إسلام ويب

تفسير سورة النحل (27)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يربي الله عز وجل الدعاة إليه ويرشدهم إلى أفضل الطرق في تبليغ رسالته مراعين في ذلك أحوال المدعوين، فمن كان من أهل الإيمان فدعوته تكون بالحكمة والوعظ المؤثر، ومن كان من أهل الديانات الأخرى فالجدال الحسن خير أسلوب للتعامل معه، فلا تعيير ولا شتم لأن الهداية بيد الله، وكما ينبغي للداعية أن يكون قدوة في أقواله يجب عليه كذلك أن يكون قدوة في أفعاله، فهو أنموذج في العفو وعدم المجاوزة في العقوبة، وهو كذلك مثال في الصبر على أعباء الدعوة وتحمل أذية المخالفين، لأنه مرتبط بالله فهو الذي يعينه على الصبر والتحمل ويوفقه للتقوى وحسن التعامل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:125-128].

    اللهم اجعلنا منهم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة، والآيات القرآنية تترى في نزولها عليه، وهذه الآية من آخر ما نزل في مكة من سورة النحل، وهي قوله جل وعز: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    توجيه رباني وتعليم إلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله له: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل:125].

    معنى قوله تعالى: (سبيل ربك)

    هل تعرفون سبيل الله ما هو؟ إنه الإسلام، الطريق الموصل إلى رضا الله والنزول بجواره في الملكوت الأعلى، ذلكم هو سبيل الله، الطريق الموصل إلى الله هو السبيل.

    ما الذي يصل بنا إلى الله؟ الإيمان والأعمال الصالحة بعد البعد عن الشرك والمعاصي.

    ادع الناس إلى أن يعبدوا الله وحده، فيمتثلوا أمره ويجتنبوا نهيه، فتزكو نفوسهم وتطيب أرواحهم ويصبحون أهلاً لولاية الله وكرامته.

    ادْعُ [النحل:125] يا رسولنا إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل:125] أي: ادع الناس عربهم وعجمهم، ادع أهل مكة وغير أهل مكة إذ هذه وظيفتك.

    معنى قوله تعالى: (بالحكمة والموعظة الحسنة)

    قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل:125] ولكن بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125] الحكمة: القرآن، والموعظة الحسنة: ما في القرآن من مواعظ وعبر، إذ القرآن مملوء بالقصص والأحداث والعظات والعبر.

    يعني: ادع إلى سبيل الله بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وكل داع بعده إلى اليوم إذا دعا الناس إلى سبيل الله يدعوهم بالكتاب والسنة.

    الحكمة: القرآن، والموعظة الحسنة: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي أوحيت إليه كما أوحي إليه القرآن، إذ قال: ( لقد أوتيت القرآن ومثله معه ) ولكن القرآن فيه من العظات والعبر وأنواع الهداية ما لا يحصى، فطلب إليه أن يدعو إلى سبيل الله الناس لكن بالكتاب والسنة بالحكمة والموعظة الحسنة.

    معنى قوله تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن)

    وقوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] الجدال: المخاصمة.

    والرسول -وكل داع- يتعرض للجدال والخصومة مع من يدعوهم، ففي هذه الحال يا رسول الله! جادلهم، وخاصمهم بالتي هي أحسن، فلا سب ولا شتم ولا تعيير ولا تقبيح ولكن بالكلم الطيب.

    وهذا هو سبيل رسول الله في دعوته، ما كان يسب ولا يشتم ولا يقبح ولا يعير، فلا يقول: يا أعمى، ولا: يا أعرج، ولا: يا كذا أبداً.

    وهداته من دعاة العلماء هذا سبيلهم، يجادلون بالتي هي أحسن، لا يقبحون ولا يعيرون ولا يسبون ولا يشتمون ولكن بالكلمة الطيبة يبينون الحق، فمن هداه الله إليه سلكه، ومن لم يهده الله أضله وأعرض عنه.

    هذه تعاليم الله تعالى لرسوله، علمه بها والرسول علم بها أمته، فكل داع إلى الله في قرية أو في جبل.. في سوق أو في متجر ينبغي أن يكون داعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ومن سلك هذا السبيل نجا ونجح معاً، وهو باق لهذه الأمة ما بقيت.

    وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] جادل المشركين الذين يعبدون غير الله، جادل المبطلين المجرمين، الكل يجادلون لإبطال الباطل وإحقاق الحق، ولكن استعمالك للموعظة، للمجادلة بالتي هي أحسن هو أنفع؛ لأن الخصم إذا سببته يعرض عنك، وإذا قبّحت له القول وكذا يقول أسوأ ما يقول فتغضب وتنتهي الدعوة. إذاً: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] بالكلمة والعبارة التي هي أحسن من غيرها، لا بالحسنة فقط، بل بالتي هي أحسن.

    وقد قلت لكم: ما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم -وقد جاهد ثلاث وعشرين سنة يدعو إلى الله- سب ولا شتم ولا عير ولا قبح أحداً أبداً -وكان يواجه المشركين الكافرين أمثال أبي جهل وعقبة بن أبي معيط- أخذاً بهذه التعاليم الإلهية: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    معنى قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)

    ثم قال له تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل:125] هو يتولى الجزاء، أنت لا جزاء لك ولا جزاء عليك، أنت تدعو فقط، أما الجزاء فبيد الله عز وجل إذ هم عبيده وهو سيدهم ومالكهم، فمن ضل يعرف الله ضلاله ويجزيه به، ومن اهتدى فالله أعلم بالمهتدين.

    وفي نفس الوقت الآية تشير إلى القضاء والقدر، إن ربك هو أعلم بمن ضل في قضاء الله وقدره، وهو أعلم بالمهتدين كذلك، والمعنى في الوجهين صحيح، والأول هو الظاهر.

    لا تكرب ولا تحزن، أنت علم، بلغ، بين بالتي هي أحسن وبعد ذلك اترك الأمر لله فهو أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين وسيجزي الكل بحسب عمله، الضال بضلاله، والمهتدي بهدايته.

    هذه الآية الأولى التي نزلت بمكة، والآية التي بعدها نزلت بالمدينة، ولا عجب أن تنزل السورة كلها بمكة وتنزل آية في المدينة ويقول جبريل: ضعوها في المكان الفلاني، فيقول الرسول لكتاب الوحي: اكتبوها عند قوله تعالى كذا وكذا، إذ هي في اللوح المحفوظ كذلك، فتوضع حيث وضعها الله عز وجل.

    إذاً: كانت تنزل السورة في مكة وينزل بعضها في المدينة ويأمر جبريل رسول الله بأن يضعها في مكان كذا من السورة الفلانية، فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجال الكتابة -وقد كان عنده ثلاثون كاتباً يكتبون- أن يضعوها في المكان الذي أرشده جبريل إليه، أما السور المدنية فما نزل منها في مكة إلا آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] نزلت في الحج.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ...)

    قال تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [النحل:126] معشر المؤمنين والرسول على رأسكم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126].

    هذه الآية نزلت في السنة الثالثة من الهجرة بالمدينة النبوية، وتعرفون أن غزوة أحد كانت في السنة الثالثة، وأُحُد الجبل الذي وراءنا، ما زال الجبل بصفائه ونوره كعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تغير كل شيء في المدينة إلا أحد فما زال كما هو والله العظيم. المباني، الأزقة حتى البقيع تبدل، تغير، إلا أحد انظر إليه والنور فيه، كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللرسول كلمة في أحد إذ قال: ( أُحُد جبل يحبنا ونحبه ) فنحن والله نحبه بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ المحب يحب ما يحب الحبيب، نحب أحداً؛ لأن الرسول يحبه، والرسول أحب أحداً؛ لأن أحداً يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( جبل يحبنا ونحبه ).

    والحادثة التي تمت في أُحد يتجلى فيها شوق أحد إلى رسول الله وحبه له.

    لما انتهت المعركة.. دارت من الصباح وانتهت بما شاء الله أن تنتهي به من هزيمة للمؤمنين بسبب ذنوبهم، لما انتهت المعركة زحف الرسول مع بعض رجاله إلى جبل أحد فارتفع فوقه وهم: أبو بكر وعمر وعثمان ، وما إن علا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجبل على طرف منه حتى ماد الجبل واضطرب فرحاً، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اسكن أحد، فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان ) اسكن أحد لا تضطرب فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان.

    وهذه آية من آيات النبوة المحمدية، أعظم من آيات أمس ( اسكن ما عليك إلا نبي ) وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ( وصديق ) وهو أبو بكر الصديق ( وشهيدان ) عمر وعثمان ، أخبر بهذا قبل موت الصديق وقبل موت عمر وقبل موت عثمان ، فكيف لا يكون رسول الله؟!

    ( ما عليك إلا نبي وصديق ) من هو الصديق هذا؟

    هو الذي نزل فيه القرآن: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33].

    والشهيدان من هما؟ عمر استشهد في المحراب، عجب! والله في المحراب، قتله مجوسي، أبو لؤلؤة كان عبداً مملوكاً، ويد الظلم وصلت إليه وقالوا: اقتل.

    و عثمان حاصره الاشتراكيون الماديون، جاءوا زاحفين من كل جهة: لماذا عثمان لا يعطينا المال؟

    المادية البحتة، فطوقوه وذبحوه في بيته، وقد أخبر الرسول بهذا قبل أن يتم بكذا سنة.

    ( اسكن أحد، ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان ) وهناك من الناس من يكفرهم ويسبهم ويقول: هو مؤمن، مسلم. والمصيبة هي الجهل، ما عرفوا.. ما علمناهم.

    ونعود إلى سبب نزول الآية: لما انتهت المعركة وقتل من المسلمين سبعون شهيداً نزلت هذه الآية، وأما الذنب الذي حدث وبه كانت الهزيمة فليس هو ترك صلاة ولا سب الله ورسوله ولا شرب الخمر، فقط لما أعد الرسول رجاله وهيأهم كما هي صفوف المجاهدين أمر ثلاثين رامياً أن ينزلوا على جبل الرماة -الموجود الآن- وأن يسددوا سهامهم إلى صفوف المشركين حتى يزعزعوهم.. ثلاثون رامياً، فلما دارت المعركة أطلق المؤمنون السهام فانهزم المشركون وولوا الأدبار وتشتتوا، وأخذ رجالنا يجمعون الغنائم، فلما رأى الرماة أن الهزيمة قد تمت قالوا: ما الفائدة الآن في بقائنا هنا؟ ننزل نجمع كما يجمع إخواننا، والرسول أخذ عليهم عهداً أن لا ينزلوا من الجبل كيفما كانت الحال، انتصرنا أو انكسرنا، فعصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا.

    فلما نزلوا كان على خيل المشركين خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه وكان رامياً ممتازاً، فجمع رجاله وصعدوا على الجبل وقتلوا من بقي فيه وتولوا السهام على المؤمنين فتشتت المسلمون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165].

    أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا [آل عمران:165] في بدر قتلوا سبعين وأسروا سبعين.

    قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] بسبب الذنوب، عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآن أمة المسلمين كلها عصاة إلا من نجا الله عز وجل، فكيف ينتصرون على عدو؟! كيف ينتصرون؟

    هل انتصروا على اليهود؟ كم مليون اليهود؟ حفنة، كم آلاف المسلمون؟ مليار مسلم. انهزموا أو لا؟

    كم حرب خاضوها معهم؟ أربع أو خمس حروب ويفشلون، لأنهم والله مذنبون.

    هؤلاء أصحاب رسول الله.. أهل القرآن يقول تعالى لهم: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165].

    وكان من القتلى حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمزة بن عبد المطلب عم الحبيب صلى الله عليه وسلم.. قتلوه ومثلوا به، قطعوا الأنف، قطعوا الأذنين، قطعوا الذكر، قطعوا.. قطعوا.. وفعلوا ذلك أيضاً مع بعض رجاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لئن تمكنا منهم لنمثلن بثلاثين واحداً منهم ). أي: لئن أقدرنا الله عليهم في معركة وقاتلناهم لنمثلن بثلاثين رجل منهم بدل الرجل الواحد، فنزلت هذه الآية فقال تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126] فمن ثَمَّ حلف رسول الله أن لا يمثل بأحد، وحرم على أمته التمثيل، فلا يحل للمؤمنين إذا قتلوا في الجهاد كافراً أن يقطعوا أنفه أو أذنه أو ذكره أو يبقروا بطنه، بل يتركوه كما مات، فقد حرم رسول الله التمثيل بالقتلى لهذه الآية الكريمة.

