فهو الفائز، وغدا البعض الآخر ليوبق نفسه، ويهلك نفسه، فهو الخاسر.

    وكل يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها، وهذا هو عنوان المحاضرة.

    انظر من أي الفريقين أنت؟ وصنف نفسك مع أي الصنفين تكون، وانظر أي الغاديين أنت، حدد موقعك، واعرف مصيرك، فأنت أحد غاديين لا محالة.

    أحوال الناس مع التوحيد

    أما غاد فيغدو من بيته ليهلك نفسه، وليوبق نفسه؛ بالإشراك بالله -الذي لا إله إلا هو، إن تكلم فلا تسمع إلا ألفاظ الشرك تفوح من فمه، وألفاظ الشرك ما أكثرها، متعددة بين الخلق الآن وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، يخرج الرجل من بيته، وفي أدنى المواقف لا تسمعه إلا يستعين بغير الله جل وعلا: خذوه .. واعملوا به .. وافعلوا به .. وفي صلاته يردد بعد ذلك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أين الاستعانة التي قصرتها على الله جل وعلا أتقولها في المسجد، فتخرج من المسجد فتخالف هذه الكلمة، فتوبق نفسك وتهلك نفسك؟ اتق الله يا عبد الله في هذه الألفاظ، وإياك أن تكررها فإنها شرك: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72] .. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] فاعصم لسانك من هذه الكلمة، فإن زللت ووقعت منك فعد إلى الله، وقل بعدها: لا إله إلا الله.

    إن أصيب أحدهم بمصيبة، بمرض في نفسه، أو أهل بيته، أو في أبنائه، لم يعد إلى الله عز وجل لم يعد إلى من يشفي، لم يعد إلى من بيده الشفاء، وإنما يذهب إلى السحرة، والكهنة، والمشعوذين، فيبيع دينه ودنياه، ناسيًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: {من أتى كاهنا أو عرَّافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم}.

    يغدو الغادي من هؤلاء فيحلف بكل شئ إلا بالله، يحلف بالطلاق، يحلف بالحياة، يحلف بالأمانة، يحلف بالذمة، يحلف بالحرام، لكنه لا يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، لا يحلف بالله العظيم الذي يستحق أن يعظم، والحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، ناسياً أو متناسياً قول مصطفاه صلى الله عليه وسلم يوم يقول: {من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك} .. {من حُلِف له بالله فليرض، ومن لم يرضَ فليس من الله} .. {من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت}، وإذا حلف لك بالله -يا عبد الله- فإياك أن توبق نفسك، وارض بهذه اليمين، وكِلْ السرائر إلى الله جل وعلا.

    هاهو كما في البخاري : إسرائيلي يحتاج إلى دنانير، فيذهب إلى آخر فيطلب منه قرض مائة دينار، فيقول له: هل لك من كفيل؟ قال: والله ما لي من كفيل إلا الله، قال: كفى بالله كفيلاً، فهل لك من شاهد؟ قال: ما لي من شهيد إلا الله، قال: كفى بالله شهيداً. فدفع له المائة دينار، وأخذها وواعده على أن يفي بهذا الوعد، وأن يرد له هذه القرضة في يوم معين، وعبر البحر إلى الشاطئ الآخر، وذهب إلى أهله وجمع هذه المائة دينار، وجاء ليرجع بها ليوصلها إلى من أقرضه إياها، ورضي بالله كفيلاً وشهيداً، جاء إلى ساحل البحر فلم يجد سفينة توصله إلى هناك، فبقي اليوم الأول، ثم اليوم الثاني، ثم في اليوم الثالث أخذ خشبة؛ عوداً من حطب، وحفر فيه حفرة، ثم أخذ المائة الدينار وأدخلها فيه، وذاك ينتظر على الشاطئ الآخر ثلاثة أيام، يريد أن تعاد له قرضته، ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل. ظن أنه خانه، ظن أنه غدر به، وما كان من هذا إلا أن أخذ الدراهم والدنانير ووضعها في الخشبة، ثم قال: يا رب؛ اللهم إني استقرضته فأقرضني، فلم أجد كفيلاً إلا أنت فرضي بك، ولم أجد شهيداً إلا أنت فرضي بك، اللهم فبلغه هذه الدنانير، ثم رمى بالخشبة في البحر.

    ويرسل الله الريح، وتأخذ الخشبة إلى الشاطئ الثاني، ويقابلها هذا هناك وهو ينتظر السفينة فلم يجد، قال: أعود بهذا العود حطباً لأهلي خير من أن أعود بلا شيء، فأخذ هذا العود، وهو لا يعلم ما بداخله، وذهب به إلى أهله يريد أن يجعله حطباً، وجاء ليكسر العود وإذ بالمائة دينار في وسطه، فقال: لا إله إلا الله، من رضي بالله كفاه الله، من توكل على الله كفاه الله. فهل رضينا بالله؟!

    غادٍ يغدو ويُحْلف له بالله فلا يرضى بالله، ويحلف له بغير الله فيرضى بذلك: {وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها}.

    وذاك غاد آخر يغدو لإعتاق نفسه، إن تكلم فبذكر الله، وإن استعان فبالله القادر، وإن سأل فبالله المعطي.

    لا تسألنَّ بُنَيَّ آدمَ حاجةً     وسل الذي أبوابه لا تحجبُ

    الله يغضب إن تركت سؤالَه     وبُنَي آدمَ حين يُسْألُ يغضبُ

    إن أصيب بأمر من الأمور .. بمرض من الأمراض .. بمصيبة، لجأ إلى الله الذي يجبر كسر المصابين، ثم طلب الأسباب الشرعية، لا الأسباب الشركية، إن حلف فبالله، وإن حُلِفَ له بالله رضي، فهو غاد في حفظ الله، وعائد في عناية الله، وكل يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    أحوال الناس مع الصلاة

    وغاد آخر يغدو ليترك الصلوات، ويتبع الشهوات، فيوبق نفسه، كأنه لم يسمع قول ربه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59] وقال في الآية الأخرى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] وويل وغي أودية في جهنم، تستعيذ جهنم من حرها، لو سيِّرت فيها جبال الدنيا لذابت من شدة حرها: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:42-43].

    ويغدو بعض الناس إلى الملاعب ويترك المساجد، يغدو إلى كل مكان إلا هذه البقعة التي فيها الصلة بالله جل وعلا. الصلاة ركن مهم، ومن أهميته فرضه الله عز وجل من فوق سبع سماوات، يُسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ويعرج به إلى السماوات العلى، لتفرض عليه خمسين صلاة، ثم تخفف إلى خمس بأجر خمسين، فضلا من الله ونعمة، فله الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً.

    ومع ذلك يغدو الغادي فيتركها، ألا إن من تركها فقد كفر. ذاك قول نبينا صلى الله عليه وسلم: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر}.

