إسلام ويب

قضايا تهم المرأةللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذا حديث خاص بالمرأة، يتناول بعض النصائح والإرشادات التي تحتاجها المرأة في حياتها. فالإسلام الذي كرم المرأة يريد منها أن تدرك الغاية من خلقها، وأن تلتزم بشريعة ربها، وهنا نماذج وقصص لنساء صالحات، تحتاج المرأة أن تطلع على سيرهن وأخبارهن لتقتفي آثارهن. وهذه المادة تحتوي أيضاً على قصص نساء ضللن وابتعدن عن طريق الله تعالى.

    1.   

    المرأة بين الجاهلية والإسلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:

    أيتها الأخت الفاضلة، أيتها الأخت الكريمة، عنوان المحاضرة كما سمعتن: قضايا تهم المرأة.

    وحديثي إلى المرأة خاصة؛ كيف لا وقد خصص الله جلَّ وعلا سورة كاملة باسم النساء، وجعل لمريم سورة باسمها، كيف لا أخصص حديثاً للمرأة وقد خصص الله جل وعلا لها أحكاماً وأموراً تختص بها عن الرجال.. كيف لا أخص المرأة بحديث وقد خصها النبي عليه الصلاة والسلام في يوم العيد بخطبة كاملة، فبعد أن حدث الناس جميعاً رجالاً ونساءً جاء إلى النساء وخصص لهن خطبة.. كيف لا وقد خصص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في بيت أم عطية مجلساً يأتي إليهن ويحدثهن ويعلمهن، وهكذا كنَّ الصحابيات سباقات إلى مثل هذه المجالس وهذه الأحاديث.

    اسمعي أختي الكريمة، ولا تقطعي الحديث، وانتظري حتى أتم حديثي، فهي ساعة تمضي من العمر سوف ترينها في صحيفتك إن شاء الله يوم القيامة.

    أختي الكريمة: كيف كنت قبل الإسلام؟ وكيف كانت المرأة قبل الإسلام؟

    كانت لا تساوي المتاع والأثاث الذي يرمى بعد أن يبلى.. كانت المرأة منذ أن تخلق على وجه الأرض شؤماً على والديها، كما قال الله تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:58-59].

    كان الرجل إذا ولدت زوجته بنتاً يتهرب من الناس، يخاف من العار، ويخاف من الفضيحة.. كانوا يتشاءمون بالنساء، يضربونها، يهينونها، بل كانت المرأة إذا مات زوجها، أو مات أبوها، أو مات أخوها، فإنها لا ترث شيئاً مما تركوا، بل كانت تُورث مثل المتاع ومثل الدراهم.

    كان الأب يأخذ ابنته الصغيرة.. ما أجملها، وما أحسنا! ويطلب من زوجته أن تزينها وتلبسها أحسن الملابس، وأن ترجلها وتغسلها وتطيبها.

    ثم يأخذها ويداعبها ويلاعبها، ثم يذهب بها إلى صحراء قاحلة، لا أحد يراه ولا أحد يعلم به إلا الله جلَّ وعلا، فيحفر حفرة، وتحفر البنت معه وتساعد أباها وترق له، كيف يحفر في ذلك الحر الشديد، فتساعد أباها في الحفر وهي تضحك وتلعب معه وتمازحه، وتظن أن أباها سوف يلعب معها.

    وبعد أن يكملوا الحفرة، يأتي إلى تلك البنت البريئة، فينزلها في تلك الحفرة المظلمة الموحشة، فتنزل وهي تضحك وتلعب وتداعب أباها، وبعد أن تنزل تقول لأبيها: يا أبي لماذا لا تخرجني الآن؟ يا أبي لماذا لا تعيديني إلى البيت الآن؟ وبعدها ترى أباها يرمي على وجهها التراب، فتضحك أولاً، ثم تمزح ثانياً، ثم تعلم أن الأمر جد، وأن الأمر على عكس ما كانت تتصور، فتنادي أباها، وتستغيث به وتستنجده، تصيح.. تبكي.. تولول، ولكن بعد قليل ذهب صوتها، وهدأت روحها، وخرجت نفسها.. وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] بأي ذنب قتلت؟ ألأنها بنت؟! بأي ذنب عذبت؟ ألأنها بنت؟! بأي ذنب صارت كالأثاث والمتاع؟ ألأنها بنت ولأنها أنثى؟!

    فلما جاء الإسلام ساوى الله جل وعلا بين الرجل والمرأة، وعدل بينهما، وجعل للرجل أحكاماً خاصة، وللمرأة أحكاماً خاصة، بل جعل لها حقاً حتى في الميراث، فلها حقوق وعليها واجبات.. الإسلام أكرم المرأة، بل جعل بعض النساء خير من كثير من الرجال، قال الله جلَّ وعلا عن مريم: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:42-43].

    1.   