    أحكام فقهية

    قوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126] وهذه الآية تحتها أحكام فقهية ذات أثر:

    منها: أننا في الحرب نقاتل العدو ما طالب منا القتال وأراده، لأننا -نحن المسلمون- ندعو البشرية كلها إلى أن تسلم قلوبها ووجوهها لله. من أجل ماذا؟

    من أجل أن تطهر وتكمل وتسعد في الدنيا وتتهيأ لسعادة الدار الآخرة.

    والأمة الإسلامية كما كانت على عهد رسول الله وأصحابه وأولادهم وأحفادهم في الثلاثة القرون كانوا إذا أرسوا سفنهم على دولة كافرة يراسلونها بسفارة منتظمة، يطلبون منهم الدخول في الإسلام لإنقاذهم من الفسق والفجور والكفر والظلم والخبث، إذ كانت مجتمعاتهم أشر ما تكون كما هي الآن في العالم.. الخبث والشر والفساد: أسلموا تطهروا وتطيبوا ويسودكم العدل وتعمكم الرحمة وتتهيئوا لدخول دار السلام التي كان فيها أبوكم آ دم عليه السلام، فإن استجابوا فالله أكبر، الله أكبر، دخل الرجال الإسلام وأقاموا الصلاة و.. وعلموا الأمة، وما هي إلا أربعين يوماً حتى تغشاهم الأنوار، فلا ظلم ولا خبث ولا شر ولا فساد ولا ولا، فإن هم رفضوا الإسلام فلا نجبرهم على الإسلام بالعصا والحديد، نقول: إذاً اسمحوا لنا أن ندخل، لأننا نحن نتكلم مع الحكام ورجالهم وجيوشهم، دعونا ندخل البلد وأنتم في ذمتنا ونحن ندعو هؤلاء إلى أن يعبدوا ربهم ويكملوا ويسعدوا وأنتم في حمايتنا، فإن قالوا: مرحباً أصبحت البلاد في ذمة المسلمين، والمسلمون يربون ويزكون ويطهرون ويعلمون، فما هي إلا سنيات وإذا بهم -كلهم- قد أسلموا ودخلوا في رحمة الله، وبهذا دخل العالم في الإسلام وليس بالحديد والنار.

    فإن رفضوا الأولى والثانية لم يبق إلا أن نقاتل هذا الجيش حتى ندخل إلى تلك الأمة ونطهرها وننقيها من فسادهم وشرهم، فإذا دخلنا وقاتلنا فلا نمثل بمقتول أبداً، بل نعاقب كما عوقبنا، والصبر خير لنا، فلو مثلوا بأحدنا لا نمثل نحن؛ لأن الله قال: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ [النحل:126] نصبر أولى ولا نمثل، فلهذا حرم رسول الله التمثيل.

    وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا [النحل:126] مثلاً: شخص من الأشخاص سبك، فيجوز أن تسبه، لكن بما سبك به، ولا تزيد عليه، بمثل ما سبك لكن إن عفوت عنه فهو خير لك.

    رجل سرق شاتك وعرفت أنه سرقها ولم يعترف لك بها تستطيع أن تسرق من ماله شاة على أن تكون كتلك الشاة في وصفها ولونها وقوتها، والغنم غير الماعز والبقر غير الإبل والصغير غير الكبير، فلا بد أن تراعي: على أن تكون بمثلها.

    اختطف ثوبك فأردت أن تسترد هذا الثوب بالاحتيال، يجوز لك على شرط: أن يكون الثوب الذي تأخذه كثوبك في قيمته ولونه وقوته وضعفه، وإلا لا يحل لك أبداً؛ لأن الله قال: فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126] بالمثل، ومع هذا الصبر خير: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    و مالك رحمه الله يقول: إذا كنت أعطيت لأخيك مالاً وسرق منه وأخفاه بأية طريقة ثم ائتمنك هو على مال، فلا تقل: آخذ من ماله بقدر ما أخذ من مالي. قال: لأن الرسول الكريم يقول: ( وأد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك ) هذا الحديث قال مالك ورجاله: يجعلنا لا نأخذ من أمانة شخص قد ائتمنها عندنا وإن علمنا أنه أخذ من مالنا، لكن قضية غير الائتمان كما قلت لكم يجوز على شرط المثل.

