إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أدلة وجود الله تعالى ثابتة بالشرع والعقل والنظر والفطر، ولم يخالف في ذلك أحد، وقد أخبر بذلك ربنا سبحانه في كتابه، وتواتر على ألسنة أنبيائه ورسله، وآمن جميع العالمين بوجوده، ودلت العوالم المختلفة والمخلوقات المتنوعة على ربوبيته على كل شيء، والآيات القرآنية في ذلك كثيرة ومتواترة جداً.

    1.   

    الإيمان بالله تعالى

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم؛ ذلكم الكتاب الحاوي للشريعة الإسلامية كاملة: عقائد، آداب، أخلاق، عبادات، معاملات.

    والدرس الماضي كان في الإيمان بالله تعالى، وأذكركم ونفسي: أن الإيمان الحق الصحيح هو بمثابة الروح، فمن آمن إيماناً حقيقياً صحيحاً سليماً حياً فهو حي، يسمع ويبصر وينطق، ويعطي ويأخذ، وإذا عُدم هذه الروح فهو كالميت، فلهذا الكفار من جنس الأموات لا نأمرهم بصيام ولا صلاة، ولا نأمرهم برباط ولا جهاد؛ لأنهم أموات، فإذا حيوا بالإيمان كلفهم يتكلفونه.

    والإيمان مبناه على ستة أركان، وهي:

    أولاً: الإيمان بالله.

    ثانياً: الإيمان بملائكته.

    ثالثاً: الإيمان بكتبه.

    رابعاً: الإيمان برسله.

    خامساً: الإيمان باليوم الآخر.

    سادساً: الإيمان بالقضاء والقدر.

    ودرسنا هذه الأركان في عقيدة المؤمن من أولها إلى آخرها، والآن مع منهاج المسلم وأول ما فيه -الفصل الأول-: الإيمان بالله، ونقرأ هذه الصفحة لكي نربط بين الماضي والحاضر:

    [الفصل الأول: الإيمان بالله تعالى:

    هذا الفصل من أخطر الفصول شأناً]، فالإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر هما سر الحياة، إذا ما آمن العبد بربه، أو آمن بالله ولم يؤمن بلقائه ما يقوى على أن ينهض بأي تكليف، فهو أشبه بالميت.

    إذاً: أركان الإيمان ستة ولكن أعظمها في التأصيل: الإيمان بالله وباليوم الآخر، ومن تأمل الآيات القرآنية وجد قول الله تعالى: ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2]، وفي آية أخرى يقول: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، حتى في موضوع الحيض والحمل قال: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228]، فتجلت حقيقة واضحة وهي: أن الإيمان بالله واليوم الآخر أعظم إيمان، وإن ضعف هذا الإيمان ضعفت الحياة كلها، فهيا مع الإيمان بالله! [وأعظمها قدراً؛ إذ حياة المسلم كلها تدور عليه وتتكيف بحسبه، فهو أصل الأصول في النظام العام لحياة المسلم بكاملها ].

    قال: [ الإيمان بالله تعالى: المسلم يؤمن بالله تعالى، بمعنى أنه يصدق بوجود الرب تبارك وتعالى] يصدق جازماً بوجود الرب تبارك وتعالى [وأنه عز وجل فاطر السماوات والأرض] أي: خالقهما [عالم الغيب والشهادة] يعلم الغيب والحاضر، [ رب كل شيء] في الكائنات، أي: خالقه وموجده ومديره ومدبره [ومليكه] المتصرف فيه كما يشاء [لا إله إلا هو] لا إله إلا الله، لا يوجد معبود يستحق أن يعبد إلا الله [ولا رب غيره] لا يوجد رب غير الله، ورب بمعنى: الخالق الرازق المدبر للحياة، المالك للأكوان، فلا يوجد غير الله رباً [وأنه جل وعلا موصوف بكل كمال] كل كمال من الصفات فالله موصوف به [منزه] مبعد [ عن كل نقصان؛ وذلك لهداية الله تعالى للمؤمن قبل كل شيء] فلولا هداية الله لنا ما آمنا هذا الإيمان [ثم للأدلة النقلية والعقلية الآتية] المؤمن من آمن بالله رباً لا رب غيره، وإلهاً لا إله سواه، وأنه موصوف بكل كمال، منزه عن كل نقصان، وأنه المالك لكل شيء والمدبر لكل شيء، حصل له هذا الإيمان بهداية الله، ولولا الله ما آمنا ولا صمنا ولا صلينا، لا بالاجتهاد ولا غيره، ولكنها هداية الله، يدخل الله في رحمته من يشاء.

