إسلام ويب

اذكر مصابك بالحبيبللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، وكان أول ما بدئ به هو الرؤيا الصالحة، ثم أعقبه بنزول الوحي، وفيه أمره الله بالصدع بالدعوة والصبر على الأذى في ذلك، وقد عرض الرسول نفسه على القبائل، ولما بدأت دعوته تنتشر أجمعت قريش على التخلص منه بتدبير مؤامرة اغتيال، فنجاه الله منها، وانتقل إلى المدينة، فكان النصر والتأييد، حتى أتم الله النعمة وأكمل الدين ثم توفاه الله تعالى.

    1.   

    الرسول في بداية الدعوة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلوات الله وسلامه عليه لم يمت إلا وأكمل الله به الدين، وأتم الله به النعمة كما أخبرنا ربنا في محكم البيان: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] فلله الحمد والمنة، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمداً صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    يا أيها الإخوة في الله: في هذا الموضوع -الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعله مباركاً إنه على كل شيءٍ قدير- نتناول من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم الشيء اليسير، لن نستطيع أن نحيط بسيرة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن نأخذ منها اليسير الذي نستطيع عليه.

    فأولاً: -أيها الأحباب- أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فهي وصية الله للأولين والآخرين قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] ويقول جل من قائل عليماً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] ثم قال جلَّ وعلا: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19] ثم قال: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُون [الحشر:20].

    إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم رب محمد النبي صلى الله عليه وسلم اغفر لنا ذنوبنا، وأذهب غيظ قلوبنا وأجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك على كل شيء قدير.

    أحبابي في الله! أكثروا من الحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، الذي بعث فينا هذا النبي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي أخرج الله به من الظلمات إلى النور، وهدى به من الضلالة، وأخرج به من الجهل إلى العلم، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الظلم إلى العدل، إنه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي بشرت به الأنبياء قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6] اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    نزول الوحي وموقف خديجة

    أمة الإسلام: لقد بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، بعثه الله على رأس الأربعين من عمره، فأول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء صلى الله عليه وسلم، وكان يخلو بـغار حراء فيتحنث فيه -أي: يتعبد الليالي- ثم يأتي إلى أهله، ويتزود لذلك أيضاً، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها- أول ما تزوج من النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها- ويتزود لتلك الأيام التي يخلو بها بربه، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، جاءه الملك جبريل عليه السلام فقال: {اقرأ، قال: ما أنا بقارئ} أي: لست أجيد القراءة؛ لأنه أميٌ صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب {فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] } فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة رضي الله عنها، فقال: {زملوني زملوني فزملوه صلى الله عليه وسلم حتى ذهب عنه الروع، فقال لـخديجة: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة رضي الله عنها: كلا. والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة رضي الله عنها حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فكان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد فقد بصره فقالت له خديجة: يا بن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي ينزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً -أي: أكون حياً- إذ يخرجك قومك، فقال صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفارق الحياة}.

    الدعوة سراً وإسلام أبي بكر الصديق

    توفي ورقة وفتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم:

    بسم الله الرحمن الرحيم: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7].

    هذه الدعوة يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! يا خير أمة أخرجت للناس! هذه الدعوة تحتاج إلى صبر وتحمل، (ولربك فاصبر) فقام صلى الله عليه وسلم بأمر ربه تبارك وتعالى، فبشر وأنذر، وكان أول من أجابه من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان صديقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فلما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم بادر أبو بكر إلى التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال: [[أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله بأبي وأمي أنت أهل الصدق يا رسول الله]].

    وصار أبو بكر رضي الله عنه من الدعاة إلى الإسلام حينئذٍ، فأسلم على يديه عثمان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين.

    الصدع بالدعوة والصبر على الأذى

    مكث نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو الناس سراً، حتى نزل قول الله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] فصدع بأمر الله تعالى وجهر بدعوته صلى الله عليه وسلم، فجعل المشركون يسخرون ويستهزءون به، ويؤذونه بالقول وبالفعل، وكان من أشد الناس له إيذاءً وسخرية عمه أبو لهب الذي قال الله فيه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1-5] وأيضاً كانت امرأته تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    واشتد أذى قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ حتى حبسوه في الشعب ثلاث سنوات وأكل ورق الشجر، وألقوا عليه فرث الناقة وسلاها وهو ساجد صلى الله عليه وسلم بجوار بيت الله الحرام، فلم يقدر أحد على رفعه عنه، فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمة رضي الله عنه فألقته عن ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم.

