إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (23)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حاول موسى أشد المحاولة مع فرعون من أجل الخروج ببني إسرائيل إلى أرض الميعاد، ولكن دون جدوى، فأمر الله موسى أن ينحاز مع قومه في جهة معينة استعداداً للخروج، فلما جاء أمر الله خرجوا جميعاً، فلما بلغ فرعون الخبر لحقهم بجنوده الجرارة، عند البحر وقف جمع موسى، وكادوا يفتنون، ولكن تداركتهم رحمة الله وحدثت المعجزة؛ ضرب موسى بعصاه البحر فانفلق ونجّا الله موسى وقومه، فكانت هذه نعمة عظيمة، ومعجزة ظاهرة.

    1.   

    سبب نزوح اليهود إلى المدينة في جزيرة العرب

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:50-53].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!ما زال السياق الكريم مع بني إسرائيل، وقد كانوا يسكنون هذه المدينة، وهم ثلاث فرق أو طوائف أو قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ونزحوا إلى هذه البلاد وسكنوها لعلتين:

    الأولى: اضطهاد النصارى لهم، وبغض النصارى لهم، ومضايقتهم، ولِم؟ لأن اليهود في اعتقادهم قتلوا إلههم وصلبوه، فالمسيحي الصليبي ينظر إلى اليهودي نظرة لو يمكن أن يميته بها لأماته؛ لاعتقاده أن اليهود قتلوا الإله عيسى، وما زال النصارى إلى اليوم يعتقدون هذه الكذبة، والقرآن الكريم قد صرح ببطلانها، إذ قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].

    ومن الغريب والعجيب -والدنيا لا تخلو من غرائب وعجائب- أن بولس الثامن منذ حوالي عشر سنين أو خمس عشرة سنة أصدر بياناً وتصريحاً بأن اليهود برآء من دم السيد المسيح، ويومها كنا في باب المجيدي فهللنا وكبرنا، وقلنا: الحمد لله. ألف وأربعمائة سنة والقرآن يصرح بأن اليهود ما قتلوا عيسى ولا صلبوه، وعيسى رفعه الله إليه، وهم مصرون على الحنث العظيم والكذب الباطل، ثم يأتي رجل الدين والكنيسة وينقض ما كان عليه النصارى من أكثر من ألفي سنة، وقلنا: الحمد لله.

    نزح اليهود لمضايقة الروم لهم والرومان.

    ونزحوا أيضاً إلى هذه البلاد لما عندهم في التوراة من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته، وأنه يخرج من جبال فاران؛ جبال مكة، وأن دار هجرته أو مهاجره يثرب ذات السبخة والنخيل، فقالوا: هذا المنقذ الذي إذا جاء نلتف حوله، ونؤمن به، ونسترد أمجادنا، ودولتنا، ومملكتنا.

    ومما يشهد لهذه القضية أو النظرية التي سمعتم أنهم كانوا أحياناً يقولون للعرب لما ينازعوهم، أو يختصمون معهم، يقولون لهم: إن نبياً قد أظل زمانه، وسوف نؤمن به، ونقتلكم قتال عاد وإرم، واذكروا لهذا قول الله عز وجل من هذه السورة المباركة سورة البقرة، إذا جاء فيها قول الله تعالى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89]، سبحان الله! المفروض أن يقول: فلعنة الله عليهم، لِم عدل؟ لا إله إلا الله، لو كنت أنا لقلت: فلعنة الله عليهم، اسمع .. اسمع الآية: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، لِم لعن الكافرين ولم يلعنهم؟ لأن اللعنة هذه وهي الطرد من ساحة الخير وأفناء الرحمة والسلام سببها الكفر، لتبقى هذه خالدة: لعنة الله على الكافرين، سواء كانوا يهوداً أو نصارى، عرباً أو عجماً، هذا البعد من الرحمة سببه الكفر، ما قال: فلعنة الله عليهم، قد يسلمون أو يسلم من يسلم، لكن لعنة الله على الكافرين دائماً وأبداً.

    1.   