    1.   

    الأدلة النقلية على الإيمان بالله تعالى

    [ الأدلة النقلية] أي: المنقولة من كلام الأنبياء وكلام الله قبل ذلك، والأدلة العقلية التي إذا عرفناها عرفنا أن الإيمان بوجود الله ثابت عقلاً فضلاً عن الكتاب والسنة.

    أولاً: إخباره تعالى بنفسه عن وجوده وعن ربوبيته للخلق

    [ أولاً: إخباره تعالى بنفسه عن وجوده وعن ربوبيته للخلق، وعن أسمائه وصفاته] الله أخبر بنفسه عن وجوده، وعن ربوبيته للخلق، وعن أسمائه وصفاته [وذلك في كتابه الكريم] القرآن العظيم [ومنه قول الله عز وجل إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]] وهذا دليل نقلي من كلام الله عز وجل، إِنَّ رَبَّكُمُ [الأعراف:54] من هو يا رب؟ اللَّهُ الَّذِي [الأعراف:54] وصفه كذا وكذا ..

    [وقوله لما نادى نبيه موسى عليه السلام بشاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30]] فعرفه بنفسه أنه الله رب العالمين.

    [وقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]] يخبر عن نفسه [وقوله في تعظيم نفسه وذكره أسمائه وصفاته: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:22-23]] في أسمائه وصفاته [ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر:23]] تنزه الله عن شركهم [ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:24]] هذا كلامه، وهذا كتابه، وهذه أخباره، فهل يبقى شك لعاقل في وجود ربنا السميع العليم العزيز الحكيم الرحمن الرحيم؟!

    [وقوله في الثناء على نفسه: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4] وقوله في خطابنا نحن المسلمين: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]] هذا خطاب للمؤمنين إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ [الأنبياء:92] أي: ملتكم ملة واحدة وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92].

    [وفي آية المؤمنون: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52]] أي: بطاعتي وطاعة رسولي.

    [وقوله في إبطال دعوى وجود رب سواه أو إله غيره في السماوات أو في الأرض قوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]] أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا بتنازع كل واحد منهما على ذلك، وبمرور الأيام يتقاتلان ويتحاربان وتخرب الدنيا بكاملها، وهذا الجواب من أبدع الأجوبة لمن سأل عن وجود الله في الكون، فهذه أخباره تعالى، فكيف لا نصدقه وهو يخبر عن نفسه وعن جلاله وكماله في كتابه اليقيني؟

    ثانياً: إخبار نحو من مائة وأربعة وعشرين ألفاً من الأنبياء والمرسلين بوجوده تعالى

    [ثانياً: إخبار نحو من مائة وأربعة وعشرين ألفاً من الأنبياء والمرسلين] كلهم أخبروا [ بوجود الله تعالى] وأخبروا [عن ربوبيته للعوالم كلها] نحن نصدق الآن شخصاً يخبرنا بخبر، ونصدق خمسمائة شخص، فكيف بمائة وأربعة وعشرين ألفاً من الأنبياء والرسل، كلهم أخبروا عن الله وصفاته وأعلموا الناس بها، هل يكذبون؟! مستحيل أن يقع هذا في إخبار نحو من مائة وأربعة وعشرين ألفاً من الأنبياء والمرسلين، إخبارهم بوجود الله تعالى وبربوبيته للعوالم كلها [وعن خلقه تعالى لها وتصرفه فيها، وعن أسمائه وصفاته، وما منهم من نبي ولا رسول إلا وقد كلمه الله تعالى أو بعث إليه رسولاً أو ألقى في روعه ما يجزم معه أنه كلام الله ووحيه إليه] وهذه أدلة نقلية.