    وبين هذا الشافعي وحدده على شرط أن تكون الكمية التي تأخذها بمقدار الكمية التي أخذت، النوع والكمية والشكل وإلا فالعفو أحرى.

    فضل الصبر

    قوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ على سبهم أو ظلمهم أو كذا فالصبر خير لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    من قال: هو خير للصابرين؟ مالك الخير، الله جل جلاله، فوالله إنه لخير، كونك تعفو عمن سبك أو شتمك أو صفعك أو أخذ دينارك أو درهمك والله أفضل من أن ترد هذه الضربة بأختها أو الدينار بأخذ دينار، والله هو الذي خيرك بهذا وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    من هم الصابرون؟ الذين حبسوا أنفسهم فما قالوا السوء ولا فعلوا الباطل، بل تحملوا تلك السبة أو تلك الضربة أو فقدان ذاك الدينار وفوضوا أمرهم إلى الله، والله لهذا خير لهم؛ لأنه إذا سب ماذا تنتفع؟ سببتك فتسبني هل حصل شيء؟ ولا شيء، دعوتني إلى الصبر فصبرت ولم أسب فأجري عظيم ما يقدر قدره إلا الله وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    ولهذا كان بعض الصالحين إذا صفعته في وجهه يعطيك الثاني.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله ...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وأمته: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] اصبر يا رسول الله على موقفك.. على دعوتك.. في بلادك وخارجها.. بين العرب وغيرهم، اصبر وما صبرك إلا بالله.

    ومعنى هذا: أنك لا تستطيع أن تقول: أنا أصبر بدون الله، والله لولا الله ما صبرت، فلا تغتر بنفسك وتقول: أنا أصبر شاء الله أولم يشأ، فوالله ما يصبر صابر إلا إذا صبّره الله عز وجل وأوجد فيه قوة في نفسه تتحمل الأذى وتصبر عليه.

    وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] فلا يفهمن أحد أنه قادر على أن يصبر والله ما يريد ذلك، فلا بد من الصبر والصبر بالله أي: واسأل الله أن يصبرك، اللهم إني أسألك الصبر.. اللهم ارزقنا الصبر.. اللهم أعنا بالصبر على هذه الويلات والكلمات مثلاً.

    وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] هذا الخطاب موجه إلى من؟

    إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً موجه إلى كل داع -كما قدمنا- في الجبل أو في السهل، في القرية أو في المدينة.. كل داع إلى الله يجب أن يصبر هذا الصبر؛ لأنه يلقى ما لاقاه رسول الله أو أشد وَاصْبِرْ على دعوتك ولا تتخلى عنها، ولا تبالي بسبهم ولا شتمهم ولا ضربهم ولا قتالهم أبداً، وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ فاطلبه من الله عز وجل: اللهم صبرنا على دعوتنا وأعنا على أعدائنا.

    وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ والحزن: هم وغم في النفس لأنهم ما آمنوا.. ما أسلموا، كذا سنة تمضي وهم على ما هم عليه! فلا يحملك هذا التفكير على الحزن أبداً، خل أمرهم لله، أنت عليك أن تقدم الماء ومن شرب نجا ومن لم يشرب مات عطشاناً، ما أنت مسئول عن موته، أنت فقط تقدم الهدية أخذت أو لم تؤخذ.

    وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] إذ كانوا يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الآن -والله- يمكرون بالدعاة مكراً، والمكر: هو التبييت في الظلام، تبييت السوء والكيد في الظلام وهو غائب، هذا هو المكر، وذلك لتحويل الأمور على خلاف الأصل، ومن حيث اللغة هو: الضَيقُ والضِيق.

    الضَيق: في الصدر، والضِيق: في الثوب والسكن.. بيت ضيِّق علي، أمر كهذا ضَيق فيه علي، وهنا قال: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] وهو ضيق الصدر، الغم في النفس هو الضيق، والضيقة الواحدة، والضِيق ضد الاتساع في الثوب وفي السكن وما إلى ذلك وفي المجلس، المجلس ضيِّق ما نقول ضَيق.

    وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] علم الله تعالى أنهم يمكرون بدعاته ورجال دعوته فقال للرسول ولأتباعه: لا تحزنوا ولا تكربوا ولا تهتموا لضيقهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] ما هم مع الماكرين والكائدين ولا الظالمين ولا المشركين ولا الفاسقين، وإنما مع المتقين المحسنين.

    وما دمتم متقين محسنين فأبشروا بأن النصر لكم والعاقبة لكم، وهذا تم بالحرف الواحد، فما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والمدينة ومكة والجزيرة كلها أنوار، ما بقي فيها من يقول غير لا إله إلا الله، ثلاثة وعشرين سنة فقط: عشر سنوات في الجهاد وثلاث عشرة في الدعوة وما قبض رسول الله حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:1-2] هنا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3]، فهي نعي لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر بكى لما نزلت، وهي من آخر ما نزل من السور، نعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم موته.

    إن الله مع من؟ مع المتقين المحسنين، يوجد متقون غير محسنين؟ لا. لأن التقوى: اجتناب ما يغضب الرب، الاجتناب والبعد وترك ما حرم الله ورسوله، بهذا تكون التقوى، والإحسان يكون في العبادات التي أمر الله بها ورسوله.

    إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] جمعوا مع التقوى الإحسان، امتثلوا أوامر الله ففعلوها محسنين لها بعدما اجتنبوا ما نهى الله عنه وحرمه من الشرك والكفر والظلم والشر والفساد.

    إذاً: المتقون: هم الذين اتقوا غضب الله وسخطه فتركوا ما حرم عليهم ونهاهم عنه وابتعدوا عنه، وأحسنوا العبادات التي تعبدهم الله بها وأدوها على أكمل وجوهها وأحسنها من الصلاة إلى الجهاد في سبيل الله، هؤلاء بشراهم أن الله معهم، ومن كان الله معه فهل ينهزم؟! هل ينكسر؟ هل يخسر؟! لا والله ما كان أبداً.

    إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] يحسنون ماذا؟

    يحسنون العبادة فيؤدونها على الوجه الذي تزكو به نفوسهم وتطهر به أرواحهم.

    معاشر المؤمنين! إن هذه العبادات من الوضوء إلى الصلاة، إلى الحج، إلى العمرة.. إلى كذا، هذه عبارة عن عمليات تطهير وتزكية للنفس البشرية، ولهذا لا يستطيع إنسان مهما كان أن يبتدع بدعة ويقول: من فعلها تزكو عليها نفسه أو تطهر وتطيب، والله ما كان، لا تزكو النفس ولا تطيب ولا تطهر إلا بعبادة أنزلها الله في كتابه وبينها رسوله بعمله ولسانه.

    هذه العبادات بغض الطرف عن كونها تحقق الأمن والسلام والرخاء والمحبة والولاء، فإن لها أصل وهي أنها تزكي النفس وتطهرها حتى تصبح أهلاً لجوار الله تعالى في الملكوت الأعلى، وهذا حكم الله عز وجل إذ يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] فالذين يصلون ولا يحسنون صلاتهم والله ما تزكو نفوسهم.. والله ما تزكو.

    والدليل: تعال صل أمام فقيهٍ المغرب والعشاء والظهر ولا تحسن الصلاة كما بين رسول الله فإنه يقول لك الفقيه: صلاتك باطلة. والله هكذا يقول، صلاتك باطلة. لم باطلة؟ وما معنى باطلة؟ معناها: ما حققت لك المراد منها وهو تزكية نفسك وتطهيرها.

    ومن صام ثم عبث في صيامه ولغا وقال باطلاً وفعل وفعل.. يقول له الفقيه: صيامك باطل أعده.