    والكفر يترتب عليه أمور -الذي يترك الصلاة وينصح فلا يعود- لا يزوج، وإن كان متزوجاً بطل نكاحه، ويفسخ العقد ولا تطلق؛ لأنها اختلفت الملة هاهنا، وإذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، ولا يستغفر له: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:113] وهناك غاد آخر ما ترك الصلاة، لكنه غدا ليصليها في بيته، وقد فوت على نفسه أجراً عظيماً، وارتكب إثماً كبيراً، إن الله جل وعلا يقول: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] ويقول أيضًا: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:36-37]. تقول عائشة رضي الله عنها كما في الصحيح: {يكون النبي صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله؛ يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويعجن عجينه، فإذا سمع الله أكبر، فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه}، ناداه منادي الله جل وعلا فترك كل شيء وذهب إلى المسجد، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هو القائل -كما في البخاري - روى سمرة بن جندب في رؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم- ورؤيا الأنبياء حق ووحي- يقول: { أتاني الليلة آتيان فانطلقا بي حتى أتينا على رجل مضطجع -ممدود- وآخر قائم عليه بصخرة، فإذا هو يثلغ رأسه بالصخرة، فيتدهده الحجر، ويشدخ رأسه، ثم يصحُّ رأسه ويعود كما كان، ثم يأخذ الحجر مرة أخرى ويفعل به مثلما فعل في المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله! ما هذا؟ قال: هذا الرجل يقرأ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة}.

    أما إن الذي لا يصلي مع المسلمين والذي يترك الصلاة قد رفض القرآن أولاً، ونام عن الصلاة المكتوبة ثانياً، وكفاه عقاباً مثل هذا الحديث، كفاه تهديداً مثل هذا الحديث إن كان له قلب: {ثلاثة لعنهم الله: رجل أَمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأةٌ باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب}.

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: [[لأن تمتلئ أذنا ابن آدم رصاصاً مذاباً، خير له من أن يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا يجب]].

    وكانت علامة المنافقين: أنهم إذا سمعوا حي على الصلاة تأخروا وأعرضوا، لذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أنطلق برجال معي معهم حزم من حطب فأحرق عليهم بيوتهم بالنار}. وفي رواية أخرى: {ولولا ما فيها من النساء والذرية لفعلت ذلك} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    أفيغدو الغادي فيترك الصلاة؟! أفيغدو الغادي فيترك الجماعة؟! والله! لو لم يكن في الجماعة إلا يوم أن تخرج من بيتك، فما من خطوة تخطوها إلى المسجد إلا كان لك بهذه الخطوة حسنة، ومُحِي عنك سيئة، ورفعت لك بها درجة، والله من فرط في هذا الأجر فهو لما سواه أكثر تفريطاً، وهو لما سواه أكثر غفلة وسهواً -يا أيها الإخوة-

    فهذا غاد وكلكم غاد، فمنكم من يوبق النفس، ومنكم من ينجيها ويعتقها.

    أما الآخر: وهو الذي عرف الله جل وعلا، وعلم أن الله عليه رقيب، وأنه له حسيب، فيغدو إلى المسجد ليصلي مع جماعة المسلمين، فيعد الله له في الجنة منزلاً كلما غدا أو راح، ويا لها من منقبة عظيمة -ناهيك عما ذكرت قبل قليل- ساهم فيها المسلمون، وركض إليها صحابة رسول الله، ولا زال يركض الراكضون لهذه الفضيلة، أن يعد لك في الجنة منزلاً كلما غدوت وكلما رحت.

    هاهو ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير كان كثيرًا ما يقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة. فيقول أبناؤه: أبتاه! تكثر من هذه الدعوة، فما الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد.

    وتحل به سكرات الموت قبل صلاة المغرب، فيقول لأبنائه -وقد سمع المنادي ينادي: الله أكبر الله أكبر-: احملوني إلى المسجد، قالوا: قد عذرك الله من فوق سبع سماوات، أنت مريض، أنت معذور، قال: لا أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا أجيب، احملوني إلى المسجد، فأخذوه بينهم حتى وضعوه وأقاموه بالصف وهو في سكرات الموت، فأدخلوه في الصف، فصلى وعندما سجد كانت السجدة الأخيرة؛ ليلقى الله عز وجل وهو ساجد: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27]؟ وهاهو حاتم الأصم -عليه رحمة الله- يتخلف مرة واحدة عن الجماعة، فيأتيه بعض أصحابه يعزونه في تخلفه عن الجماعة -وكان يعزي بعضهم بعضاً في تخلفهم عن الجماعة- قالوا: أحسن الله عزاءك في جماعة قد فاتتك، وكانوا قلة، فبكى -رحمه الله- قالوا: ما يبكيك؟ قال: فاتتني جماعة فلم يأتني إلا بعض أهل هذه المدينة، ولو مات أحد أبنائي لعزاني أهل المدينة كلها، ووالله لفوات أبنائي جميعا أهون عليَّ من فوات هذه الجماعة؛ لأنه يعلم أن هذه تنفعه، أما الولد فالله أعلم، هل ينفعه أم لا ينفعه؟ وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    أحوال الناس مع الدعوة إلى الله

    غاد آخر يغدو لإهلاك نفسه، فيسلط قلمه، ويسلط لسانه، ويسلط سنانه -أعلى المجوس؟ أعلى اليهود؟ أعلى النصارى؟ ليس على هؤلاء كلهم وإنما يسلطها- على إخوانه المسلمين، ويا له من غاد أوبق نفسه، يسخر بالمسلمين، ويستهزئ بدين الله، ويستهزئ بآيات الله؛ ليرتكب جريمة هي أعظم جريمة، ويا ليتها تكفي لوحدها! لكن هي دعوة إلى ضلال، قد يتبعه غيره، فيكون عليه هذا الوزر، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وما أكثر دعوات الضلال!

    -يا أيها الإخوة- ما أكثر الذين يسخرون بدين الله في هذا الوقت، ويحاولون إنقاص رجال العلم والتقوى في نظر الناس، ليفقدوا أهميتهم عند الناس، فيضل الناس، ما أكثر هؤلاء! لكن نقول لهم: ليبوءوا بالكفر، من مات بغيظه منهم له كفن.

    يطالعنا أحدهم ويغدو ليخرج ما في جعبته من السموم التي أبت إلا أن تخرج، أبى النفاق إلا أن يلقي براقعه إذ حان حين الواقعة، يخرج أحدهم ليكتب ما سمعتم وما تسمعون، ويخرج الآخر ليقول:

    لم يبق من كتبِ السَّماءِ كتابُ     مات الإله وعاشت الأنصابُ

    جل الله تبارك وتعالى، هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم.

    ويغدو الآخر ليسخر بدين الله، ويسود الصفحات بالسخرية بدين الله - جل وعلا- ممثلاً في رجال الحسبة، رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين لا زالوا يرقعون ويسدون في سفينة نجاة الأمة، وهؤلاء يخرقون كل يوم خرقاً.

    نقول لهؤلاء: اتقوا الله جل وعلا إن كنتم تعلمون أنكم ستعودون إلى الله، عودوا إلى الله جل وعلا ويا ليت هذا الكلام كان من غيرهم، لكن نقول -يا أيها الإخوة- ما قال القائل:

    ولو أني بُلِيتُ بهاشمي     خؤولته بنو عبد المدانِ

    لهان علي ما ألقى ولكن     تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

    إذا عيَّر الطائي بالبخل مادر     وعير قساً بالفهاهة باقل

    وقال السُّها للشمس أنت كسيفة     وقال الدجا للبدر وجهك حائل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    إن الاستهزاء بآيات الله كفر وأي كفر.

    تعلمون وقعة تبوك ، وماذا كان موقعها؟ وماذا كانت المسافة فيها؟ وماذا كان الجو في تلك الموقعة؟ يخرجون من المدينة في شدة الحر، وفي مفاوز في صحاري يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، يقطعون الفيافي والقفار تحت حرارة الشمس، ما معهم إلا الدواب التي تعرفون، أصابهم الجوع حتى إن أحدهم في ليلة من الليالي، قام ليبول فبال على جلد فأحس أنه جلد، فنفضه من البول، وأحرقه وأكله من شدة الجوع، سبعمائة كيلو متر يقطعونها في تلك الفيافي والقفار.

