إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (28)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لم يكتف اليهود بالإعراض عن كلام الله وردّه، بل ظهرت فيهم صفة أخرى وهي الحيلة، وقد بين القرآن نموذجاً جلياً لهذه الصفة، وهو أنه سبحانه حرم عليهم الصيد يوم السبت، وكان يوماً تكثر فيه الأسماك، فاحتالوا بأن وضعوا الشباك يوم الجمعة لتمتلئ بالسمك يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، فكانت عقوبتهم أن مسخوا قردة، وغدوا عبرة وموعظة لغيرهم.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله على تفسيرها وفهم معانيها؛ سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:63-66].

    عظم منزلة الإيمان بالله واليوم الآخر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    أطرح هذا السؤال: لماذا ندرس هذا الكتاب؛ والكتاب هو كتاب الله، القرآن الكريم؟

    لا ندرسه لأجل أن نعرف ما حدث في الكون، ولا ما أصاب أقواماً سلفت، ولكن ندرسه للاهتداء؛ لأن نهتدي إلى الطريق الموصل بنا إلى سعادتنا وكمالنا في الدنيا، وفلاحنا وفوزنا في الدار الآخرة بالنجاة من النار، ودخول الجنة؛ دار الأبرار.

    فها نحن مع الحقيقة التي مرت بنا من قبل وهو بيان إلهي، وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ [البقرة:62]، هذه أمم ذات أديان، ونحن على رأسهم.

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهم أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس.

    وَالَّذِينَ هَادُوا وهم اليهود.

    وَالنَّصَارَى وهم الصليبيون أو المسيحيون ما شئتم قولوا.

    وَالصَّابِئِينَ وهم ما بين هؤلاء وهؤلاء.

    الكل وعد الله هو: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62].

    البشرية يا أبنائي كلهم عبيد الله، ليس بينهم من هو ذو قرابة من الله بنسب ولا بمصاهرة، ولا .. ولا، ما هم إلا عبيده، أبيضهم وأسودهم، فمن سلك سبيل النجاة نجا، ومن أعرض عن سبيل النجاة فغوي هلك، فلا فرق بين الأبيض والأصفر، ولا بين الغني والفقير، ولا بين الأولين والآخرين، هذا حكم الله فلنتأمله، ولنعمل على أن نحقق مبادئ النجاة: الإيمان بالله ولقائه، وهو المعبر عنه باليوم الآخر، وبكل ما يتم ويجري ويحصل في اليوم الآخر.

    تطاير الصحف في اليوم الآخر

    قد جاءت الآيات والأحاديث مفصلة مبينة لتلك الأحداث الجسام، ومن بينها معاشر المستمعين: تطاير الصحف، فمن آخذ كتابه بيمينه ومن آخذ كتابه بشماله. فالآخذون كتبهم بأيمانهم هذه علامة نجاتهم، والآخذون كتبهم بشمائلهم هذه علامة خسرانهم.

    وجاء هذا في موضعين من كتاب الله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24]، هذه.

    وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق:10-12] لِم؟ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق:13-15].

    وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32]، لِم ما ذنبه؟ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:33-37] أصحاب الخطايا والذنوب.

    صفات أهل الإيمان

    المطلوب منا أن نحقق إيماننا، والإيمان دعوى يدعيها المنافق فيقول: مؤمن، ويدعيها البلشفي الأحمر ويقول: مؤمن، فلابد من تحقيق الإيمان.

    كيف أحققه يا شيخ؟

    ما عندنا إلا العرض الذي عرضناه على أبصار المؤمنين والسامعات من المؤمنات، نعرضه مرة ثانية.

    لوحة قرآنية، اسمع: إن وجدت نفسك بين هؤلاء الذين تسمع عنهم وتراهم فاحمد الله عز وجل، وإن وجدت نفسك غير موجود أو تظهر وتختفي فآمن من الآن، وادخل في الإسلام.