    ولهذا خص تعالى الإحسان بالعبادات فقال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا أي: اجتنبوا ما حرم الله من الشرك والكفر والذنوب والآثام وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] والحال أنهم محسنون في عباداتهم يؤدونها على الوجه الذي تنتج لهم الزكاة والطهر للروح البشرية.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المؤمنين! إليكم ما في هذه الآيات من الكتاب فتأملوا: ‏

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ معنى الآيات:

    يخاطب الرب تعالى رسوله تشريفاً وتكليفاً: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل:125] أي: إلى دينه وهو الإسلام سائر الناس، وليكن دعاؤك بِالْحِكْمَةِ التي هي القرآن الكريم الحكيم وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وهي مواعظ القرآن وقصصه وأمثاله، وترغيبه وترهيبه.

    وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] أي: خاصمهم بالمخاصمة التي هي أحسن وهي الخالية من السب والشتم والتعريض بالسوء، فإن ذلك أدعى لقبول الخصم الحق وهو ما يُدعى إليه.

    وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ من الناس وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل:125] وسيجزي المهتدي بهداه، والضال بضلاله، كما هو أعلم بمن ضل واهتدى أزلاً ] في القضاء والقدر [ فهون على نفسك ولا تشطط في دعوتك فتضر بنفسك، والأمر ليس إليك. بل لربك يهدي من يشاء ويضل من يشاء وما عليك إلا الدعوة بالوصف الذي وصف لك، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.

    وقوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ أي: لا أكثر وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ وتركتم المعاقبة لَهُوَ أي: صبركم خَيْرٌ لكم من المعاقبة على الذنب والجناية.

    وقوله تعالى: وَاصْبِرْ على ترك ما عزمت عليه أيها الرسول من التمثيل بالمشركين جزاء تمثيلهم بعمك حمزة، فأمره بالصبر ولزوم ترك المعاقبة والتمثيل معاً.

    وقوله تعالى: وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي: إلا بتوفيقه وعونه، فكن مع ربك تستمد منه الصبر كما تستمد منه العون والنصر.

    وقوله تعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: على عدم اهتدائهم إلى الحق والأخذ به والسير في طريقه الذي هو الإسلام وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ أي ضيق نفس يؤلمك مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] بك فإن الله تعالى كافيك مكرهم وشرهم إنه معك فلا تخف ولا تحزن لأنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنت منهم.

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] يخبر تعالى رسوله والمؤمنين أنه عز وجل بنصره وتأييده ومعونته وتوفيقه مع الذين اتقوا الشرك والمعاصي فلم يتركوا فرائض دينه، ولم يغشوا محارمه، والذين هم محسنون في طاعة ربهم إخلاصاً في النية والقصد، وأداءً على نحو ما شرع الله وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب الدعوة إلى الله تعالى أي: إلى الإسلام وهو واجب كفائي، إذا قامت به جماعة أجزأ ذلك عنهم ].

    تأملوا هذه: وجوب الدعوة إلى الله تعالى أي: إلى الإسلام، وهو واجب كفائي وليس بعيني على كل واحد، بدليل أنه إذا قامت به جماعة أجزأ ذلك عن البقية.

    إذاً: جماعة التبليغ كفونا فهم يدعون في أوروبا.. في أمريكا.. في العالم بكامله في الشرق والغرب ونحن نائمون، يا ليتنا فقط لا نسبهم ولا نشتمهم!

    والله يسبونهم ويشتمونهم، وينسبون إليهم الأباطيل والعياذ بالله تعالى.

    عرفتم هذه أو لا؟ والله إنه لحق ما أقوله.

    [ أولاً: وجوب الدعوة إلى الله تعالى] أي: إلى الإسلام [ وهو واجب كفائي ليس بعيني، إذا قامت به جماعة أجزأ ذلك عنهم] أي: عن الجالسين مثلنا.

    [ ثانياً: بيان أسلوب الدعوة وهو أن يكون بالكتاب والسنة، وأن يكون خالياً من العنف والغلظة والشدة، وأن تكون المجادلة بالتي هي أحسن من غيرها ].

    وجماعة التبليغ يقبلون رأس الكافر والفاسق حتى يسلم.

    [ ثالثاً: جواز المعاقبة بالأخذ بقدر ما أخذ من المرء، وتركها صبراً واحتساباً أفضل.

    رابعاً: معية الله تعالى ثابتة لأهل التقوى والإحسان، وهي معية نصرٍ وتأييد وتسديد ].

    اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.