إسلام ويب

البركةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق التوحيد وتكميله، فسدَّت طرق الشرك المؤدية إليه؛ ومن الطرق التي يمكن أن تخل بالتوحيد ما ينشأ عن المفهوم الخاطئ للبركة؛ وما وقعت الأمة في الشرك إلا من اختلال هذا المفهوم، فبعضهم تبرك بأحجار مكة، وبعضهم بغار حراء أو بغار ثور، وبعضهم يشد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وبعضهم يحتفل بالمولد زاعماً البركة فيه، ومن الناس من يتمسح بالأشخاص والمغارات والجدران، وبهذا حصل الشرك في الأمة وانتشر.

    1.   

    تعريف البركة وبيان أنها من الله

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عباد الله: لقد جاءت هذه الشريعة لتحقيق التوحيد وتكميله وتحصيله، جاءت بأعظم معروف وهو التوحيد، ونهت عن أعظم منكر وهو الشرك، فسدَّت طرق الشرك والأسباب المؤدية إليه، وقَطَعَتْها قطعاً، وكذلك فإنها حمت التوحيد بجميع الوسائل ووفَّرتها وكثَّرتها.

    عباد الله: لابد أن نعتني بتوحيدنا وعقيدتنا، وأن نجعل هذا التوحيد خالصاً لله تعالى، وألا نواقع شركاً، فـإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] وقد ذهب جمع من العلماء، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى أن الشرك الأصغر والخفي لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فلا يكفَّر ولا يدخل في المشيئة إلا إذا تاب منه صاحبه، فإن الله يتوب عليه، ولذلك لابد أن نكثر كثيراً من التوبة والاستغفار من جميع أنواع الشرك، وأن نقول: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.

    ومن الموضوعات التي يقع فيها الشرك في الناس مسألة التبرك، وهذه القضية تحتاج إلى شيء من التوضيح، ولعلنا نلقي عليها بعض الضوء في هذه الخطبة.

    أما البركة فإنها دوام الخير وزيادته وكثرته وثبوته أيضاً.

    والبركة من الله تعالى، فهو مصدرها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وبارك لي فيما أعطيت) فإنها تُطلَب من الله تعالى فهو مصدر البركة عز وجل، ونحن نقول: (تبارك وتعالى) أي: كَمُلَت بركته، وعَظُمَت بركته، كَثُر خيره وإحسانه إلى خلقه، وخيره هو الذي يدوم، وإذا شاء أن يُكْثِر خيراً فلا رادَّ لفضله، فهو سبحانه وتعالى المبارك حقاً، لا يبارك أحدٌ من الناس، وإنما الله هو الذي يبارك، ولهذا كان كتابه مباركاً، ورسوله مباركاً، وبيته مباركاً، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة.

    وإذا طَلَب أحد البركة من غير الله فإنه كَمَن يطلب الرزق من غير الله، فطلب البركة من غير الله تعالى شرك، ومن اعتقد أن شخصاً هو الذي يبارك فقد أشرك بالله تعالى، والأشياء المباركة من الأعيان والأقوال والأفعال والأشخاص ونحو ذلك إنما كانت مباركة لأن الله جعل فيها بركة، وهي سبب للبركة، وليست واهبة للبركة، كما أن العبد يستخدم الأدوية والرُّقَى وهي سبب للشفاء، وليس الدواء واهب الشفاء، وإنما الله هو الذي يشفي، وما ذكر الشرع أن فيه بركة يُستعمل استعمال السبب، قد يتخلف وقد يحصل.

    لقد كانت جويرية بنت الحارث رضي الله تعالى عنها بركةً على قومها، فقالت عائشة رضي الله عنها: [فما أعلم امرأةً كانت أعظم بركةً على قومها منها] والسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أغار على بني المصطلق على حين غرةٍ منهم وأُخِذَ مَن أُخِذَ من السبي، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم جويرية رضي الله عنها، ولما رأى الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم عبيداً وإماءً أعتقوهم لهذا السبب فأُعْتِقَ مائة أهل بيت من قومها، فهي ليست مصدر البركة، وإنما كانت سبباً للخير والنماء والزيادة.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البركة من الله) .