    العرض الأول من سورة الأنفال، يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2]، وهذه الصيغة صيغة قصر، أي: المؤمنون بحق وصدق، لا بالادعاء والنطق، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، أما أن يذكر الله فيضحك الضاحكون، ويسخر الساخرون، ويلهو اللاهون، فلا إيمان.

    إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذكره من ذكره: وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وجلت قلوب السامعين: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] يرتفع منسوب إيمانهم من مائة وستين إلى مائة وثمانين، تعرفون مؤشرات الحرارة أو لا؟ كيف ترتفع إذا جاءت الحرارة، ولابد إذا تليت علينا آيات الله، واعظة مذكرة أو آمرة ناهية، أن يرتفع إيماننا.

    وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]. ومن باب التوضيح، ومن باب هداية إخواننا وطلب كمالهم وسعادتهم نذكر عيوبنا، ونزيح الستار عن بعضها؛ علَّنا نفيق من هذه السكرة.

    وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: لا يتوكلون على غير الله، فنقول: الذي يعمل في بنك ربوي، وتقول له: أي بني! اخرج من هذا البنك حتى يخرج كل إخوانك، ويغلق البنك بابه، ويستريح أهله، ويدخلون في رحمة الله، فتكون أنت السبب. فيقول: أسرتي ومعاشي، كيف أترك؟ فنقول: توكل على الله .. فوّض أمرك إليه .. اطّرح بين يديه: ربي! أنقذني، فإنه يتولى إنقاذك.

    فإن قال أحد كما قلت، وبقي في تلك الحمأة فهذا ما توكل على الله، بل توكل على الراتب الذي يتسلمه.

    ونقول للذي فتح استيريو لبيع أشرطة الأغاني وأفلام الخلاعة والدعارة: يا عبد الله! هذا لا يصح من مؤمن يؤمن بالله، فأنت تؤذي المؤمنين والمؤمنات، تعرضهم لفتنة نفوسهم وقلوبهم، فاتق الله، واستبدل هذه الأشرطة ببيع الكزبرة والبصل والفلفل، ولا تبع ما يؤذي المؤمنين والمؤمنات. فإن قال: كيف أعيش؟ فهل توكل على الله أو على الدكان؟ هذا ما توكل على الله.

    والذين يستوردون مجلات الدعارة والخلاعة، ويبيعون جرائد تحمل الكفر في كثير من صفحاتها، وتقول له: أي أخي! أنت صاحب دكان تبيع أنواع البقلاوة فيكفيك ذلك، ولا تبع هذه المجلات التي تعرف أنها تحمل راية الدعوة إلى الباطل والشر والفساد، يقول: الزبائن، إذا لم أحضر هذه الجريدة أو المجلة لا يشترون، فأنا لا أستطيع. على من توكل هذا؟ على الدكان.

    وآخر: يا عبد الله! احجب امرأتك، وأبقها في بيتك، لا تجعلها تشتغل مع الفحول والرجال. يقول: هكذا العيش في الحياة، ماذا نصنع؟ نقول: توكل على الله، واترك امرأتك في بيتك، تعدّه لك وتهيؤه، وتسعدك فيه؛ خيراً من أن تكون جوالة بين الرجال من أجل راتب، فإن قال: لا أستطيع، الظروف والحياة هكذا. فهل توكل على الله؟!

    وسلسلة آخرها: فتح صالون حلاقة يحلق للفحول وجوههم: يا عم! يا خال! هذا لا ينبغي، الرسول يأمر بكذا، وأنت تعاكسه، أنت تحلق وجوه الفحول من أجل الريال والعشرة، نعم إن أراد أن تحسن له شعره حسِّن، أما أن تحلق له وجهه وشاربه وتتركه كالمرأة فهذا إثم لا يتحمل ولا يطاق، فاتق الله، قال: لا نستطيع، عيشي على هذا الدكان.

    وأخيراً: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4].

    معاشر الأبناء والإخوان! هل نحن إن شاء الله منهم؟

    إلى عرض آخر من سورة التوبة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ دخل الإناث هنا، لِم؟ الأمر خطير وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] وقد علمتم زادني الله وإياكم علماً أن الولاء هنا الحب والنصرة.

