إسلام ويب

الزواج والمهورللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزواج أمر فطري تدعو إليه الطباع والغرائز، وقد حث الإسلام على الزواج وإعفاف النفس كما عالج مشاكله، وحذر من عواقب تعسيره.

    1.   

    علاج مشكلة العزوبة

    الحمد لله على الإسلام, عظيم السلطان, أحمده سبحانه خلق الخلق من ذكر وأنثى, وجعل في ذلك عمارة الأكوان, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, ولا نظير ولا أعواناً, وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا آمرنا محمد بن عبد الله القائل عليه من الله أفضل الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج, فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله عز وجل، واعلموا أن الله جلت قدرته ما أنزل القرآن إلا ليعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، فإن فيه كل دلالة على الخير وكل تحذير من الشر، وإن يحسن للمؤمنين الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].

    تيسير الزواج

    في كتاب الله عز وجل آية تعالج مشكلة اجتماعية، هي في الواقع مشكلة كل فرد من ذكر وأنثى، تلك هي مشكلة الزواج, فهو أمر فطري تدعو إليه الطباع والغرائز, وتترتب عليه أمارة الفوز, وقد كان من الواجب أن يصبح أمر الزواج والنكاح ميسراً؛ ليكون باستطاعة كل فرد أن يقدم عليه مهما كان وضعه، غنياً أو فقيراً، أميراً أو صعلوكاً، يقول الله عز وجل، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] في هذه الآية الكريمة حث الله على تزويج الأيامى، والأيامى: جمع أيم وهي: المرأة لا زوج لها, والرجل لا زوج له, وكذلك في الآية الكريمة الوعد الصادر من رب العزة الذي لا يخلف الميعاد، وعد بالغنى والخير لمن يتزوج يريد العفاف، في الآية الكريمة أيضاً قطع لحجة الذين يقولون: لا نتزوج حتى نحصل على ما يكفل الحياة السعيدة.

    الغنى في النكاح

    أمة الإسلام! في هذه الآية من كتاب الله ردٌ على الذين يقولون: لا نتزوج حتى نحصل على ما يكفل الحياة السعيدة, فهذا شعار باطل, فإن الحياة وما فيها من الأرزاق هي للحي القيوم القادر على كل شيء, وقد أخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم بأنه {لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها} فعلى الإنسان أن يفعل الأسباب، ويستعين بالله ويجزم في الطلب، ويعلم حق اليقين أن رزق الله لا يأتي به حرص حريص, ولا ترده كراهية كاره, وليعلم الماديون أهل الطمع والجشع أن الرازق والمعطي هو الله وحده لا شريك له, فإنه قادر أن يغني فقيراً ويفقر غنياً, فهذا رد على النظرة الخاطئة، الذين يقولون: لا نزوج فقيراً يزيده الزواج فقراً لفقره, فكم من فقير أصبح بعد زواجه موفور النعمة, قرير العين, يقول أبو بكر رضي الله عنه: [[أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الرباح]]

    ويقول الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه: [[التمسوا الغنى في النكاح]] ويقول رسول البشرية صلى الله عليه وسلم: {ثلاثة حق على الله عونهم.. ومنهم: الناكح يريد العفاف} وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد, ومع هذا زوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن.

    عواقب غلاء المهور

    ويقول صلى الله عليه وسلم في توجيهه الصالح لأمته: {إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} ففي هذا التوجيه القيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الإنذارات والتحذير من واقعنا المرير الذي وقع فيه الكثير من الناس, من المتاجرة بالفتيات, والمباهات في المغالاة في المهور, حتى أثقل كاهل الشباب وتقاعسوا عن الزواج, وصار البعض -هدانا الله وإياهم- من الشباب لا يفكر إلا أن يحصل على قليل من النقود, فيذهب خارج البلاد ليقضي وطره في تلك البلدان التي فتحت أبوابها للشر والعار والفساد, ثم يرجع حاملاً معه كل فتنة وشر, وهلم جراً.

    فلو تعاون الشباب وأولياء أمور الفتيات لكان ما ينفق في الفساد خارج البلاد فيه كفاية, أما إذا دام الوضع هكذا، فتيات يحرج عليهن في سوق الطمع والجشع, وهن في بيوت تمر السنون تلو السنين, والشباب يتقلبون على جمر نيران الشهوات من بين تلك المجتمعات التي فشا فيها السفور وقلّ فيها الحياء, وكثر فيها الفساد, وبين أشرطة الفيديو والسينما والصور الخليعات، والمجلة الماجنة التي طالما تمناها أعداء الإسلام؛ لإفساد المجتمع المسلم, والتي يميتون بها القيم والآداب الإسلامية ويحببون فيها معصية الله مثل حلق اللحية والخنفسة، والتختم بالذهب, وتعليق السلاسل في العنق, وغيرها من العادات الآثمة التي تشن حربها على الآداب الإسلامية, والأخلاق الفاضلة, مثل: استعمال المسكرات, وترك الصلاة.