    1.   

    بركة النبي صلى الله عليه وسلم

    ومن أعظم الذوات المباركة: ذات النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذاته ذات مباركة، جعل الله فيها بركةً خاصة، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يأخذون مِن عَرَقه وبُصاقه فيتمسحون به، وكذلك لما حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، أطاف به أصحابه، فما تقع شعرة إلا في يد رجل منهم.

    وقال أنس : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم ، فينام في بيتها وهي من محارم النبي صلى الله عليه وسلم -فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتِيَت، فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق عليه الصلاة والسلام، واستنقع عرقه -تجمع العرق- على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها رضي الله عنها، والعتيدة هي الصندوق الصغير الذي تجعل فيه المرأة ما يعز عليها من المتاع، فجعلت تنشف ذلك العرق وتعصره في قوارير، ففزع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تصنعين يا أم سليم ؟! فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبتِ) وفي رواية: (قالت: أدوف به طيبي) أي: أخلط طيبي بعرقك- حتى يزداد طيباً، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم.

    و عبد الرحمن بن عوف -وقصته في الحديث الصحيح- لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد اكتسى شملةً استوهبه إياها، وطلبها منه، فلامه الصحابة، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أُكَفَّن فيها.

    وهكذا كانوا يلتمسون بقية شرابه صلى الله عليه وسلم ليشربوا منه.

    وهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن ذاته صلى الله عليه وسلم وما انفصل من جسده من شعر وعرق، وما استعمله من لباس وآنية قد جعل الله فيه من البركة ما يُسْتَشفى به، ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة.

    من الذي جعل فيه البركة؟ الله عز وجل. من جعله سبباً للشفاء؟ الله عز وجل.

    كان الصحابة يأخذون من أثره، فيضعونه عليهم عند إصابتهم بعين أو مرض أو حمى، فيشفيهم الله تعالى، فذاته صلى الله عليه وسلم ذاتٌ مباركة لِمَا وضع الله فيها من البركة.

    وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام وتطاول الزمن ذهبت آثاره، وذهب شعره ولباسه وآنيته وسلاحه، ولم يعد لدينا إثبات الآن بأن هناك بقية من ذاته قد بقيت، وليس كل متحف وضع شعرةً في علبة أو وضع سيفاً في خزانة كان فعله دليلاً على أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم، فنحن لا نملك إثباتاً الآن على بقاء شيء من ذاته، فلذلك لا يجوز ادعاء ذلك ولا استعماله.

    1.   

    بركة القرآن والمأثورات

    وكلام الله تعالى القرآن الكريم لاشك أنه مبارك؛ لأنه كلام ربنا، وكلامه صفة من صفاته تعالى، ولذلك كان هذا القرآن مباركاً، وفيه شفاء للناس، وبسبب قراءته يحصل الخير العظيم للعبد، ألَمْ ترَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن البقرة وآل عمران: (إنهما تأتيان يوم القيامة تحاجان عن صاحبهما) ؟! وقال عليه الصلاة والسلام: (اقرءوا سورة البقرة، -اقرءوها واحفظوها- فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة) والبطلة هم: السحرة، وهذا حديث صحيح. فهي بركة ومضادة للسحر.

    الاستشفاء بالقرآن وبالمأثورات

    ومن بركات كتاب ربنا أنه يُسْتَشْفَى به، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ على نفسه بالمعوذات، وأقر الصحابي لما رقى اللديغ بسورة الفاتحة، وكان بعض أهله صلى الله عليه وسلم يمسح بيده الشريفة اليمنى ويقول: (اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً) ولا يغادر سقماً: أي لا يترك سقماً.

    والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها بركة، وهي التي ينبغي الحرص عليها بالإضافة إلى كلام ربنا.

    1.   

    هيئات مباركة (الاجتماع على الطعام، كيل الطعام، ...)

    ومن الهيئات المباركة الاجتماع على الطعام، والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع بعد الطعام، وكيل الطعام لِمَا جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله، يبارَكْ لكم فيه) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أكل أحدكم فلْيَلْعَقَنَّ أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (كيلوا طعامكم يبارَك لكم) حديث صحيح، رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

    1.   

    الأماكن المباركة

    وأما الأماكن المباركة فقد ثبت أن المساجد بقاعٌ مباركة، وأن أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله تعالى أسواقها، وعلى رأس المساجد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى.

    وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) .

    وكذلك مسجد قباء ، قال صلى الله عليه وسلم: (مَن تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء ، وصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة) حديث صحيح، رواه أحمد رحمه الله تعالى.

    إذا كان في المدينة يأتي قباء ، وإذا جاءه يوم السبت ففيه أجر وفضل، وأما المساجد الثلاثة فيجوز السفر إليها، وقصد السفر لأجلها، وأما غيرها فلا يجوز شد الرحال إليه.

    يا عباد الله: إن التبرك بالمساجد لا يكون بالتمسح بترابها، ولا بجدرانها، ونحو ذلك؛ لأن التبرك عبادة، ويشترط في العبادة المتابعة، والتماس البركة في المساجد إنما يكون بالاعتكاف فيها، وانتظار الصلوات، وصلاة الجماعة، وحضور مجالس الذكر، ونحو ذلك: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:36-37].

    بركة مكة والمدينة والشام

    ومن البقاع المباركة العظيمة مكة :

    التي دعا الخليل ربه أن يجعل فيها البركة، فجعل فيها البركة، وفيها بيت الله المبارك، بيت الله العتيق.

    وكذلك المدينة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، التي قال فيها عليه الصلاة والسلام: (إني أُحَرِّم ما بين لابَتَي المدينة أن يُقْطَع عضاها، أو يُقْتَل صيدها) وقال: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم رحمه الله.

    وقال: (على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) وقال: (ومن أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء) .

    وكذلك من البقاع المباركة الشام التي قال الله تعالى فيها: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1] وما حوله هو الشام ، التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: (طوبى للشام ! فقلنا: لأي شيء ذاك؟ فقال: لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    فمن سكن في مكة أو المدينة أو الشام ملتمساً لبركات الله عز وجل في تلك البقاع سواءً من زيادة أرزاقها أو دفع الفتن عنها، فقد وُفِّق إلى خير كثير.

    أما لو تعدى وغلا وطلب التبرك بالتمسح بترابها وأحجارها وأشجارها، أو اعتقد أن غبارها شفاء أو يضع تربتها في الماء للاستسقاء، فإنه مأزور غير مأجور.

    ومن المشاعر المباركة: عرفة ومزدلفة ومنى ؛ لكثرة الخير الذي ينزل على الناس فيها في موسم العبادة، ولذلك كان إتيانها في غير موسم العبادة رجاء البركة بدعةً من البدع، فمن وقف في عرفة يرجو بركةً في غير يوم عرفة ، فإنه مبتدع وصاحب غُلُو.

    1.   

    الأزمنة المباركة

    وهناك أزمنة جعلها الشارع مباركة، هي مثل غيرها من الزمان، لكن لما خصها الله بشيء من عنده صارت مباركة.

    فمثلاً: شهر رمضان شهرٌ مبارك، كما جاء في الحديث الحسن لشواهده: (قد جاءكم رمضان شهر مبارك) .

    وليلة القدر وصفها الله تعالى بأنها ليلة مباركة: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3].. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3] .

    وكذلك يوم الجمعة، فإنه يوم مبارك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) وهو كذلك يوم مبارك في الأسبوع.

    واليوم المبارك في السنة يوم عرفة الذي يباهِي الله فيه الملائكة بعباده.

    وأيام عشر ذي الحجة أيام مباركة.

    وثلث الليل الأخير وقت النزول الإلهي وقت مبارك.

    والإثنين والخميس تُفتَح فيهما أبواب الجنة، فيُغْفَر لكل عبد لا يُشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله لملائكته: (أنْظِروا هذين حتى يصطلحا) .

    بم تتحقق البركة في الأزمان المفضلة؟

    ما هي بركة هذه الأزمنة؟ بأي شيء تتحقق، وتصل إلى العبد، ويحصل عليها العبد؟

    بعبادة الله فيها، وكل مَن عيَّن وقتاً يلتمس فيه بركة لم يرد به الشرع عيَّنه، واعتقد أن فيه بركة إضافية تختلف عن بقية الأوقات، فهو مبتدع من المبتدعة، كما يفعل كثير من الناس في السابع والعشرين من رجب، ونحو ذلك من الأيام التي عينوها.

    1.   

    الأطعمة المباركة

    وقد جعل الله تعالى في بعض المطعومات بركة، ومثل ذلك زيت الزيتون لقوله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ [النور:35] .

    وقال: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ [النور:35] .

    وقال عليه الصلاة والسلام: (كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركة). ()ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركة) .

    وكذلك اللبن فهو مبارك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيراً منه، ومَن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن).

    وكذلك من الأطعمة التي جعل الله فيها بركةً كبيرةً في الدواء: الحبة السوداء، والعجوة، والكمأة؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام وهو الموت) حديث صحيح.

    وقال عليه الصلاة والسلام (الكمأة من المَنِّ، وماؤها شفاء للعي).

    والعجوة من الجنة، وهي شفاء كذلك .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر) .

    وكذلك العسل الذي قال الله فيه: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [النحل:69] .

    وكذلك ماء زمزم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنها مباركة، إنها طعام طُعْم) .

    وكذلك ماء المطر ماء مبارك، فإن الله قال: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً [ق:9] .

    وجاء عن أنس رضي الله عنه قال: (أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه) رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه .

    وكذلك الخيل، جعل الله فيها بركة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم) .

    وكذلك الغنم فيها بركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا فيها -أي: في مرابض الغنم- فإنها بركة) .

    وقال لـأم هانئ (اتخذي غنماً، فإن فيها بركة) .

    والنخل مبارك، جعل الله فيه بركة، زيادة على بقية الثمار والزروع، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن من الشجر لَمَا بركته كبركة المسلم؛ هي النخلة) رواه البخاري رحمه الله.

    فالله يجعل البركة في من شاء من عباده، وفيما شاء من البقاع، وفيما شاء من الأمكنة والأزمنة.

    نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أهلينا وأموالنا وأولادنا.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو البر الرءوف الرحيم.

    1.   

    التبرك الممنوع

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، خلق فسوى، وقدر فهدى، وهو رب الأولين والآخرين، الحي القيوم لا يموت، والجن والإنس يموتون.

    وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله: إن ما وقعت فيه هذه الأمة من الشرك في مسألة التبرك أمر خطير جداً، وهو منتشر في بلاد المسلمين في طولها وعرضها، لا يكاد يَسْلم منه أحدٌ إلا الموحِّدين، الذين عرفوا الله تعالى ووحدوه، الذين تعلموا هذه الشريعة، وعرفوا معنى الاتباع ومعنى الابتداع، وعرفوا النهي عن الغلو، فاجتنبوا الغلو.

    كان أهل الجاهلية قبل البعثة يطلبون البركة من أصنامهم، وكان لهم دار في مكة فيها صنم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع قبل أن يخرج من منزله أن يتمسح بذلك الصنم، وإذا قدِم من سفر تمسح به كذلك، يرجو البركة بانتقال البركة من هذا الصنم إلى اليد، ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن ولا يرحل راحل إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم، فحيثما نزلوا وضعوها، فطافوا حولها.

    التبرك بأحجار مكة

    وبهذا يتبين أن التبرك بأحجار مكة وتعظيمها أمر غير مشروع أبداً، إلا الحجر الأسود، الذي استلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الركن اليماني، قال عمر : [إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك] .

    ولذلك كان استلام أعمدة الحرم وجدران الحرم وغير ذلك والتمسح بها، وحلقات الأبواب من فعل المشركين الذين يقعون في هذا الشرك بالتبرك بالأشياء التي لم يشرع التبرك بها.

    وتنتقل البدعة من واحد إلى آخر؛ حدثني رجل قال: كنت في المسعى أسعى بين الصفا والمروة ، فرأيت رجلاً يمسك حلقةً من حلقات أحد الأبواب، يتفرج عليها، قال: فوقف بعده واحدٌ آخر، وصار بدلاً من أن يمسكها للفرجة يمسحها، قال: وبعد عدة أشواط وجدت نفراً كثيرين متجمعين ليمسحوا بتلك الحلقة، فكل جاهل يرى مَن قبله يَمسح فيَمْسح، وهكذا يفعلون.

    لقد كان أهل الجاهلية كما قلنا يلتمسون البركة من أصنامهم، وكان لهم صنم يقال له سعدٌ، وهو عبارة عن صخرة في فلاة من الأرض، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له ليقفها عليه التماس بركته، فلما رأته الإبل، وكانت مَرْعِيَّة لا تُرْكَب، وكان هذا الصنم يُراقُ عليه الدم، وتُنْحَر عنده الذبائح، فلما رأت الإبلُ ذلك نَفرَت منه، فذهبت في كل وجه، فغضب الأعرابي، فأخذ حجراً فرمى الصنم، وقال: لا بارك الله فيك، نَفَّرْتَ عليَّ إبِلِي، ثم خرج في طلبها، وعاد فقال:

    أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملنا      فشتتنا سعدٌ فلا نحن مَن سَعْدِ

    وهل سعدٌ الا صخرةٌ بتَنُوفةٍ      مِن الأرض لا يُدعى لِغَيٍّ ولا رُشْدِ

    وهكذا فعل الجاهليون بأصنامهم.

    ولذلك لما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كل صنم من يهدمه، ويحرقه ويزيل أثره، وعلى رأسهم سيف الله وسيف رسوله خالد بن الوليد ، وجرير بن عبد الله البجلي وغيرهما، حتى إنه يُروى أن المغيرة بن شعبة لما خرج مع خالد بن الوليد لهدم اللات، وكانت عند أهل الطائف في ثقيف، انكفأ الرجال والنساء والصبيان، وخرجت العواتق ليرون هذا الذي سيَهْدِم صنمهم ماذا سيحل به؟ فأخذ المغيرة بن شعبة فأساً كبيرة، وقال لأصحابه: ألا أضحكنكم من ثقيف؟ قالوا: بلى، فضرب بالمعول ضربةًَ على اللات، ثم صاح وخَرَّ مغشياً على وجهه، فارتجت الطائف بالصياح سروراً بأن اللات قد صَرَعت المغيرة ، وأقبلوا يقولون: يا مغيرة! كيف رأيتها؟! دُونَكَها إن استطعت! ألم تعلم أنها تهلك من عاداها، فوثب المغيرة يضحك منهم، وكان قد أتقن تمثيل دوره، ويقول: والله يا معشر ثقيف ما قصدتُ إلا الهُزْء بكم، إنما هي لَكاعِ؛ حجارة ومدر، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علوا سورها، فما زالوا يهدمونها حتى ساووها بالأرض، وأخذوا كنوزها وحليها وثيابها، فجاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولما رأى الأعرابيُّ ثعلباً يبول على صنم لبني سليم استهزأ به وعرف أنه ليس بإله.

    وهكذا فعل الصحابي الذي هداه الله لما رأى صنمه مربوطاً بجيفة كلب مُدَّلى في بئر.

    كانت تلك حال أهل الجاهلية. فماذا فعل أهل جاهليتنا؟

    لقد جعلوا بدل الأصنام قبوراً، وبدل بيت الصنم شباك القبر، وجعلوا ذلك الحديد الذي حول القبر مكان المَسْح، وأعتاب القبر تُقَبَّل، ويُحج إليه، ويذبح عنده، ويطاف به، وهكذا.

    التبرك بغار حراء وغار ثور

    وكذلك غلا الناس في بعض الآثار النبوية، كـغار حراء ، وغار ثور ، ويريدون إحياء مكان خيمة أم معبد ، ونحو ذلك.

    وقد قطع عمر رضي الله عنه شجرة الرضوان التي قالوا: إنها هي الشجرة التي بويع عندها النبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى الناس يأتونها، وقال: [[إنما هلك مَن كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعا] .

    ولذلك لما رأى أحد الصحابة أخاً له قادماً من جبل الطور ، قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلتَ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تُشَد الرحال ...) الحديث .

    وكان مالك بن أنس ، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان المساجد الأخرى غير المسجد النبوي ومسجد قباء أو الآثار النبوية ونحو ذلك، ولا يأتون أماكن الآثار للفرجة ولا لغيرها.

    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء أو بعض الصالحين تبركاً بتلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله.

    وقال: مِثْل مَن يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غار ثور ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه من الأمكنة أو الجبال التي يقال عنها: إنها مقامات الأنبياء، فلا شك أن هذا الرجل قد وقع فيما نهى الله ورسوله عنه.

    وقد تصدى علماؤنا حفظهم الله لمن يريد إحياء الآثار النبوية بزعمهم، كطريق الهجرة، ومكان خيمة أم معبد ، وأن يحولوها إلى مزارات يأتي إليها الناس، ولا شك أن هذا من الأسباب التي توصل إلى الشرك، وكثير من الناس فيهم جهل.

    1.   

    بدعة الاحتفال بالمولد

    ويحتفلون أيضاً بأزمنةٍ يقولون فيها بركة، مثل وقت المولد، وغير خافٍ عليكم ما حصل قبل فترة بسيطة من الاحتفال به عند كثير من المسلمين.

    فمن الذي أحيا المولد؟ ومن الذي بعث المولد في البلاد؟

    إنهم بنو ميمون القداح ، الذين تسموا بالفاطميين، وهم غير قرشيين، بل إن جدهم مجوسي.

    قال أبو بكر الباقلاني رحمه الله: القداح جد عبيد الله الذي يسمى بـالمهدي ، كان مجوسياً، لا تنعقد لهم بيعة ولا تصح لهم إمامة، كان المهدي عبيد الله باطنياً خبيثاً حريصاً على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء، وأباح الخمر والفروج، وكان زنديقاً ملعونا،ً أظهر سب الأنبياء.

    والفاطميون هم الذين أحيوا المولد، ونشروا الاحتفال به، ويتابعهم الجهلة من بني عصرنا وغيرهم إلى هذا الوقت على الاحتفال بيوم المولد، وأنه يوم مبارك بزعمهم، ويتبركون بذوات الصالحين، ويقولون: الشيخ فلان، وإذا دخل تمسحوا به ثم مسحوا أنفسهم، أو مسحوا وجوه أطفالهم، وهكذا يفعلون بمشايخهم، بل وصل الحد إلى أنهم كانوا يتبركون بـالحلاج ، وهو من زعماء البدع المكفِّرة، حتى كانوا يتمسحون ببوله، ويتبخرون بروثه.

    وفي أمم الأرض اليوم، وفي كثير من البلدان من يتمسحون بالأشخاص، والمغارات، والجدران، ومغارة الخضر، ونحوها، ويزعمون أنها أماكن مباركة، وهكذا حصل الشرك وانتشر في الأمة.

    ويقول بعض الناس لبعض: تفضل! بارك لنا البيت، أو تبارَكْتَ علينا يا فلان، وإنما البركة من الله، الله هو الذي يبارك، لا يبارك فلان ولا فلان، الله الذي يبارك فقط سبحانه وتعالى.

    نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يجنبنا البدع والشرك بأنواعه، والفتن ما ظهر منها وما بطن.