    وعلى كل مؤمن أن يحب المؤمنين: عمشاً .. غمصاً .. عجزة .. فقرة .. متسخين، قل ما شئت، مؤمن ينبغي أن تحبه، مؤمنة تحب كل مؤمن ومؤمنة، والنصرة: إذا قال عبد الله: وا إخوانه! قل: لبيك، ومد يدك وانصره.

    هذا هو الولاء: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، الصيني، والكَندي، والأوروبي، والإفريقي، والأسيوي، ليس هناك فرق؛ مؤمن صادق أحبه، وإذا استنصرك وطلب نصرتك فمد يدك وانصره، وبدون حب لا إيمان حق، مؤمن يكره عبيد الله وأولياءه كيف يكون مؤمناً؟

    مؤمن يبغض ويكره أولياء الله المؤمنين المتقين، والله ما هو بمؤمن، لِم؟ ما عرف الإيمان، وما استقر الإيمان في نفسه، وما فهم ما هو الإيمان.

    وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، ابدأ ببيتك يا عبد الله، إن شاهدت امرأتك ترتكب منكراً انهها، تترك معروفاً واجباً مرها لتفعله، ومن امرأتك إلى ابنك، وابنتك، وأبيك، وأخيك إذا كانوا معك، ثم اخرج من البيت إلى جيرانك، الذين تلاقيهم ويلاقونك في كل ساعات النهار، ثم إلى أهل العمل معك، إن كنت في دائرة أو مزرعة، ويبقى أخيراً السوق فقط والشوارع، فإذا رأيت منكراً، وعرفت أنه مما أنكره الله ورسوله؛ لأنه يجر من البلاء والخسران على المؤمنين، قل: يا عبد الله! هذا لا ينبغي، افعل كذا، فإنه خير لك. بأدب واحترام، وإذا مررت بمنكر يغشاه أخوك فقل: أي أخي! هذا لا يجوز، فهذا أنكره الشارع، قال الله كذا، وقال الرسول كذا.

    هذه خطوة من خطوات الإيمان: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ .

    وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].

    أعيد الآيات وانظر: هل نحن بينهم؟ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]، إن شاء الله .. رأيتمونا بينهم؟ الحمد لله. والذي ما رؤي إن شاء الله يرى.

    جزاء أهل الإيمان يوم القيامة

    أما الجزاء عند الله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:62]، لا في الدنيا ولا عند الموت، ولا في القبر، ولا في البرزخ، ولا في ساحة فصل القضاء بين يدي الله تعالى: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62]، لا اليوم ولا غداً، فأولياء الله لا يصيبهم الحزن أبداً، فإن مات الولد يدفنه وهو يحمد الله، فإن جاع ربط عصابة على بطنه وهو يحمد الله، فلا حزن، ولا خوف أبداً، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.

    أما أهل الخوف والحزن والعياذ بالله هم أعداء الله الذين ما عاشوا في رياض لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أخذ الميثاق والوفاء به

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [البقرة:63]، قلنا: ونحن أعطينا القرآن أو لا؟ أخذ علينا الميثاق أو لا؟ فهل وفينا لله، واقرءوا قول الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ [المائدة:7] متى؟ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7]، فكل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قد أعطى عهداً وميثاقاً أن يعبد الله وحده بما شاء وشرع أن يعبد به.

    فهل وفينا لله وأخذنا ما في القرآن؟

    الجواب معلوم يا أبنائي، ودعنا من أفراد قليلين واحد في المليون، هذه أمة ذات الألف مليون، هل حقاً أخذنا بكتاب الله، فقرأناه وتعرفنا إلى ما فيه من هدى وأحكام، وأخذنا نطبق ذلك على أنفسنا، ونستشهد بآيات ربنا، ونسبة الناجين منا نسبة قليلة، والله يقول لليهود: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [البقرة:63]، لا تنسوا ما فيه من أمر ونهي، رجاء أن تتقوا: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:63].

    ثم قال لهم: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة:64] بعد ما أخذ عليهم العهد والميثاق والجبل فوق رءوسهم، يكاد يسقط عليهم، وعاهدوا وأخذوا، فما إن خرجوا من المحنة حتى أعرضوا وتولوا.

    وقال بعد ذلك: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [البقرة:64] كان يبيدهم كما يبيد الأمم والشعوب، لكن منة الله ورحمته اقتضت ألا يصيبهم بوباء يفنيهم به، أو يسلط عليهم من يعدمهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ...)

    جاءت حادثة أخرى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [البقرة:65] أي: يوم السبت، فالأيام سبعة: أول يوم السبت، ثم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.

    هذه الأيام كما علمتم أن الله عز وجل خلق في يوم الجمعة آدم، وأنزله إلى الأرض يوم الجمعة - ذكرى عظيمة هذه- وأن يوم القيامة سيكون يوم الجمعة، وقد قرأتم كيف أن الملائكة تكون على أبواب المساجد يكتبون القادمين إلى المسجد الأول فالأول، حتى إذا خرج الإمام طووا الصحف، ودخلوا يستمعون الذكر.

    فهذا يوم الجمعة عرضه الله تعالى على اليهود فرفضوا، وأفسد قلوبهم علماؤهم وقسسهم ورهبانهم، وعدلوا عن الجمعة إلى السبت.

    فلما أخذوا السبت مكابرين معاندين فرض الله تعالى عليهم ترك العمل يوم السبت، ومن آخر سورة النحل: إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [النحل:124] لو تركوا الجمعة كانوا آمنين، ولكن اختلفوا وقالوا: السبت، بحجة أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت، وأن الله استراح يوم السبت، وحاشاه أن يستريح.

    ومن سورة (ق) يقول تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] أي: نصب أو تعب. فقال الضالون المضللون: هذا اليوم أولى بالاحتفال فيه! وترك العمل؛ لأنه يوم ابتدأ الله فيه الخلق، وختم به الخلق واستراح.

    فهل الذي يخلق العوالم في ستة أيام يطلب الراحة أو يتعب؟ ولكن هذا هو فساد القلوب والعقول، قالوا للرسول هذا! وردَّ الله هذه الفرية بقوله: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:38-39].

    ففرض عليهم السبت، ومنعهم من صيد السمك في يوم السبت؛ لأنه يوم المساجد والبيع والعبادة، فاحتالوا على الصيد كما جاء ذلك في سورة الأعراف، فوضعوا شراك الصيد في البحر يوم الجمعة؛ ليجتمع فيها الحوت وتمتلئ يوم السبت، وصباح الأحد يأخذونها، وقالوا: ما صدنا يوم السبت! نحن على وعدنا مع الله، الشراك وضعوها بليلة، وأخذوا الحوت في اليوم الثاني، وهذه هي الحيل التي قال لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم: ( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ).

    والشاهد عندنا في أهل هذه القرية -وكانت مدينة على ساحل البحر- أن أهلها ارتكبوا هذا الجرم. فلنقرأ الآية الكريمة، قال تعالى من سورة الأعراف: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ [الأعراف:163] والقرية في عرف القرآن هي المدينة الكبيرة، مأخوذة من التقري الذي هو التجمع، وليست هي القرية باصطلاح الغربيين.

    وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163].

    فسقوا، ماذا فعلوا؟ اصطادوا، ارتكبوا جريمة، ونحن الآن عامة المسلمين: وإن زنى ما فسق! وإن كذب! وإن اغتاب، وإن سرق.

    ما هو الفسق؟ اصطادوا بالحيلة أيضاً، ما تحدوا الله، احتالوا، قال: فسقوا أم لا؟ وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163] هنا وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:164-166].

    إذاً: أهل المدينة انقسموا ثلاثة أقسام: قسم أنكروا وتبرءوا، وقالوا: هذه حيلة واعتداء على الشريعة بالحيل، فلقد صدتم، حيث وضعتم الشراك قبل السبت، وأخذتموها يوم الأحد، فتجمع الحوت يوم السبت، فأنتم صائدون، والله حرم العمل في هذا اليوم.

    وطائفة أخرى سكتوا، إما آيسون كأكثرنا، نقول: ليس هناك من يستجيب، ليس هناك من يقبل، اترك، خل الناس فيما هم فيه!

    وطائفة ارتكبت الجريمة.

    قال تعالى: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165] وهو أنه مسخهم قردة، فأصبحوا في الصباح يخرجون من بيوتهم قردة! ثلاثة أيام وهم في أبأس الأحوال، وأسوأ الظروف، وبعد ثلاثة أيام أصابهم الله بوباء؛ فهلكوا في يومهم، ثم دفعوهم إلى البحر، وكنسوا البلاد، وطهروها من رجسهم.

    وهذا قد ذكره تعالى في قوله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة:65] بعيدين عن الخير أذلاء هالكين! وأنتم تعرفون القردة والعياذ بالله، نعم كان بالأمس يبتسم ويضحك، مرتفع القامة، يأكل ويشرب، وإذا به أصبح قرداً في الشوارع ثلاثة أيام، وابن عباس يقول: هذه سنة الله في من مسخهم، لا يعيشون أكثر من ثلاثة أيام.

    وبعضهم يقول: اليهود الآن قردة، لا ما هم قردة، القردة ماتوا، وإنما هم إخوان القردة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوه لبني قريظة لما طوقهم ناداهم: ( يا إخوان القردة والخنازير! ) ما قال: هم قردة هم إخوانهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين)

    قال تعالى: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا [البقرة:66] أي: تلك القرية وَمَا خَلْفَهَا [البقرة:66] ما بين يديها من القرى والسكان يشاهدون، تعالوا، الرجل يجد امرأته قردة! يجد أخاه وعمه قرداً، ويشاهدون ثلاثة أيام.

    نَكَالًا أي: لينكل من الناس من يريد أن يخرج عن أمر الله، ويفسق عن طاعته.

    النكال: هو الذي يجعله ينكل، ويجفل، ويتأخر، وما يقدم على المعصية؛ لما شاهد من آثارها.

    لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا أي: ممن يأتون بعدها من الأمم والشعوب.

    ثالثاً: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:66]، لم المتقون فقط يجدون الموعظة في هذه؟ لأن قلوبهم حية، ونفوسهم طاهرة، فما إن يشاهدوا حدثاً كهذا إلا يتعظون به، فيبعدون عن ساحة الفسق والخروج عن طاعة الله ورسوله، ولا يرضون أبداً بفسق بينهم ولا فيهم، لما هم عليه من النور والبصيرة.

    أما الذين لا يتقون فلا يجدون عظة ولا عبرة، ما يتقون عذاب الله، ولا سخطه، ولا غضبه، منغمسون في المعاصي والجرائم، هل يجدون في هذه عظة؟ ما يجدون.

    المتقي حي، مؤمن، يتقي الله عز وجل، وأدنى حادثة ينتفع بها، والذين قلوبهم ميتة لا يفهمون، ولا يسمعون.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! نقرأ هذه الآيات من الكتاب.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:63-66].

    شرح الكلمات

    قال المؤلف: [شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين]، عهد يؤكده بالحلف بالله.

    [الطور: جبل أو هو الجبل الذي ناجى الله تعالى موسى عليه السلام.

    بقوة: بجد وحزم وعزم]، خذ الكتاب بقوة أي: بجد، وحزم، وعزم، لمعرفة ما فيه، والعمل به.

    [توليتم: رجعتم عما التزمتم القيام به من العمل بما في التوراة.

    اعتدوا في السبت: تجاوزوا الحد فيه، حيث حرم عليهم الصيد فيه فصادوا.

    قردة: القردة جمع قرد، حيوان معروف مسخ الله تعالى المعتدين في السبت على نحوه.

    خاسئين: مبعدين عن الخير، ذليلين مهانين.

    نكالاً: عقوبة شديدة، تمنع من رآها أو علم بها من فعل ما كانت سبباً فيه.

    لما بين يديها وما خلفها: لما بين يدي العقوبة من الناس ولمن يأتي بعدهم] من أمثالنا.

    [وموعظة للمتقين: يتعظون بها، فلا يقدمون على معاصي الله عز وجل]. هذه هي الكلمات الإلهية.

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات الإجمالي: يذكر الحق عز وجل اليهود بما كان لأسلافهم ] الذين مضوا قبلهم أيام داود وسليمان، [ من أحداث لعلهم يعتبرون، فيذكرهم بحادثة امتناعهم من تحمل العمل بالتوراة، وإصرارهم على ذلك حتى رفع الله تعالى فوقهم جبلاً فأصبح كالظلة فوق رءوسهم، حينئذ أذعنوا]، وقد عرفتم كيف سجدوا على خدودهم؛ لأنهم ينظرون متى يسقط الجبل! وهذه السجدة يفضلونها على سجودنا، قالوا: لأن الله أنجى بني إسرائيل بها.

    قال: [فأصبح كالظلة فوق رءوسهم، حينئذ أذعنوا وأعطوا العهد غير أنهم تراجعوا بعد ذلك، ولم يفوا بما التزموا به؛ فاستوجبوا الخسران لولا رحمة الله بهم] فلولا أن الله أراد أن يبيدهم لأبادهم كعاد وثمود، لكنهم أبناء الأنبياء والمرسلين.

    قال: [كما يذكرهم بجريمة كانت لبعض أسلافهم، وهي أنه تعالى حرم عليهم الصيد يوم السبت، فاحتالت طائفة منهم على الشرع، واصطادوا، فنكل الله تعالى بهم، فمسخهم قردة، وجعلهم عظة وعبرة للمعتبرين].

    وهنا نذكر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد بسنده الجيد عن أبي هريرة رضي الله عنه إذ قال -فداه أبي وأمي، والعالم أجمع-: ( ولا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ولو تتبع هذا الموضوع لوجدت ملايين المسلمين منغمسين في الحيل، فيستحلون محارم الله لا بالمواجهة.

    على سبيل المثال: السفور، لم تقول: السفور يا شيخ؟!

    لأن العالم الإسلامي وقع وتورط، وها هم يعملون الليل والنهار على إنهاء الحجاب عندنا، ونحن نعلم يقيناً من طريق أبي القاسم صلى الله عليه وسلم أن المرأة إذا سقط حجابها، واختلطت بالرجال عم الخبث، فلا عاصم إلا الله، وإذا كثر الخبث في إقليم نزل البلاء، ولا سعادة بعد ذلك.

    الخصوم عرفوا هذا، ونحن أغبياء ما عرفنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول اسمعوا: ( اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) كيف شربوا الخمر؟ كيف ارتكبوا الجرائم؟ كيف اشتروا الدنيا والمال؟ من أجل النساء! فكل من يدعو تحت ستار تحرير المرأة فإنما هو عامل من عوامل الدمار، تحركه أصابع الماسونية اليهودية.

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات: أولاً: وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق]، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يفي بوعد أعطاه لله، وميثاق أخذه عنه الله، فيجب الوفاء بأي عهد تعطيه ليهودي، أو تعطيه لنصراني، وشعارنا: الوفاء بالعهود، من واعد .. من عاهد، سواء وثق العهد بالحلف أو لم يوثقه يجب الوفاء، فإن شاع بيننا خلف الوعد فاعلموا أننا راحلون إلى الهاوية!

    أيوبخ الله اليهود على نقضهم العهد ونحن لا؟ نقول: لا بأس، أيعقل هذا الكلام؟ نحن أحرى بأن نفي بالعهود؛ لأننا شاهدنا ما أصاب اليهود من خزي، وذل، وعار.

    وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، سواء كان بين المؤمنين والمؤمنين، أو بين المؤمنين والكافرين.

    قال: [ثانيا:ً يجب أخذ أحكام الشرع بحزم، وذكرها وعدم نسيانها أو تناسيها].

    كيف يتم هذا يا شيخ؟! لا سبيل إلى تحقيق هذا إلا من طريق كتاب: (المسجد وبيت المسلم) .. إلا من طريق أن نعرف أننا مسلمون، وأننا غير اليهود، والنصارى، والمجوس، والمشركين، وأننا أمة ممتازة ذات شأن عظيم؛ فنترك العمل من غروب الشمس فلا دكان، ولا مقهى، ولا مصنع، ولا مزرعة، ونحمل بنينا وبناتنا ونساءنا إلى بيوت الله، ونوسع جامعنا؛ حتى يتسع لأهل الحي كلهم أو لأهل القرية أجمعين. ونجلس بين يدي الله كل ليلة طول العمر، ونحن ندرس كتاب الله، ونتعلم ما فيه، ونطبقه على أنفسنا، والله لا طريق إلا هذا.

    ثم يا شيخ! أنت تحملنا على ما لا يطاق! ما يطاق؟! ما يطاق الجلوس في المسجد؟! بين المغرب والعشاء ما الذي يتوقف؟! اليهود والنصارى يوقفون العمل، وينقطعون من الساعة السادسة، ونحن لم؟ أي عذر عندنا؟! هم قد يعذرون أما نحن فكيف نعيش على دين نجهله؟ على آداب وأخلاق لا نعرفها؟ على حقائق وشرائع وأحكام ما عرفنا منها شيئاً، لا قليلاً ولا كثيراً؟ كيف يصح؟!

    وأعود فأقول: جربوا، فاجتمعوا يا أهل القرية، على ليلة آية وأخرى حديثاً، سنة فقط وانظروا بأعينكم، وهاتوا علماء النفس وخبراء الكون، وليشاهدوا كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إن ثبت عندهم في القرية من يزني بنسائها أو بنات إخوانه، أو يعرضهم للفتنة، أو يؤذي أخاه أو ابنه، أو يؤذي جاره، أو يشح برياله وأخوه جائع، اذبحوني! تنتهي مظاهر الفقر والخبث الذي ساد العالم الإسلامي.

    يتغير وضعنا بهذه الوسيلة الربانية، وسيلة الإيمان الحق، لنحقق إيماننا، ونترجمه عملاً ناصعاً، صادقاً، بيننا!

    أن نجتمع في القرية هكذا، النساء وراء، والأطفال دونهن، والفحول أمام الكل، والمربي أمامهم يقرأ معهم آية، ويتغنون بها جميعاً حتى تحفظ، ويقرءون حديثاً؛ فتنتهي المذهبية، والله ما يبقى من يقول: أنا مالكي .. أنا شافعي .. أنا زيدي، نحن مع الله ورسوله، قال الله وقال رسوله.

    تبقى حزبية ونظامية: نحن ننتمي إلى كذا؟ والله لا تبقى.

    تبقى وطنية: أنا من وطن كذا؟ لا وجود لها، أمة واحدة. قال الله وقال رسوله.

    يا علماء! احملوا هذه الرسالة وانشروها، لكنهم عجزوا وما استطاعوا، لو قام علماء المسلمين بحملة كما قمنا بها لكان المسلمون الآن كلهم في بيت الرب. كيف يكون حالهم؟ العالم يتحرك ويهتز: كيف أقبل المسلمون هذا الإقبال على بيوت الرب؟ ماذا يريدون؟!

    ولنترك الأمر لله.

    ومما هو هداية في هذه الآية الكريمة قال: [ ثالثاً: لا تتم التقوى لعبد إلا إذا أخذ أحكام الشرع بحزم وعزم]، ما هو إن شاء فعل، وإن شاء ما يفعل!

    قال: [رابعاً: حرمة الاحتيال لإباحة المحرم، وسوء عاقبة المحتالين المعتدين] والعياذ بالله تعالى رب العالمين. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.