إسلام ويب

التفكر وتحقيق التوحيدللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله عز وجل خلقه لعبادته، وجعل لهم آيات تدل على قدرته وعظمته وحكمته، ولكي ينتفعوا بها في دنياهم، وقد تحدث الشيخ عن آيات الله المبثوثة في هذا الكون وعظم سيرها وفق نظام محكم لا يختل، وأن الله لَمَّا خلق هذه المخلوقات، لم يخلقها عبثاً وإنما خلقها لمنافع لا تحصى، ولنستدل بها على عظمته، فنفرده بالعبادة لا شريك له.

    1.   

    التفكر في مخلوقات الله

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إلهاً أنزل لعباده من الآيات ما فيه عبرةٌ للمعتبرين، وزيادةً في يقين المؤمنين، أحمده سبحانه وتعالى هو أهل الثناء والمجد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله عز وجل.

    عباد الله: تفكروا في آيات الله عز وجل، فإنها تدلكم على وحدانية الله تعالى، وعلى كمال ربوبيته، وعلى أن الله وحده هو الذي يتصرف في ملكه لا يشاركه أحد في تصريف أحوال عباده.

    وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً [الإسراء:111].

    التفكر في خلق السماوات والأرض

    يا عباد الله: تفكروا في آيات الله، انظروا إلى السماء في حسنها وارتفاعها فإن فيها دلالة عظيمة على قدرة الباري جلَّ وعلا، قال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] وقال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47] وقال سبحانه وتعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات:27-29].

    ثم انظروا -يا عباد الله- إلى الأرض مهدها الله لكم، وجعل فيها سبلاً، ثم أرساها بالجبال لتكون مستقرة لا تميد ولا تتحرك إلا بإذن الله تعالى، ثم هي ميسرة للعباد يمشون عليها، ويزرعون فيها، ويطلبون المعايش بأنواعها على هذه الأرض التي قال الله فيها: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات:30-33] وقال جل شأنه: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق:7].. وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد:4] هذه آيات الله يا عباد الله! فمن تأمل ذلك وعقل وتدبر، علم كمال قدرة الباري جلَّ وعلا.

    التفكر في خلق الإنسان

    ومن آياته ما بث في الأرض من المخلوقات الكثيرة على اختلاف أشكالها وألوانها ولغاتها قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الروم:20] هذا أبونا آدم خلقه الله من تراب، أما ذريته فإنهم من ماء مهين، قال تعالى: ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم:20] ولما خلق الله الخلق؛ خلق لكل شكلٍ ما يناسبه من المعاش والطعام والشراب والزوجات، أما بنو آدم، ففضلهم الله جلَّ وعلا على كثيرٍ من خلقه تفضيلاً، فخلق الله لهم أزواجاً من شكلهم ومن أنفسهم، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21] الله أكبر! انظر إلى هذه الزوجة لا تعرفك من قبل هذا ولا تعرفها، ثم: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21].

    عباد الله: تفكروا في هذه المخلوقات الكثيرة في البر والبحر، في المدن والقرى المنتشرة، هل ترزق أنفسها، أم لها ربٌ يرزقها؟! بل الله وحده لا شريك له هو الذي تكفل بأرزاق عباده وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    لا توجد أية تكهنات، ولا أية تخرفات، أو إعلانات من الإذاعات أن هذه الأعوام أو غيرها سوف تكون فيها أزمةٌ في الاقتصاد، فإن الله يقول: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] انظر إلى هذه النملة الصغيرة كيف تدخر قوتها للشتاء، من الذي علمها ذلك؟! هو الله عز وجل الذي تكفل لها: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    التفكر في خلق الملائكة

    وكما خلق الله جلَّ وعلا في الأرض من أصناف الخلق؛ فقد خلق في السماوات ملائكة لا يحصيهم إلا الله تعالى، وما من موضع أربع أصابع إلا وفيه ملكٌ قائمٌ لله تعالى، وملكٌ راكع، وملكٌ ساجد، ويطوف منهم كل يوم بالبيت المعمور في السماء السابعة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلا يوم القيامة، ومن الملائكة حملة العرش، ومنهم الروح الأمين جبريل عليه السلام الموكل بالوحي، له ستمائة جناح، هذا خلقٌ من مخلوقات الله، ومنهم ميكائيل الموكل بالقطر ما تنزل قطرة من السماء إلا وقد كالها عليه السلام بأمر الله تعالى، ومنهم إسرافيل الموكل بنفخ الصور، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض روحي وأرواحكم يا عباد الله، وغيرهم كثير لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم.