    فإذا رجعنا للحق يا أمة الإسلام! فهل من الممكن أن يزوج تارك الصلاة؟ أو من تورمت عيونه من استعمال المخدرات؟ أو ارتكب ما يخل بالشرف والدين والمعاصي؟ فكل هذه أو بعضها تتنافى مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه}

    لنرجع إلى ربنا وإلى دينه القويم, لكي نتمسك بأهداف الإسلام ولنعض عليه بالنواجذ, حتى نكون أهل خلق ودين, لنملأ المساجد, ونعبئ فيها الفروض, ونترك سبيل اللحية ونقص الشوارب, ونزيل الخنافس والتواليت, ونرمي بخواتم الذهب طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل الصحابي لما ظهر له الحق وعرف أنها جمرة من النار في يده، ونقطع السلاسل, ونترفع عن عادات النساء من الميوعة وتضييق الملابس, ولبس الأساور وغيرها, ونجعل لنا حلقات ذكر نتذاكر فيها العلوم النافعة, من القرآن والأحاديث, وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام حتى نحذو حذوهم, ونقتدي بهم كما أمرنا الله جل وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21].

    فاتقوا الله عباد الله! وكونوا من أولي الألباب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18].

    اللهم بارك لنا بالقرآن العظيم, وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إلى إسلامنا، اللهم ردنا إلى ديننا، اللهم ردنا إلى آدابنا، اللهم ردنا إلى أخلاقنا العليا، اللهم ردنا إلى دينك القويم يا رب العالمين.

    وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    من آداب الزواج

    الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه, وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وعلى أصحابه وسلم تسليمًا كثيراً.

    أما بعد:

    قبول الزوج الصالح واختيار الزوجة الصالحة

    فيا عباد الله: اتقوا الله عز وجل، يقول صلى الله عليه وسلم: {إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} ويقول صلى الله عليه وسلم: {تنكح المرأة لأربع: لمالها, ولحسبها, ولجمالها, ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك}.

    أوضح صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين الجانب الذي يجب مراعاته ويجب تطبيقه في الزواج على كل الجوانب, ألا وهو: الدين, فتدين الزوجين يدفع كلاً منهما للمحافظة على حقوق الآخر التي أوجبها الله عليه, وبذلك تدوم الألفة ويسود الوئام, وتصلح البيوت, ويقول الله عز وجل: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء:27] ويقول الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31].

    عدم الإسراف

    أمة الإسلام! إن أكثر الناس اليوم تشبهوا بالشياطين, ولقد تعدوا حدود الشياطين, وأفسدوا إن الله لا يحب المفسدين؛ فما هو الداعي يا أمة الإسلام! لعمل تلك البدائل الهائلة الضارة بالمتزوج؟ هل تعلمون من الذي يستفيد من هذه الولائم؟ هي الحفر في الملاهي القفار, وذلك واقع أكثر الناس اليوم, يسرفون ويبذرون ثم يحملونها لإلقائها في تلك الحفر, وربما وضعت في المزابل مع القمائم, تلك الأطعمة الفاخرة التي لطالما تمناها إخوان لنا في أطراف البلاد.

    تلك الأطعمة الفاخرة التي لطالما تمناها المجاهدون الذين يتمنون قطعة الخبز, ومع ذلك ذبائح ترمى في البر مع القمائم, وربما رميت تلك الذبائح وهو لم يؤخذ منها شيئ، إنما ذلك عاقبة التبذير والإسراف الزائد عن المعقول, ألا فلنتق الله عز وجل, ونقتصد قبل أن نتمنى تلك الأطعمة, وقبل أن نرجع إليها ونأكلها وهي جيفة من البراري, وقبل أن نرجع إلى المزابل ونأكل منها كما أكل منها أجدادنا وأسلافنا.

    أمة الإسلام! لنتفكر في العواقب لما انفتحت علينا هذه النعم, هل أدينا شكرها أم كفرنا نعمة الله؟ ألا فلنتق الله ونقتصد قبل أن يحل بنا ما حل بالمجاورين اليوم من زوال تلك النعم, وزوال الأمن والاستقرار, حتى صاروا بعد الشبع جياعاً، ورجعوا إلى ما كانوا يرمونه في براميل الزبالة, نسأل الله العافية والسلامة في الدنيا والآخرة: وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33].

    اللهم إنا نعوذ بك من زوال النعمة, وتحول العافية, وفُجاءة النقمة يا رب العالمين، صلوا على رسول الله كما أمركم الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول سيد البشرية: {من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً} اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن تابعيهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أنزل بأعداء الإسلام والمسلمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا ذا القوة المتين! يا من هو على كل شيء قدير! اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، نأمر بالمعروف ونعمل به، وننهى عن المنكر ونجتنبه.

    اللهم أصلح زوجاتنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، والفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة, وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين.

    عباد الله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.