    وبعد هذا كله تقوم مجموعة منهم فتقول: تعالوا نقطع الطريق بالحديث، نتكلم ونتسلى، نخوض ونلعب كما يقولون، فماذا قالوا؟ قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، والكلام يتجدد ويتجدد، وسودت به الصفحات في هذه الأيام: أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:53] ماذا كان منهم؟ كان منهم أن جاء الخبر من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالوقعة، وأعلن كفرهم من فوق سبع سماوات: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    وآخر يغدو ليعتق نفسه، فيدعو الناس إلى توحيد الله، يدعو بقلمه، ويدعو بلسانه، ويدعو بهيئته، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يهدي الله به الضال، فيكون له مثل أجره لا ينقص من أجر ذلك شيء: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71] أعتقوا أنفسهم، وغدوا في عتق أنفسهم.

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    أحوال الناس مع الرضا بقدر الله

    وذاك غاد آخر في دنياه، ويصاب بمصيبة فيوبق نفسه، ويهلكها، يتسخط من قضاء الله، ويعترض على قدر الله، ما علم أن المصائب متى ما احتسبت رفعت الدرجات، ليلقى المؤمن ربه وما عليه خطيئة من الخطايا، وما علم أن الله مع الصابرين، يصاب ذلك في دنياه، فيجعل الإصابة في دينه.

    وكلُّ كسرٍ لعل اللهَ جابِره     وما لكسر قناة الدين جُبْران

    يقول عندما يصدم الصدمة الأولى، يوم يفقد حبيباً، يوم يصاب بمصيبة يقول: لم يا رب؟ يعترض على الله جل وعلا، ويتسخط من قضاء الله، يشق الجيب، ويلطم الخد، ويدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور، والملائكة تؤمن على ما يقول، فإذا به قد خسر حبيبه، وإذا به قد خسر دينه مع حبيبه -نسأل الله العافية والسلامة- فإذا المصيبة مصيبتان.

    يا أيها الإخوة: هل سيعود ميت إن ذهب؟ هل سمعتم بميت دُفن ثم عاد إليكم؟ ما سمعنا بذلك، الذي ذهب لا يعود، مرتهنون في القبور، قد حيل بينهم وبين ما يشتهون.

    هاهو شاب من شباب السلف، كانت له زوجة تحبه حباً جماً، ويقضي الله عليه بالموت الذي لابد أن يقضى على كل نفس في هذه الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فجزعت عليه، ولم تصبر، وإنما بكت، وتأثرت، وأقسمت لتبكين عليه عاماً كاملاً، وهذا ليس من الإسلام في شيء، فالإسلام يأمر بالصبر، ويأمر بأن يثبت الإنسان عند المصيبة، ويُرْجع الأمور إلى الله جل وعلا.

    ما كان منها؟ أقسمت لتضعن خيمة عند قبره، وتجلس عنده عاماً كاملاً، تبكيه هذا العام الكامل كله، وذهبت بأولاده وجلست عاماً كاملاً تبكي، فما خرج إليها في يوم من الأيام يقول لها: أحسنت، أو ما قصرت، لم يخرج إلى أولاده يوماً من الأيام، ليمسح دمعة أحدهم عن خده، لم يخرج إليهم، ووالله لو خرج إليهم ما قبلهم، ولا نظر إليهم، وإنما اغتنم الفرصة في ركعة، أو سجدة، أو تسبيحة، أو قول لا إله إلا الله التي هم بحاجة إليها وحيل بينهم وبينها.

    وبعد العام الكامل، بعد ما انتهى هذا العام أخذت أطناب خيمتها، وعادت إلى بيتها، لم تستفد إلا أنها جزعت، ولها جزاء الجازعين، وحينما جمعت أطناب الخيمة، إذ بهاتف يهتف ويقول: هل وجدوا ما فقدوا؟ وإذا بهاتف آخر يرد: ما وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا.

    يئسوا فرجعوا إلى بيوتهم، الذي يذهب -يا أيها الإخوة- لا يعود، فما عليك يا أيها المؤمن المصاب إلا الصبر.

    رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا وحبيبنا وإمامنا، ماذا كان منه صلى الله عليه وسلم؟ ابنه إبراهيم يوم يبلغ السنتين يموت بين يديه، فتدمع عيناه صلى الله عليه وسلم رحمة بهذا الطفل، فماذا يقول؟ يقول: {القلب يحزن، والعين تبكي، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون}، لا نقول إلا ما يرضي الرب وهو قدوتنا.

    ترسل إليه إحدى بناته بأن ابنها في النزع الأخير، في حالة الاحتضار، ترسل إليه ليحضر، فيقول لرسولها الذي أرسلته: {مرها فلتصبر ولتحتسب، لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شئ عنده بأجل مسمى} تسليم لله، له ما أخذ وله ما أبقى تبارك وتعالى.

    ويعقوب عليه السلام يفقد ابنه وفلذة كبده؛ يوسف حبيبه يفقده أربعين عاماً حتى إن الملائكة جاءت إليه تعرض الخدمات عليه، وتقول: ألا تشكو؟ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:86] مرد الأمور إلى الله.

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    أما الآخر فيغدو ليعتق نفسه، يصاب بالمصيبة فيحتسبها عند الله، فيعوضه الله ويبشره الله عز وجل وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن من جزاء عندي إذا قبضت صفيه -أو خليله- من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة} ما له من جزاء إلا الجنة، ونعم الجزاء الجنة يا أيها الإخوة.

    وعند الترمذي : {أن الله يقول للملائكة: قبضتم ابن عبدي؟ -والله أعلم بذلك- قالوا: نعم. قال: أقبضتم فلذة كبده؟ قالوا: نعم. قال: فماذا قال؟ -وهو أعلم تبارك وتعالى- قالوا: حمدك واسترجع -قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون- قال: ابنوا له بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد؛ فهو كالكوكب الدري الغابر في الأفق في سماء الجنة} هذا هو جزاء الصابرين.

    ولقد ذكر لنا التاريخ: أناساً كان منهم أن أصيبوا بمصائب فتحملوا، واحتسبوا، فمنهم:

    عروة بن الزبير ، ذلك المثل الحي للصبر، عروة يوم تأتي الآكلة فتصيبه في قدمه، فيقول الأطباء: نقطع القدم، قال: أصبر وأحتسب. قالوا: نقطعها من الركبة. قال: أصبر وأحتسب، وعندما زادت ورأى أنها ستسري إلى جسده كله، قال: الله المستعان، جاء الأطباء وتجمعوا يريدون قطع رجله، جاءوا بمناشيرهم -ما كان هناك مخدر- وقالوا له: تناول كأساً من خمر عله أن يذهب عقلك، فلا تجد ألم القطع، قال: كأس من خمر أشربه! عقل منحنيه ربي أذهبه بكأس من خمر؟ لا والله! ولكن إذا توضأت، ودخلت في صلاتي، وسبحت مع آيات الله البينات، فافعلوا برجلي ما تشاءون.