    دعوة الرسول لأهل الطائف ومبايعة الأنصار

    لما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم الاستهانة وكثرة الأذى له ولأصحابه؛ خرج إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الإسلام، وقابل رؤساءهم وعرض عليهم الإسلام فردوا عليه رداً قبيحاً، وأرسلوا غلمانهم وسفهاءهم يقفون في وجهه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه صلى الله عليه وسلم، فرجع مهموماً مغموماً مكروباً، ماداً يد الافتقار إلى رب العزة والجلال، فيأتيه ملك الجبال فيقول: يا محمد! إن شئتَ أطبقت عليهم الأخشبين، فماذا يقول صلى الله عليه وسلم؟ يقول: {لا. لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً} الله أكبر، لا إله إلا الله، صدق الله لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.

    يقول بعض المفسرين: ما وصف نبي من الأنبياء بمثل هذا الوصف الذي وصف الله به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رءوف بالمؤمنين.

    رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف ومد يد الافتقار إلى الله جل وعلا فقيض الله له الأنصار، فبايعوه على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعوا منه نساءهم وأبناءهم.

    تآمر قريش على قتل الرسول

    عندما علمت قريش بخبر المبايعة ترصدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا على التخلص من محمدٍ صلى الله عليه وسلم، كما يروي أهل السير أنهم اجتمعوا في دار الندوة واجتمع معهم الشيطان -قاتله الله- فجاءهم في صورة رجل نجدي، فاجتمع معهم في دار الندوة فصدر رأيهم على أن يخرجوه من بلدته، وكل رأيٍ لا يوافق الشيطان يعترض عليه، ويقول: هذا ليس برأي، وآخر رأي اجتمعوا عليه، قالوا: نجمع من كل قبيلة شاباً ويضربوه ضربة واحدة ويتفرق دمه في القبائل، فلا تقدر بنو هاشم أو بنو طالب أن تطالبنا بدم، فقال هذا الشيطان: هذا هو الرأي -قاتله الله- فاجتمعوا على ذلك، وجمعوا من كل قبيلة شاباً على أن يقتلوا محمداً صلى الله عليه وسلم ويتفرق دمه بين القبائل، وترصدوا له عند الباب.

    1.   

    الهجرة إلى المدينة

    خرج صلى الله عليه وسلم من بيته -وهم ينتظرون خروجه- صلى الله عليه وسلم وأخذ التراب وجعل يضعه على رءوسهم وهو يتلو قول الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9] وخرج من بين أيديهم صلى الله عليه وسلم سالماً، في ذلك الحين أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، فهاجر في شهر ربيع الأول، وكان في صحبته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فاختفيا في غار ثور ثلاثة أيام والمشركون يطلبونهم من كل وجه، حتى وقفوا على الغار الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فيقول أبو بكر: (يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) الله أكبر، لا إله إلا الله ما ظنك باثنين الله ثالثهما، وسارا إلى المدينة بحفظ الله ورعايته، فلما سمع الأنصار بذلك المقدم المبارك، جعلوا يخرجون كل يوم إلى حرة المدينة ليستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم هو النور بإشراقته.

    اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محيطين به متقلدين سيوفهم، وخرج النساء والصبيان وكل واحدٌ منهم يأخذ بزمام ناقته يريد أن ينزل عنده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (دعوها فإنها مأمورة) حتى إذا أتت إلى محل مسجده -المسجد النبوي الشريف- بركت فيه فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكن في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، حتى بني المسجد ومساكنه صلى الله عليه وسلم.

    الرسول يقيم دولة الإسلام في المدينة

    ثم لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت تنتشر دعوته دعوة الحق التي أنقذت العالم من هُوَّة ساحقة، دعوة أخرجتهم من الظلمات إلى النور، دعوة أخرجتهم من عبادة الأوثان والأصنام والأشجار والأحجار والقبور والشمس والقمر إلى عبادة الله الواحد القهار الذي لا يموت أبداً.

    فأكرم وأنعم بهذه الدعوة التي يدخل فيها العربي والعجمي كما قال الله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158] اللهم وفقنا لاتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

    فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الرسالة قبلها من قبلها، ووقف في وجهها من لم يرد الله له الهداية، وانتشرت دعوة الإسلام في مراحلها التي أراد الله لها في خلال ثلاث وعشرين سنة في مكة والمدينة، كلها جهاد ودعوة وعملٌ دءوب لترسيخ جذور الإسلام.