    [فإخبار هذا العدد الكبير من صفوة الخلق وخلاصة البشر يحيل العقل البشري تكذيبه، كما يحيل تواطؤ هذا العدد على الكذب وإخبارهم بما لم يعلموا ويتحققوا ويجزموا بصحته ويتيقنوا، وهم من خيار البشر وأطهرهم نفوساً وأرجحهم عقولاً وأصدقهم حديثاً] فلا يبقى مجال أبداً لأن يكذّب المرء بوجود الله، إلا إذا فقد عقله.

    ثالثاً: إيمان البلايين من البشر واعتقادهم بوجود الرب سبحانه وعبادتهم له وطاعتهم إياه

    [ثالثاً: -من الأدلة النقلية:- إيمان البلايين من البشر] من آدم إلى اليوم [واعتقادهم بوجود الرب سبحانه وعبادتهم له وطاعتهم إياه] هل يمكن أن يكون كلهم جهال يكذبون؟ مستحيل! [في حين أن العادة البشرية جارية بتصديق الواحد والاثنين فضلاً عن الجماعة والأمة والعدد الذي لا يحصى من الناس، مع شاهد العقل والفطرة على صحة ما آمنوا به وأخبروا عنه وعبدوه وتقربوا إليه].

    رابعاً: إخبار الملايين من العلماء عن وجود الله وعن صفاته وأسمائه وربوبيته لكل شيء

    قال: [ رابعاً: إخبار الملايين من العلماء عن وجود الله وعن صفاته وأسمائه وربوبيته لكل شيء، وقدرته على كل شيء، وأنهم لذلك عبدوه وأطاعوه، وأحبوا له وأبغضوا من أجله] والعادة أننا نصدق اثنين وثلاثة وعشرة ومائة، فكيف يصح الكفران بالله؟

    1.   

    الأدلة العقلية على الإيمان بالله تعالى

    تلك أدلة نقلية إذ هي منقولة عن الله ورسله وأنبيائه والعلماء، وصدق بها المؤمنون وهداهم الله، والآن مع الأدلة العقلية:

    أولاً: وجود العوالم المختلفة والمخلوقات الكثيرة المتنوعة

    [ أولاً: وجود هذه العوالم المختلفة] هذه العوالم: عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم النباتات، وعالم الحيوانات، وعالم السماء، وعالم الأرض [وهذه المخلوقات الكثيرة المتنوعة يشهد بوجود خالقها وهو الله عز وجل] فتنوع هذه الموجودات على اختلافها يشهد وينطق بلسان الحال: إن خالقنا هو الله رب السماوات والأرض [إذ ليس هناك في الوجود من ادعى خلق هذه العوالم وإيجادها سواه] فلم يثبت في تاريخ البشرية أن هناك سلطان جبار، شيطان أو حكيم ادعى أنه خلق هذا الخلق، فالخلق موجود ولكن ليس هناك من ادعاه فقال: أنا خلقته، لأنه سيُصفع ويُكذب، ويسأل: ماذا خلقت أنت؟ أما الله فقال: أنا ربكم الذي خلق كذا وكذا، فهذا دليل عقلي على أنه ليس هناك في الوجود من خالق سواه عز وجل [كما أن العقل البشري يحيل] أي: يجعله مستحيلاً [وجوده بلا موجد] عقل الإنسان يحيل أن يوجد شيء بلا موجود، وهو كذلك [بل إنه يحيل وجود أبسط شيء بلا موجد، وذلك كطعام بلا معالج لطبخه] إذا وجدت قصعة بها طعام فهل تقتنع أنها وجدت هكذا بلا موجد؟ والله ما تقبل، ولو ضربت بالعصا، فكيف تقول: إن هذا الكون وجد بلا موجد؟!

    [أو فراش على الأرض بلا فارش له فيها] إذا وجدت فراشاً على الأرض حصيراً أو بطانية أو غيره .. هل تقتنع أنه وجد هكذا بلا فارش له؟ هل يعقل هذا؟! وهذا في الفراش، فكيف بسماء كاملة يُقال: إنها أُوجدت بلا موجد؟!

    [فكيف إذاً بهذه العوالم الضخمة الهائلة من سماء وما حوت من أفلاك وشمس وقمر وكواكب وكلها مختلفة الأحجام والمقادير والأبعاد والسير، وأرض وما خلق فيها من إنسان وجان وحيوان، مع ما بين أجناسها وأفرادها من تباين في الألوان والألسن، والاختلاف في الإدراك والفهوم، والخصائص والشيات، وما أودع فيها من معادن مختلفة الألوان والمنافع، وما أجري فيها من أنهار، وما أحاط يابسها بأبحار، وما أنبت فيها من نبات وأشجار تختلف ثمارها، وتتباين أنواعها وطعومها وروائحها، وخصائصها وفوائدها] من أوجد هذا؟ إنه الله.

    ما على ذا العقل إلا أن يقول: آمنت بالله! آمنت بالله! آمنت بالله خالق كل شيء ومالك كل شيء.

    ثانياً: وجود كلامه عز وجل بين أيدينا نقرؤه ونتدبره ونفهم معانيه

    [ثانياً:] ومن الأدلة العقلية أيضاً [وجود كلامه عز وجل بين أيدينا نقرؤه ونتدبره، ونفهم معانيه، فهو دليل على وجوده عز وجل؛ لأنه يستحيل وجود كلام بلا متكلم] هل يوجد كلام بدون متكلم؟ لا. إذاً: هذا الكلام موجود، هل وجد من يقول: إن هذا كلامي أنا أو كلام أبي وجدي؟ ما وجد أبداً، وهذا دليل عقلي، فما دام الكلام موجود فالمتكلم موجود، إذ يستحيل أن يوجد كلام بدون متكلم.

    قولوا: آمنا بالله! ولا تعجبوا فهذه كلمة الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو في حلقة التعليم والتذكير والتزكية أوحي إليه: أنه كان فيمن كان قبلكم -أي: في بني إسرائيل- رجل يركب على بقرة -فلاح- فرفعت البقرة رأسها إلى راكبها هكذا، وقالت: ما لهذا خلقت؟! أي: أنا خلقت للسقي والحرث لا لتركب علي، فما إن وصل الخبر حتى أمسك عليه الصلاة والسلام بلحيته وقال: ( آمنت به! آمنت به! آمنت به! وآمن به أبو بكر وآمن به عمر ) وكانا غائبين غير موجودين، لكن لمعرفة الرسول بصدق إيمانهما قال: ( وآمن به أبو بكر وآمن به عمر ) رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ومن اللطائف في هذا الدرس: لو قال قائل: والذي لا لحية له يمسك بماذا؟ أين يضع يده؟ قلنا: على عظامه، على مكان اللحية، ومعنى هذا تفحلوا أيها الفحول وأعفوا لحاكم، ولا تقبلوا وساوس الشيطان وهواجس المغرضين، ومن كان في بلد ألجئوه فيه إلى أن يحلق حلق وفوض أمره إلى الله عز وجل، ولا يعرض نفسه للقتل أو السجن من أجل هذه السنة [فكلامه تعالى دال على وجوده، ولا سيما وأن كلامه تعالى قد اشتمل على أمتن تشريع عرفته البشرية] كلامه الذي هو القرآن اشتمل على أمتن تشريع عرفه الناس في الوجود [وأحكم قانون حقق الخير الكثير للبشرية] إي والله! وإن أردتم أن تعرفوا فإليكم صورة قاطعة: كان العرب ليسوا شيئاً مهانين للشرق والغرب، الأحباش في الجنوب والفرس والروم في الشرق والشمال، فما أن نزل هذا القرآن وآمنوا به وعملوا بما فيه حتى عزوا وسادوا وكادوا يملكون الدنيا بكاملها، بلا ذرة ولا هيدروجين ولا سحر وإنما إيمان وعمل، إيمان بالله وبكتابه وتطبيقه، ويوم أن غفل المسلمون عن كتاب الله وأعرضوا عنه وحولوه إلى الموتى والمقابر هبطوا؛ فاستغلهم الشرق والغرب واستعمروهم، وصاروا من أذل الناس، ولا دليل أدل من هذا.