    الغاية من الخلق

    أختي الفاضلة: أوجه إليك هذا الحديث؛ لأنك أنت الأم، وأنت الأخت، وأنت الزوجة، وأنت البنت، ولا نجاة للرجل دون المرأة، ولا يستطيع الرجل أن يتخلص من المرأة.. فأوجه إليك هذا الحديث:

    أول قضية مهمة يجب أن تنتبهي لها وتستمعي لها هو السؤال الأول، وهي القضية الأولى، سلي نفسك هذا السؤال ثم أجيبي بنفسك على نفسك: لماذا خلقنا الله جل وعلا..؟

    لماذا أنزلنا الله على هذه الأرض..؟

    لم خلق لنا الأرض والسماء..؟

    لم سخر لنا الشمس والقمر..؟

    لم خلق الوحش والطير والنبات والزروع لنا..؟

    لمَ جعل لنا العينين، واللسان، والشفتين، واليدين، والرجلين..؟

    لم كل هذا..؟

    ولم كرمنا الله عز وجل بالعقل..؟

    أتعرفين لم؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] أتحسبين وتظنين -يا أختي الكريمة- أن الله جل وعلا خلقنا وأوجدنا وسخر لنا كل هذا عبثاً؟ لا والله، ليس الأمر عبثاً، وليس الأمر هزلاً، إن القضية محسومة: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    ثم لك أن تجيبي على هذا السؤال: هل عرفت هذه الغاية مَنْ جَعَلتِ الغاية مِن حياتها أن تكون نجمة، وأن تصير بطلة، وأن تصبح ممثلة صورها في الجرائد؟!

    هل فهمت هذه الغاية مَنْ جَعَلت حياتها تلك الأغنية، تنام عليها، وتسهر عليها، وتعيش عليها.. تحفظ كلماتها، وترددها صباح مساء؟!

    هل عرفت هذه الغاية مَنْ كان قدوتها وعشيقها ذلك الفاسق المغني، تحلم أن تكون زوجة له، وتحلم أن تنام معه، وتسافر معه، وتعيش معه، وترقص معه.. هل عرفت هذه غاية خلقتها؟!

    أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60-61].

    هل علمت حقاً أن الله جل وعلا خلقها لعبادته مَنْ جعلت صورتها الفاتنة شبه العارية على غلاف مجلة من أجل أن تروج هذه المجلة؟ أو داخل الصفحات لأجل أن تروج هذه الجريدة وتلك المجلة على حساب عرضها وكرامتها وعفتها وحيائها؟!

    هل عرفت الغاية مِن خلقها تلك التي كانت نهايتها فضيحة في دعارة، أو سجن؛ لأنها تتعاطى مخدرات، أو انتحرت من أعلى عمارة أو شاهق؛ لأنها ملت من هذه الحياة وتعبت، وأصابها الضيق والضنك؟! أتعرفين لم؟ لأنها ابتعدت عن الغاية التي خلقها الله جل وعلا.

    نساء جهلن الغاية من خلقهن

    اسمعي إلى هذه القصص، لتعلمي أن من النساء من تعيش في هذه الدنيا ولا تدري لم تعيش، ولا تدري لم خلقها الله جل وعلا، وصباحها مساؤها لأجل الدنيا، ولأجل الشهوة، والملذات، فوالله ما عرفت لم خلقها الله جل وعلا!

    امرأة كان لها ولدان صغيران، ما أجملهما! الأول عمره سنة ونصف والآخر عمره ثلاث سنوات، كالقمر ليلة البدر، فتعرفت على عشيق لها، وبدأت تكلمه ويكلمها، وتصاحبه ويصاحبها، ولكن في يوم من الأيام طلب العشيق منها أن يرتبط بها بشرط واحد، قالت: وما هو هذا الشرط؟ قال: أن تتخلصي من ولديك. قالت: إنهما ولداي. قال: تتخلصي منهما وإلا تنفصل العلاقة.

    فما كان من تلك المرأة إلا أن ذهبت إلى ضفاف نهر، وكان الولدان يلعبان معها، ويداعبان الأم، وألبستهما أحلى الملابس، فكانا كالقمر ليلة البدر.. أركبتهما السيارة، ونزلت منها ولم تطفئها وجعلت السيارة تنزل شيئاً فشيئاً إلى قاع ذلك النهر، والولدان يبكيان ويصيحان من وراء زجاج السيارة، ويناديان أمهما، ولكن ما هي إلا لحظات ودقائق حتى كانا في قاع البحر قد غرقا لتتمتع بعشيقها.. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] أي حياة هذه؟! وأي عيشة تلك؟!

    فلانة من النساء معها مقابلة على الهواء مباشرة في التلفاز: ماذا تتمنين؟ قالت: أتمنى أن أصبح مثل هذه الممثلة، أو تلك المطربة.

    امرأة أخرى في الجريدة تعمل معها مقابلة، وهي لم تتجاوز السادسة عشرة من العمر: ما هوايتك؟ قالت: الغناء والطرب. ماذا تتمنين؟ قالت: أتمنى أن أصبح مثل النجمة الفلانية، أو الراقصة الفلانية. من علمك هذا؟ قالت: التلفاز، والمجلات، والجرائد.

    وأخرى يقبض عليها في قضية تعاطي المخدرات، أو في دعارة، أو في غيرها، بعد أن فضحت، وعمل معها التحقيق: من أين تعرفت على هذا؟ قالت: في البداية كان شريط غناء، أو كان فيلماً غنائياً، أو مسلسلاً خلاعياً، أو كان في البداية أن تعرفت على فلانة، والآن وصلت إلى ما وصلت إليه.