    تركوه حتى وقف بين يدي الله، وتعلق قلبه بالله - يوم كانوا يصلون فيخشعون لله، ويعلمون أن الله قِبَل وجوههم- فيأتون عليه بالمناشير، فيقطعوا رجله، وتنزف الدماء، ويسقط مغشياً عليه، وفي هذه اللحظة ترفس دابة ابنه محمد فيموت، مصيبتان في آن واحد، رجله تذهب، وابنه يذهب، ويفيق من غشيته، فيقول له أصحابه: أحسن الله عزاءك في رجلك، وأحسن الله عزاءك في ابنك محمد ، قال: الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، رب إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت، أعطيتني أربعة من الأطراف وأخذت واحداً، فلك الحمد أولاً وآخراً، وأعطيتني أربعة من الأولاد وأخذت واحداً، فلك الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    ويذهب ليدخل مجلس الوليد بن عبد الملك ، ويوم دخل المجلس كان هناك طفل، فقال طفل الوليد للوليد: ما أظن أصاب عروة ما أصابه إلا بذنب قد ارتكبه، فسمع ذلك، فقال:

    وأعلم أني لم تصبني مصيبة     من الله إلا قد أصابت فتى قبلي

    فقال الوليد: ابحثوا لنا عن أهل مصائب في هذا العام، عله يتسلى بهم، فإن مصيبته عظيمة. وما علموا أنه فوض أمره إلى الله جل وعلا.

    فخرجوا فوجدوا رجلاً عبدياً أعمى وراء قصر الوليد ، فأخذوه وأدخلوه على الخليفة، قال: ما مصيبتك وما خبرك؟

    قال: والله! ما كان في بني عبد رجل أغنى وأكثر مالاً وولداً مني، وجئت يومًا من الأيام فعزب لي قطيع من الإبل، فذهبت وراءه أتلمسه، وتركت أهلي، ومالي،وولدي في هذا الوادي، وبقيت ليلتين، وعدت بالقطيع، فإذا الديار خراب بلقع ليس بها داع ولا مجيب، جاء سيل فاقتشعهم كلهم؛ بقره، وغنمه، وكل ما يملك، ولم يبق إلا طفل صغير معلق في شجرة، لا زال في مهده، قال: فذهبت إليه وضممته إلى صدري، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: ثم ندَّ بعير من الأبعرة، فلحقت به -لم يبق له إلا هذا القطيع الذي عزب- وإذ بصوت الطفل يصيح، فنظرت فإذا الذئب قد أخذه، وإذا به في فمه، فلم يبق له لا مال ولا أهل ولا ولد ولا أنيس، ما بقي إلا هذه المجموعة من الإبل، لكن من كان الله معه فلا يخاف، قال: فبقيت وراء هذا البعير أطرده لأرده، فرفسني برجله فأعمى بصري فبقيت في الصحراء أتلمس، لا مال، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر، ولا أنيس، ولا حبيب، وجئت إليك هنا، ووالله! ما جئت شاكياً، لكن جئت إليك لأخبرك أن من عباد الله أناساً يرضون بقضاء الله، ويسلمون إذا قضى الله أمراً : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156].

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    ولا بأس بأن نذكر -أيضًا- حادثة أخرى، أبو ذؤيب الهذلي : ثمانية من أبنائه يصابون بالطاعون في يوم واحد، ويموتون كلهم في يوم واحد، فيسترجع ويحمد الله -عز وجل- ثم يتنفس بأبيات بعد ذلك، كانت من أم المراثي في الأدب العربي، يقول:

    ولقد حرصتُ بأن أدافعَ عنهم     وإذا المنيةُ أقبلت لا تُدْفعُ

    وإذا المنية أنشبت أظفارها     ألفيت كل تميمةٍ لا تنفعُ

    وتجلدي للشامتين أُرِيهمُ     أني لِرِيَبِ الدهر لا أَتَضَعْضَعُ

    وكل يغدو!

    أحوال الناس مع ظلم العباد

    وذاك غاد آخر ليهلك نفسه، ويهلك نفسه بأي شئ؟ بظلم عباد الله، ناسياً قول الله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42] متناسياً أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، متناسياً أن الله يرفع دعوة المظلوم فوق الغمام، ويقول: {وعزتي وجلالي! لأنصرنك ولو بعد حين}. قطع من الله وعهد من الله، يوم يجمع الأولين والآخرين، يقول: {أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وعزتي وجلالي! لا تنصرفون اليوم ولأحد عند أحد مظلمة، وعزتي وجلالي! لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم} لن يجاوز جسر جهنم أحد وهو ظالم، حتى يقتص الله تبارك وتعالى منه وهو العدل سبحانه وتعالى ويأبى الظلم حتى لو كان على كافر. هاهو سعيد بن زيد تأتيه امرأة فتشكوه إلى معاوية -رضي الله عنه- بأنه غصبها أرضها -وما كان لمثل سعيد أن يغصبها أرضها- فيقول: لقد ادعت عليك بأنك اغتصبت أرضها، فتدمع عيونه، ويقول: والله! ما كنت لأفعل ذلك، فلقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين}. أو كما قال، فلتضم أرضي إلى أرضها، وبئري إلى بئرها، ونخلي إلى نخلها، فإن كانت صادقة فذاك، وإن كانت كاذبة فأعمى الله بصرها، وأرداها في أرضها. ويشاء الله ويعمي بصرها، وتذهب في هذه الأرض لا ترى، فتسقط في البئر متردية بدعوة المظلوم التي سرت في جوف الليل.

    والبرامكة في عهد هارون الرشيد ماذا كان منهم؟ ما كان منهم إلا أن طغوا، وتجبروا، وظلموا، وتكبروا، حتى إنهم طلوا قصورهم بالذهب والفضة، ويوم يشاء الله عز وجل أن يقتص للمظلومين في هذه الحياة، وينتقم للمظلومين في هذه الحياة، فيسلط الله عليهم الخليفة، فيسجنوا ويقتل منهم من يقتل، ويسجن كبيرهم، ويدخل عليه أحد أبنائه في يوم عيد ويقول: أبتاه! بعد العز والغنى أصبحت في السجن وعلى التراب، قال: ألا تدري؟ قال: لا. قال: يا بني! دعوة مظلوم سرت في جوف الليل، نمنا عنها وليس الله عنها بنائم.

    لكن المظلوم لا ينام، لا تنام له عين، وإنما يناجي الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وبعض الناس -يا أيها الإخوة- جنَّد ظلمه على عباد الله، على الذين يريدون أن ينشروا النور بين عباد الله، فله عند الله -إذ هو من الصادين عن سبيله- النار وبئس القرار إن لم يعد إلى الله جل وعلا.

    أما صنف آخر: دنيء سلط ظلمه على الحيوانات، شجاع لكن على القطط، جريء لكن على الكلاب، تجده يعبث فيها، يدوسها بسيارته، يقتلها، يتفنن في قتلها، وسأذكر لكم حادثة لهذه الحيوانات: في صحيح مسلم : {أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطًا من حيطان الأنصار -بستان- وإذ ببعير يأتي يجرجر وتذرف دموعه من عيونه - دموع البعير- فيقترب من النبي صلى الله عليه وسلم فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: لمن هذا البعير؟ قال فتى من الأنصار: لي أنا يا رسول الله، قال: أما تتق الله في هذه الدابة التي ملككها الله؟! تجيعها وتتعبها، لقد شكا إلي مما يلاقي منك}.

    بهيمة سخرها الله لك، أفتظلمها وهي لا تستطيع أن تمتنع منك؟!