    إجلاء اليهود إلى خارج المدينة لغدرهم وخيانتهم

    معاشر المستمعين والمستمعات! كان اليهود ينتظرون بفارغ الصبر النبوة الأخيرة الخاتمة للنبوات، ولما بعث صلى الله عليه وسلم ما زالوا يراقبون الحال، ويتطلعون إلى ما يحدث، وكلهم أمل، حتى نزل المدينة سنة ثلاث وخمسين من مولده، وشاهدوا التيار ليس ملائماً لهم، وكان بداية ذلك يوم انتصاره صلى الله عليه وسلم على قريش في بدر، من ثم عرفوا وبدءوا يكشفون عن نواياهم، وبدأت الفتنة مع بني قينقاع فحاصرهم صلى الله عليه وسلم برجاله، فاستسلموا له، ولم يقتلهم، ولم يسلب أموالهم، وطلب إليهم أن يخرجوا من المدينة وأن يلتحقوا بالشام، فالتحقوا بأذرعات من الشام، والقرآن ينزل.

    وتآمر بنو النضير أيضاً بعد كذا سنة على قتله صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل أنجاه، وأبطل كيدهم ومكرهم، ونجا من تلك المؤامرة الدنية، وأعلن صلى الله عليه وسلم الحرب عليهم؛ لأنهم نقضوا عهدهم، وحاصرهم برجاله، ونزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، وما قتلهم ولا صلبهم، ولكن أمرهم أن يخرجوا فقط من المدينة، وأن يحملوا ما يستطيعون حمله من أموالهم وأمتعتهم، والله إنهم كانوا يحملون الأخشاب والأبواب من بيوتهم، وفي ذلك يقول تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر:2]، تعجبه الخشبة أو العمود يحمله على البعير، كيف يتركه للمسلمين!

    ونزل بعضهم في خيبر، وبعضهم في تيم، وبعضهم التحق بالشام، وبقي بنو قريظة، بنو قريظة على عهدهم، حتى جاء يوم الأحزاب، تعرفون يوم الأحزاب، حيث كان مؤامرة عظيمة لإنهاء الإسلام، كمؤامرة حرب الخليج من سنتين أو ثلاث بالضبط، من قام بهذه المكيدة، من هو؟ لا بأس من باب المداعبة، صهر النبي صلى الله عليه وسلم، هذا اليهودي، لما أجلاهم الله من المدينة أخذ يطوف بقبائل العرب، من منطقة إلى منطقة، ويؤلبهم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ما اسمه؟ حيي بن أخطب النضري وكان زعيماً، وابنته: من هي؟ هي صفية تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعتقها وكانت أم المؤمنين، فرضي الله عنها وأرضاها.

    فألب العرب من الشمال إلى الجنوب، من الشرق إلى الغرب، وزحفت خيل الشيطان، وطوقوا المدينة بطوق عجب، واذكروا: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب:10]، يا لها من ليالٍ! خمس وعشرين ليلة، والرسول ورجاله محاصرون في سلع، فالجبل وراءهم والخندق أمامهم، وكان هناك جوع، وكان هناك ظمأ، وكان هناك خوف.

    فهذا حيي -لا أحياه الله- ذهب إلى بني قريظة، وأخذ يعرفهم ويفتلهم، حتى نقضوا عهدهم، ليتألبوا مع المتألبين، فدفع الله الشر، وأبعد الخطر بآية من آياته، أرسل الله تعالى عليهم ريحاً وهي الصبا، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور )، والدبور: ريح تأتي من المغرب، وهو الدبر، والمشرق هو القبل، وأما الصبا فريح تأتي من المشرق، وهذه الريح ماذا فعلت بهم؟ اقتلعت الخيام، معسكر أبي سفيان -رضي الله عنه؛ إذ أسلم بعد ذلك- ورجاله، القدور المنصوبة فيها اللحم والأكل قلبتها الريح، إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:9-11]، يا لها من أيام! وأعقبها الفرج، لما رحلوا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الآن نغزوهم )، لما غزونا وفشلوا الآن نغزوهم، وكان ذلك سنة ست من الهجرة، السابعة: خرج برجاله للعمرة وحصل ما حصل في الحديبية.

    والشاهد عندنا في هذه الجماعات اليهودية: كان المفروض أنهم أول من يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كانوا يتطلعون له، ويخبرون العرب به ويهددونهم، فلما ظهر أنه على منهج غير منهجهم وطريق على غير طريقهم تنكروا له.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ...)

    ها نحن الآن والقرآن ينزل قبل أن يخرجوا من المدينة والله يذكرهم بنعمه عليهم، علهم يقولون: الحمد لله، آمنا بالله، هات يدك يا رسول الله نبايعها ونصافحها على الإسلام فأبوا، واسمعوا هذه الخمس أو الست النعم التي بين أيدينا في هذه الآيات الخمس.

    نجاة بني إسرائيل من عذاب آل فرعون

    النعمة الأولى: في قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49]، آل فرعون -كما علمتم- رجاله من جيوشه ووزرائه وأقاربه، فالكل آل؛ لأن الأمر يئول إليهم، وستمائة ألف هم بنو إسرائيل، نجاهم الله وأنقذهم واستخرجهم من ملايين، وأبعدهم من ساحتهم، وما قتلوهم ولا صلبوهم.

    نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49]، وكيف؟

    إن آل فرعون كانوا يسومونهم الخسف ويعذبونهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وقد علمتم أن كاهناً من الكهنة قال لفرعون: إن سقوط عرشك وهبوط دولتك على يد هؤلاء الأجانب، وقد رُدَّ هذا، ولا حاجة إلى الكهنة، وقلنا: إنهم الساسة، ساسة الحكومة، قالوا: إن هذا الشعب له أصل، وله شرف ومجد وملك، فإذا تقووا هنا وكثروا قد يسقطون عرش فرعون ويحكمونه، لما لهم من شرف وأصاله في الملك والحكم، وهذا هو الصواب.

    فمن هنا: قالوا: الطريق أن نذلهم، فنحمل رجالهم تبعة العمل الشاق، فكانوا يصنعون الطوب، فهذه مهمتهم، وفي هذا إرهاق لأبدانهم، وضعف لقلوبهم ومعنوياتهم.

    ثانياً: حتى ما يكثر التناسل نذبح الأولاد الذين يولدون من الآن، وقد اتخذوا قراراً -كما علمتم- أن على شيخ القرية أو الحي أن يطلع على كل حبلى، وعلى الرجل أن يبلغ البلدية أن امرأته حبلى في الشهر الخامس أو السادس، وإذا آن أوان الولادة لابد من الاتصال بالمسئولين ليحضروا الولادة، فالقابلة بمجرد ما تتلقى الولد من فرج أمه تنظر إن كان ذكراً قالت: ذكراً وذبحوه، وإن كان أنثى تركوها.

    ومع هذا قال الساسة: إذا فعلنا هذا باستمرار قضينا على اليد العاملة، من يشتغل، فمن الخير أن نقتل الأولاد سنة بعد سنة، سنة نذبح الأطفال، وسنة نبقيهم، وفعلوا.

    وقد قلت لكم: من تدبير الله جل جلاله، أن السنة التي كان فيه العفو ولد هارون أخو موسى وشقيقه، والسنة التي فيها القتل والذبح ولد موسى، فمن يحفظ موسى غير الله.

    فأوحى الله تعالى إلى أم موسى: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ [طه:39] النيل: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39]، وهل هي نبية؟ لا، ولكن أي مانع أن يهتف بها هاتف، أو ترى رؤيا صادقة.

    وبالفعل ما إن وضعته والشُّرط على الباب، وقد أعدت التابوت وهيأته، وضعته في الصندوق وأعطته لأختها: ارمه في النيل، ليس عندنا ولد، ويعبث به الماء حتى يصل به إلى حديقة الملك فرعون، وإذا بالجواري عند الماء يأخذن الصندوق بسرعة، ورفعنه إلى الملكة؛ امرأة فرعون عليها السلام آسية بنت مزاحم ، قال تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39]، فما إن يراه أحد يكاد يدخله في قلبه، ومن يفعل هذا؟! فما إن شقوا الصندوق، وأزالوا الغطاء، ورأته الجواري والمرأة وإذا بكل واحدة تصرخ، تريد أن تدخله في أحشائها: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، تحت نظري وبصري، أنا الحامي أنا الواقي، أنا الحافظ لك يا موسى، فسبحان الله!

    إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ [طه:40]، من تدبير الله أنه لما أخذ موسى إلى قصر فرعون، واحتضنته آسية ، كان الولد يصرخ، وأبى أن يرضع أبداً، العطش والجوع وهو في أسبوعه الأول، وكلما تأتي مرضعة أو ضئر تقدم ثديها يلفظه ويدفعه، تدبير من هذا؟! كلما تأتي امرأة وزير .. شريفة .. امرأة غني .. طيبة الرائحة .. جميلة كذا، ما إن تدنو منه يصرخ، وإذا بأخت موسى تقول لها أمها: إي فلانة! تجولي في المدينة وتحسسي، علَّك تسمعين عن أخيك ما فعل الله به: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه:40]، لما سمعت أن الولد في بيت فرعون وأنه لم يقبل الرضع، فقالت لهم: أنا أدلكم عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12]، وهذه الكلمة تلقت صفعات من الجواسيس ورجال الحكومة. كيف يكونون ناصحين له؟ أنت تعرفين هذا من هو؟ قالت: أبداً. أنا أعرف أسرة فقيرة، فرجوت أن يرضع عندها، فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40]، ما إن رأى أمه حتى التقم ثديها في نهم، فأصبحت أمه رئيسة، لو تطلب مليون دينار لأعطيته. تدبير من هذا؟ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40].

    وحدثت حادثة تذكر أيضاً للعبرة: لما كان موسى يحبو ويحاول أن يقوم ليمشي، وإذا بفرعون جالس أمامه، فيمد موسى يده ويمسك فرعون من لحيته، ويجذبها. قال أحدهم ممن سمعني ذات مرة: سبحان الله! فرعون بلحيته؟! قلت: إي نعم، ما كان الفحل أبداً يحول نفسه إلى أنثى فيحلق وجهه، لابد من هذا. قال: لم فحول اليوم يحلقون؟ قلنا: لأنهم قلدوا المائعين، وضربوا في طريق الجاهلين، وإلا جمالك يا ابن آدم في لحيتك، وكنا نضرب لذلك مثلاً، نقول: أخبروني أيها الفحول! لو أن امرأة تلصق بوجهها لحية فحل صناعية كالباروكة، أفيكم من يرضى بهذا؟ هناك فحل يقبل؟ كيف ينظر إليها؟ مسخت، هكذا.

    فالذين يحلقون وجوههم ما شعروا أنهم في هذه المحنة، فقد أزالوا منظر الجمال والقوة والذكورة والفحولة، وأصبحوا كالإناث، وهم لا يشعرون.

    وهذه الكلمة نفع الله بها، فقد مضت علينا فترة كان المجلس كهذا لا يوجد فيه عُشره ملتحون، والكل حالقون، الآن انتشر الحق والحمد لله؛ لأن العلة هي الجهل فقط، مؤمنون صالحون غرروا بهم وقالوا: علماء، وقالوا .. وقالوا، فضللوهم وإلا من يرضى من الفحول أن يساوى بالإناث، ويصبح من جماعتهن، والرسول يقول: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، ويقول: ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال )، كذا قال؟ إي، والله العظيم.

    ومن يُلعن على لسان رسول الله كيف يسعد؟! كيف يرتاح وتطيب نفسه؟!

    كما قلت لكم: ملعون الرجل إذا تشبه بالمرأة، والمرأة ملعونة إذا تشبهت بالرجل، فلو تعمل عمامتها و.. و، وتلصق اللحية في وجهها وقالوا: هذا رجل، ملعونة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولا نطيل في هذه النعمة: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [البقرة:49] وجهه وبيانه: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [البقرة:49] أي: للخدمة والشغل: وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49]، امتحان كبير، لِم ما تؤمنون بالله ورسوله، وتدخلون في رحمة الله، وتمشون وراء رسول الله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين؟!

    ثم قال لهم النعمة الثانية: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة:50] اذكروا الوقت الذي تمت فيه ترتيبات عجيبة.

    تجمع بني إسرائيل استعداداً للرحيل

    تعب موسى وهو يلح على فرعون، وقد قهره وغلبه بالآيات والمعجزات، فأبى فرعون أن يسلم بني إسرائيل لموسى، فلما حصلت انهزامات كبيرة، وأخذ بنو إسرائيل يسمون ويرتفعون صدر أمر الله إلى موسى وأخيه أن يتجمع بنو إسرائيل، فيخرجون من وسط الأحواش والأزقة والدور المشتركة مع الأقباط ويجتمعون في جهة؛ استعداداً للرحيل، وجاء هذا في سورة يونس: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:87]، ممن يتلقون هذه المعارف؟ من الله عز وجل.

    اسمع اسمع: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً لِم قبلة؟ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، (قبلة) يحمل معنيين: اجعلوا أبوابها إلى القبلة، أو اجعلوها متجهة نحو القبلة بيت المقدس للصلاة، وقبلة أيضاً متقابلة، فالبيوت أبوابها متقابلة، خشية أن يتسرب إليهم الجواسيس أو الأعداء، فيعرف كل من يتحرك في المدينة، أو في هذه القرية الجديدة، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . فأخذوا يتجمعون ويبنون هذه القرية استعداداً للرحيل.

    بنو إسرائيل يرحلون من مصر

    لما اكتمل عددهم وتجمعوا أوحى الله إلى موسى أن اخرج ببني إسرائيل، فخرج موسى وأخوه هارون وبنو إسرائيل وراءهم، وكانوا ستمائة ألف؛ النساء والأطفال والرجال. إلى أين؟ جبريل يتقدمهم إلى بحر القلزم، البحر الأحمر، وما إن خرجوا وتركوا مصر وزحفوا نحو الشرق حتى أمر فرعون بالتعبئة العامة، فخرج بمائة ألف فارس؛ الذين يركبون الخيول فقط، أما المشاة فلا تسل، ومشوا وراء بني إسرائيل.

    ولما رأى بنو إسرائيل جيوش فرعون خافوا، وهم جبناء؛ لأنهم عاشوا عيشة المذلة والمهانة، وشكوا إلى موسى فقال: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، رد قولهم ومزاعمهم بقوله: (كلا) ليس الأمر كما تقولون: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، ومشى حتى وصل إلى حافة البحر الأحمر.

    السامري وتربة فرس جبريل

    وهنا حدثت حادثة: كان فرس جبريل عليه السلام، إذا وطئ الأرض ينبت العشب على الفور تحت قدم الفرس، فتفطن لهذه الحادثة العجيبة السامري ، فأخذ التربة التي تنبت العشب، وقال: هذه التربة فيها مادة الحياة، واحتفظ بكمية منه، فلما نجا بنو إسرائيل من البحر ونزلوا بالساحل المقابل، فكر هذا بوحي الشيطان وقال: يا معشر نساء بني إسرائيل! كل من كان عندها حلي للقبطيات تأتي به وتجمعه لنحرقه، إذ لا يحل لها أبداً أن تأخذ متاع غيرها. فجمع الحلي وصهره بالنار وأذابه وصنع منه عجلاً من الذهب، ووضع فيه ذلك التراب، فأصبح للعجل خوار وصوت كأنه حي، ودعاهم إلى عبادته كما سيأتي، فعبدوه في غيبة موسى.

    فلق البحر وهلاك فرعون وجنوده

    وأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فقال: بسم الله، وضرب البحر فانفلق فلقتين، في العلو كالجبل من هنا، وكالجبل من هنا، اثنا عشر زقاقاً وطريقاً، حتى أن قبائل بني إسرائيل وأسباطهم لا يزدحمون فكل سبط في شارع، اثنا عشر شارعاً أو زقاقاً في البحر، ومشوا حتى انتهى البحر، وخرجوا إلى ساحله.

    ووصل رجال فرعون، فأمرهم أن يرموا بخيولهم أيضاً في البحر، فلما توغلوا فيه وتوسطوا، ولم يبق وراءهم أحد، ولم يصلوا إلى ساحل النجاة، أطبق الله عليهم البحر فأغرقهم أجمعين اللهم إلا فرعون، نجاه الله ببدنه فقط، واقرءوا آيات سورة يونس: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]، هذه فيها فذلكة، حيث قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قال الله تعالى: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:91-92] فقط.

    إذاً: فرعون دخل على فرس البحر، فمشى ومشى حتى وصل الماء إلى حلقه، وكاد يغرق، ثم أعلن عن إسلامه: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا معبود لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ .

    هنا حكاية: لما كانت الحرب العالمية الأخيرة، وكانت ألمانيا محالفة للطليان واليابان، وكانت طائرات العدو تأتي إلى ديارنا بالمغرب بشمال أفريقيا؛ لأنها مستعمرات فرنسية، فحدث مرة أن جاءت الطائرة التي تقذف القنابل، وأخذ الناس يهربون فزعين، كأنهم مع قول الله تعالى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:1-4]، ناس يدخلون السراديب، وناس يخرجون، ما عرفوا، هذا طالع للعمارة، وهذا هابط منها، وكان يوجد بعض النصارى لا يحسنون اللغة العربية فيهربون معهم، يسمعون المسلمين يقولون: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله حتى يموتوا موحدين، والنصراني ماذا يقول: (أمواوسي) وأنا كذلك، أي: وأنا كما يقولون.

    كذلك فرعون قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قال تعالى: آلآنَ يوبخه آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:91-92] فقط، لا بروحك، لِم؟ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً .

    قالت العلماء: بنو إسرائيل عاشوا أذلة مهانين .. جهلة .. ضعفة، وواقعهم شاهد، ولولا أنهم رأوا فرعون ميتاً أمامهم على الساحل لقالوا: أبداً ما يموت فرعون، فمن رحمة الله وتدبيره بهم أنجاه ببدنه، يطلعون على رأسه وظهره، هذا هو فرعون ميت.

    وحدث مرة عندنا أيضاً أن شيخاً من مشايخ البلاد حكمنا وطالت مدة الحكم، وفعل العجب، والله لما مات ما صدق كثير من الناس، قالوا: لا يموت، كيف يموت؟!

    هذا الضعف البشري، قالوا: لا يموت، كيف فلان يموت، لِم؟ عاش ثمانين .. تسعين سنة ما مات، كيف الآن يموت؟!

    فبنو إسرائيل لولا أن الله عز وجل أنجى فرعون ببدنه، لكانوا يصابون بالهستيريا -كما يقولون- أو الجنون، يكون جالساً يقول: الآن جاء فرعون، فمن تدبير الله لأوليائه ورحمته بهم أن أغرق ذلك الجيش بمئات الآلاف، وأنجى واحداً، لحكمة أو لا؟ لأن أفعال الله تعالى لا تخلو من حكمة قط، ولا يوجد فعل لله بدون حكمة.

    يقول تعالى: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50]، ما هي حكاية ماضية (وأنتم تنظرون) وجيش فرعون يغرق شيئاً فشيئاً حتى غطاهم البحر.

    زمن نجاة موسى وقومه

    هذا اليوم الذي نجّى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل كان يوم عشرة محرم، والدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان العام الذي هاجر فيه في ربيع الأول، فدارت السنة وجاء محرم، فصامه بنو إسرائيل: ( فسألهم: لم تصومون؟ قالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل نصومه شكراً لله. فقال: نحن أحق بموسى منكم )، فأمر أهل المدينة أن يصوموا فصاموا -والله- وصوموا صبيانهم، الأطفال الصغار.

    ثم بعد عام آخر لما نزل فرضية رمضان؛ أعلن أن من شاء أن يصوم، ومن شاء أن يفطر، فقد فرض الله علينا صيام رمضان، ولكي يخالف اليهود -عليهم لعائن الله- قال: ( إن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر )، فمن السنة معاشر المستمعين والمستمعات أن نصوم تاسوعاء وعاشوراء؛ شكراً لله عز وجل على آلائه وإنعامه.

    مواعدة الله لموسى واتخاذ بني إسرائيل للعجل

    النعمة الثالثة: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:51].

    متى واعد موسى أربعين ليلة؟ لما خرجوا من البحر ونزلوا بالساحل، فواعد الحق عز وجل موسى بأن يحضر عنده في جبل الطور؛ من أجل أن يعطيه الدستور الذي يحكم به بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا مستعمرة، وكان الحكم حكم فرعون ورجاله، فبم يحكمهم موسى؟ كما أن موسى عاش في مصر وتربى فيها، فقال له تعالى: تعال عندنا نعطك الدستور، لتحكم به بني إسرائيل.

    وهنا مسألة سياسية لو كان معنا سياسيون؛ سياسيونا ما يفهمون، يؤولون كلامي ولا يفهمونه، كنا مستعمرات أو لا؟ من إندونيسيا إلى موريتانيا حق أو لا؟ سوريا .. العراق .. اليمن .. مصر .. كذا.. كذا، كنا مستعمرات، فكان الواجب والمفروض أننا لما نستقل في إقليم من الأقاليم أن نأتي بالدستور الإسلامي ونطبقه، ولا نبقى نطبق دستور الدولة المستعمرة.

    ومن عجيب تدبير الله عز وجل - واسمعوا وعوا- أنه لما بدأت الاستقلالات كان الله عز وجل قد أقام هذه الدولة على يد عبد العزيز ، وذلك بعدما كانت هذه البلاد فوضى عارمة كغيرها من العالم الإسلامي؛ حيث الوثنيات، والجهل، والباطل والسحر، والتدجيل، والخرافات و.. و، لا تسأل عن حالنا، فأراد الله أن يقيم الحجة له على عباده، فأقام هذه الدويلة الصغيرة الفقيرة، لا تملك شيئاً، وتجلت فيها حقائق العلم الرباني، فسادها أمن ما كانت تحلم به هذه الديار.

    لعلي واهم! ما تعرفون، كان الحاج لخوفه على دنانيره يبتلعها حتى إذا خرأ يأخذها منه، وساد أمن لم تحلم به الدنيا، ولم تعرفه إلا في القرون الذهبية الثلاثة، وإن شئتم حلفت وأنتم لا تقبلون: والله العظيم ما رأت الدنيا أمناً كالذي حصل في هذه الديار على دولة القرآن إلا أيام الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في القرون الثلاثة.

    أما كان بائع الذهب إذا أذن المؤذن يضع خرقة قديمة بيضاء على باب ذهبه ويأتي يصلي؟!

    هل عرفت الدنيا هذا؟!

    يمشي رجل من أقصى شرق المملكة إلى غربها لا يخاف إلا الله.

    فتحقق أمن، وتحقق طهر، قلّما يسمع أن هناك جريمة واقعة كزنى رجم فاعله، أو أن هناك من لا يقيم صلاة، أو أن هناك من قتل ظلماً وعدواناً، أحداث نادرة.

    وتجلّت حقيقة القرآن الكريم وهي قول ربنا: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] أي: حكمناهم وأصبحوا حاكمين: أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]، لو ما جاء الله بهذه الدولة، وما شاهد المسلمون حجاجاً وزواراً ورأوا الكرامة كما هي أمن وطهر لكانوا يعتذرون، يقولون: ما عرفنا، ولكن حجوا واعتمروا وشاهدوا.

    ومع هذا يستقل الإقليم ولا يأتي إلى عبد العزيز؛ لأنه حاكم الحرمين وأرض القدس والطهر، ويقول: لقد استقل قطرنا فابعث إلينا بقضاة يطبقون شريعة الله عندنا، هل فعلوا؟!

    مما يضحك! أن السودان لما استقلت طالبوا بريطانيا بإرسال قضاة لهم يحكمون البلاد!! والله العظيم قرأنا هذا وسمعناه، هذا مثال.

    فانظر! لو عرفنا الطريق لكنا الآن أمة واحدة، فلا فرق بين أبيض وأسود، ولا عربي ولا عجمي، كيف؟ هذه الدولة أوجدها الله أولاً أو لا؟ والعالم الإسلامي مستعمرات هكذا؟ فالدولة التي تستقل من الاستعمار الغربي أو الشرقي تبعث رجالها: ابعثوا لنا بقضاة ووالي عام خليفة يخلفك في بلادنا، ما الذي يمنع من هذا؟ وتطبق شريعة الله.

    ولو فعلنا هذا لكنا خلافة قائمة، والعالم الإسلامي كله بلد واحد، عملة واحدة، جواز واحد، لغة واحدة، دستور وقانون واحد، لكن للجهل وعدم البصيرة، ولتسميم عقولنا وإفساد قلوبنا من طريق الغربيين صرفونا صرفة كاملة.

    والله ما بلغني حتى هذه الدويلات الصغيرة في الخزي أنهم جاءوا وقالوا: يا عبد العزيز ! لقد انتهينا من الاستعمار البريطاني، ابعث لنا رجالك يقيمون شرع الله بيننا؛ لأننا مسلمون.

    فعلنا أو لا؟ ما فعلنا.

    فلهذا لن تقوم دولة إسلامية تضم بأجنحتها العالم الإسلامي أبداً؛ لأننا نحن الذين ذبحناها، وما أردناها تكون.

    والدليل أن موسى لما استقل ببني إسرائيل ذهب يطلب من الله القانون الذي يسود به، ويحكم بني إسرائيل.

    ومن ثم ترك بني إسرائيل وذهب إلى جبل الطور وناجاه ربه وناداه، وأعطاه الدستور، وعندما رجع وإذا بـالسامري والعياذ بالله، أمة هابطة كما قدمنا، فقد غرر بهم، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فذهب موسى يطلبه وهو غافل، هذا هو فاعبدوه. فعبدوا العجل، أما هارون عليه السلام خليفته فبكى، شكا، وما استطاع أن يفعل شيئاً، أمة هاوية!

    فهذه نعمة، فبدل أن يفعل الله بهم نقمته عفا عنهم، وموسى أحرق ذلك العجل ونسفه كالرماد في البحر وعادوا لعبادة الحق عز وجل.

    هذا وللحديث بقية مع الآيات، وصلى الله على نبينا محمد.