    فتاة تعيش في مستنقع الجاهلية المعاصرة

    يقول شيخ من الشيوخ -واسمعي إلى هذه القصة العجيبة-: دعيت إلى فتاة لأقرأ عليها القرآن -كان يقرأ على الناس، والله جل وعلا يقول: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [الإسراء:82]- فقلت: أين المكان قالوا: في المستشفى الفلاني، يقول: في مستشفى خاص من أفخم المستشفيات، يقول: فذهبت إلى هذا المستشفى، وكان قد حجز جناحاً كاملاً لهذه الشابة.. يقول: ولم أدخل عليها إلا بعد أن تجاوزت أشخاصاً كثر يسألونني: من تريد؟ وماذا تريد؟ حتى وصلت إلى هذه الفتاة بعد حواجز، وبعد حرس، وبعد خدم، وبعد حشم.. وعلمت أن هذه الفتاة ليست كغيرها من الفتيات، إنها من علية القوم.

    فدخلت عليها في غرفة كبيرة، والخدم عن يمينها وشمالها، وقد جلس عندها بعض أقربائها وهي منطرحة على الفراش، فسلمت، ثم سألتهم: ما خبرها؟ قالوا: لا ندري، ذهبنا بها إلى كل المستشفيات ولكن لا فائدة! لا ندري ما قصتها، ولا نعلم ما خبرها. فقال لهم الشيخ: أريد أن أتحدث معها هل يمكن هذا؟ قالوا: تحدث معها، ثم طلب منهم أن يحجبوها، فحجبوها.

    قال: فجلست وأخذت أسألها: يا فلانة تسمعيني؟ قالت: نعم، قال: أسألك أسئلة فأجيبيني بصراحة، قالت: تفضل. قال: هل تصلين؟ قالت: بصراحة والله لا أصلي. قال لها: هل تقرئين القرآن؟ قالت: منذ زمن بعيد ما قرأت القرآن. قال: هل تتعاطين المخدرات، وتشربين المسكرات؟ قالت: نعم أحياناً. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون! يقول: الشابة صغيرة، لعلها لم تتجاوز العشرين من العمر، وتعمل هذه الأعمال! فقالت الفتاة لما رأت الشيخ تعجب: يا شيخ لم تعجبت؟ لو أخبرتك عن حياتي وعن معيشتي لما تعجبت مني، اسمع يا شيخ كيف أعيش.

    اسمعي يا أختي الكريمة! يا من غرتك زهرة الحياة الدنيا! اسمعي إلى هذه الغنية الثرية كيف تعيش في هذه الدنيا.

    تقول الفتاة: يا شيخ! أنا في كل يوم أنام في أول النهار ولا أستيقظ إلا بعد غروب الشمس أو في آخر النهار، أقضي النهار كله نوماً، وبعد أن أستيقظ من نومي وأنا في غرفتي، أرفع سماعة الهاتف، فيأتيني ما أطلبه من طعام وشراب.. الخدم حولي، كل ما أشتهيه يأتيني إلى غرفتي، فإذا جاء الليل حضر أصدقائي، تقول: كل ليلة يجتمعون عندي، على الغناء، والطعام والشراب، واللهو والطرب، وفي بعض الأحيان نطلب من نشاء من المطربين أن يأتينا في أي لحظة نريدها.. أي مطرب وأي مغني، بسماعة الهاتف يأتينا إلى غرفتي؛ فيحيي ليلتنا بالغناء والطرب والرقص.

    تقول: فنمضي هكذا، وبعض الأحيان يحيي ليالينا أناس ليسوا بإناث ولا ذكور، بين هذا وهذا، فنقضي أغلب الليل هكذا، فإذا اقتربت ساعة الفجر، ذهب كل منا إلى بيته، وبقيت لوحدي، أتقلب على الفراش، أنتظر النوم، وما أن يطلع الصبح وترتفع الشمس حتى أخلد إلى نوم عميق.

    تقول: فلا أصحو إلا بعد أن يعلو النهار، ويقترب من نهايته، وتقترب الشمس من الغروب، لأمضي ليلة أخرى في لهو، وطرب، وغناء، وفجور، ورقص، وسكر، وعربدة.

    تقول: هذه حياتي، وتلك أيامي، وهذه ليالي.. هل علمت يا شيخ كيف نعيش وكيف نحيا؟!

    قال الشيخ: صدق الله وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    1.   

    صفحات مشرقة للمرأة المؤمنة

    لننظر إلى الوجه الآخر والصفحة الأخرى: إنهن نساء وفتيات عرفن لم خلقهن الله جل وعلا.

    اسمعي لـعائشة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها: يدخل عليها ابن أختها ليسلم عليها، فينظر إليها وهي تصلي وتقرأ آية وتبكي، يقول: فتركتها ثم جئتها في منتصف النهار، وهي تقرأ الآية نفسها وتبكي.. من هي؟ إنها عائشة ، إنها أم المؤمنين التي بشرت بالجنة، تبكي وهي تقرأ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27].

    ماشطة بنت فرعون

    ألم تسمعي عن ماشطة بنت فرعون التي نظرت إلى أولادها يحرقون واحداً تلو الآخر، وهي صابرة على دينها، ثابتة على عقيدتها، وقبل أن تحرق طلبت من فرعون طلباً، قالت: أطلب منك إذا أحرقتني أن تجمع عظامي وعظام أولادي في كفن وتدفننا جميعاً.

    ولما أحرقت هي وأولادها الصغار بعثها الله جل وعلا في السماء، وصار لها ولأولادها رائحة طيبة، شمها النبي صلى الله عليه وسلم في المعراج.. الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    نعم. إن عائشة بكت، وإن ماشطة بنت فرعون أحرق أولادها أمام عينيها، لكن هل تظنين أنهن قد تعذبن في هذه الحياة؟! لا والله، إنهن يعشن أسعد حياة، إنهن خرجن من الدنيا وقد وجدن أسعد وأحلى ما فيها؛ إنها طاعة الله، وذكره سبحانه تعالى.

    زوجة فرعون

    زوجة فرعون التي أظهرت إيمانها بالله وكفرها بزوجها.. بفرعون الذي قتل الأولاد في أرحام أمهاتهم، الذي قتل الرجال واستحيا النساء، فرعون الذي كان يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] خرجت زوجته من قصره تقول: ربي في السماء، كفرت بك وبما تعبد من دون الله.. زوجته الصابرة المؤمنة التقية العابدة.. فربطها فرعون في صحراء قاحلة، وأجاعها، وعذبها، وضربها، وقال لجنوده: ارفعوا صخرة من أعلى مكان، وارموها عليها لتقتلوها بها، ثم قال لها: هل ترجعين عن دينك؟ قالت: والله لا أرجع عن ديني طرفة عين. فربطها، وحملوا صخرة كبيرة ورموها عليها، فقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] فلما دعت بهذا الدعاء، والصخرة لما تنزل عليها، قبض الله روحها قبل أن تصل الصخرة إلى جسدها.. إنها لحظات، لكنه صدق الدعاء، وصدق الإيمان بالله جل وعلا.

    مريم بنت عمران

    قال الله تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12] مريم يدخل عليها رجل وهي في المحراب تصلي وتركع وتسجد، ما مسها بشر، وما اطلع عليها في الحرام رجل.. دخل عليها رجل إلى المحراب: قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً [مريم:18].

    أسألك بالله سؤالاً: ماذا نقول عن نسائنا في هذا الزمن؟ تدخل على البائع فتكلمه وتضاحكه، وهي تريد أن يخفض الأسعار، ويتصل عليها رجل في البيت فتضحك معه الساعات الطويلة، وتلين معه في الحديث.. تذهب إلى العمل فتكلم فلاناً وتجالس فلاناً، وتضاحك فلاناً، وتتكشف عند فلان.. تشم رائحتها من مسافة طويلة، ويسمع قرع نعليها من مسافات أطول.. أين هي من مريم عليها السلام التي لما رأت رجلاً ماذا قالت؟ هل سلمت عليه..؟ هل صافحته..؟ هل ضحكت معه..؟ هل استبشرت به في خلوتها..؟ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً [مريم:18] فلما أخبرها أنه ليس برجل وأنه ملك مرسل من الله جل وعلا، ماذا قالت؟ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً [مريم:20] الله أكبر! تخاف على سمعتها، وتخاف على عرضها، وتخاف على كرامتها وعلى شرفها.. أين نحن من مريم البتول عليها السلام؟

    ولما جاءها المخاض قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا [مريم:23] مع أن الولد نبي من الأنبياء، والذي نفخ فيه الروح هو أفضل ملك من الملائكة، وبأمر الله جل وعلا، ولكنها قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً [مريم:23] أرأيتِ العفاف؟ أرأيت الطهارة؟ أرأيتِ الكرامة التي أكرمها الله عز وجل بها؟

    1.   

    نصائح هامة في الحجاب والعفة

    أختي الفاضلة: إياكِ أن تكوني سلعة رخيصة.. إن الصراع في هذا الزمن صراع يستخدم فيه الغرب واليهود والنصارى سلاح المرأة المسكينة الضعيفة، ويشهرون هذا السلاح في وجوه الرجال.

    انظري نظرة واحدة إلى كل المجلات الساقطة الهابطة ماذا يوضع في غلافها؟ امرأة فاتنة متكشفة متبرجة.. لم؟ هل لكرامتها ولسمعتها؟! لا والله، إنهم يريدون أن يروجوا لهذه المجلة، ويريدون أن يفتنوا الرجال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما تركت فتنة هي أضر على الرجال من النساء).

    أختي الكريمة: الله الله ألا نؤتى من قبلك! الله الله ألا يهزم الإسلام والمسلمون عن طريقك يا أختي الكريمة!

    يقول المستشرق النصراني: إن كأساً وغانية يفعلان في المسلمين ما لا تفعله مائة دبابة ومائة صاروخ. امرأة مغنية راقصة فاتنة تفعل في الرجال ما لا تفعله الصواريخ والدبابات.

    أختي الكريمة: الله الله في الحجاب! الله الله في العفة والحياء! وإياك أن تكشفي شيئاً يسيراً من الجسد لغير المحارم ولغير الزوج، فإن والله جل وعلا يقول: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31] الله جل وعلا حرم عليك صوت الكعب أو الخلخال أن يسمعه الرجال، فإذا كنت تمشين وقد وضعت في رجليك شيئاً من الزينة فلا تضربي بالرجل بقوة، حتى لا يسمع صوته الرجال.

    هذا صوت الخلخال، فكيف بأن تكشف المرأة وجهها، أو ساعديها، أو شيئاً من ساقيها، أو شعرها؟! أي فتنة أعظم من هذه؟! إن الرجال إذا فتنوا بالنساء فأول شيء يفتنون به هو وجهها، بل إن الرجل إذا خطب المرأة فإنه لا يسأل عن ذراعها ولا عن ساقها ولا عن شعرها، إنما يسأل عنه وجهها، ولهذا حرم الله جل وعلا أن تغطي المرأة وجهها في الإحرام في الطواف، ومع هذا تقول عائشة رضي الله عنها: [كنا إذا مر بنا الأجانب من الرجال أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها] مع أن تغطية وجه المرأة في الإحرام لا يجوز، لكن عائشة تقول: [إذا مر بنا الرجال الأجانب أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها] تقول الفقيهة العالمة: [فإذا جاوزونا كشفناه].

    يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59].

    قال المفسرون: تغطي رأسها إلى صدرها، فإن الجلباب من الرأس إلى الصدر ويغطي ما بينهما.

    وقال بعضهم: إلا ما ظهر منها عين واحدة أو عينان لتبصر الطريق.

    أرأيت يا أختي الكريمة كيف حافظ الله عز وجل على حيائك، وعلى شرفك وعفتك؟ بل لقد حرم الله جل وعلا على المرأة حتى الصوت إن كان فيه فتنة ولين، فانتبهي يا أمة الله.

    1.   

    قصة من الواقع

    هذه القصة لتعلمي أن كثيراً من الرجال في هذا الزمن على صورة رجل لكنه في الحقيقة ذئب، إنه يضحك عليك بتلك الكلمات المعسولة، ويغدر بك بتلك الكلمات الرنانة، ويضحك عليك بتلك الرسالة، وبهذه المكالمة، وبهذه المواعدة، وتلك الهدية الزائفة، وقلبه أخبث من قلوب الذئاب.

    الخطوة الأولى في طريق الشيطان

    أختي الفاضلة: اسمعي إلى هذه القصة الحقيقية، التي لا أنسجها من الخيال، بل قرأتها لشابة تقصها هي بنفسها عن نفسها، تقول: ما كنت أعرف عن الحرام، ولا أعرف عن الفساد شيئاً، خرجت من مدرستي يوماً -وهي كانت في الثانوية- تقول: خرجت من مدرستي يوماً لأسمع رجلاً يناديني باسمي، فالتفت وظننته أحد أقربائي أو محارمي، وإذا هو رجل لا أعرفه ويناديني باسمي.. تقول: فأسرعت في المشي، وخفت منه، ولم أجبه، ولم أكلمه، وهربت إلى البيت وأنا خائفة وجلة، من هذا الذي يناديني باسمي؟ وطوال الليل وأنا أفكر: ماذا يريد مني؟ ما قصته؟ كيف عرف اسمي؟ ماذا يطلب مني؟

    تقول: وفي اليوم الثاني جاءني نفس الشاب يناديني باسمي مرة ثانية عند باب المدرسة، فهربت منه مرة ثانية، وكل يوم يلاحقني عند أبواب المدرسة، ومرت الأيام وأنا أفكر، ماذا يريد هذا الشاب؟ تقول: وفي يوم من الأيام رن جرس الهاتف، فرفعت السماعة وإذا صوت الشاب نفسه وهو يقول: فلانة لا تغلقي الهاتف، أريد أن أكلمك كلمات، فأغلقت الهاتف في وجهه، وفي اليوم الثاني اتصل بي، فاستمعت إليه وهو يقول: اسمعيني ولا تجيبيني، فقط اسمعيني لحظة من الزمن، تقول: استمعت إليه خطوة خطوة، إنها خطوات الشيطان، شياطين الجن والإنس قد اجتمعوا على المسكينة.

    تقول: استمعت إليه يقول: يا فلانة والله لا أريد الحرام، ولا أريد الفاحشة، ولو أردتها لعرفت طريقها، لا أريد إلا أمراً واحداً، أريد الزواج منك.

    قالت له البريئة المسكينة: إذا أردت الزواج فأت إلى أهلي ووالدي وكلمه؟ قال: يا فلانة أريد أن أتعرف عليك أولاً، وبعدها سوف أتقدم إلى أهلك، وأنا من أسرة ثرية، لا ولد لهم إلا أنا، ولا يملكون غيري، وأريد أن أعيش معك حياة سعيدة، زوجين سعيدين، نعيش حياة طيبة، ونشتري بيتاً، وننجب الأولاد.. أخذها إلى دنياً تحلم بها كل فتاة.. تقول: ثم جاءني مرة ثانية إلى المدرسة، فأخذت أكلمه عند الباب، ويوماً بعد يوم، حتى بدأت أركب معه في السيارة، وأتجول معه، ويشتري لي بعض الأمور، وأتناول معه بعض الوجبات، ومرت الأيام والليالي والأسرة في غفلة عنها، تقول: وأنا متأكدة أنه سوف يتزوجني يوماً من الأيام، أعرف أنه صادق، ولن يخدعني أبداً.

    الوقوع في البركة النتنة

    تقول: وفي يوم أدخلني معه في شقة له، وكنت ألعب معه وأداعبه وأضاحكه وأسامره، تقول: وكأنني في سكرة وفي غفلة وفي نومة، فلم أستيقظ إلا وقد ذهبت عفتي، وهتك عرضي، فصحت، وبكيت، وصرخت، وقلت له: ويحك، ما الذي فعلت؟ قال: لا تخافي إنما أنت زوجة لي، قالت: كيف أكون زوجتك، ولم تعقد علي، ولم يعلم أهلي.. تقول: فهربت إلى بيتي خائفة أركض في الطريق، حتى دخلت البيت، ولم أنم تلك الليلة كلها، وعندما ذهبت إلى المدرسة انتظرته عند أسوار المدرسة لعله يأتي ويواعدني على الزواج، فلم يأتِ، ومرت الأيام، وكلما رن جرس الهاتف أرفعه لعله يكون هو، لعله يواعدني على الزواج، لعله يأتي إلى أهلي يخطبني منهم.

    وفي يوم من الأيام رأيته عند باب المدرسة، ففرحت واستبشرت، وركضت إلى سيارته، وركبت معه وأنا سعيدة، الآن سوف يواعدني على الزواج، الآن سوف يخبرني متى يأتي إلى أهلي.. تقول: وركبت معه نتجول معاً، وإذا أسلوبه قد تغير وتبدل، فقال لي: يا فلانة أما قضية الزواج فلا تفكري فيها أبداً!! فصفعته على وجهه من غير شعور، وبكيت، وانهرت، وتكلمت عليه بكل كلمة سوء، ثم هربت من السيارة، وركضت، فأخذ يناديني ويناديني، فقلت في نفسي: ربما رجع عن رأيه، ربما فكر في الأمر، فرجعت إليه، وقلت: ماذا تريد؟ قال: انظري إلى هذا، نظرت، فإذا هو فيلم للفيديو، قلت: ما هذا؟ قال: صورت فيه كل تلك الليلة.

    قالت: أيها الخسيس! أيها الحقير! ماذا تريد بهذا؟ قال: أن تستجيبي لكل طلب وإلا أرسلته إلى والديك.

    تقول: انهرت بين يديه كالفريسة بين يدي الذئب.. فكان يأخذني كل يوم أينما شاء متى شاء ويفعل بي ما شاء، لقد وقعت في وحل الدعارة، يرسلني إلى أصحابه، ويأتي بأصحابه إليَّ، فدخلت في نفق لا أدري ما آخره.

    وذات يوم وقع الفيلم في يد أحد أقاربي، فنظر إليه وإذا هو يرى صورتي في ذلك الفيلم، فأخذه وأرسله إلى والدي ليرى والدي ابنته بين الرجال، فلم يتمالك والدي نفسه حتى خر على الأرض، وحمل إلى المستشفى، وما هي إلا أيام معدودة حتى فارق الحياة.. لقد مات أبي حسرة وندامة، ثم هربت من البيت، لقد فضحت عائلتي، ومات أبي، وضاع مستقبلي، وتشردت لا أدري إلى أين أذهب.

    تقول: ثم ذهبت إلى الرجل الذي كان سبباً في ضياع حياتي ومستقبلي ومستقبل عائلتي، فدخلت عليه وقد سكر من شرب الخمر، فأخذت خنجراً فطعنته في ظهره عدت طعنات حتى قتلته بها، وهأنا اليوم أنتظر مصيري ومصير كل فتاة تفعل مثل هذا.

    خلاصة الكلام

    إن المعاكس ذئب      يغري الفتاة بحيله

    يقول هيا تعالي     إلى الحياة الجميله

    قالت: أخاف العار والـ     إغراق في درب الرذيله

    والأهل والإخوان والـ     جيران بل كل القبيله

    هذا في البداية…

    قال الخبيث بمكره      لا تقلقي يا كحيله

    إنا إذا ما التقينا     أمامنا ألف حيله

    متى يجيء خطيب      في ذي الحياة المليله

    لكل بنت صديق     وللخليل خليله

    يذيقها الكأس حلواً     ليسعدا كل ليله

    للسوق والهاتف والـ     ملهى حكايات جميله

    إنما التشديد والتعقيد     أغلال ثقيله

    ألا ترين فلانة      ألا ترين الزميله

    وإن أردت سبيلاً     فالعرس خير وسيله

    كذاب، كذاب، كغيره من الكذابين في هذا الزمان.

    وانقادت الشاة للذئب      على نفس ذليله

    فيا لفحش أتته     ويا فعال وبيله

    حتى إذا الوغد أروى     من الفتاة غليله

    قال اللئيم وداعاً     ففي البنات بديله

    قالت ألما وقعنا     أين الوعود الطويله

    قال الخبيث وقد      كشر عن مكر وحيله

    كيف الوثوق بغر     وكيف أرضى سبيله

    من خانت العرض يوماً     عهودها مستحيله

    بكت عذاباً وقهراً     على المخازي الوبيله

    عار ونار وخزي     كذا حياة ذليله

    من طاوع الذئب يوماً     أورده الموت غيله

    1.   

    بعض مجالات الخير التي يمكن أن ترتادها النساء

    أختي الكريمة: إنها قصة من قصصٍ كثيرة يعيشها مجتمعنا وكثير من المجتمعات، من فتاة ضُحك عليها، وغُرر بها، وانقادت المسكينة مع الذئاب، حتى كانت نهايتها مأساة، إما في سجن، أو انتحار، أو فضيحة وعار، أو ضاعت بين الجدران، لا تدري من يخلصها من ذلك السجن.

    أختي الكريمة: عليك بالعبادة والذكر وقراءة القرآن، ارجعي إلى الله جل وعلا.. هل فكرت يوماً من الأيام أن تختمي القرآن حفظاً، أو تختميه قراءة وتدبراً؟ إياك يا أختي الكريمة عن كل ما يلهيك عن الذكر والطاعة والقرآن والصلاة، الله عز وجل عندما اصطفى مريم عليها السلام قال لها: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43].

    إن بعض النساء في هذه الأزمان من الصباح إلى المساء همهمن المسلسلات والأفلام، والموضات، والأزياء، والتجول في الأسواق، والغناء، والطرب، هذا همهما وتلك حياتها، والله جل وعلا يقول: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8].

    أختي الكريمة: هل فكرت يوماً من الأيام أن تكوني طالبة للعلم؟ وأن تحفظي القرآن؟ وأن تحفظي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وأن تقرئي من الفقه ومن التوحيد ومن التفسير شيئاً؟ هل فكرت في طلب العلم؟ إنها حياة جديدة أخرى بين الكتب في طلب العلم، والله جل وعلا يقول: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    إن عائشة رضي الله عنها كانت تُضرب إليها أكباد الإبل؛ لأجل أن تسأل في دين الله عز وجل، كانت صغيرة في العمر لكنها كبيرة في القلب والعقل، كانت فقيهة، عالمة، عابدة، كان يسألها الرجال ويتفقه عندها المتفقهون.. لقد ضربت رضي الله عنها أروع الأمثلة في طلبها للعلم، فكم من حديث نقرؤه ونقول: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا …، وقد وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف هذا؟ لأنها كانت طالبة للعلم، حافظة للأحاديث، وكانت في نفس الوقت داعية إلى الله، فهل فكرت في حياة الدعوة إلى الله؟ الله جل وعلا يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] اتركي هذه الحياة؛ حياة الغفلة واللهو والطرب، لتبدئي حياة الجد والالتزام، حياة الجد بطلب العلم والعبادة والدعوة إلى الله عز وجل.

    أختي الفاضلة: إن من أنجح الدعوات في هذا الزمن دعوة النساء في صفوف النساء، وإنني أعلم بعض المجتمعات الإسلامية كنَّ النساء المحجبات فيهن قليلات، أما اليوم فإن الحجاب في أوساط النساء -بفضل الله جل وعلا- حجاب صحيح شرعي، فقد غطت المرأة كل جسدها، ونجد أن مصليات النساء تشتكي من الضيق ومن الزحام، بل طلبات تقدم إلى وزارات الأوقاف وإدارات المساجد لتوسعة مصليات النساء، وهناك مراكز للدعوة إلى الله خاصة بالنساء، وهناك حلقات تحفيظ للقرآن للنساء، وهناك مجالس علم للنساء، وهناك طالبات علم من النساء.

    أختي الكريمة: هل فكرت في حياة الدعوة إلى الله؟ قوليها صريحة صادقة: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] وأول من تدعين إلى الله تعالى هم أولادك وبناتك وزوجك وأهل بيتك.. فيا أمة الله! هل بدأنا بالإصلاح؟

    الأم مدرسة إذا أعددتها     أعددت شعباً طيب الأعراق

    هل سمعت بولد عمره سبع سنوات في هذا الزمن وفي هذا العصر حفظ القرآن كاملا؟! من حفظه؟! من علمه؟! هل سمعت بولد صغير صبي عمره ست سنوات حفظ القرآن كاملاً في هذا العصر وفي هذا الزمن؟ من أمه؟! إن أمه داعية إلى الله عز وجل، وأنا أعرف داعية إلى الله ابنها عمره سنتان وقد حفظته بعض قصار السور! عمره سنتان ووالله الذي لا إله غيره أنه يحفظ بعض قصار السور! هل حفظته الأم الأغاني؟ هل أجلسته أمام التلفاز؟ هل ضيعت وقته بالطرب؟ لا والله، لقد علمته الأدب والأخلاق الإسلامية، وحفظته كتاب الله جل وعلا.. وأعرف بعض الرجال ما عرف الصلاة إلا عن طريق زوجته، وما اهتدى إلى دين الله جل وعلا إلا عن طريق زوجته.. فكوني داعية إلى الله.

    أيتها النساء: أكثرن من الصدقة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (معاشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقالت امرأة: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) أي الزوج.. فأكثري من الصدقة؛ فإن (الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار) وأخرجي ولو من القليل الذي تملكين.

    1.   

    أهمية تعجيل الزواج والإنجاب

    أختي الفاضلة: إياك إياك أن تؤخري الزواج! يا من تستمعين إلي في هذا الحديث! إياك إياك أن تؤخري الزواج بحجة الدراسة، أو الوظيفة، أو إكمال الدراسة العليا! تقول: أريد أن أحصل على شهادة جامعية، أو على الماجستير، أو على الدكتوراه، ثم ماذا بعد هذا يا أختي الفاضلة؟! كم من الطبيبات اللواتي فاتهن قطار الزواج من تتمنى أن تسمع من يناديها ويقول لها: يا أمي، أو من تناديها فتقول لها: يا أماه.. تقول بعض الطبيبات: خذوا شهادتي، خذوا كل مراكزي وأعطوني بنتاً أو ولداً يقول لي: يا أماه. فإن هذا الصوت أغلى عندي من كل الشهادات.

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) بعض النساء -هداهن الله- إذا جاءها زوج فإنها تعجزه بالمهور، وتقول: أريد مائة ألف، أو ستين ألفاً، أو سبعين ألفاً، لم كل هذا التعجيز؟! والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثرهن بركة أقلهن مهراً)! أي أنه كلما تزوجت المرأة بمهر قليل، كلما كانت بركتها أكثر من غيرها، وكلما ارتفعت المهور كلما قلت البركة.

    فيا أمة الله: عليك بتسهيل الشروط، وعليك بالقبول بالصالحين، وعليك بالاستعجال بالزواج؛ فإنه آمن لك وآمن لبناتك.. أنا أعلم أن بعض الآباء هو السبب، وأن بعض الآباء هو المجرم في منع ابنته من الزواج بالصالحين، فكلما جاءه صالح رده، فهذا يرده لأجل فقره، وهذا يرده لأجل وظيفته، والثالث يرده لأجل فصله وأصله، والرابع يرده لأجل كذا وكذا، حتى أجلس البنت في بيتها مسكينة سجينة الجدران لا تعرف ما مصيرها.. بدأ الشيب يدب في رأسها، ابتعد عنها الخاطبون، وقلَّ الطارقون لبابها، وانصرف الناس عنها، ودبَّ فيها الوهن، وكبرت سنها، ونظرت إلى أبيها ولسان حالها يقول كما قالت تلك الفتاة وهي تخاطب أباها الذي كان سبباً في عنوستها وبقائها في بيتها.. وأنا أرجو أن نسمع هذا الشعر -إن كان قد سجل- أرجو أن نسمعه أولئك الآباء، الذين أجرموا في حقوق بناتهم.

    يقال: إن امرأة بعد أن ضاع عليها عمرها، وشاب شعرها، وبلغ بها الكبر عتياً، واشتعل رأسها شيباً، أصابها المرض، ثم انطرحت على الفراش، فجاء أبوها عند رأسها، فقالت البنت لأبيها الذي كان السبب في حرمانها من الزواج، قالت: يا أبي قل آمين. قال: آمين. قالت: قل آمين. قال: آمين. قالت: أسأل الله أن يحرمك الجنة كما حرمتني من الزواج.

    اسمعن يا أخواتنا الكريمات إلى هذه التي تعتصر ألماً، تكتب هذه الرسالة إلى أبيها، وأرجو أن نسمع هذه الرسالة كل أب ظالم، وكل أب منع ابنته من الزواج، وحجر عنها الصالحين، تقول البنت المسكينة:

    لما كتبت رسالتي ببناني     والدمع مذراف من العينانِ

    أرسلتها للوالد الغالي الذي     قد ضمني برعاية وحنانِ

    أرسلتها وودت أني لم أقل     لكن تلهب خاطري وكياني

    أرسلتها والدمع خط مدادها     وكتبتها من واقعي الحيرانِ

    فلقد كتمت من الهموم ولم يزل     متفطراً قلبي من الكتمانِ

    لما رأيت مفارقي قد أضرمت     بالشيب إن الشيب كالنيرانِ

    يا والدي لا تحرمن شبيبتي      فلقد مضى عمر من الأحزانِ

    لما أرى الأطفال تذرف دمعتي     ويئن قلبي من لظى الحرمانِ

    لما أرى غيري تعيش وزوجها     وبنيها قد نام في الأحضان

    لما أراها والحنان مع ابنها     ينتابني شيء يدك جناني

    يا والدي لا تقتلني بالأسى     قتلاً بغير مهند وسنانِ

    يا والدي قد سن ربي هكذا     لا بد من زوج ومن ولدانِ

    هذا قضاء الله حكم عادل     قد سنه ربي على الإنسانِ

    إن كنت تبغي راتبي ووظيفتي     فخذ الذي تبغي بلا أثمانِ

    إن كنت تبغي بيع بنتك للذي     دفع الكثير فذاك أمر ثانِ

    هذا ورب البيت بيع كاسد     بيعي كبيع الشاة والخرفانِ

    أبتاه حسبك لا تضع مستقبلي     أو ما كفى ما ضاع من أزمانِ

    إن لم تزل لم تلتفت لرسالتي     فاعلم بأن الله لن ينساني

    يوم القيامة نلتقي لحسابنا     عند الإله الواحد الديانِ

    وأتت جهنم والملائك حولها     وعلاك ألسنة من النيرانِ

    فهناك تعلم حق كل بنية     سجنت بلا حق ورا القضبانِ

    أختي الكريمة: أسرعي وبادري بالزواج، ولا تقولي: هذا طويل وهذا قصير، وهذا مستواه المادي قليل، وهذا لا يستطيع أن يعطيني المهر الكثير، وهذا وهذا.. (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض).

    وختاماً: أدعوك يا أمة الله إلى التوبة إلى الله جل وعلا، والرجوع إليه، والاستغفار من الذنوب والخطايا، والاستعداد ليوم لا مرد له ولا رجوع بعده إلى هذه الدنيا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30].

    أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.