    التفكر في آيتي الليل والنهار

    ثم تفكروا -يا عباد الله- في هاتين الآيتين: الليل والنهار، فالليل جعله الله للراحة، والنهار لطلب المعاش وابتغائكم من فضله، اسمعوا إلى ربنا يقرر ذلك: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ [القصص:71] ما أتعس الحياة لو كانت كلها ليل، وما أتعس الحياة لو كانت كلها نهار! قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:72] والله لا غير الله أحدٌ أبداً يا عباد الله شئنا أم أبينا، رضينا أم سخطنا، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:72] عكسنا الأمر يا عباد الله، وخالفنا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسهر الليل الطويل، وننام عن الصلوات، وننام عن الصلاة المفروضة، وعن التهجد الذي ينزل ربنا جلَّ وعلا فيه كل ليلة إلى السماء الدنيا ويقول: {هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟} ولسان حالنا: لا يا ربنا، نحن عند التمثيليات، وعند الفيديو، وعند الأغاني، وعند البلوت، وعند الكنكان، وعند الضومنة، ثم نملأ بطوننا من المأكل والمشرب، ثم ننام حتى تطلع الشمس، هذا جوابنا لرب العالمين -إلا من شاء الله وقليل ما هم- وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:73].

    التفكر في خلق الشمس والقمر والنجوم

    ومن آيات الله تعالى وتَقَدَّسَ: الشمس والقمر، يجريان في فلكهما منذ أن خلقهما الله تعالى، يجريان بسير منتظم لا تغير فيه ولا انحراف ولا فساد ولا اختلاف، حتى يأذن الله تعالى بخراب العالم، ثم تكور وتلف الشمس وتجمع الشمس مع القمر، فذلك أوان الذهاب بنورهما وتعطيلهما قال تعالى: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ [القيامة:7-10] أين المفر من يوم القيامة؟! وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38] وفي هذا رد على الذين يقولون: الشمس كالمروحة ثابتةٌ في السماء، وربنا يقول: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38] فهل تفهمون الخطاب يا عرب؟! والقمر يا ربنا؟ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:39-40] منذ أن خلقهم الله جلَّ وعلا: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40].

    ثم تفكروا -يا عباد الله- في هذه الكواكب والنجوم التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، فمنها السيارات، ومنها الثوابت، ومنها المتصاحبات التي لا تزال مقترنة، ومنها المتفارقات التي تجتمع أحياناً وتفترق أحياناً، تسير بأمر الله تعالى الحي القيوم وتدبيره، خلقها الله زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فالكون كله من آيات الله جملةً وتفصيلاً هو الذي خلقه وهو المدبر له وحده لا شريك له، فهذه بعض آيات الله فمن آمن بها وصدق؛ فله الثواب من الله، ومن كذب بها؛ فاسمعوا ما قال الله من العقاب له: قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41].

    واسمعوا ثواب من آمن بآيات الله: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54].

    عباد الله: تفكروا في عظيم مـخلوقات الله حتى في أنفسكم، قال الله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] نعم يا عباد الله! فالعالم لم يخلق نفسه، ولم يكن مخلوقاً من غير شيء، بل لابد له من خالقٍ يخلقه ويقوم بأمره، وهو الله سبحانه وتعالى لا خالق غيره ولا رب سواه.

    اللهم ارزقنا إيماناً دائماً كاملاً، ويقيناً صادقاً، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم.

    1.   

    تحقيق توحيد العبادة لله عز وجل

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا أيها الناس: اتقوا ربكم تعالى وأطيعوه، عباد الله! لقد سمعتم من آيات الله الكبرى ومخلوقاته العظمى التي تدل على وحدانية الله تعالى، وعلى قدرته التامة على كل شيء، وأنه وحده لا شريك له في ملكه، ولا نِدَّ له، ولا ظهير، ولا وزير، ولا صاحبة، ولا ولد قال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4] وقال سبحانه وتعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3] وقال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وقال جلَّ شأنه: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103] وقال سبحانه وتعالى: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:13] وقال عز وجل: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18] وقال عز وجل: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] وقال عز وجل: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:22-24] هو الله الذي خضعت لعظمته الرقاب، وذلت لجبروته الصعاب، ولانت لقدرته الشدائد الصلاب، رب الأرباب، ومسبب الأسباب، هو الله الذي تألهه القلوب، وتعنوا له الوجوه، وتصمد له الخلائق أجمعين.

    أجل يا عباد الله! كيف يُعبد غير الله؟!! وكيف يُستعان بغير الله؟!! وكيف يُتوسل بغير الله؟!! وذلك كله لله، فمن صرف شيئاً من العبادة لغير الله؛ فهو مشرك كافر، ومن توسل بغير الله؛ فهو مشرك، ومن دعا غير الله؛ فهو مشرك، ومن ذبح لغير الله؛ فهو مشرك، ومن نذر لغير الله؛ فهو مشرك، ومن خاف غير الله؛ فهو مشرك، ومن استغاث بغير الله؛ فهو مشرك، ومن حلف بغير الله؛ فهو مشرك، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72] اللهم وفقنا للالتجاء إليك، اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك.

    يقول البعض من الناس -ومن الذين يسمعون إن كانوا حضوراً أم غياباً-: لماذا تقول هذا وبلادنا ليس فيها من القبور، ولا من الأضرحة ما يعبد؟!

    فأقول له: يا أخي إن كنت صادقاً، وإن كنت ناصحاً، كيف تنكر ذلك؟ وأخوك وابن عمك وابن خالك قد ذهب إلى بلاد الخارج، وطاف معهم في الأضرحة، وتوسل إلى القبور يزعم أنهم قالوا له: إن هذا الولي يشفي مريضك ويرزقك ويغنيك، وطاف معهم في القبور، وهو تربى في بلاد التوحيد، وعاش على التوحيد، ولكنه لما خالط الأقران اجترب مثلهم وأصابه الجرب، فإني أسوق ذلك مخافة أن ينـزلق الكثير، أما البعض فقد انزلق وطاف معهم في قبورهم وفي أضرحتهم واستغاث بموتاهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أتوهم من طريق خبيث، قالوا له: هل يأتيك أولاد؟ هل عندك أموال؟ هل أنت موفق؟ هل حظك زين، أم شين؟ ثم إذا شرح لهم الموضوع، أمسكوا بيده وأدخلوه إلى القبر، وإلى الضريح، وقالوا: توسل بهذا الولي، فإنها تُقضى حاجتك ويأتيك أولاد، وتستغني إن كنت فقيراً، مع الأسف الشديد كيف نبذ التوحيد وراء ظهره، وأطاع المشعوذين، والسحرة، والمخرفين، وأطاع المفسدين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؟! كيف يطيع من داسوا على التوحيد بأقدامهم، ولم يعترفوا بالله العظيم؟! إنما اعترافهم دائماً بالأولياء، وبأصحاب القبور، وبأصحاب الأضرحة، وبأصحاب القبب، نسألك اللهم العفو والعافية، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    أيها المسلمون: إن من يسافر من هذه البلاد إلى بلاد أخرى فيها الشرك منتشر؛ فإنه على خطرٌ عظيمٌ، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أين النصح يا عباد الله؟! انصحوهم وأرشدوهم جزاكم الله خيراً، وبينوا لهم أن التوسل بالأضرحة، والتوسل بالقبور، والتمسح بأتربة الأموات شركٌ بالله العظيم، وإن مات على هذه الحالة، فإنه مخلدٌ في النار، نعوذ بالله من النار.

    اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك، يا رب العالمين! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ارزقنا حب التوحيد، واجعلنا من أهل التوحيد، وارزقنا حبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك.

    اللهم يا أرحم الراحمين وفقنا للعمل بطاعتك، وارزقنا رضاك ورضا رسولك محمد صلى الله عليه وسلم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!

    عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ.

    عباد الله: احذروا البدع في الدين، والتزموا عقيدة التوحيد، وعقيدة أهل السنة والجماعة ، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] صلوا على رسول الله القائل: (لا تزال أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله) صلوا عليه وسلموا تسليماً، واسألوا الله أن يجعلكم من هذه الفرقة الناجية التي لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالف أمرهم حتى يأتي أمر الله.

    اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! املئ قلوبنا من محبتك، ومن خشيتك، ومن معرفتك، ومن الأنس بقربك، واملأها حكمةً وعلماً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

    اللهم طهر بلدان المسلمين من الأضرحة والقبب والقبور التي تعبد من دون الله، والتي يُذبح بها لغير الله، والتي يُنذر لها من دون الله، اللهم طهر بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين، ورد المسلمين إلى دينهم الصحيح، اللهم رد المسلمين إلى عقيدتهم الصحيحة يا رب العالمين!

    اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، واجعلنا اللهم وإياهم هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين، الله دمر أعداء الإسلام، وأعداء المسلمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم أصلحنا وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مُضلين، ولا مفتونين، ولا مُغيرين، ولا مُبدلين حتى تبعثنا من قبورنا يا رب العالمين.

    اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) اللهم توفنا على الإخلاص لك يا رب العالمين، اللهم توفنا على الإسلام والإيمان، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان يا رب العالمين.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.