    قال: [كما اشتمل على أصدق النظريات العلمية وعلى الكثير من الأمور] سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس:36] فالأزواج في الحيوانات، وفي الآدميين، وفي الأشجار، وفي النباتات معلومة، وأخبر أن هناك أيضاً زوجية لا يعلمونها، والآن تكشفت بالصناعات: وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس:36].

    وأما الطائرات وهذا الركوب، فقد قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ [النحل:8] أي: مستقبلاً مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، فما كان أحد يعلم الطائرات في هذا الكون، وهذا من الغيب الذي أخبر عنه عز وجل منذ ألف سنة وظهر الآن.

    قال: [وعلى الكثير من الأمور الغيبية، والحوادث التاريخية، وكان صادقاً في كل ذلك أيما صدق، فلم يقصر على طول الزمان حكم من أحكام شرائعه عن تحقيق فوائده] لا يوجد حكم شرعي في الكتاب أو في السنة لم يحقق فائدة لأصحابه، منذ ألف وأربعمائة سنة، لم يوجد حكم في القرآن الكريم كان لتحقيق غرض معين ثم تعطل ووقف وما أصبح يحقق، ولو كانت نظريات علماء أو بشر لتخلفت في مائة سنة أو أقل، فتأملوا هذا!

    [فلم يقصر على طول الزمان حكم من أحكام شرائعه عن تحقيق فوائده، مهما اختلف الزمان والمكان، ولم تنتقض فيه أدنى نظرية من تلك النظريات العلمية، ولم يتخلف فيه غيب واحد مما أخبر به من الأمور الغيبية.

    كما أنه لم يجرؤ مؤرخ كائناً من كان على أن ينقض قصة من قصصه العديدة التي ذكرها فيكذبها، أو يقوى على تكذيب أو نفي حادثة من الحوادث التاريخية التي أشار إليها أو فصلها] هناك أحداث جمة عظيمة في القرآن عن الأمم السابقة ما استطاع يهودي أو نصراني أو فيلسوف أن ينقضها، ويقول: هذه قصة ما وقعت! أحداث مرت عليها آلاف السنين وما استطاع واحد أن يقول: هذا ما وقع أو أنه لم يكن أبداً، فدل هذا على أنه كلام الله. إذاً: فالله موجود، وما دام هذا كلامه فلا إله إلا هو.

    [فمثل هذا الكلام الحكيم الصادق يحيل العقل البشري أن ينسبه إلى أحد من البشر] لا يستطيع الإنسان أن ينسب هذا الكلام إلى غير الله أبداً [إذ هو فوق طوق البشر واستطاعتهم ومستوى معارفهم. وإذا بطل أن يكون كلام البشر فهو كلام خالق البشر إذاً، وهو دليل وجوده تعالى وعلمه وقدرته وحكمته].

    ثالثاً: وجود نظام دقيق في السنن الكونية في الخلق والتكوين والتنشئة والتطوير

    قال: [ ثالثاً: وجود هذا النظام الدقيق المتمثل في هذه السنن الكونية في الخلق والتكوين والتنشئة والتطوير لسائر الكائنات الحية في هذا الوجود، فإن جميعها خاضع لهذه السنن متقيد بها، لا يستطيع الخروج عنها بحال من الأحوال، فالإنسان مثلاً يُعلق نطفة في الرحم ثم تمر به أطوار عجيبة لا دخل لأحد غير الله فيها، يخرج بعدها بشراً سوياً، هذا في خلقه وتكوينه] وهذا طريق خلق البشرية كلها، من أبدع هذا الإبداع؟ إنه الله!

    نطفة تعلق في الرحم، ثم يمر بها أربعين يوماً ثانية وثالثة حتى تستوي وتخرج إنساناً، فلم تخرج قرداً أو تخرج دجاجة أو ناقة أو بهيمة أو عنزة ..! حتى البيض الذي يفقس، لو جمعت بيض الدجاج مع بيض النعام أخرج كل بيض ما قدر الله فيه [وكذلك الحال في تنشئته وتطويره، فمن صِباً وطفولة إلى شباب وفتوة، إلى كهولة وشيخوخة] وليس للإنسان دخل في هذا، فلو اجتمعت البشرية كلها على أن توقف هذه الطفولة ما استطاعت، أو اجتمعوا كلهم على أن يوقفوا شبابه حتى لا يكون شيخاً ما قدروا [وهذه السنن العامة في الإنسان والحيوان هي نفسها في الأشجار والنباتات] فالنباتات والأشجار فيها سنن مرتبطة بها، فهل رأيت نخلة في يوم من الأيام أنتجت تفاحاً؟ ولماذا لا يتفتق طلعها عن العنب؟! أو أن شجرة تفاح تحولت في العام التالي إلى مشمش!! لا يحصل هذا أبداً، فويل للكافرين! وويل للمكذبين [ومثلها الأفلاك العلوية والأجرام السماوية، فإن جميعها خاضعة لما ربطت به من سنن لا تحيد عنها ولا تخرج عن سلكها، ولو حدث أن انفرط سلكها أو خرجت مجموعة من الكواكب عن مداراتها لخرب العالم، وانتهى شأن هذه الحياة].

    قال: [ على مثل هذه الأدلة العقلية المنطقية، والنقلية السمعية ] الأدلة النقلية السمعية هي: أخبار الله وأخبار رسله وأخبار العلماء والأنبياء، هذه هي الأخبار السمعية [آمن المسلم بالله تعالى وبربوبيته لكل شيء، وألهيته للأولين والآخرين] وعلى مثله آمنا [وعلى هذا الأساس من الإيمان واليقين تتكيف حياة المسلم في جميع الشئون] إي نعم، على هذا الأساس من الإيمان واليقين تتكيف حياة المسلم، فيصبح في أوروبا لا يشرب الخمر أبداً، وهي تباع في الشوارع، ويعيش أربعين سنة لا يمد يده ليسرق مال امرئ كافراً كان أو مؤمناً، ويمشي في الشوارع فتمر به النساء الكاشفات عن وجوههن فلا ينظر إليهن ولا يحملق أبداً، بل يطأطئ رأسه أو يغمض عينيه، ويصلي خمس مرات في الأربع والعشرين ساعة يقف فيها بين يدي ربه: في الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيتطهر، ويغسل نفسه، وتكون ثيابه طاهرة، ويأتي إلى مكان يناجي فيه ربه، ولا يقوى على هذا غير المسلم، فاليهود والنصارى يعبدون ساعة في الأسبوع ولا يعرفون العبادة، فعند الإيمان بالله وربوبيته وألوهيته يعيش المؤمن خمسين أو سبعين سنة لا يحلف بغير الله أبداً، ولا يعظم غيره عز وجل.

    وإذا حانت ساعة الزكاة أخرج ماله ووضعه في أيدي فقراء ومساكين لا صلة له بهم، وإذا هاجت شهوته الغريزية صام وصبر ولم يقع في فاحشة الزنا أبداً؛ لأنه مؤمن بالله عز وجل ولقائه!

    وإذا حدثك الدهر كله ما كذب عليك كذبة أبداً ولكنه يقول الحق، كل هذا من نتائج الإيمان بالله عز وجل.

    من آمن بالله حق الإيمان أصبح يعيش مع الله، يذكره الليل والنهار: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] من الخير لنا أن لا ننسى الله عز وجل دقيقة ولا لحظة واحدة، بل دائماً نذكره بقلوبنا وألسنتنا، فهذا هو الطريق المنجي والمسعد للعبد في دنياه وأخراه.

    1.   

    الإيمان بربوبية الله تعالى لكل شيء

    [الفصل الثاني: الإيمان بربوبية الله لكل شيء] الإيمان بأن الله رب كل شيء، حتى الذر والنمل والقمل، الله خالق كل مخلوق، يجب أن نؤمن بهذا [يؤمن المسلم بربوبية الله تعالى لكل شيء، وأنه لا شريك له في ربوبيته لجميع العالمين، وذلك لهداية الله تعالى أولاً، ثم للأدلة النقلية والعقلية الآتية] أولاً آمنا لفضل الله ولهدايته لنا، ثم للأدلة النقلية والعقلية.

    الأدلة النقلية على ربوبية الله تعالى

    يقول المؤلف غفر الله لنا وله: [الأدلة النقلية على أن الله رب كل شيء:

    أولاً: إخباره تعالى عن ربوبيته بنفسه؛ إذ قال تعالى في الثناء على نفسه: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]] فلو قيل لك: من هو رب العالمين؟ قلت: الله! فقد أخبر عن نفسه: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2] من هو؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] حمد نفسه وذكر موجب الحمد وهو كونه رب العالمين، أي: خالق العالمين ورازقهم ومدبر حياتهم [وقال في تقرير ربوبيته وتأكيدها: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [الرعد:16]] هذه آية من كتاب الله: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الرعد:16] أي: اسألهم إذا سكتوا وقل: الله! ولن يسكتوا. ليس لديهم إلا أن يقولوا: الله. ولهذا اسبقهم للجواب يا رسولنا، قل لكفار قريش والعرب: من رب السماوات والأرض؟ ثم قل: الله. اسبقهم للجواب؛ لأنه ليس إلا هذا. يقول: الله، فاللات أو العزى ما خلقت ذبابة فضلاً عن خلق السماوات والأرض.

    [وقال في بيان ربوبيته وألوهيته: رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الدخان:7]]؛ لأنهم يؤمنون بربوبية الله، فالمشركون كانوا يعبدون اللات والعزى ومع هذا ما تطرقت إليهم الاشتراكية والشيوعية، واليهود كانوا يؤمنون بوجود الله حقاً وصدقاً، ويحلفون له وبه ولكن يشركون معه أصنامهم وأوثانهم.

    رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الدخان:7] لذلك آمنوا برسوله وكتابه ولقائه واعبدوا الله لتكملوا وتسعدوا [ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الدخان:8]] أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين من عهد آدم إلى عهدك [وقال في التذكير بالميثاق الذي أخذه على البشر وهم في أصلاب آبائهم، أخذ عليهم ميثاقاً بأن يؤمنوا بربوبيته لهم، ويعبدوه ولا يشركوا به غيره، إذ قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172]] مسح الله عز وجل ظهر آدم فاستخرج منه كل روح، واستنطقها فنطقت، واستشهدها فشهدت.

    الآن علماء الصناعة يقولون: لو جمعنا البشرية كلها في فنجان من الحيوان المنوي ما ملأته، وسبق هذا الكلام بمسح الله ظهر آدم لما خلقه فاستخرج منه ذريته، واستنطقهم فنطقوا، واستشهدهم فشهدوا، ولكنهم بعدما خرجوا نسوا وخانوا والعياذ بالله .. أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:172-173] فلا يقبل هذا الاعتذار يوم القيامة [وقال في إقامة الحجة على المشركين وإلزامهم بها: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون:86-87]] إذاً: لو وجه هذا الخطاب إلى زعماء الكفر في مكة فلن يجدوا إلا هذا، فلم لا تتقونه وتعبدونه؟!

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم.