إسلام ويب

تفسير سورة الرعد (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضرب الله مثلاً للكافر بالأعمى، ذلك لأنه لا يرى الآيات الواضحات على إلهية الله سبحانه وربوبيته، فتراه يكذب الأنبياء، ويكذب بنزول القرآن والوحي، ولا يتأنى قليلاً ليتذكر ويتفكر، وهذا بخلاف المؤمن الذي يرى الحق ويتبعه، فيؤدي الواجبات، ويجتنب المحرمات، فكان أن جعل الله له العاقبة الحسنة، وهي جنة عدن برفقة من آمن من أهله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن اليوم مع هذه الآيات وهي بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:20-24].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات: في الآيات السالفة والتي تدارسناها البارحة ضرب الله مثلين للحق والباطل، للإيمان والتوحيد، والشرك والكفر، والآن يضرب مثلين لرجلين أحدهما حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيد أحد، والثاني أبو جهل عمرو بن هشام عليه لعائن الله، وذكر لكل منهما صفات، والآن مع صفات حمزة رضي الله عنه، وكل مؤمن ومؤمنة مطالب بأن يتصف بهذه الصفات الثمان، وإلا فلا سلام عليه، ولا إنعام في دار السلام.

    وهذه الآيات وإن نزلت في رجلين: مؤمن موحد، وكافر مشرك فالأمة التي نزل عليها القرآن كلها مأمورة بأن تتصف بصفات حمزة التي ذكرت، وتتجنب صفات أبي جهل التي ذكرت أيضاً في الآيات الآتية.

    قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ألا وهو حمزة بن عبد المطلب كمن هو أعمى القلب لا يبصر. هل هما سواء؟ والله ما هم بسواء، فشتان ما بين الأعمى والبصير.. شتان ما بين العاقل وبين المجنون.

    أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ يا رسولنا مِنْ رَبِّكَ الذي هو القرآن، وما حواه من الإيمان والتوحيد هو الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى لا يبصر ولا يرى، فلا آمن بك ولا بكتابك ولا بما جئت به؟ كيف يستويان؟

    ثم قال تعالى: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد:19] الذين يتعظون لما يسمعون هذا الوصف، أصحاب القلوب الحية.

    واللب: القلب، والجمع: ألباب، فمن كان ذا قلب حي يعي، فهذا الذي ينتفع بهذا المثل، ومن كان لا قلب له حي وإنما ميت فهو كالأعمى ما يبصر، ولا ينتفع بما يشاهد أو بما يسمع.

    أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى اللهم لا إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد:19] هذه الجملة، وهذا المثل يتذكر وينتفع به أصحاب القلوب الحية لا القلوب الميتة المغموسة في الذنوب والآثام بحب الدنيا والشهوات، ثم بين سبحانه هؤلاء المنتفعين الفائزين بهذه الصفات الثمان، والله نسأل أن نكون كلنا منهم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)

    قال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد:20] ، وهذه أول صفة الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ومن عهد الله: قولك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، إذ يجب أن تفي بهذا الوعد فلا تعبد إلا الله، ولا ترى ولا تقبل عبادة غير الله، وأن تمشي وراء رسول الله، وتتبعه فيما جاء به.

    ويدخل في هذا: كل عهد وكل ميثاق، حتى بينك وبين أخيك، بينك وبين فلان وفلان.

    إذاً: أول صفاتهم الكمالية: الوفاء بالعهود وعدم نقص المواثيق. والمواثيق: جمع ميثاق، وهو العهد المؤكد باليمين، وقد جاء ذكر المواثيق في القرآن في نيف وعشرين آية؛ لأنها ذات أهمية.

    فالمرتد نقض ميثاقه، والذي تنكر للمسلمين وحاربهم نقض الميثاق، والذي يعد أخاه أو إخوانه ثم لا يفي ينقض العهد.

    ومعنى هذا: يجب على كل مؤمن ومؤمنة إذا عاهد أن يفي بعهده ولا ينقضه، سواء كان مع الله أو مع رسول الله، أو مع عباد الله أو مع نفسه. هذه صفة الكمال الأولى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21].

    ثاني صفاتهم: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، الوصل ضد القطع، فما الذي أمر الله به أن يوصل؟

    الإيمان والإسلام والإحسان، فلا قطع لهما حتى الموت، فمن آمن يواصل إيمانه، ومن أسلم يواصل إسلامه، ومن أحسن يواصل إحسانه، فلا يقطع هذا ولا ذاك أبداً إلى الوفاة.

    وَالَّذِينَ يَصِلُونَ الذي أمر الله به أن يوصل، وهو: الإيمان، والإسلام، والإحسان، ويدخل في هذا كل الطاعات والعبادات من الصلاة وغيرها.

    ثالث صفاتهم: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ خشية الله والخوف منه؛ بحيث لا تقوى ولا تقدر على أن تعصيه، فكلما هممت بمعصية تخاف عذابه فتكف عنها وتبتعد، وكلما قصرت في أداء واجب تخاف الله ثم تفعله، وكلما تهم نفسك بمعصية لله والرسول تذكر عذاب الله وعقابه وغضبه عليك فتترك ذلك.. تلك هي علامة خشية الله.

    وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي خالقهم ومالك أمرهم، الله إلههم الحق يخشونه.

    رابع صفاتهم: وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21] سوء الحساب عند القيامة، عندما يقف المرء بين يدي الله ويسأله ويستنطقه ويستجوبه، تلك الساعة من أفظع الساعات، فهل يستطيع أن يكذب؟ وهل ينفعه كذبه؟ يحاول أن يكذب فيقول تعالى له: اسكت وانطقي يا جوارحه، فتنطق العين، والأذن، والسمع، والبصر، واليد، والرجل.. فالمؤمنون الصادقون يخافون سوء الحساب، فلهذا لا يظلمون ولا يخرجون عن طاعة الله ورسوله، ولا يخدعون، ولا يمكرون، ولا ينقضون، ولا يطففون، ولا يأكلون المال الحرام، ولا يؤذون مؤمناً ولا مؤمنة خشية أن يحاسبوا ويجزوا بظلمهم في هذه الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ... أولئك لهم عقبى الدار)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22] .

    الصفة الخامسة: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ صبروا على البلاء في الحرب والقتال والجهاد، صبروا أيام كان المشركون يضطهدونهم ويعذبونهم، ويحاولون أن يكفروهم، وأن يردوهم عن دينهم، أولئك صبروا من أجل طلب رضا ربهم.

    صَبَرُوا ابْتِغَاءَ أي: من أجل طلب رضا مولاهم؛ إذ كان المؤمنون المسلمون في مكة يضطهدون، يعذبون،ينكل بهم كما علمتم عن حال بلال وصهيب وعمار وسمية ، ولكنهم صبروا ما ارتد أحدهم ولا رجع عن دينه، صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أي: طلبوا رضا ربهم.

    الصفة السادسة: وَأَقَامُوا الصَّلاةَ كما أمر الله أن تقام، والمراد الصلاة المعروفة، وهي الصلوات الخمس، أقاموها قياماً ليس فيها نقص لا بزيادة ولا بنقصان، وأدوها في أوقاتها المحددة على صفتها المبينة، كما نزل بها جبريل، وبينها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الصفة السابعة: وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ومن ذلك: الزكاة قبل كل إنفاق، ثم النفقة على الأهل والأقارب، ثم على الفقراء والمساكين.

    وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ أنفقوا مما رزقهم الله، فهو الذي يخبر عن هذا سِرًّا في الخفية وَعَلانِيَةً ينفقون في العلن والسرية على حد سواء، إذا تطلب الموقف العلن ينفق علناً، وإذا ما تطلب ينفق سراً في الخفاء؛ لأنه ينفق لوجه الله عز وجل؛ أي: طلباً لرضاه.

    الصفة الثامنة: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي: يدرءون جهل الجاهلين بالحلم، فالجاهل إذا قال فيك ما قال ادفع قوله بحلمك عليه، وصفحك، وعدم مؤاخذتك، ولا تدخل في حرب معه.

    والسيئة: ذنب من الذنوب يمحونه بالحسنة، بالتوبة، بالاستغفار.. هذه حالهم طول حياتهم، يدرءون ويدفعون بالحسنة السيئة.

    والحسنة قالوا: هي الحلم يدفعون به جهل الجهال الذين يتعرضون لأذاهم، والحسنة أيضاً التوبة يدفعون بها الذنب الذي تعلق بنفوسهم إذ ما منهم معصوم، فقد يذنب العبد ذنباً فيمحو ذلك الذنب بالتوبة النصوح، ويعقب على الذنب يمحوه، ويدرءون بالحسنة السيئة.

    هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات ما جزاؤهم؟

    اسمع البيان الإلهي: أُوْلَئِكَ السامون، الفضلاء، الشرفاء، الكُمَّل لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22] وهي الدار الآخرة تعقب هذه الدار الدنيا، تأتي بعدها وعقبها، فيسعدون فيها ولا يشقون، يكملون ولا ينقصون، يعزون ولا يذلون، يطيبون ولا يخبثون؛ لأنها دار السعادة في الملكوت الأعلى فوق السماء السابعة.

    أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22] ما عقبى الدار هذه؟ ذكرها الله في الآية التي بعدها فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ [الرعد:23].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ...)

    قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد:23].

    قوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ ، عدن، أي: إقامة دائمة لا ضعن ولا ارتحال معها أبداً يَدْخُلُونَهَا بعدما يصلون إلى أبوابها، وتفتح لهم أبواب الجنة الثمانية، يقال لهم: ادخلوا.

    ومن لطائف العلم: كنا نقرأ ونسمع ونفهم عن رسولنا صلى الله عليه وسلم قوله: ( إذا توضأ المؤمن أو المؤمنة وأحسن الوضوء ) هذا الشرط: توضأ فأحسن الوضوء ( ثم رفع طرفه إلى السماء ) أي: رأسه ( وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ) تفتح أبواب الجنة تلقائياً كما تفتح اليوم أبواب الدار، والديار، والمحاكم والمطارات، قبل أن تصل الباب ينفتح الباب لك تلقائياً، فآمنا بالله وبما أخبر رسوله ( إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ) لو كنت عند الباب والله لدخلت جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا هم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ .

    وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ يعني: وأمهاتهم، الآباء: الآباء والأمهات، وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ بنين وبنات.

    قوله: وَمَنْ صَلَحَ ، ما معنى من صلح؟ دلوني على الصلاح لأصلح؛ حتى أكون مع آبائي وأمهاتي في الجنة وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [الرعد:23].

    علمنا يقيناً أن الصالح منا ذاك الذي أدى حقوق الله كاملة كما أمره الله وأوجب عليه، ولم ينقص حقاً من حقوق الله، وأدى حقوق العباد كذلك كاملة فما بخس عبداً حقه ولا نقصه، هذا هو العبد الصالح، وهؤلاء هم الصالحون، هذا الذي صلح وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ الكل يدخلون الجنة مع بعضهم بعضاً، وقد يتفاوتون في علو الدرجات، ولكن الكل في دار السلام وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ولفظ الآباء تدخل فيه الأمهات، والذرية يدخل فيه البنين والبنات.

    ثم قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ من الملائكة؟ خلق من خلق الله، أطهار، أصفياء، لا يوصفون بالذكورية ولا بالأنوثة، خلقهم الله، وليس فيهم من يعص الله ولا يخرج عن طاعته أبداً، يسبحون الليل والنهار طول الدهر لا يفترون، الملائكة يدخلون على هؤلاء الصلحاء دار السلام يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] يهنئونهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ أي: بسبب صبركم على إيمانكم وإسلامكم وإحسانكم، على طاعة ربكم ورسولكم فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ كانت لكم الجنة فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ الجنة دار النعيم المقيم.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول الله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى فلا نسوي بين حمزة وأبي جهل إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد:19] أصحاب القلوب.

    إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد:19]، اقرأ هذه الآية على الملايين لا ينتفع منها إلا من كان له قلب حي يعي ويفهم. إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أي: يتعظ وينتفع بما يسمع أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد:19] من أصحاب القلوب الحية الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ هؤلاء هم أولوا الألباب، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد:20-21] كصلة الرحم، والإسلام، والإحسان وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الرعد:21] والخشية: الخوف مع رعدة وانفعال باطني وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21] أي: يوم القيامة.

    وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أي: طلباً لرضا الله تعالى عنهم ما تزعزعوا ولا تخلخلوا، ضربوهم، سجنوهم.. عذبوهم.. ولكنهم بقوا على إيمانهم وإسلامهم كـبلال وعمار ومن إليهم.

    وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ لا لدنيا، ولا لمال، ولا لجاه، ولا لقريب، ولا بعيد، وإنما طلباً لمرضاة الله فقط وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ طول حياتهم أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22] ألا وهي الجنة دار السلام جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد:23]، يقولون لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ على إيمانكم وإسلامكم وإحسانكم، فما تخاذلتم وانقطعتم ثم ارتددتم بل صبرتم سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] الدار الآخرة الجنة، فلا أحسن منها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    الآن مع شرح الآيات من الكتاب لتزدادوا علماً ويقيناً.

    معنى الآيات

    [ معنى الآيات: لقد تضمنت هذه الآيات مقارنة ومفاضلة بين شخصيتين:

    الأولى: شخصية مؤمن صالح كـحمزة بن عبد المطلب ، والثانية: شخصية كافر فاسد كـأبي جهل المخزومي، وبين ما لهما من جزاء في الدار الآخرة ] الذي سمعناه الليلة جزاء حمزة ، والذي يأتي بعد في الآيات جزاء أبي جهل .