    ورجل آخر أعرفه في قرية من قرى الجنوب، هذا الرجل جاء يوماً من الأيام فجاءه حمار على برسيم له، وتقدم على هذا البرسيم فأكل منه، فطرده، فجاءه في اليوم التالي، وكل يوم يذهب ويعود إلى هذا البستان ليأكل من هذا البرسيم، فأخذه في ليلة من الليالي -يوم قلَّت مراقبة الله عز وجل في قلبه- وربطه بسيارته وهو حي، ومشى به على الأسفلت حتى قطعه قطعاً، ويوم عاد ليدخل بيته، فإذا بيته مليء بالبعوض، فأخذ المبيد الحشري، ثم قام يرشه في هذه الغرفة، ويرشه حتى امتلأت بهذا المبيد، ثم أراد أن يضيء المصباح، ومع إضاءة المصباح قدحت هناك شرارة، فاشتعلت الغرفة عليه فأحرقته، وبعد ثلاثة أيام يلقى الله جل وعلا.

    نسأل الله أن يعاملنا وإياكم برحمته، وأن يختم لنا بحسن الختام.

    يا أيها الإخوة: ظلم الحيوانات ظلم كبير يا أيها الإخوة! فما بالكم بمن يظلم الإنسان الذي كرمه الله عز وجل؟

    والأمثلة كثيرة: طاغية كان له قصر- ذكر ذلك وهب بن منبه ، ذكره الذهبي في كتاب الكبائر - وجاءت عجوز ليس لها إلا الله عز وجل فبنت كوخاً خلف القصر، وخرجت يوماً من الأيام تبحث عن رزقها، فنزل هذا الرجل يتفرج في قصره، وإذ بهذا الكوخ يشوه منظر القصر، فما كان منه إلا أن قال: لمن هذا الكوخ؟ قالوا: لعجوز لا تملك إلا هذا، قال: اهدموه، فهدموه، فجاءت -ويوم جاءت- فإذا هو مهدوم، قالت: من هدم كوخي؟ قالوا: هذا الطاغية. فرفعت يديها إلى الله، وقالت: يا رب! إن كنت أنا غائبة فأين أنت؟ فقلب الله القصر على من فيه: { وعزتي وجلالي! لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم }.

    يا ليت الظلمة يعلمون ذلك: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا}.

    يأتي رجل من الدعاة إلى الله ينصح وزيراً من الوزراء، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، يريد حياته، وذاك يريد موته، فيلطمه لطمة على خده، فيرفع يديه، ويقول: اللهم إنه لا ناصر لي إلا أنت، أسألك يا رب أن تقطع يده كما لطم خدي، وبعد أيام يؤخذ من قصره، وتقطع يده، وتؤخذ أمواله، ويوضع في السجن طريداً وحيداً فريداً، فقام يكتب على الحيطان:

    ليس بعد الحياةِ لذةُ عيشٍ     يا يميني بانت يميني فبِيْنِي

    ويكتب على الحيطان ويبكي:

    إذا ما مات بعضك فابك بعضاً     فإنَّ البعضَ من بعضٍ قريبُ

    وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42].

    آخر يغدو: ليعتق نفسه، لا يظلم أحداً، إن تكلم فبالعدل، إن حكم فبالعدل، إن خاصم فبالعدل، إن عاهد فبالعدل: {والمقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    أحوال الناس مع صلة الأرحام وبر الوالدين

    وذاك يغدو: فإلى أين يغدو؟ يغدو ليقطع رحمه، يغدو ليوبق نفسه، يغدو لتحل به اللعنة: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] .. {لما خلق الله الرحم -كما ثبت- تعلقت بالعرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال الله عز وجل: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى رضيت}.

    فمن وصل الرحم وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، وبعضهم يغدو: ليعق والديه؛ والداه اللذان كانا في يوم من الأيام يجوعان ليشبع، ويظمآن ليروى، ويعريان ليكسى، ثم يأتي جزاء الإحسان عكسياً، أتعق والديك والله يقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23]؟! قرنها مع عبادة الله جل وعلا، ويوم يجيل المسلم سمعه وبصره، يوم يجيل هذا يسمع ويرى، ويا ليته لا يسمع ولا يرى، غُيِّر اسم الأب عند بعض الناس، وأُهِينت الأم في بيوت كثير من شباب الإسلام، فما تسمع إلا شيبة النحس، وعجوز الشؤم، والدعاء بالراحة منهما، يوم كانا سبباً في وجوده بعد الله جل وعلا.

    إن رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله عز وجل في سخط الوالدين. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين}.

    دعوة الوالدين -يا أيها الإخوة- لا ترد، دعوة الوالدين مستجابة، كم من دعوة من والدٍ أوبقت دنيا الولد وأخراه، وكم دعوة أخرى أسعدت دنيا هذا الولد وأخراه.

    يقول أبان بن عياش : خرجت من عند أنس بن مالك بـالبصرة ، قال: وإذ بجنازة يحملها أربعة نفر، قال: فقلت: مسلم يموت يمر بسوق البصرة ، لا يشهد جنازته إلا أربعة نفر، والله لأشهدن هذه الجنازة، وإذ بامرأة وراء هؤلاء الأربعة، ويذهبون ويدفنونه وعندما انتهوا قال: ما هذا الرجل؟ وما حكاية هذا الرجل لا يدفنه إلا أربعة؟ أين المسلمون؟ قالوا: سل تلك المرأة، استأجرتنا لدفن هذا الرجل.

    قال: فذهبت وراء المرأة حتى دخلت بيتها، وطرقت عليها الباب فخرجت، وقلت لها: يا أمة الله! ما هذا الرجل الذي دفنتموه اليوم؟ قالت: إنه ابني، كان مسرفًا على نفسه، عصى الله، وارتكب الموبقات، ويوم حلت به سكرات الموت، قال: أماه! أتريدين لي السعادة؟ قلت: نعم، قال: إذا حضرتني الوفاة فلقنيني كلمة التوحيد، ثم ضعي قدمك على خدي بعد أن أموت، ثم ارفعي يديك إلى الله، وقولي: اللهم إني أمسيت راضية عنه، فارض عنه، قالت: وكان منه ما كان، ثم قال: ولا تخبري أحداً بموتي، فإنهم يعلمون عصياني، فلن يشهدوا جنازتي، ففعلت الفعلة، قال: فماذا حدث؟ قال: فضحكت، قال: قلت: ما يضحكك؟ قالت: والله بعد أن دفنته، سمعت صوته يهتف ويقول: يا أماه! بدعوتك قدمت على رب رحيم، غير غضبان عليَّ ولا ساخط.

    دعوة الوالدين مستجابة، دعوة الوالدين تحتاج إلى أن نكسبها ولو بذلنا في ذلك كل شيء، ولو بذلنا الأبناء، ولو بذلنا الزوجات، ولو بذلنا كل شئ في سبيل هذه الدعوة لهان ذلك.

    منازل ! مثل للعقوق عند العرب، شاب منهمك في اللهو والمعاصي، لا يفيق من سكرة إلا ويطيح بسكرة شهوة أخرى، من لذة إلى لذة، وأبوه يدعوه إلى الله، ويطلب منه أن يكف عن هذه المعاصي، وأن يرعوي فيلطمه يومًا من الأيام، فيحلف بالله ليحجن البيت، وليتعلقن بأستار الكعبة يدعو عليه، ويحج إلى البيت، ويتعلق بأستار الكعبة، ويقول:

    يا من إليه أتى الحجاجُ قد قطعوا     أرضَ المَهَامِه من قربٍ ومن بُعدِ

    هذا منازل لا يرتد عن عَقَقِي     فخذُْ بحقي يا رحمنُ من ولدي

    وشلَّ منه بحولٍ منك جانِبَه     يا من تقدَّس لم يُولد ولم يَلِد

    فشل جانبه الأيمن.

    دعوة الوالد مستجابة، دعوة الوالد لا ترد، والأمثلة على ذلك كثيرة.

    وأذكر لكم مثلاً من الواقع، حكاه لي أحد الإخوة الذين أثق بهم، يقول: كان له جد لا ترد له دعوة، وكان أبوه راعياً للغنم في فترة مضت، قال: وكان هذا الأب قد سمع في تلك الأيام بأن السلك العسكري فتح أبوابه ليتوظف الناس، وهو في قرية، فقال: أترك الغنم، وأذهب لأتوظف، وذهب إلى أبيه وقال: يا أبتاه! أريد أن أذهب وأتوظف، وأصرف عليكم، خير لي من أن أبقى وراء هذه الغنم، ابحث عمن يرعاها، قال: لا آذن لك. قال إذاً أذهب. قال: والله لا أستطيع منعك، ولكن ما لي عليك إلا سهم أوجهه في وسط الليل إلى الله جل وعلا قال: فذهب وخاف ولم يستطع أن يذهب، وبقي أياماً وإذا الناس يتوافدون للدخول في السلك العسكري.

    قال: وجئت في يوم من الأيام فأعطيت الغنم أحد جيراني، وذهبت مع مجموعة من الشباب، ولم أستأذنه في هذه المرة، فذهبت ولم يخبروا أبي إلا في اليوم الثاني أنني قد ذهبت، قال: فرفع يديه إلى الله جل وعلا وبينما هم في الطريق لم يصلوا إلى الطائف بعد، وإذ به يعمى وهو بينهم، فذهبوا به إلى الطائف ، فقالوا: هذا لا يسجل، هذا أعمى أعيدوه إلى أهله، فأخذوه ودخلوا به على والده، ويوم دخل في فناء البيت، وإذ بأبيه يسمعه ويعرفه -ولا أريد أن أذكر اسمه- وإذ به يقول: أأصاب السهم يا بني أم لم يصب؟ قال: إي -والله- دخلت عليك أعمى.

    فأدخلوه عليه فتأثر، وندم، وود أنه لم يدع عليه هذه الدعوة، وقام ليله كله -يقول هذا الأخ- وهو يبكي، ويضرع إلى الله أن يرد بصر ولده، قال: يبكي ومن كثرة تأثره بما أصاب ولده، يأتي إليه فيلحس عينه بلسانه، ثم يعود يصلي، ويدعو الله -عز وجل-. يقول: وما طلع الفجر إلا وقد عاد بصيراً كما كان. وهو رجل وداعية معروف، ووالده داعية معروف، وجده داعية معروف، لا أريد ذكر اسمه.

    المهم أن دعوة الوالدين يجب أن نكسبها، ويجب أن نجعلها في أيدينا دائماً؛ لتنير لنا الطريق - بإذن الله- إلى الجنة، لكن الصور السيئة أكثر وأكثر، وهي صور -أيضًا- من الواقع، صورة بسيطة حدثت في منطقة الجنوب أيضاً:

    بائع مجوهرات يحكي لي ويقول: جاءتني مجموعة في آخر رمضان، رجل وزوجته، وأمه، وابن هذا الرجل، قال: فجاءوا ودخلوا علي، قال: وكانت الأم على حياء واستحياء، معها ابن هذا الرجل -ابن ولدها، وابن الابن عند الأم كالابن- فأخذته ووقفت في الجانب، وجاءت زوجته، وأخذت من الذهب ما يساوي عشرين ألفاً، قال: وتقدمت الأم وأخذت خاتماً واحداً من ذهب قيمته تساوي مائة ريال.

    قال: وعندما جاء ليدفع الحساب دفع العشرين ألفاً، ويوم دفع العشرين ألفاً قال صاحب المحل: بقي مائة ريال، قال: لأي شيء؟ قال: لهذا الخاتم الذي أخذته أمك -أخذته العجوز- قال: العجائز ليس لهن ذهب، وأخذه من يدها ورماه على الطاولة.

    فما كان من الأم إلا أن تجرعت غصصها، وأخذت ابنه بين يديها وخرجت إلى السيارة، فأنبته زوجته، قالت: إنها ستخرج من عندنا، والزوجة لم تكن حريصة إلا على أن تمسك ابنها لها، لكن الأم ذاقت من المرارة ما ذاقت، ابنها يبخل عليها بمائة، ويعطي زوجته بعشرين ألفاً. أي ظلم هذا يا أيها الإخوة؟!

    قال: وعندما أنبته زوجته أخذ الخاتم، وذهب به إليها، قالت: والله لا لبست ذهبا ما حييت أبداً، ما كنت أريد سوى أن أفرح به يوم العيد مع الناس، فقتلت هذه الفرحة في نفسي، فسامحك الله.

    إلى أين يذهب هؤلاء يا أيها الإخوة؟!

    هذه صور من الواقع، وهذا جزء مما أعرف، وهذا يدل على أن هناك خلل في التربية، وخلل في البيوت، فلابد من إصلاح هذا الخلل، يصبح الابن مطواعاً، والله ما أطاع الله عبد إلا سهل له ولداً صالحاً يدعو له ويقوم على خدمته بإذنه تعالى، فضلاً من الله ومنَّة.

    حق الوالدين عظيم يا أيها الإخوة: يطوف أحد الطائفين في أيام الحج، وعلى ظهره أمه، ويراه عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- فيقول لـعبد الله : يا عبد الله ! أتراني أوفيتها حقها؟ هي أمي، قال: ولا طلقة من طلقات الولادة، ما أوفيتها حقها. طلقة واحدة من طلقات الولادة، ما أوفيتها حقها.

    بروا تبروا، البر دين، البر قرضة متى ما أعطيت اليوم براً وجدت براً بإذن الله جل وعلا والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.

    يذكر أهل السير أن رجلا بلغ من الكبر عتياً، فوقف عليه ابنه يخدمه حتى ملَّ منه، ثم أخذه يوماً من الأيام على ظهر دابة، وخرج به إلى الصحراء، وجاء به إلى صخرة، قال: ما بك يا بني؟ قال: أريد أن أذبحك، مللت منك، ولا أستطيع القيام بخدمتك، قال: أهذا جزاء الإحسان يا بني؟ قال: لابد من قتلك، قال: إن أبيت إلا قتلي فاذبحني عند تلك الصخرة، قال: فما ضرك أن تكون هذه أو تلك؟ سأذبحك، قال: لقد ذبحت أبي عند تلك الصخرة. فإن كان الجزاء من جنس العمل فاذبحني عند تلك الصخرة، ولك يا بني مثلها، يقول: سيمتد بك الزمان، وسيهيئ الله لك من يذبحك عند تلك الصخرة وكل يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها.

    والآخر يغدو ليبر والديه، ويصل رحمه، فيبره الله جل وعلا، ويصله الله عز وجل، ويدخله فوق ذلك الجنة. شعاره: {ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها}.

    هاهي الشيماء بنت الحارث أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، رضعت معه في بادية بني سعد في الطائف ، رضعت معه وهي لا زالت في المهد هي وإياه، وبعد أربعين عاماً تسمع بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد انتصب وأصبح رسولاً نبياً وهو في المدينة ، فما كان منها إلا أن جهزت رواحلها، وجهزت كل ما تأخذه من متاع من بادية بني سعد بـالطائف ، تريد أن تذهب إلى أخيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، تقطع الفيافي والقفار، وتذهب إلى هناك.

    ويوم وصلت وإذا النبي صلى الله عليه وسلم خارج المدينة يجيش الجيوش، ويدبر أمر الأمة، وإذ بـعمر يلتقي بها فتقول: ائذن لي بالدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنت؟ قالت: أنا الشيماء بنت الحارث أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أرضعتني وإياه حليمة السعدية.

    فما كان منه إلا أن أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، فترقرقت عيونه بالدموع وترك مجلسه، وقام ليقابلها، تذكر الوشيجة، وتذكر تلك الرضعات، وتذكر القرابة، وتذكر صلة الرحم، وقام ليلقاها، ويعانقها عناقاً حاراً، عناق الأخ لأخته بعد أربعين عاماً، ثم يقول لها: أهلاً بك يا شيماء ! -أو كما يقول- ويرحب بها، ثم يجلسها صلى الله عليه وسلم في مكانه، ثم يظللها من الشمس، ثم يسألها عن أهلها، وعن أهل بلدها، وعن ربعها هناك.

    ثم يخيرها فيما بعد ويقول يا شيماء : إن شئت الحياة حياتي، والموت موتي، وإلا إن شئت أن ترجعي لأهلك، فأنت بالخيار-أو كما قال صلى الله عليه وسلم- فاختارت أن ترجع إلى أهلها، فجهز لها ما جهز، وعادت إلى أهلها؛ ليضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً في صلة الرحم لرضعات بينه وبين الشيماء ، ماذا كان منه؟ كان منه أن أجلسها في مكانه، وظللها، وجعل الحياة حياته، والموت موته، خيرها بين كل شيء، برضعات بينه وبينها.

    فأين الذين قطعوا أمهاتهم، وقطعوا خالاتهم، وقطعوا عماتهم؟ بِمَ يلقون الله جل وعلا؟

    كل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    أحوال الناس مع الذكر

    والناس رجلان غاديان؛ غاد إلى حلقات الذكر، يذكر الله، تحفه الملائكة، وتتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، ويذكره الله فيمن عنده، وآخر معرض عن ذكر الله عز وجل فما مثل هذا إلا كما قال الله عز وجل: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45].

    أحوال الناس مع الشهادة

    غاد يغدو ليهلك نفسه، فيشهد شهادة الزور- يوم أصبحت شهادة الزور قرضة يتبادلها الناس- اشهد لي زوراً وأشهد لك زوراً، هذه عنوان غالب الناس، وما علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقوم شاهد الزور من مكانه حتى تجب له النار}.

    أحوال الناس مع الرزق

    وآخر يغدو: ليهلك نفسه في البحث عن الرزق الحرام، فمطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، بيعه حرام، وماله كله حرام، إن تصدق من هذا المال لم يقبل منه، وإن خلَّفه وراء ظهره كان زاداً له إلى النار: {إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوماً} ومع ذلك ولغ البعض من الناس، في الربا، واستحلوه وسموه بغير اسمه، وما علموا أن: {الربا بضع وسبعون شعبة: أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه} كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم وأخبر: {أن درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية} والربا عمَّ وطمَّ، وسمي بغير اسمه، وتدول بين الناس، وما كأنَّا سمعنا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279] ومن ذا يحارب الله ورسوله؟! تداوله من أوبقوا أنفسهم، ولو لم يكن في التعامل بالربا إلا أنه لا ترفع لهذا العبد دعوة لكفى بذلك زاجراً.

    والآخر يغدو ليعتق نفسه، يبحث عن اللقمة الحلال- وهي نادرة- فمطعمه حلال، ومشربه حلال، وغذي بالحلال، ذاك يغدو ليهلك نفسه، وهذا يغدو ليعتق نفسه.

    هاهو أبو بكر-رضي الله عنه- يأتيه غلام بطعام فيأكل منه لقمة واحدة، ثم يسأله: من أين لك هذا الطعام؟ قال: من كهانة كنت قد تكهنتها في الجاهلية. ثمن لكهانة! فما كان منه إلا أن وضع إصبعيه في فمه يريد أن يخرج ما أكل، وكادت تخرج روحه وما خرجت، فلاموه، فقال: والله! إن لم تخرج إلا وروحي معها لأخرجتها؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به}.

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    أحوال الناس مع أعراض المسلمين

    وذاك يغدو: ليهلك نفسه فيسلط لسانه على عباد الله؛ يغتابهم ويبهتهم في غيابهم، ناسياً قول الله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات:12] وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {يوم عرج بي مررت على أقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يقعون في لحوم الناس، ويأكلون أعراضهم} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    والآخر يغدو ليدافع عن أعراض المسلمين، ليرد عن أعراض المسلمين فيرد الله عن وجهه النار يوم القيامة.

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    وذاك يغدو ليهلك نفسه بالإفساد بين الناس بالنميمة، والوشاية، ناسياً قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {لا يدخل الجنة نمام}.

    والآخر يغدو للإصلاح بين الناس فأجره على أكرم الأكرمين سبحانه وبحمده.

    أحوال الناس مع الغناء

    وذاك يغدو ليهلك نفسه، ويقسي قلبه بسماع الغناء الماجن، الذي حرمه الله جل وعلا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان:6] وكأنه لم يسمع قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف}. والمعازف جميع آلات اللهو بأنواعها، ومع ذلك نشتري الخنا بدراهمنا وأموالنا، وندخله إلى بيوتنا لتتفسخ الأسر، ولتتحلل الأسر، وبأموالنا نضعه في بيوتنا، فيخرج الأبناء منها عققة، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام.

    والآخر يغدو ليسمع آيات الله، ليسمع كلام الله عز وجل يقرع قلبه، فيلين قلبه، وتدمع عينه، ويطيع ربه، ويدخر الله له غناء ليس كهذا الغناء، غناء الحور العين في جنة عدن، عند مليك مقتدر.

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    والكلام يطول في هذه العبارة. فيا من غدا لإعتاق نفسه! جِد واجتهد، واغتنم، ولا تأمن، وسل الله الثبات حتى الممات، وأكثر من قول: يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك.

    ويا من غدا لإهلاك نفسه وإيباقها! وأمهله الله عز وجل دعوة لك، ودعوة إلى كل من أمهله الله عز وجل: عد إلى الله، بادر في فكاك نفسك ورقبتك من النار في زمن الإمكان، عد إلى الله تجد الله تواباً رحيماً، هو القائل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] هو القائل تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] ونعم الجزاء جزاؤهم، هو القائل: {يا بن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة} .. {يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها}. هو القائل: {يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم}. هو الرحيم تبارك وتعالى، هو من سبقت رحمته غضبه تبارك وتعالى وإليكم هذا الحديث: جاء سبي إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وبين السبي امرأة والهة على ولدها، ضيعت ولدها، رسول الله يراقبها، تبحث بين الأولاد عن ولدها، تأخذ هذا وترمي هذا، وعندما وجدت ولدها أخذته وضمته على صدرها، فيقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا والله، وهي تستطيع ألا تطرحه، قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها}. فيا من رحمته وسعت كل شيء: ارحمنا برحمتك.

    1.   

    صورة لغاد في إعتاق نفسه

    أخيراً أيها الإخوة قد غدا الغادون، فمن غدا لإيباق نفسه؛ ومن غدا لإنقاذها.

    وهذه صورة أختم بها هذه المحاضرة، أسأل الله أن ينفعني وإياكم بها.

    شاب من الشباب -ذكر أحداث هذه الحادثة الشيخ أحمد الطويل حفظه الله- كانت أحداثها في مدينة الرياض شاب بين الثلاثين والأربعين، ما عرف قدر نعمة الله عز وجل عليه، هذا الشباب ما ينام ليلة إلا على كأس خمر، أو على زنا، ويشاء الله -عز وجل- أن يتزوج، وتكون له ابنة، وظنوا أنه يوم تزوج أنه سيعود إلى الله -عز وجل- وسيرجع إلى الله -عز وجل- وسيكتفي بالحلال الذي بين يديه عن الحرام، لكنه كان يترك زوجته ويذهب يبحث عن الحرام، يقول: لا أنام ليلة من الليالي إلا على زنا، أو على كأس خمر، وكان أن تواعد مع أصحابه بعد أن جاءت له طفلة، فما كانت تراه أبداً، ترعرعت وهي لا تراه أبداً، بالليل مع قرناء السوء، وفي النهار في عمله، فلا تكاد تراه إلا قليلاً، وبلغت الخامسة من عمرها لا تعرف أباها إلا نادراً.

    وما كان منه في ليلة من الليالي إلا أن تواعد مع قرناء السوء- الذين أفسدوا شباب الإسلام- تواعدوا على أن يجتمعوا على شرب الخمر، ويشاء الله عز وجل أن يتخلف عنهم، يوم أراد الله عز وجل أن يعتق نفسه، فتخلف عنهم قال: فذهبت أبحث عنهم يمنة ويسرة فما وجدتهم، ووالله ما كان ذلك حباً فيهم، ولكني أقول: كيف أبات ليلة من الليالي لا أشرب كأس خمر؟ ولمَّا لم يجدهم ذهب إلى قرين سوء آخر، لديه بضاعة من نوع آخر؛ وهي الأفلام الخليعة، ذهب وأخذ فيلماُ خليعاُ، يقول: يستحي إبليس من رؤية هذا الفيلم، قال: ورجعت إلى بيتي في الساعة الثانية ليلاً في ساعة يتنزل فيها الرب تبارك وتعالى فيقول: (هل من مستغفر فأغفر له؟) دموع الطائعين الذين يريدون إعتاق أنفسهم تهراق على وجوههم من خشية الله في تلك الساعة، والعاصون الموبقون لأنفسهم يرضعون المعاصي في تلك الساعة.

    قال: دخلت البيت ونظرت لزوجتي وابنتي فإذا هما نائمتان، قال: فدخلت غرفة فيها هذا الجهاز جهاز الفيديو الذي لطالما أفسد بيوت المسلمين، ومع ذلك نشتريه بأموالنا ونجعله قنبلة موقوتة في بيوتنا، الله أعلم متى تنفجر قال: وأدخل وأضعه في الجهاز، وأبقى لأستمع وأرى، قال: وإذ بالباب يُفْتح، قال: دهشت وخفت، وقلت: من يدخل عليَّ في هذه الساعة؟ قال: ونظرت فإذا هي ابنتي الصغيرة، تنظر إليَّ بنظرات حادة، نظرات قاسية، وتقول: عيب عليك يا والدي اتق الله! قال: ثم رجعت، فدهشت وتحيرت وقلت: من أنطقها؟ من علمها؟ بقيت في حيرتي، قال: فقمت ونظرت إليها فإذا هي نائمة، وأمها نائمة.

    قال: ورجعت وأقفلت هذا الجهاز، وخرجت أهيم في الشارع، وإذ بمنادي ينادي: الله أكبر الله أكبر - نداء يحرمه كثير من الغافلين في تلك اللحظة، نداء صلاة الفجر- يوم سمع هذا النداء قال: فاستجابت نفسي للذهاب إلى المسجد، قال: فذهبت، ودخلت دورات المياه، وتوضأت واغتسلت، ودخلت مع الإمام، وعندما سجدت انفجرت بالبكاء، قال: وانتهت الصلاة، فقال صاحبي الذي بجانبي: ما يبكيك يا أخي؟ قال: سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة، بأي وجه ألاقي ربي - لا إله إلا الله! سبع سنوات لم يسجد فيها لله سجدة، بأي وجه يلاقي ربه- فعزاه هذا، وقال: الله تواب رحيم، عد إليه تجده تواباً رحيماً، خرج الناس من المسجد، وبقي في مكانه لم يخرج، تذكر ذنوبه، وتذكر فضائحه، وتذكر جرائمه.

    وحان وقت الدوام، وذهب إلى دوامه، فدخل على زميل له صالح لطالما نصحه، ولطالما حاول أن يعيده إلى الله فما أفلح، وإذ به يدخل عليه قال: والله! إنك بوجه غير الذي أعرفه منك، قال: إن نبأي عظيم، وخبري عجيب، وأخبره بقصته مع ابنته، ثم قال له: احمد الله الذي أرسل إليك ابنتك وأنطقها، فوالله ما أنطقها إلا رب الأرباب، ولم يرسل إليك ملك الموت ليقبض روحك، وأنت على الحالة التي تعرف.

    ثم استأذن وذهب، وأراد أن يذهب إلى البيت لكنه ما ذهب إلى البيت، بل ذهب إلى مصلى الدائرة التي يعمل فيها، وبقي يصلي، به شوق عظيم إلى الصلاة، ونزل هذا الزميل في وقت صلاة الظهر، وإذ به أمامه يصلي، قال: ما بك؟ ألم تذهب لترتاح؟ قال: يا أخي! إن بي شوقاً عظيماً للصلاة، سبع سنوات ما ركعت فيها لله ركعة، بأي وجه ألاقي ربي؟!

    ويذهب إلى بيته، ويتواعد مع زميله على أن يتجاذبا أطراف الحديث بعد صلاة العشاء، ويذهب إلى البيت، فما رأى ابنته أبداً، دخل إلى البيت وإذ بزوجته تصرخ وتبكي وتقول: ابنتك ماتت، فينفجر من البكاء، ويتردد وينهار ويردد مقالتها: عيب عليك يا والدي اتقِ الله! ثم يتصل بزميله، ويأتي ويغسلونها، ويذهبون بها إلى المقبرة، بعد أن صلوا عليها صلاة العصر قال: وعندما وصلنا إلى المقبرة قال زميله: خذ ابنتك وضعها في لحدها، وكأنه يقول له: موعدك أيضًا هذا اللحد، فأخذ ابنته بين يديه، ثم دخل ليضعها في اللحد ودموعه تقطر على وجنتيه:

    وليس الذي يجري من العين ماؤها     ولكنها روحٌ تسيلُ فتقطرُ

    روحه تسيل من دمعه، قال بصوت حزين أبكى جميع من حضر الدفن: أنا والله لا أدفن ابنتي، ولكني أدفن النور الذي أراني النور.

    هذه البنت ردته إلى الله جل وعلا بإذن ربه، أرته نور الهداية بعد أن كان في الضلالة والغواية.

    فيا من أخطأ! ويا من أسرف! -وكلنا ذلك المخطئ، وكلنا ذلك المسرف-: لنعد إلى الله فنعتق أنفسنا.

    اللهم إنا نسألك أن تيسر الهدى لنا، وأن تهدي بنا، وأن تهدينا.

    يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.