إسلام ويب

الانهيار الأُسري [1]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المعلوم أن المجتمع يقوم على الأسرة؛ لذا اهتم الإسلام بالأسرة من جميع الجوانب؛ لكي ينشئ مجتمعاً سليماً، وحذر أيضاً من انهيار هذه الأسرة التي بها ينهار المجتمع، فالأسرة أمانة في عنق كل من استرعاه الله رعية، ولو لم نعد عودة صادقة إلى الاعتناء بالأسر والبيوت؛ فإنه يخشى أن نصل إلى ما وصل إليه الغرب الكافر في مجتمعه من تفكك وتناحر بين أفراد أسرته فضلاً عن مجتمعه.

    1.   

    اهتمام الإسلام بالبناء الأسري

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    أيها المسلمون: لقد امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بنعمٍ كثيرةٍ لا تحصى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18] والله يعلم أن حياة المجتمع لا تقوم إلا بالأسر التي تتكون على طاعة الله وتنشأ كما أمر الله، فامتنَّ الله علينا بمقومات الأسرة، وأنشأها لنا وجعلها قائمة، وأمرنا بسياستها حسب الشريعة، وقال الله سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21].

    انظر كيف يجعل الله الأسرة قائمة، وكيف يُكون الله الأسرة بأن جعل للرجال من أنفسهم أزواجاً، كما خلق حواء من ضلع آدم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21] هذا هو السكن النفسي، ولكن الأسرة تحتاج إلى سكنٍ ماديٍ كذلك، فقال الله عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً [النحل:80] هذه نعمة الزوجة: السكن النفسي.

    ثم أعطانا البيوت: السكن الجسدي والمادي، فأنشئت الأسر وقامت.

    ثم أمرنا الله أن نسوس الأسر بالشريعة، وجعل لنا في شرائعه وأحكامه ما يسعد الأسرة، ويسبب تماسكها وقيامها على المبنى الشرعي الذي أراده الله؛ ليكون المجتمع في النهاية مجتمعاً صالحاً مجاهداً في سبيل الله، فيعم الإسلام في الأرض، ولما ضيعنا الأسر، فسدت المجتمعات فتخلف المسلمون، ولما فقدنا مقومات الأسرة المسلمة؛ عمَّ الشقاء والنكد؛ وأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق.

    مثال لأسرة تحيا حياة إسلامية

    الأسرة محضن تربية، ومشاعر حبٍ وحنانٍ، وهي رحمة وتكافل، ولكننا أيها الإخوة: إذا نظرنا اليوم إلى حال الأسر، لوجدنا كثيراً من الأسر تعيش في تعاسةٍ وشقاء؛ للابتعاد عن الشريعة وتضييع الأحكام، وسنضرب الأمثلة على ذلك مع ذكر بعض الأسباب التي تؤدي وأدت إلى تفكك الأسر وتمزقها، ولكننا لابد أن نضرب مثالاً في البداية من حال الأسر الإسلامية السعيدة، التي قامت على المنهج الإلهي، قال الله سبحانه: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء:89] التجأ إلى الله بالدعاء، كما قال الله في مطلع سورة مريم: كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم:1-2] هذا ذكر الله لرحمة عبده زكريا، وهذه هي القصة: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً [مريم:3] للإخلاص الذي عنده ناداه نداءً خفياً، فقال: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً [مريم:4].

    رق عظمي، والعظم هو المكون الأساسي للجسد، فإذا وهن العظم وضعف، فمعنى ذلك أن الجسد كله يضعف وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم:4] أي: انتشر الشيب في شعر الرأس: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً [مريم:4] لقد عوضتني يا رب عن الإجابة، فما كنتُ شقياً في دعوتك، أسألك بهذا: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي [مريم:5] أي: ومن سأتركهم من روائي بعد موتي لا يصلحون لإقامة الدين ولا للدعوة وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً [مريم:5] أي: لا تلد، فإذاً يطلب: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم:5-6] ليس وراثة المال، لكن وراثة النبوة وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم:6] أي: ترضى عنه، فبشره الله ثم بشرتهم الملائكة بولدٍ سماه الله -ولم يسمه لا أبوه ولا أمه- باسمٍ لم يسم به أحدٍ من الناس قبل، سماه: يحيى وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:89-90].

    هذه الأسرة المسلمة، التقية النقية، الطائعة لله، هذا الأب النبي، وهذا الولد النبي، وهذه الزوجة الصالحة -أصلحنا له زوجه- كيف كانوا يفعلون؟ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90] الأسرة كلها تتجه إلى العبادة، وإلى المسارعة في مرضات الله: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء:90] في حال الشدة والرخاء يتوجهون إلينا بالعبادة: وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] فلم يكونوا منصرفين عن العبادة إلى هذه الدنيا فقط، وإنما كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى، هكذا كانت الأسر، وتخيل أسرة فيها داود الأب وسليمان الابن عليهما السلام، كيف يكون حالها؟

    1.   

    أسباب الانهيار الأسري

    أخي المسلم: تعال معي لننظر في حال هذه الأسر التعيسة والشقية المبثوثة في مجتمعات المسلمين اليوم، هناك خطرٌ داهم يتهدد مجتمعنا ألا وهو: التمزق الأسري، فتفكك الأسرة صار علامةً بارزة من علامات المجتمع، وسمة من سماته، وهذه نتيجة طبيعية للابتعاد عن الشريعة وترك الدين.

    كثيرٌ من الأسر متفككة من الداخل، وإن بدا لك من الخارج أن بيتاً يضمهم، لكن كل واحدٍ منهم يعيش في عالمه الخاص، كل واحدٍ منهم له همومه الخاصة، ومشاغله ومشكلاته التي لا يشارك فيها أحداً، لا يشعر بالتزام نحو الآخرين، ولا أنه ملزمٌ بشيء تجاه أحد، هذا لا يكلم هذا وهما في بيتٍ واحد، والأب ينام في غرفة والأم تنام في غرفة، هذا مثال بسيط، لكن الأمثلة على تحطم الأسر وانهيارها في المجتمع كثيرة، ولهذا أسباب:

    السبب الأول: تضييع من يعول

    من أسباب تفكك الأسر: ما قاله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).

    كثيرٌ من الأولياء مضيعون لأولادهم، مضيعون لبيوتهم، لا يقومون بالحق الذي عليهم؛ تراه إذا تزوج بأخرى، وكان عنده أولاد من الأولى، أدخلت الثانية في ذهنه أن أولاده يريدون التفريق بينه وبينها -سوء ظن- وأنهم سيضعون له سحراً، ثم اتهمهم هو بأنهم يريدون أن يضعوا له السم، ثم طلق الأولى، وطرد الأولاد الذكور.

    ثم قالت له الثانية: إما أنا أو ابنتك في هذا البيت، أخرج البنت؟ فإذا به أخرجها ورماها في بيت أختها المتزوجة، فإذا بالأخت الأخرى تجد حرجاً عظيماً، كيف تعيش في بيتٍ وهي غريبة وزوج أختها موجود؟! لكن لا مأوى لها في الواقع، وهكذا يعيش سائر أولاد هذا الأب الذي طردهم من البيت ولم يلتفت إليهم، منهم من يعيش عند جدته، ومنهم من يعيش عند أخواله، وهذه ابنته تعيش عند أختها المتزوجة، والأم تسأل البنت: أين إخوتك الذكور؟ فتقول: لا أدري.. طردهم أبي منذُ زمنٍ بعيد، ولا أدري أين همُ الآن، لسان حال الأم: أسأل مَنْ وأنا امرأةٌ ضعيفة؟!

    وهذا أخذه أهل السوء وقرناء أهل السوء فأشغلوه بالملذات، وينفق راتبه على السفريات والمحرمات.

    ورجل رمى المرأة وأولادها ولا يأتي إلى البيت إلا نادراً، والأولاد فيهم معوقون وضعفة، والمدارس ستفتح، والبنات يحتجن إلى مصاريف وهو متغيب، والإيجار طاف عليه تسعة أشهر وصاحب البيت يشتكي، والمرأة ضعيفة لوحدها في البيت، وهو يطرق الباب يريد الإيجار، وأهل الخير يعطون الزوجة المساعدات، والزوج المجرم يأتي كل شهر مرة يفتح فيها حقيبة زوجته ويأخذ ما بها من التبرعات ثم يذهب ولا يدخل البيت إلا دقائق في الشهر ولا يسأل عن أولاده: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول).

    السبب الثاني: كثرة الطلاق

    من أسباب انهيار الأسر: التسرع في الطلاق، وكثرة الطلاق.

    ولو قلنا: إن الطلاق اليوم من الأمور المنتشرة لما كنا كاذبين، واسأل المحاكم وسجلاتها عن حالات الطلاق التي تحدث لأتفه الأسباب.

    إن هذه الماديات هي التي فرقت بين الزوجين، وهذه المشكلات التافهة، والشجار البغيض سببه أن الأب لم يتربَّ على الإسلام، ولا الأم نشأت على الإسلام كما ينبغي، ولذلك نجد الشجار، والطلاق لأتفه الأسباب، والنتيجة: انهيار الأسر وتشرد الأولاد، فهم إما مع الأب أو مع الأم، فلا يرون أباهم أو لا يرون أمهم، أو هم متوزعون بينهما، وهذا يؤجج البعض على البعض الآخر.. وهكذا!!

    طلق أمها وعمرها شهرين، والآن البنت عمرها ثمانية وعشرين سنة لم ترهُ إلا مرةً واحدة في زيارةٍ عابرة، لا سأل عنها ولا أنفق عليها، ثم يتقدم الخطاب وهو يتعنت في رفضهم!!

    وآخر طلق زوجته ومعها ولد، مكث أربع سنوات لا يسأل عن الولد ولا يراه، وأصيبت الأم بمرض وماتت ولم يأت حتى للعزاء، ولا جاء حتى يسأل عن الولد إلى هذه الساعة، وماذا نملك له إذا نزع الله الرحمة من قلبه.

    قبل أن تطلق فكر بالأولاد، ماذا ستفعل معهم غداً؟

    هل ستزورهم لتطمئن عليهم، أم ستنشغل بترتيب وضعك الجديد، وبعد ذلك لن تر الأولاد وسيضيعون، وإذا جئت تسأل عنهم يطالبك طفلك الصغير أن تدخل على أمه ويقول: لماذا تقاطع أمي؟!

    السبب الثالث: فشو المخدرات في المجتمع

    من أسباب التمزق الأسري وتحطم الأسر: فشو المخدرات في المجتمع، هذا الداء الوبيل والمرض الخطير الذي يلتهم شبابنا كل يوم، ويحطم الأجساد، هذه المخدرات التي روجها الأعداء، وعندنا شبابٌ لم يتربوا على الإسلام، ولا نشأوا على الإسلام، فماذا تتوقع أن يفعلوا إذا أعطوا هذه الحبوب وهذه المخدرات؟

    ثم البطالة الموجودة عندهم التي تدفعهم إلى الاتجار بالمخدرات للحصول على الأموال، ثم هذه النشوة واللذة الموهومة التي يحسون بها، ويريدون أن يغيبوا عن الواقع، من كثرة المشاكل الأسرية والظلم الموجودان في الواقع.

    ثم أن الآباء لا ينتبهون من يمشي مع أولادهم من قرناء السوء الذين يغشون البيت يومياً -وهم مصدر المخدرات- لكن الذي لا يخاف الله على أولاده هل سينتبه لمثل هذا؟!

    فتفتك المخدرات بهؤلاء الشباب، ثم تصل إلى الصغار، وقد وصلت إلى الكبار قبل ذلك، ومنهم أناسٌ متزوجون وعندهم أولاد ويتعاطون المخدرات، وينفقون الرواتب على المخدرات، وتبقى الأسرة بلا نفقة؛ لأن الأموال قد أنفقت على المخدرات! ومن ثَمَّ يفقد وظيفته وكل شيء.

    ويا إخواني! لا يوجد حلٌ لمشكلة المخدرات أبداً إلا الدين، فهؤلاء الكفرة حاولوا قبلنا كثيراً جداً، سنوا الأنظمة، ووضعوا القوانين، وخوفوا وهددوا، وطاردوا وفعلوا..، وعندهم أجهزةٌ أمنية رهيبة، وأشياء متخصصة لمكافحة المخدرات، لكن لا فائدة، فلا يحل قضية المخدرات إلا العودة إلى الدين، وجربوا ما شئتم!

    هذا بيتٌ فيه بناتٌ مستضعفات، وأولادٌ سكارى يتعاطون المخدرات، والبنات يغلقن على أنفسهن بالليل الغرف ولا يخرجن إلا بعد النظر من ثقب الباب، أو من أسفل الباب؛ ذلك لأنهن يخشين خشيةً حقيقية مدعومة بالشواهد والسوابق من هذا العربيد الذي لا شعور له، وهذا الذي يتحول وحشاً كاسراً بعد تعاطيه لهذه المخدرات!

    رجل عنده بنتان وولد، عمره ثلاثون عاماً، يستعمل المخدرات من خمس سنين، ضاعت الوظيفة، وضاعت النفقة، وتهدمت الأسرة، وصبرت الأم واحتسبت حتى مات الزوج، ثم قامت توفي ديونه مما تجمعه من أقربائها، حتى جمعت مبلغاً من المال وحجت عنه، هل يستحق هذا الزوج كل هذا الوفاء؟!

    السبب الرابع: فقدان العاطفة في المنزل

    من أسباب انهيار الأسر: فقدان العاطفة، فلا يوجد حنان ولا مشاعر صادقة في البيت، لا عطف من الأب ولا حياء من الأم، الأب يأتي من الوظيفة يأكل ويشرب وينام، وعنده (شلة) السهرة، والأم موضات ومواعيد وأزياء وسهرات، ولا وقت لديها لإلقاء النظرة على أطفالها؛ لأنها وكلتهم إلى الخادمة، أما اللاتي يشتغلن ويعملن فالعمل يرهقها، والمرأة ضعيفة، ومشاكل العمل تؤثر في تلك النفسية العاطفية المرهفة الحساسة، فهي منشغلة في مشكلات العمل ولا تجد وقتاً حتى لإلقاء نظرة على الطفل قبل أن تغادر البيت، بل صرحت بعض الأمهات أنهن قد مللن من الأولاد، ومللن من الأبناء، ولا قدرة لها على أن تنظر في حالهم، والأب يقول: الأولاد لا ينقصهم شيء: أكلهم أحسن أكل، وشرابهم أحسن الشراب، ونشتري لهم أحسن الملابس، وأفخر أدوات المدرسة، وأحدث ألعاب الكمبيوتر.

    لكن يا أيها المسكين! يا أيها الأب المغفل! ينقصهم شيء واحد: حنان.. عاطفة.. صلة أبوية.. تربية، هذا الذي ينقصهم، أنت تنفق على الجسد، أنت تغذيه بالطعام وتكسوه بالثياب وتعطيهم الألعاب، لكنك ما أعطيتهم شيئاً مهماً يحتاجون إليه، ما أعطيتهم عطفاً ولا حناناً، ولا جلست معهم ولا قعدت بينهم، ليس المهم أن تشتري الألعاب وترميها إليهم، لكن لاعبهم أنت، ليشعروا أن هناك أباً موجوداً في البيت، تابعهم أنتَ ليلمسوا شخصيتك بينهم، قال الله عن يحيى: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً [مريم:12] النبوة والعلم، وماذا آتيناه أيضاً: وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً [مريم:13].

    إذاً: من منة الله على يحيى أنه آتاه حناناً، بل وحناناً من لدنا، وحنانا: أي عطفاً وشفقة ورحمة في قلبه، وكان تقياً، هذا الحنان الذي جعله كما قال الله: وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً [مريم:14].

    السبب الخامس: انتشار السحر

    ومن أسباب التفكك الأسري: انتشار السحر والتعامل به حتى راج وعمَّ، وكثر السحرة في البلد، وكثر السفر إلى خارج البلد لجلب السحر، وهذا ينتقم من هذا، وهذا يحسد هذا فيريد أن يعمل له سحراً... وهكذا، وإذا انحصر التوحيد فشا الشرك.

    وأنواعه وهو مضاد للتوحيد، والسحر له حقيقة ومفعول، قال الله: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102] ولا يضر والله الذي لا إله إلا هو! وليس له مفعول إلا إذا أذن الله: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ [ البقرة:102] وتعاطاه وعمل به مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [ البقرة:102].

    ولو ضبط الساحر متلبساً بالسحر يقتل حداً، بل الساحر كافر: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102] والناس في السحر حيارى مساكين، يظنون أن السحر قاتلهم؛ لعدم وجود عقيدة صحيحة تجلب التوكل على الله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] والتوكل يمنع مفعول السحر، أما إذا وجدت نفوس ضعيفة خاوية على عروشها، لا إيمان ولا طاعة ولا عبادة، وإنما ملذات وشهوات، فهؤلاء سيتضررون بالسحر.

    وما الذي يمنع من السحر، ومن الذي يعطل مفعول السحر إذا لم يوجد إيمان ولا دين، ولا توكل على الله، ولا صحة عقيدة، ولا يوجد محافظة على الأذكار الشرعية؛ مثل أذكار الصباح والمساء، وقبل النوم وبعد الصلوات: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ثلاث مرات؛ لكنها مهجورة، لا تقال بعد الصلوات ولا قبل النوم، ولا في الصباح والمساء والمعوذات لا يوجد أفضل منها مطلقاً لعلاج السحر ولا لمنعه.

    وكذلك لا يوجد حذر من إدخال المشبوهين إلى المنزل، بل يدخل أهل السوء والشر البيت -في الضيوف أو في الداخلين- فيدخل من يضع سحراً ونحو ذلك.

    أخي المسلم: أدخل أهل الدين، واترك أهل الفسق، وراقب بيتك.

    ثم بعد ذلك يقولون: نريد الذهاب للساحر لفك السحر، والذهاب إلى الساحر لا يجوز، ولو قال لك: جربنا ونفعنا، فنقول: سلامة العقيدة والدين أهم من سلامة الأبدان، توكل على الله، وارقِ نفسك بالأذكار الشرعية والمعوذات، ثم بعد ذلك تجد الحل إن شاء الله.

    سحر الرسول عليه الصلاة والسلام يهودي، ففك أسره بالمعوذات، والذي فك سحره وحي من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ففك السحر بإذن الله، وببركة هذا القرآن العظيم الذي تقرأه النفوس الصادقة فيقع في الموقع الصحيح فيؤثر وينفع.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يقيمون حدودك في بيوتهم، اللهم اجعلنا ممن يؤسسون أنفسهم على الإسلام، ويربون أبناءهم على الإسلام، ويقيمون بيوتهم على الإسلام، نستغفرك ونتوب إليك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    السبب السادس: وجود الفيديو والتلفزيون

    الحمد لله الواحد القهار، مالك الملك الكبير المتعال، لا إله إلا هو يفعل ما يشاء وهو الجبار، خلق فسوى، وقدر فهدى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد البشير النذير، والرحمة المهداة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

    أيها المسلمون: من أسباب التفكك الأسري: وجود الفيديو والتلفزيون في البيوت بما يعرضه من السموم والأفلام والخلاعة والمجون، والأمثلة الحية لتعليم الفسق لأبناء العائلة من الذكور والإناث، والآباء والأمهات، ويتصور بعض الناس أن اجتماع العائلة على التلفزيون يقرب العائلة، ويجعل بعضها مجتمعٌ إلى بعض، ولعلهم أخذوا هذا التصور من بداية دخول التلفزيون بأعداد قليلة، وكان البيت الذي كان عنده تلفزيون في القرية يأتي الأقرباء والأصدقاء والجيران ويجتمعون عليه، ويسلم بعضهم على بعض عند الدخول والمغادرة، فيتوهمون أن التلفزيون قد جمعهم، لكن الآن زال هذا الكلام، في بعض البيوت كل غرفة يوجد فيها تلفزيون، وعدّ لي بالله عليك عدد الهوائيات الموجودة فوق المنازل، وأنا فقط أريد إلقاء نظرة على الهوائيات الموجودة فوق المنازل، فأنا أعدد وأغلط في العد، واعدد ما شئت من قرون الشياطين الموجودة.

    لقد تبين بالدراسة أن التلفزيون والفيديو يمنعان الإنسان من الاستمتاع بما حوله من العلاقات الاجتماعية والقراءة والتثقيف، بل يساعدان على العزلة، ويقللان من غرس التفاهم بين الأزواج، كما يشغلان الطلاب عن المذاكرة، فالفيديو والتلفزيون لا يساعدان على تقوية الأواصر في الأسرة الواحدة، ولا يوجد تفاعل بين أعضاء الأسرة المجتمعين حول هذا الجهاز، لأنهم قد يشاهدون كأجساد متجاورة، لكن الحقيقة أن أذهانهم منفصلة تماماً ونفوسهم منعزلة، والجلوس أمام الجهاز لا يشجع على المحادثات الجماعية المتبادلة بين أفراد الأسرة كما ينبغي أن تكون، ولو قام الواحد بتعليق لأسكته الآخرون لمتابعة الفيلم.

    وقد وجد بالدراسة أن الأطفال لا يقضون وقتاً طويلاً مع بعضهم البعض بعد دخول جهاز التلفزيون إلى البيت.

    هذا بالإضافة إلى ما ذكرنا مما يتسرب منه من ألوان الفساد إلى الأسرة، وهذا موضوع طويل يحتاج إلى بصر، لكنني أرشد إلى مرجعٍ مهمٍ جداً في هذا وهو كتاب الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون للمؤلف مروان كجك ، هذا الكتاب في غاية الأهمية، يجب على كل واحدٍ أن يقرأه حتى يعلم أضرار هذا الجهاز.

    1.   

    مشكلة سوء تربية الأبناء

    ثم ننتقل معكم إلى قضيةٍ أخرى في مسألة انفكاك الأسر وانفراط عقدها وانهيار بنيانها، ألا وهو: سوء تربية الأولاد، وانعدام التربية بالكلية، أو قلتها قلة شديدة جداً.

    بنت لوحدها في البيت ليس عندها أخوات تجلس عند الهاتف، وأبوها وأمها من الكبار، يتصل بها الثعبان والذئب اللئيم؛ لينساب كلامه عذباً عبر الأسلاك ليدخل إلى ذلك الذهن الخالي من الإيمان، والقلب المريض؛ لكي تصبح الشبكة قوية، وترجع من المدرسة لا تخلع (مريولها) لتجلس عند الهاتف لتنتظر المكالمة، والطائش يمدحها بألفاظ ويطيرها في السماء -وهي تنخدع بهم- ويعدها بالزواج وأنه سيفعل ويفعل... وفي النهاية يقول: أعطني نسخة من مفتاح البيت، وإذا غادر أهلك خارج البيت أبلغيني، وبعد ذلك تقع الفاحشة، ويحدث المكروه، وتقوم المصيبة، وتفقد البنت أشرف ما تملك، وأعز ما لديها في نفسها وجسدها، ثم يطرق الخطاب الباب، فماذا تقول لهم؟!

    ويتصل الخاطب مرةً أخرى ليطالب ويطالب، ولو تابت تبقى الحسرة في نفسها، والسبب: انعدام الرقابة، وغياب التربية، وضياع الأولاد، لأنه لا يوجد متابعة من الآباء والأمهات.

    بنتٌ عمرها سبعة عشر عاماً وقعت في حب الموسيقى والأغاني الغربية والأجنبية، ثم استدلت بواسطة المجلات التي تصل إلى البيت على جهةٍ أجنبية لها عنوان بريد، ثم أصبحت تراسل الجهة وتتصل، وتقول: أتمنى أن أهرب من البلد وأن ألتحق بديانتكم، وأعيش معكم، وعندي بعض العوائق المادية، لكن سآخذ من ذهب أمي وأدبر المبلغ وأهرب من البيت، سئمت أهلي وأبي وأمي، أرجو أن تساعدوني في الهروب وتستقبلوني... مئات المكالمات وتأتي الفاتورة.

    مراهق عمره ثلاثة عشر عاماً فقط، يسرق من محلات (السوبر ماركت) -ولا صلاة بطبيعة الحال- ونسي ما كان قد حفظه في حلقة التحفيظ التي دخلها، ويستخدم الألفاظ البذيئة والفاحشة أمام أخواته، ويضرب أمه، ويساعد في ترويج المخدرات، ويحتك بالشباب الذين ينقل إليهم ومنهم الحبوب، ويختلط بأصحاب الفواحش، وربما فعل الفواحش على سطح البيت أو سلم العمارة، وأطفأ كواية الملابس بيد أخته.

    إن هذه البيوت التي نعيش فيها أمانة، ونحن قد ضيعنا كثيراً جداً والمصائب تتوالى، ووالله ليتفككن المجتمع لو لم نعد عودة صادقة إلى الاعتناء بالأسر والبيوت، وسنصل إلى ما وصل إليه الكفرة في مجتمعاتهم من التمزق والانحلال، وسيوضع كبار السن في ملاجئ العجزة في النهاية، وسينفرط عقد الأسرة، وتتمرد البنات، ويخرجن في الشوارع، وسنسير على ركب الكفرة، بل إن كثيراً من المتفرجين، من أبناء المسلمين قد ساروا على الركب فعلاً، والبوادر قد ظهرت، فهل من عقلاء يعودون عودة صادقة إلى الله لكي ينظروا إلى هذا الشتات الذي وصلوا إليه وأوصلوا إليه أولادهم وأسرهم؟

    ولتسألُن يومئذٍ عما استودعتموه من هذه الأمانات التي وضعها الله بين أيديكم؛ في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، يقول كل إنسانٍ: نفسي.. نفسي.. لا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت، تقطعت بينهم الأواصر والعلاقات، وهذا الحضور بين يدي الله في مشهد الجزاء والحساب في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسين ألف سنة نحتاج فيه فعلاً أن تكون ذكراه حية في أذهاننا؛ حتى نبدأ في تصحيح الأوضاع.

    اللهم أصلح أحوالنا، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم اجعلنا بالإسلام قائمين، وأحينا بالإسلام قاعدين، وأحينا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين، اللهم طهر بيوتنا من المنكرات، اللهم واجعل أسرنا مستقيمةً على شرعك يا رب العالمين.

    اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، اللهم إن نسألك مغفرةً لا تدع لنا ذنباً، اللهم نسألك أن تجعلنا ممن يخافك ويتقيك، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.