    الصحابة رضي الله عنهم هاجروا إلى المدينة، خرجوا بأنفسهم وأهليهم مهاجرين لله الواحد القهار، بل بعضهم خرج بدون ماله فاراً بدينه، والتقى المهاجرون بإخوانهم الأنصار الذين آمنوا بالله وبرسوله، عند ذلك اتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إعداد المسلمين إعداداً قوياً، يعلمهم الإسلام ويدرسهم القرآن ويربيهم على المحبة والأخوة الإيمانية، وينزع من نفوسهم العصبيات، وعادات الجاهلية، وفي نفس الوقت علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يواجهون الأعداء؛ فعودهم على الرماية والفروسية والاستعداد لمنازلة الأعداء، يقول لهم: {ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي} أخذاً بالتوجيه الرباني الذي قال الله فيه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].

    الدعوة تجني الثمار

    ولله الحمد والمنة، لم تمض فترة قصيرة على المسلمين في المدينة إلا وقدم انتظم عقدهم وقامت دولتهم، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجني الثمار وهو يرى الدعوة تتحرك وتنتقل إلى كل مكانٍ، ثم تتحرك بكل يسر وسهولة، وقد وجد المؤمنون متنفساً لهم، وحرية لدعوتهم وحصانة لأنفسهم، وانطبق فيهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:{مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} الله أكبر، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

    هكذا اجتمعت كلمة المسلمين في ذلك الوقت، واتحدت صفوفهم وصاروا صفاً واحدا، خاضوا غمار المعارك في بدر وأحد، والخندق، ومع اليهود قاتلهم الله وقطع دابرهم، ومع غيرهم من المشركين كل ذلك بقيادة القائد الشجاع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    إكمال الله الدين وإتمام النعمة

    ولما شعت شمس الهداية وأشرقت؛ أنزل الله على رسوله آيةً فيها مسك الختام، كان الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك العام حاج وسميت بحجة الوداع، قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]وفي ذلك العام الذي نزلت فيه هذه الآية كان الرسول صلى الله عليه وسلم واقفاً في عرفة بيَّن مناسك الحج فقال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) وخطب في ذلك اليوم خطبةً كافيةً شافية شاملة، بيَّن فيها ما تحتاجه الأمة من أمور الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    نعم أيها الأحباب! لقد أكمل الله به الدين صلى الله عليه وسلم وأتم الله به النعمة، سميت أمته خير أمة أخرجت للناس، ياله من وسام -لمن التزم به- خير فيه النجاة قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    محمد صلى الله عليه وسلم ترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه.

    فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم: هذا هدي محمد صلى الله عليه وسلم موجود، فالله الله بالاهتداء بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، والله الله بالاقتداء بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي ترك أمته على المحجة البيضاء يقول صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

    الإسلام يعود غريباً كما بدأ

    بيَّن صلى الله عليه وسلم الطريق الواضح، فمن اتبعه فليبشر بالنجاح، ومن خالفه فلا يلومن إلا نفسه، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم:{أنه بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ} ثم قال صلى الله عليه وسلم: {فطوبى للغرباء} وسئل عنهم صلى الله عليه وسلم: من الغرباء؟ قال: {الذين يصلحون عند فساد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس} وفي هذا علمٌ من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم أن في آخر الزمان يحصل الفساد والشرُ المستطير، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم.

    وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته فقال: {بادروا بالأعمال الصالحة فتن كقطع الليل المظلم يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    افتراق الأمة وبقاء الطائفة المنصورة

    أخبر صلى الله عليه وسلم: {أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هذه الواحدة يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} ففتشوا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! وطبقوا هذا الحديث { من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي }.

    ثم أبشروا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله}.

    الله أكبر! قد حصل التخذيل والمخالفة، والتشويه بهذا الدين من أعداء الإسلام والمسلمين، لكن نسأل الله جل وعلا أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، قد سمعنا من يسمي هذا الدين بالرجعية، وبالجمود، وبالأغلال، وبالتطرف، فإنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا إنك على كل شيء قدير.

    ظهور البدع في الدين

    إخواني في الله: الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين، وأدى الرسالة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ومع الأسف الشديد الآن كثرت المخالفات التي نراها ونحسها ونلمسها، البارحة تسمع كثير من الإذاعات تسمع كثير يحتفلون بمعراج الرسول صلى الله عليه وسلم.

    بدع حدثت للمسلمين، ولكن نسألهم ونقول: هل احتفل الرسول صلى الله عليه وسلم بيوم المعراج أو ليلة المعراج؟

    هل احتفل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة بذكرى معراج الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    كل هذا ليس موجود في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} أي: مردود عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} مردود على صاحبه نسأل الله العفو والعافية.

    الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن للصحابة، بل وللأمة جميعاً قال: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور} انظروا ماذا أحدثوا بعد محمد صلى الله عليه وسلم، هذا يحتفل بذكرى المعراج، وهذا يحتفل بعيد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه} من هم؟ اليهود والنصارى نسأل الله العفو والعافية.

    فالذين يحتفلون بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم يتشبهون بأعداء الإسلام والمسلمين، وكم يحدث في ذلك الاحتفال من أمور تغضب الله وتغضب رسوله صلى الله عليه وسلم.

    من ذلك خطابات يرفعون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكانته التي أنزله الله فيها، وقد سمعنا بعضهم يقول: محمد صلى الله عليه وسلم بيده ملكوت السماوات والأرض، إنا لله وإنا إليه راجعون!

    والله لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -ولا أتألى على الله- حياً لجاهدهم على هذا؛ لأن هذا رفع لمنزلته صلى الله عليه وسلم، وإطراءٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا وهو يقول صلى الله عليه وسلم: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله} صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    انتشار الخرافات

    انظروا إلى الخرافات كيف تدخل على أناس منحهم الله عقولاً، ميزهم الله بعقول، نسأل الله أن يبصرنا في ديننا وأن يفقهنا في ديننا، وأن يكفينا شر مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    بعضهم يقول: الرسول صلى الله عليه وسلم في قبره يدور على نسائه ويجامعهن هو في قبره، وهل هذا يدخل في فكر أحد عاقل؟!

    وبعضهم يقول: إذا بقي ثلث الليل الآخر خرج الرسول من قبره وصار المسجد له نور وتوضأ بإبريق عند قبره ثم يدخل إلى القبر.

    انظروا يا إخوان! انظروا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! والرسول كما أخبر الله عنه ميت: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون [الزمر:30] ويقول صلى الله عليه وسلم: {أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فهذا يدلنا على أنه مات صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يمت إلا وقد بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، هذه وظيفته التي بعث من أجلها هو تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة ونصح الأمة والجهاد في سبيل الله، وقد بذل ذلك كله صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء، ونسأل الله جل وعلا أن يحشرنا تحت لوائه وأن لا يحرمنا من شفاعته صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مصيبة وفاته عليه الصلاة والسلام

    نعم. يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! لقد والله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وسلم.

    في آخر شهر صفر وأول ربيع الأول ابتدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض وهو الصداع، كما روى ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بُدِأَ فيه فقلت: وارأساه، فقال: وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتكِ ودفنتكِ فقلت: غير كأني بك في ذلك اليوم عروساً ببعض نسائك، فقال صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه.

    وخرج صلى الله عليه وسلم عاصباً رأسه بخرقة، فجلس على المنبر فقال صلى الله عليه وسلم: إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال راوي الحديث: فعجبنا، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبدٍ خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (لا تبقى في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر) وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: (ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافئه الله يوم القيامة فيها، وما نفعني مال أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر، ثم قال صلى الله عليه وسلم: لا يبقين خوخة في المسجد إلا سدت إلا خوخة أبي بكر) وفي هذا الإشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده صلى الله عليه وسلم، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحاً أن يصلي أبو بكر بالناس، فرجع في ذلك صلى الله عليه وسلم فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس).

    وتتام به وجعه صلى الله عليه وسلم، وهو يدور على نسائه حتى اشتد به المرض، وهو في بيت ميمونة رضي الله عنها، فدعا نساءه فاستأذنهن وقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، سأكون عند عائشة.

    واشتد به الصداع صلى الله عليه وسلم مع الحمى، فكان يجلس في مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحل أوكيتهن يتبرد بذلك صلى الله عليه وسلم، وكان عليه قطيفة فكانت حرارة الحمى تصيب من وضع يده عليه من فوقها فقيل له في ذلك، فقال: (إنا كذلك -أي: معشر الأنبياء- يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر) وقال صلى الله عليه وسلم: (إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) ومن شدة مرضه كان يغمى عليه ويفيق صلى الله عليه وسلم، دخل عليه عبد الرحمن أخو عائشة رضي الله عنها ومعه سواك، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فعرفت عائشة رضي الله عنها أنه يريد السواك، فأخذته وطيبته وأعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يستاك به.

    من وصايا الرسول في مرضه

    جعل صلى الله عليه وسلم، وهو على فراش الموت يحذر أمته من اتخاذ القبور مساجد، يقول صلى الله عليه وسلم: {ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وأخبرت عائشة رضي الله عنها قالت: {لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة -أي: لما نزل به الموت- له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما صنعوا صلى الله عليه وسلم، وأيضاً وهو في سياط الموت يوصي أمته فيقول: {الصلاة..الصلاة وما ملكت أيمانكم}.

    الله أكبر هذه آخر وصية محمد صلى الله عليه وسلم لما حان انتقاله من هذه الدنيا وهو على فراش الموت صلى الله عليه وسلم {الصلاة.. الصلاة وما ملكت} فلله درك، لقد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده إنه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو على فراش الموت يوصي ويحث على التمسك بعقيدة التوحيد ويحث على المحافظة على الصلاة، الصلاة يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    ومع الأسف الشديد إننا في هذه الآونة الأخيرة نرى الصلاة قد خف ميزانها عند كثير من الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، فيالها من وصية أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم {الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم} ويحث على رعاية تلك الأمانة.

    يحث على المرأة، وعلى صيانتها وحفظها، يوصي بذلك وهو يعاني من سكرات الموت صلى الله عليه وسلم، يوصي بهذه المرأة التي أضاعها كثير من الناس في هذه الآونة الأخيرة؛ لأجل الدنيا وحب الدنيا أضاع كثيرٌ من الناس هذه الأمانة، ترك لها الحبل على الغارب تركها تسافر وحدها وبدون محرم، تركها تجوب الأسواق متعطرة سافرة متبرجة، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

    أمة محمد صلى الله عليه وسلم هذه وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم وما ملكت أيمانكم، فاتقوا الله في هذه المرأة، وجهوها التوجيه السليم، احفظوها في حصنها الحصين، احفظوها عن متناول يد الأشرار، عن متناول أهل الأفكار الخبيثة الذين يريدون لها أن تخرج سافرة متبذلة ليلعبوا بها في المسارح والطرقات وغيرها.

    احفظوا هذه المرأة فإن في تركها تسافر بدون محرم خطر عظيم، وتركها تجتمع مع السائق بدون محرم خطرٌ عظيم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن هناك مسئولية عظيمة قال صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته} متى يكون هذا السؤال؟ ومن الذي سوف يلقي علينا السؤال؟

    إن السؤال سوف يكون يوم القيامة إذا وقفت بين يدي الله عز وجل، والسائل هو الله جل جلاله، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا ينظر إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة} الله أكبر! وقد وقف صلى الله عليه وسلم على المنبر يحذر أمته من هذه النار.

    إخواني في الله: الويل لمن ضيع هذه الأمانة، الويل لمن أخل بوصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

    اللحظات الأخيرة من موته صلى الله عليه وسلم

    والله ما مات محمد صلى الله عليه وسلم إلا وقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وقد فارق الحياة صلى الله عليه وسلم كما تقول عائشة رضي الله عنها وهي مسندةٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدرها: {ما أغبط أحداً يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وكان عنده قدحٌ من ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت، قالت: وجعل يقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات} ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اللهم إنك تأخذ الروح من بين القصب والعصب والأنامل، اللهم فأعني على الموت، وهونه عليَّ} ولما جعل يتغشاه الكرب قالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه، فقال صلى الله عليه وسلم: {لا كرب على أبيك بعد اليوم} تقول عائشة رضي الله عنها: {فإني لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قد قضى، قالت: فعرفت الذي قاله فنظرت إليه حتى ارتفع بصره، فقال: مع الرفيق الأعلى} في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجاءت التعزية من السماء يسمعون الصوت والحس ولا يرون الشخص، السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185].

    إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، إنما المصاب من حرم الثواب.

    موقف الصحابة من موت الرسول صلى الله عليه وسلم

    لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخلط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية، منهم عمر رضي الله عنه وبلغ الخبر أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وكان خارج المدينة فأقبل مسرعاً حتى دخل بيت عائشة رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى، فكشف عن وجهه الثوب، وكب عليه وقبل جبهته مراراً وهو يبكي ويقول: [[طبت حياً وميتاً إنا لله وإنا إليه راجعون]] مات والله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: [[والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها]] ثم دخل المسجد، وعمر يكلم الناس وهم مجتمعون عليه، فتكلم أبو بكر وتشهد وحمد الله، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال: [[من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت ثم تلا قول الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]]] فلما تلا أبو بكر هذه الآيات استيقن الناس كلهم بموته صلى الله عليه وسلم، فتلقاها الناس من أبي بكر رضي الله عنه فما يسمع أحد إلا يتلوها، قالت فاطمة رضي الله عنها: [[يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه]] فغسل صلى الله عليه وسلم في ثيابه وكفن وصلي عليه ثم دفن ليلة الأربعاء صلوات الله وسلامه عليه، وما مات صلى الله عليه وسلم إلا وقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، أي مصاب أشد من هذا المصاب يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إذا أصابتك مصيبة فتذكر مصيبتك بالحبيب صلى الله عليه وسلم، فكما سمعتم لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة وإن كان قد مات فشرعه والحمد لله واضح إلى يوم القيامة.

    نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا ويوفقنا لاتباع هدي محمد، والحمد لله رب العالمين.