    [ وبين ما لهما من جزاء في الدار الآخرة مع ذكر صفات كل منهما، تلك الصفات المقتضية لجزائهما في الدار الآخرة، قال تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى فيؤمن به بعد العلم، ويستقيم على منهجه في عقيدته، وعبادته، ومعاملاته، وسلوكه كله. هذه الشخصية الأولى.

    كَمَنْ هُوَ أَعْمَى أي: لم يعلم الحق ولم يؤمن به ولم يعمل بما أنزل إلى الرسول من الشرع.

    والجواب: قطعاً أنهما لا يستويان، ولا يكونان في ميزان العدل والحق متساويين أبداً.

    وقوله تعالى: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد:19] أي: يتعظ بمثل هذه المقارنة ] بين الشخصيتين، وهم [ أصحاب العقول المدركة للحقائق، والمفرقة بين المتضادّات كالحق والباطل، والخير والشر، والنافع والضار.

    وقوله تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ هذا شروع في بيان صفاتهم المقتضية إنعامهم وإكرامهم، فذكر لهم ثمان صفات هي كالتالي:

    الأولى: الوفاء بالعهود وعدم نقضها قال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد:20]؛ إذ لا دين لمن لا عهد له ] وهذا حديث صحيح: ( لا دين لمن لا عهد له ).

    [ ثانياً: وصل ما أمر الله به أن يوصل من الإيمان، والإسلام، والإحسان، والأرحام: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ .

    ثالثاً: خشية الله المقتضية لطاعته وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ .

    رابعاً: الخوف من سوء الحساب يوم القيامة المقتضي لمحاسبة النفس على الصغيرة والكبيرة: وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21].

    خامساً: الصبر طلباً لمرضاة الله، الصبر على الطاعات فعلاً، وعن المعاصي بعداً، وعلى البلاء: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ .

    سادساً: إقامة الصلاة، وهي أداؤها في أوقاتها جماعة بكامل الشروط والأركان والسنن والآداب وَأَقَامُوا الصَّلاةَ .

    سابعاً: الإنفاق مما رزقهم الله في الزكاة والصدقات الواجبة والمندوبة: وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ .

    ثامناً: دفع السيئة بالحسنة، فيدرءون سيئة الجهل عليهم بحسنة العلم، وسيئة الأذى بحسنة الصبر ] هذه الصفات الثمان صفاتهم.

    قال: [ وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22] أي: العاقبة المحمودة، وفسرها بقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ أي: إقامة لا ظعن منها يَدْخُلُونَهَا هم، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ . والصلاح هنا: الإيمان والعمل الصالح ] كل من آمن وعمل صالحاً فهو صالح.

    [ وقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد:23] هذا عند دخولهم الجنة تدخل عليهم الملائكة تهنئهم بسلامة الوصول، وتحقيق المأمول، وتسلم عليهم قائلة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ أي: بسبب صبركم، والإيمان، والطاعة فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] هذه تهنئة الملائكة لهم، وأعظم بها تهنئة، وأبرك بها بركة، اللهم اجعلني منهم ووالدي وأهل بيتي والمسلمين أجمعين ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: المؤمن حيّ يبصر ويعلم ويعمل، والكافر ميت أعمى لا يعلم ولا يعمل ] والله العظيم. استنبطنا هذا من قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد:19].

    [ ثانياً: الاتعاظ بالمواعظ يحصل لذي عقل راجح سليم ] فإذا وعظت من وعظت من الناس لا ينتفع بوعظك إلا ذو العقل السليم، ذو العقل الراجح السليم، أما الذي لا عقل له، عقله طائش لا ينتفع، يسمع فلا يفعل ولا يترك، وأخذنا هذا من قوله تعالى: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد:19].

    [ ثالثاً: فضل هذه الصفات الثمانية المذكورة في هذه الآيات. أولها الوفاء بعهد الله، وآخرها درء السيئة بالحسنة ] لا بالسيئة مثلها وهذا مقام ثان.

    [ رابعاً: تفسير عقبى الدار بأنها الجنة ]. تفسير عقبى الدار بالجنة في الدار الآخرة.

    [ خامساً: بيان أن الملائكة تهنئ أهل الجنة عند دخولهم وتسلم عليهم ] الملائكة يهنئون أهل الجنة، ويدخلون عليهم، ويسلمون عليهم، وأخذنا هذا من قوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24] فاللهم ارزقنا صبراً لازماً لنا حتى الموت يا رب العالمين، نصبر به على إيماننا، وطاعة ربنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم.