إسلام ويب

تتمة نواقض الإيمان [1-2]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته، وأمر بتوحيده، وحذر من الوقوع في الشرك بأي شكل من أشكاله، ومع ذلك ترى أناساً في هذه الأمة يأتون بأمور تناقض هذا الدين وتنافي التوحيد، وقد تطرق الشيخ في هذه المادة بشيء من البسط إلى نواقض الإيمان.

    1.   

    إقامة الحجة في باب التكفير

    قال تعالى: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً [النساء:99].

    القسم الثاني: وانظر التقسيم الدقيق لـابن القيم رحمه الله لقضية أتباع طريقة كفرية ما.

    أولاً: الجهال بدينهم

    ثانياً: المتمكن من السؤال وطلب العلم ومعرفة الحق، ولكنه يترك ذلك اشتغالاً بدنياه ورئاسته ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهو مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته، ولاحظ ما قاله فلم يقل: عرف الحق ورفض.. لا. إنما قال: يتمكن من البحث والتعلم، يتمكن.. عنده كتب، عنده مصادر، عنده مشايخ، عقل، لكنه ترك البحث في الحق وعن الحق وقال: أنا أقلد هذا وأنتهي.. لماذا ترك البحث والتعلم؟ للاشتغال بالدنيا، وهذا فاسق.

    القسم الثالث: أن يسأل -انظر.. كل الكلام عن الأتباع- ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليداً أو تعصباً أو بغضاً أو معاداةً لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقاً، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل.

    فمما سبق يتبين لنا إعذار الأئمة لمن وقع في الكفر تقليداً إن كان جاهلاً لا بصيرة له ولا فقه، أما من كان قادراً على فهم الحجة وفرط في طلبها فإنه يأثم، ولكنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه. وقد قلنا سابقاً: إن قيام الحجة مسألة نسبية، وإنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة والوسائل، وقلنا: بعض البلدان قد يكون فيها مقرر التوحيد في المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية على جميع الطلاب والطالبات مأخوذ من الكتاب والسنة، قائم على الطريقة السلفية الصحيحة، ومفند للمذاهب الباطلة، مثل مقرر التوحيد الموجود عندنا الآن هنا.. هذه إذا كان أهل البدع قد درسوها وعرفوا ما فيها وعندهم عقول، فبعض المقررات الدراسية قد تكفي في إقامة الحجة عليهم، بينما بلدان أخرى يمكن أن يقرر عليه الكفر ولا يدري، يقول: هذا هو العقل.

    وكذلك هناك وسائل -مثلاً- يمكن الآن في الإنترنت إقامة الحجة على أناسٍ في أقصى العالم لا يمكن للإنسان إقامة الحجة عليهم من قبل، أنت الآن ممكن أن تقيم الحجة على شخصٍ ما في نيودلهي أو البرازيل أو الأرجنتين أو أستراليا وفي آخر الدنيا، يمكن أن تقيم عليه الحجة في الإنترنت.

    إذاً.. هناك وسائل وأشياء من الممكن أن تستعمل في إقامة الحجة، وقلنا: الدعاة مطلوب منهم جداً قضية الاشتغال بإقامة الحجة؛ لأن الله يريد إقامة الحجة على الناس لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] واشتغال الدعاة بذلك تحقيق مقصد شرعي ومطلب رباني من الأمة أن تقوم بإقامة الحجة على الخلق ويكونوا شهداء على الناس.

    وبعد أن عرفنا موانع التكفير ندخل الآن في المكفرات (نواقض الإيمان) في الكفر بأنواعه، والشرك بأنواعه، ونتحدث عن هذه القضايا العظيمة.

    1.   

    من نواقض الإيمان: كفر الجحود والتكذيب

    كفر الجحود والتكذيب وكذلك الاستحلال أمر معلوم تحريمه من الدين بالضرورة.

    أما مسألة: كفر الجحود والتكذيب من جهة، والاستحلال والإنكار من جهة أخرى فلعل التفريق بين هذا وهذا ليس بكبير، ولذلك من المحال أن تجد هذا في كلام الأئمة.

    قال الإمام ابن بطة رحمه الله: "فكل من ترك شيئاً من الفرائض التي فرضها الله في كتابه أو أكدها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته على سبيل الجحود لها والتكذيب بها فهو كافر بين الكفر".

    وقال القاضي عياض : "وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما تواتر، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس".

    وكذلك يقول ابن قدامة رحمه الله: "وأما إذا كان الجاحد لها ناشئاً -هذا الكلام على فريضة الصلاة- في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحودها" لا يقال: عندك علماء عندك عذر. كما أسلفنا وقلنا: إنسان نشأ بين مسلمين، خطباء، وأئمة، وكتيبات، وأشرطة، ومطويات، وإذاعة القرآن الكريم، والدعاة إلى الله يتكلمون، ويدرس التربية الإسلامية في المدارس، ثم يأتي يقول: أنا ليس عندي علم أن الصلوات الخمس واجبة؟ ونقول: معذور بجهله؟ لا يمكن أبداً.

    على أنه أيضاً -أضيف نقطة- بعض الذين ينشئون في الطبقات في بعض البلدان والمجتمعات ربما لا يمرون على ما يمر عليه غيرهم من عامة الناس من جهة التعرض للعلم والمعلمين، فيمكن أن يكون معزولاً تماماً بمربٍ أو مربية في بيئة محاصرةٍ لا يصل إلى سمعه الدين بالشكل الصحيح، أو بعض تفاصيل الدين بالشكل الصحيح؛ ولذلك قضية إطلاق التكفير قضية اجتهادية،.. تقول: فلان أقيمت عليه الحجة أو لم تقم عليه الحجة؟ أنت ممكن أن تقول: أقيمت. وأنا ممكن أن أقول: ما أقيمت. أنت ممكن أن تقول: والله وصلت إليه، وغالب الظن أنه سمع، معقول هذا ما سمع؟! وأنا أقول: والله إن كان سمع قد يكون سمع بشكل مشوه، لا نعلم يقيناً أن أحداً ناقشه أو كلمه أو أقام عليه الحجة. وهذا يقول: لا، أكيد الآن في الآفاق العلم منتشر في بعض البلدان، وإن كان قليلاً، فيه نشر كبير واضح للدعوة، أكيد أنه سمع وعرف، وأين يعيش هذا؟ معزول بالمرة؟ لا يصلي الجمعة؟ لا يسمع من الخطباء؟

    فالقضية إذن قد يكون فيها خيار في الاجتهاد بالتكفير هل أقيمت الحجة أم لا؟ وهناك قضايا واضحة لا ينبغي النقاش فيها.

    قال ابن قدامة في مسألة جاحد الصلاة: "وأما إذا كان الجاحد لها ناشئاً في الأمصار وبين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحوده".

    ثم قال: "ومن اعتقد حل شيء أُجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنـزير".

    ما هي الشبهة لو قال شخص عنده شبهة في لحم الخنـزير؟ وقد تذكرت رجل عنده شبهة في لحم الخنـزير قال لشخص: لحم الخنـزير الآن ليس بحرام. قال: نعم! لماذا؟ قال: لحم الخنـزير كان حراماً في الماضي؛ لأنه كان يأكل القاذورات، أما الآن فالخنـزير أكله نظيف، فليس بحرام. وهذا من الاستهزاء أصلاً، يعني: يصعب أن تقول: إن هذا عنده عذر فعلاً، قاذورات وما قاذورات، أنت أمامك نص: لحم الخنـزير حرام، حتى لو يأكل جوافة ودرر.

    فإذاً: يقول كما قال ابن قدامة رحمه الله: "وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر". إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

    الفرق بين التكذيب والجحود

    لو قال إنسان: ما هو الفرق بين التكذيب والجحود وبين الاستحلال والإنكار؟ فيمكن أن يقال: إن التكذيب أعم من الجحود، إذ الجحود يكون باللسان، والتكذيب يكون بالقلب واللسان والعمل، فيقال: كل جحود تكذيب وليس كل تكذيب جحود، لكن كلها كفر، هذا كفر وهذا كفر، ولكن ليعلم أن ما يقولون من كفر التكذيب وكفر الجحود، قلنا: إن بعض التفريقات فنية، يعني: تسمية اصطلاحات وتقسيمات فنية؛ لتسهيل الفهم وإلا قد تكون النتيجة واحدة، لكن لتسهيل الفهم.

    قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله: أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة: كفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق.

    وقال -أيضاً-: وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب، قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39]وإن كتم الحق مع العلم بصدقه، فهذا كفر الجحود والكتمان، قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:14] والجحود كثيراً ما يقترن بالعناد.

    تعريف كفر الاستحلال

    وبعد أن عرفنا التكذيب والجحود، فما هو الاستحلال؟ هو: اعتقاد أن الله لم يحرم شيئاً حرمه تعالى، واعتقاد أن الله أباح الشيء الذي حرمه الله عز جل، فهذا إذاً كفر اعتقادي مختص في مخالفة النواهي باستحلالها. ونذكر هنا: أن الإنسان قد يكفر باستحلال الحرام حتى لو لم يعمله، فلو قال: أنا أعتقد أن الزنا حلال وأنا ما زنيت ولا مرة. فنقول: أنت كافر ولو لم تزنِ ولا مرة. وذاك الذي زنا وهو معتقد بتحريم الزنا لا يكفر، وإنما مرتكب كبيرة، مستحق للعذاب لكنه لا يكفر.

    تعريف كفر الإنكار

    وأما الإنكار فهو يقابل المعرفة كما أن التكذيب يقابل التصديق، وأما كلام الأئمة حول كفر الجاحد والمكذب والمنكر فقد أجمعوا على كفر من أنكر فريضةً من الفرائض الظاهرة المتواترة، أو كذب حكماً من أحكام الله الظاهرة المتواترة، وكلامهم هذا منتشر في كتب العقائد والأحكام.

    وطرح هذه القضية في هذا الزمان مهم جداً جداً؛ لأن سوق التكذيب والجحود الآن، وسوق استحلال الحرام ومعاندة الله في أحكامه سوق رائجة، وأصبح إعلان الكفر -الآن- على الملأ في الروايات والكتب وغير ذلك أمر مشاهد وهذا شيء كبير وخطير، فلا بد من توضيح قضية أنواع الكفر للناس؛ لأنهم قد يسمعونها صباحاً ومساءً، كالذي ينكر تحريم الربا وغيره ... من الأحكام، والمسألة الآن مسألة لها أهمية بالغة.

    قال القاضي عياض رحمه الله: ونقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقيناً بالنقل المتواتر من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس أو عدد ركعاتها وسجداتها.

    وقال -أيضاً-: وكذلك من أنكر القرآن أو حرفاً منه أو غيَّر شيئاً منه أو زاد فيه، وكذلك من أنكر شيئاً مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس، وهو صاحب المسلمين، ولم يكن جاهلاً به، ولا قريب عهد بالإسلام، وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة، كافر بإجماع النص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواتراً.

    وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش وظلم الخلق والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح، فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

    إذاً: لو جحد تحريم الزنا أو جحد حل الخبز يكفر.

    أيها الإخوة: إن القضية ليست قضية أكل الخبز واللحم، يعني: هذه المسألة مسألة مبدأ: أن الله أحل هذا أم لا؟ بغض النظر ما هو الخبز، فإذا جاء إنسان وقال: لا، حرام. هذا معاند، ومكذب لله، الله يقول: حلال. ثم يأتي ويقول: حرام. إذاً: هذا كافر، فليست القضية قضية خبز ولحم، فالقضية قضية المعاندة وإنكار الأحكام الشرعية، والإصرار على مضادة حكم الله ورسوله، وهذا التكذيب يكفر من هذا الباب.

    أنواع كفر الجحود

    قال ابن القيم رحمه الله: وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، كأن يقول: كل هذه الشريعة لا تصلح، هذا تخلف، وهذه شريعة زمان مضى، والآن الناس طلعوا القمر وهذه تقال كثيراً، وتجد أصحاب الأدب المعاصر وغيرهم يصرخون: الشريعة موضة قديمة، انتهت.

    فكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، أو يجحد إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، يجحد السنة كلها والقرآن.

    والخاص المقيد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته أو صفة مما وصف الله بها نفسه أو خبراً أخبر الله به، عمداً أو تقديماً لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض كأن يأتي إنسان ويختار شيئاً من الإسلام ويقول: هذا أنكره أنا من رأيي. أو يقول: متابعةً للشيخ الفلاني: أو لفلان الفلاني أو لأي غرض من الأغراض.

    وكفر من استحل المحرمات الظاهرة المتواترة قضية خطيرة جداً كما قال القاضي عياض رحمه الله: "وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة".

    وقال ابن قدامة رحمه الله: "من اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر" لكن الأئمة وإن قالوا: إن مستحل الكبائر كافر، لم يقصروا التحريم على مستحل الكبائر فقط، بل لو استحل من الصغائر ما تواتر النقل في تحريمه يكفر.

    ولذلك قال صاحب نهاية المحتاج فيما يوجب الردة: أو كذَّب رسولاً أو أحل محرماً بالإجماع وقد علم تحريمه من الدين بالضرورة، ولم يجز خفاؤه علينا كالزنا واللواط وشرب الخمر..، أو نفى مشروعية مجمع على مشروعيته معلوماً ولو نفلاً كالرواتب.

    إنسان يعرف أن الله شرع الرواتب فليس فيها نقاش فيجحد مشروعيتها يكفر، فالآن لا تنظر قضية كبائر وصغائر، وقضية مستحبات وواجبات، قضية مبدأ: أن الله شرع هذا، شرعه مستحباً أم واجباً وحلله أم حرمه؟ في عبادة أو في قضية خبز ولحم؟ مبدأ المضادة والمعاندة لله.

    وكصلاة العيد، لو أن إنساناً أنكر صلاة العيد وهو يعلم أنها مستقرة في الشريعة تماماً، ولو كانت صلاة العيد غير واجبة على قول الجمهور يكفر، كما صرح به البغوي .

    ولا بد أن نعلم أن المتواتر على نوعين: أولاً: ما علمه العامة مع الخاصة كمثل كلمة التوحيد وأركان الإسلام فيكفر جاحده مطلقاً؛ لأنه قد بلغه التنزيل.

    ثانياً: ما لم يعرف تواتره إلا الخاصة.. وهناك أحكام في المواريث نقل فيها التواتر، لكن لا يعرفها العامة، فلو أنكرها العامي وهو لا يعلم أنها متواترة فلا بد من التفريق، فقضية التكفير ليست سهلة.

    وما لم يعرف تواتره إلا الخاصة، فلا يكفر مستحله من العامة؛ لأنه لم يبلغه، وإنما يكفر من استحله وهو يعلم حرمته بالضرورة، مثل: تحريم الصلاة على الحائض إلى غير ذلك من الأمثال الكثيرة.. فهذا بين التواتر لا يكفي وإنما لا بد أن يكون العامي أو الشخص الذي ينكر يعلم أنه متواتر، ويعلم أنه شيء مستقر في الشريعة، وليس عنده شك أنه مشروع وموجود في الدين، ولذلك أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخاص والعام كالصلاة مثلاً فهذا من أنكرها فهو كافر.

    لكن لو جاء إنسان وجحد أن بنت الابن تستحق السدس مع البنت، أو جحد تحريم نكاح المعتدة وهو لا يعرف، وهذه مجمع عليها في الشريعة ومتواترة، لكنه أنكرها، فليس بكافر.

    وخلاصة ما سبق: أن من أنكر أو جحد أو كذب خبراً من الأخبار الظاهرة المتواترة كالإيمان بعذاب القبر أو بوجود الجن -وليس تلبس الجني بالإنسي، فلو قال: الجن ليسوا موجودين، أنا أنكر وجود الجن. معناه أنه مكذب بسورة الجن وبسورة الرحمن وسورة طه، وقد قاله الله -أيضاً- في الأحقاف، إذاً: المسألة أنه يكذب بما قال الله- كالإيمان بعذاب القبر أو بوجود الجن أو برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ونحو ذلك، أو أنكر حكماً من الأحكام الظاهرة المتواترة، سواء كان هذا الحكم واجباً أو محرماً أو مستحباً كقضية الصلاة والزكاة وبقية الأحكام، أو وجوب بر الوالدين، وصلة الأرحام، وما يشبه ذلك، أو تحريم الخمر والسرقة والربا إلى آخره، أو أنكر سنية الوتر أو الأضحية أو السنن الرواتب.. إلى آخره فإنه يكفر إذا قامت عليه الحجة، ومثله من استحل محرماً من المحرمات الظاهرة المتواترة سواء كان هذا من الصغائر أو من الكبائر كاستحلال الغيبة، واستحلال النظر إلى النساء، ونحو ذاك.. والله أعلم.

    1.   

    من نواقض الإيمان: الشك في حكم من أحكام الله

    أيضاً من المكفرات العظيمة: الشك في حكمٍ من أحكام الله عز وجل أو خبرٍ من أخباره، فمن شروط لا إله إلا الله: اليقين المنافي للشك. وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلق الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة) لاحظ قول: (غير شاك فيهما) وحديث أبي هريرة : (اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة).

    وقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15].

    وقوله: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ [التوبة:45] واضح جداً أن من شروط الإيمان: اليقين وعدم الشك والارتياب.

    إذاً: الذي يشك في هذا الأمر يكفر، ويناقض لا إله إلا الله.

    قال ابن القيم رحمه الله: كفر الشك ألا يجزم بصدقه ولا يكذبه بل يشك في أمره.

    ونوضح ذلك بمثال: قال القاضي عياض : ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو وقف فيهم -يا أخي! اليهود والنصارى كفار أم لا؟ قال: والله أنا أتوقف- أو وقف فيهم أو شك -يقول: أنا أشك، ولست متأكداً أنهم كفار، فمن دان بملة غير ملة المسلمين أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم -قال: هم على حق ونحن على حق- وإن أظهر مع ذلك الإسلام والشهادتين وصلى وصام وزكى فهو كافر.

    إذاً: المسألة مسألة خطيرة والقضية مهمة، وقد ذكر شيخ الإسلام حكم من يكفر الكافر سواء كان كافراً أصلياً كاليهود والنصارى، أو ثبت كفره يقيناً كـالباطنية، فقال في الرد على أهل الحلول والاتحاد، وأقوال هؤلاء، يعني: أهل الحلول والاتحاد يقولون: إن الله حل في كل المخلوقات، كل ما تراه بعينك فهو الله، تعالى الله عن قولهم، قال شيخ الإسلام : "وأقوال هؤلاء -جماعة ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض- وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى" النصارى يقولون بالتثليث، أما هذا فكل شيء عنده هو الله، يعني ملايين الأصوات بل بلايين.

    إذاً: النصارى أعقل منهم.

    قال: وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، وبذلك يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى، وبالوحدة تارة، فإنه مذهب متناقض في نفسه، ولهذا يلبسون على من لم يفهمه، فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم، ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كما يشك في كفر اليهود والنصارى أو المشركين.

    كذلك قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: الثالث: من المكفرات: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعاً، وقال حفيده الشيخ سليمان : فإن كان شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة. قلنا: النصارى يقول الله عنهم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73] فإن قال: أنا لا أستطيع أن أكفر النصارى، أنا متوقف، أنا لا أدري هم كفار أم لا، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر. إذ كيف تشك بكفر الكافر؟

    وكذلك فإن الشك في أصول الدين كفر، فلو أن إنساناً قال: أنا أشك في الجنة والنار، أنا أشك في البعث، فقد يكون هناك بعث وقد لا يكون، تصور شخصاً من أبناء المسلمين في جامعة، قال ذات مرة: أنا أصلي احتياطاً. قلت: كيف تصلي احتياطاً؟ قال: إذا صح أن هناك يوماً آخر وهناك حساباً نكون قد صلينا، أي: وإذا لم يصح فما خسرنا شيئاً.

    هل تعرف ما معنى هذا؟ معناه أن هذا إنسان كافر بالله العظيم، خارج عن ملة الإسلام، لا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا زكاته ولا حجه ولا شيء، وشهادته التي يقولها حبر على ورق، لأنه شك في قضية أصلية هي قضية الدين، شك فيها، وأكثر منه ذلك الأب الذي قام ينصح ولده - له ولد وعلى كلام العامة صار مطوعاً متديناً ومجتهداً في العبادة- قال: يا ولد! قال: نعم يا أبي. قال: لا تتعب نفسك كثيراً، لا تجتهد كثيراً.. لماذا؟ قال: يمكن يطلع ما في شيء .. وهذا أكفر من الأول.

    فلذلك الشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه.. ونحو ذلك، فالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوب الصلاة، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريم الزنا، وهذا كفر بإجماع المسلمين وقد قاله شيخ الإسلام رحمه الله.

    وسوسة الشيطان بالكفريات مع عدم الاقتناع بها

    وهنا مسألة دقيقة: لو قال قائل: يا أخي، لا يخلو الإنسان من الوساوس، أي: يأتينا الشيطان ويوسوس لنا ويقول: يمكن الله موجود أو غير موجود واليوم الآخر وهكذا ... فهل نحن كفار وخارجون عن الملة؟ فنقول: فرق بين الشك المنافي لليقين وبين الوسوسة، فالوسوسة مما يهجم على الإنسان بغير اختياره، فإذا كرهها ونفاها كان ذلك صريح الإيمان عنده، فلو جاءك الشيطان وقال لك يمكن يوجد ويمكن لا. وتقول: والله لئن ألقى من جبل ولا أن أقول الشيء الذي يوسوس به الشيطان، أنا كاره، يوسوس لي بأشياء أعوذ بالله، أشياء فظيعة. معناه: أنت كاره لهذه الوسوسة.

    إذاً: ما عليك شيء، وبالعكس هذا صريح الإيمان، اطمئن، لكن الذي يشك بدون وسوسة، هكذا عقيدته يقول: أنا أعتقد أن هذا غير موجود ويمكن أن يكون موجوداً، هذا إنسان عنده شك في قلبه، ولذلك لو وسوس الشيطان فكره ذلك فليس عليه شيء إطلاقاً، وأما إذا استكان لوسوسة الشيطان وصدقها وبنى عليها فقد كفر.

    إذاً: المسألة الآن لا تحتاج إلى قضية قلق وإزعاج؛ لأن بعض الناس يأتيهم من هذه القضية فيعتبر نفسه كافراً، وهذا لا يجوز، اطمئن، ما دمت موقناً بالله وأنه الخالق الرازق المحيي والمميت، ويجب عبادته وحده لا شريك له، موقناً بالجنة وأن الله خلقها من زمان، وأن الله خلق النار من زمان، وأن البعث والجنة حق والنار حق والحساب حق وعذاب القبر حق والساعة آتية وأن الله يبعث من في القبور، ما دمت جازماً بهذا فلا يضرك لو أن الشيطان جاء وألقى لك بعض الأفكار الخبيثة التي أنت تقاومها وتكرهها وتطردها، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان وتتفل عن يسارك ثلاث مرات، فهذه لا تضرك إن شاء الله.

    1.   

    من نواقض الإيمان: الشرك في الربوبية

    ومن نواقض الإيمان -أيها الإخوة- ولا شك: الشرك بالله عز وجل، ومن ذلك الشرك في الربوبية وهو أن يوصف أحد من الخلق بأي صفة من صفات الله عز وجل الذاتية أو الفعلية المختصة به سبحانه وتعالى كالخلق أو الرزق أو علم الغيب أو التصرف في الكون، حتى ولو أثبت هذه الصفات لله، فلو قال: الله يعلم الغيب وفلان يعلم الغيب مثلاً؛ فإن ذلك يعتبر من المخالفة للتوحيد مخالفة أساسية ناقضة للإيمان، وهذا الشرك يكثر لدى الفرق المنحرفة كغلاة الصوفية والباطنية حيث يعتقد أهل الرفض مثلاً في أئمتهم المعصومين الاثني عشر بزعمهم أنهم يعلمون الغيب، وتخضع لهم ذرات الكون ونحو ذلك. وهذا ولا شك شرك في الربوبية، فمن اعتقد أن الأئمة يعلمون الغيب فهو مشرك كافر خارج عن الملة، ونوع الشرك بالتحديد والتوصيف شرك في الربوبية.

    الشرك في الخلق والرزق

    وأما شرك الخلق والرزق فيقر به عامة الصوفية، وكذلك المشركون الأوائل يعتقدون بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق لكن يدعون ويستغيثون بالأولياء من دون الله؛ لزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ولذلك اقتصر مفهومهم بالشرك باعتقادهم أن الأولياء يخلقون أو يرزقون من دون الله، أو باعتقاد تصرفهم في الخلق باستقلالهم.

    الشرك في علم الله

    ومن الشرك في الربوبية -أيضاً- الشرك في العلم، بأن يعتقد أن بعض الناس يعلمون مثل علم الله أو يشاركون الله في العلم الذي هو مختص به عز وجل كما جاء في كتاب المجالس المؤيدية قال -وهذا في عقيدة الإسماعيلية، والمؤلف هبة الله الشيرازي - يقول: الأئمة يعلمون من أمر المبدأ والمعاد ما حجبه الله عن كافة العباد.

    وكذلك يقول الكليني في الكافي وهو من أهل الرفض وفيه تدليل على أن القوم مشركون شرك الربوبية في قضية علم الله، يقول وقد نسب الكلام إلى جعفر الصادق، وجعفر الصادق من أئمة أهل السنة وهو بريء من هذا الكلام، يقول: إن جعفراً قال: ورب الكعبة، ورب البيت لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما؛ ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وراثةً!

    وينسبون إلى الحسن بن علي رضي الله عنه أنه قال: إنا نعلم المكنون والمخزون والمكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته.

    وهذه الفكرة -أيضاً- موجودة عند الصوفية الغلاة، ولذلك بينهم وبين أهل الرفض قرابة المذهب، أولاد عم في الأفكار والمعتقدات.

    وهذا عبد الكريم الجيلي الصوفي صاحب كتاب " الإنسان الكامل " يزعم أنه كشف له عن حقائق الأمور من الأزل إلى الأبد، وأنه رأى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة.

    وهذا الشعراني صاحب الطبقات الكبرى ينقل عن شيخه الخواص أنه كان يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة فساعة.

    ومما قاله المتصوفة: وينبغي لمن يريد: أن يعلم أو أن يعتقد بشيخه أنه يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة، وهذا الكلام في كتب التيجانية مثل كتاب " رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم ".

    وكذلك فإن أهل السنة والجماعة يعتقدون أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهذا واضح من خلال الآيات: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود:123].

    قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الكهف:26] ما الفرق بين غيب السماوات والأرض له وبين له غيب السماوات والأرض؟ التخصيص، له غيب السماوات والأرض اختص به سبحانه وتعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام:50] وأولئك يقولون: ورثناها وراثة عنه، عن محمد صلى الله عليه وسلم! كذباً، ينسبون إلى الأئمة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ورثوه منه وراثة: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65] والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله) لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في الغيب إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله.

    وكذلك لما قال عز وجل: عَالِمُ الْغَيْبِ [الجـن:26] قال عن نفسه: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجـن:26-27] فإذاً: هذا بين أن الله عز وجل جعله خاصاً مختصاً بعلم الغيب، وأنه إذا أطلع رسولاً على شيء من الغيب لحكمة، مثلما أطلع الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً على بعض ما يكون عند قيام الساعة، فحدثنا به عليه الصلاة والسلام فيما يعرف بأشراط الساعة، وأطلعه على صنف محدود.. على شيء معين عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجـن:26-27] فيطلعه على أمرٍ معين وليس على كل شيء: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:109] وقال عن نبيه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50].

    فإذاً: من ادعى علم الغيب لنفسه أو لغيره فهو كافر مكذب بالقرآن، وقد قال الله لنبيه: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف:9] فهذه الأخبار قد جاءت في القرآن الكريم بهذا عن سائر الأنبياء، وأن إبراهيم عليه السلام لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة في صورة بشر فلم يعرفهم، فذبح لهم عجلاً، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أخبروه أنهم يريدون أن يذهبوا لتدمير قرية قوم لوط، ولما جاءوا لوطاً ساءه ذلك ولم يعلم حق هؤلاء، وظن أنه قد ابتلي بهؤلاء الأضياف وكيف يدافع عنهم، ثم ما عرف الحقيقة إلا بعد أن أخبروه أنهم ملائكة، وأنهم جاءوا لإنجائه وإنجاء أهله من قومه.

    إذاً: هو المختص بعلم الغيب عز وجل، ولو قيل: إنه سبحانه وتعالى قال: إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجـن:27] فنقول: هذه في أمورٍ معينة، عند الله تعالى علم الغيب وحده، وبيده طرق الغيب لا يملكها إلا هو، فإذا شاء إطلاع أحد من خلقه من الرسل مثلاً على شيء من الغيب أطلعه عليه كأشراط الساعة، وأن بعض الصحابة في الجنة، وأحوال بعض أهل النار وأهل الجنة كما أطلعه عليها وقال: (رأيت صاحبة الهرة التي حبست هرتها في النار) أخبرنا بأمور من الغيب عن ربه عز وجل.

    وأما بالنسبة للغيب فكل ما غاب عنك فهو غيب، فقد يكون في الماضي وقد يكون في الحاضر، مثل أشياء -الآن- في قاع المحيطات، وقد يكون في المستقبل، وهو الذي لا يعلمه إلا الله، فالماضي قد يعلمه بعض الناس، والحاضر يعلمه بعض الناس، ولذلك قضية الغيب للماضي والحاضر قضية نسبية، فبعض الناس يعلمون أشياء لا يعلمها آخرون من أخبار الماضي أو من أخبار الحاضر، أما المستقبل فلا يعلمه إلا الله عز وجل.

    ولذلك لا بد من تمييز هذه القضايا لئلا يتسرع بعض سيئي الحكم على أشخاص آخرين بالكفر دون أن يكون هناك بنية شرعية؛ ولذلك الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله لما علق على قضية مقامات الغيب للخلق التي لا يعلمها إلا الله، وأنه قد تفرد بعلمها، وأن من قال: إنه يعلم ما في الأرحام فهو كافر. وعلم ما في الأرحام يشمل أنه يعلم هل هو شقي أو سعيد، ويعلم عمله ومتى يولد، وكم يوم بالضبط، هل يجهض؟ هل يموت؟ هل يولد ناقصاً أم يكمل المدة أو أنه لا يكمل المدة، أو يسقط جنيناً قبل أن يكتمل؟ كل ذلك لا يعلمه على الحقيقة إلا الله.

    وبقيت قضايا معينة: مثلاً: هل هو ذكر أو أنثى مثلاً؟ هذه المسألة إذا كان فيها تجربة وقال الإنسان فيها بخبرته وتجربته، قال: من خبرتي وتجربتي أنها تحمل ذكراً. فإن كان لهذا سبب واضح فلا نقول: هذا كافر.. يقول ابن العربي رحمه الله: والتجربة منها أن يقول الطبيب إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، وإن كان ذلك في الثدي الأيسر -أي: مسود الحلمة- فهو أنثى، المهم عند بعض الأطباء تجربة وقد تكون صحيحة وقد تكون خطأ، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فهو ذكر، وإن وجدت الجنب الأيسر أثقل فهو أنثى، فإذا ادعى أن هذه عادة وردت له من خلال تجربته، قال: لم نكفره ولم نفسقه، وأما من ادعى العلم في مستقبل العمر فهو كافر.

    وكذلك الآن لو صورناه في الآلات بعد عمر معين ورأينا كذا لا يقال: هذا كافر؛ لأنه لا يخبر عن المستقبل إلا الله فإنه يخبر عما يراه بالأجهزة الآن، ثم قد يكون صادقاً وقد لا يكون، وقد حدث أن أخبروا رجلاً أن زوجته ستضع أنثى فذهب واشترى ملابس أنثى، ويوم ولدت جاء ذكراً، وكل الملابس التي اشتراها أصبحت لا تفيده.

    إذاً: حتى هذه القضية ليس بالضرورة أنهم يخبرون بها على الوجه الدقيق، قد يخطئون وقد يقولون: لاف رجل على رجل، لم نعرف ما هو. هذا عند الذين يصورون بجهاز الموجات.

    قال صديق حسن خان رحمه الله: فمن اعتقد في نبي أو ولي أو جن أو إمام أو ولد الإمام أو شيخ أو شهيد أو منجم أو رمال أو جفار أو فاتح فأل أو برهم أو خبيث أن له مثل هذا العلم وهو يعلم الغيب فهو مشرك بالله، وعقيدته من أبطل الباطلات وأكذب المكذوبات.

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: والمقصود من هذا أن يدعي معرفة علم الشيء من المغيبات، فهو إما داخل في حكم الكاهن وإما مشارك له في المعنى فيلحق به.

    الشرك في التصرف

    هناك أيضاً مما يخرج من الملة وينقض الإيمان وينافي توحيد الربوبية منافاةً أساسية قضية الشرك في التصرف:

    الشرك في التصرف من ضمن ما تقول به بعض الفرق كـالباطنية وتأليههم لبعض الأشخاص، فيؤوله بعض فرق الباطنية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك يؤلهون الحاكم بأمره، وهؤلاء لهم غلوٌ ظاهر، فمثلاً يعتقد بعض الباطنية أن الله يحل في الأشخاص، وأن آخر حلول له كان في علي بن أبي طالب ، ذهبوا إلى ما يشبه عقيدة التثليث عند النصارى، إذ أنهم ألفوا ثالوثاً يتكون من علي ومحمد وسلمان الفارسي ، ويزعمون أن العلاقة بين أطراف هذا الثالوث علاقة إيجاد، فـعلي خلق محمداً، ومحمد خلق سلمان، وسلمان خلق الأيتام الخمسة، وهم: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وعثمان بن مظعون، وعبد الله بن رواحة، وقنبر بن كادان مولى علي رضي الله عنه وأنه أوكل لهؤلاء الخمسة -الأيتام الخمسة- مسئولية الكون والتصرف فيه وتصريف أموره، فـالمقداد إليه الرعد والصواعق والزلازل، وأبو ذر موكل إليه الرياح وقبض أرواح البشر، وقنبر موكل إليه نفخ الأرواح في الأجسام، وعلي بن أبي طالب وسلمان والأيتام الخمسة يتفردون بتصريف أمور الكون من الخلق والموت والحياة.. وهذا من أخص صفات الربوبية.

    فإذاً: من يعتقد هذا فلا شك أنه كافر كفراً أكبر.

    كذلك تقدم أن الإمامية الاثنا عشرية ينسبون إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من رواية جعفر بن محمد قوله: انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج.

    وكذلك ينسبون إليه أنه قال: انظر الاعتقاد هذا الذي يقول: كيف يكفر؟ يكفر وإذا كان هناك أكثر من الكفر شيء فهو من صاحبه.

    يزعمون أن علياً قال عن الأئمة: ونحن الذين بنا تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذننا، وبنا تمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث وتنشر الرحمة.

    وكذلك قالوا: إن لأئمتنا درجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات الكون. وهذا شرك في الربوبية.

    وكذلك المتصوفة جعلوا بعض أئمتهم أو الولي عندهم أو الغوث الأعظم مساوياً لله عز وجل في بعض صفاته، يرون مثلاً: أن الولي الفلاني يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويتصرف في الكون، ولهم تقسيمات لهذه الولاية، فالولي: يعني الولاية، والولي طبقات وأنواع: فهناك الغوث المتحكم في كل شيء في العالم، والأقطاب الأربعة الذين يمسكون الأركان الأربعة في العالم بأمر الغوث، والأبدان السبعة الذين يتحكم كل واحد منهم في قارة من القارات السبع.. -جيد عندهم علم في الجغرافيا- وكذلك النجباء كل واحد منهم يتصرف في ناحية تتحكم في مصير الخلق، بل يزعم بعض المتصوفة أن من كرامات أوليائهم أنهم يحيون الموتى، وأن أحمد البدوي جاءته امرأة تستغيث بولدها الذي مات، فمد البدوي يده ودعا له فأحياه الله تعالى، ويزعمون أن البدوي يميت من يتعرض له من الأحياء كما فعل مع معارضيه في العراق، فقال لهم: موتوا. فوقعوا على الأرض قتلى. ثم قال: قوموا بإذن من يحيي الأموات ويميت الأحياء. فقاموا.

    الاعتقاد بالأنواء والكواكب

    ومما يدخل تحت دعوى تصرف المخلوقات بشئون الكون من دون الله: ما يدعيه أهل الجاهلية ومن تبعهم من الاعتقاد بالأنواء والنجوم والكواكب، وأنها تنشئ السحاب وتنزل الغيث، وأن هذه النجوم لها تأثير مباشر على الحوادث الأرضية، وأن بسببها يموت فلان ويحيا فلان، ويحدث كذا، وتقوم حرب.. وهكذا، فهؤلاء أيضاً مشركون شرك الربوبية.

    أما أهل السنة والجماعة -المسلمون- يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى مختص بهذه الأشياء، وأن النفع والضر، والخير والشر والخلق والرزق والإحياء والإماتة، والتصرف في شئون العالم كله بقضائه وقدره ومشيئته وأمره عز وجل، وأنه يأمر ملائكته بالأوامر المختلفة فينفذون، وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف:188] وقال عز وجل: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً [الجـن:21].. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126] وقال سبحانه وتعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سـبأ:22].

    وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سـبأ:22] ما لهم نصيب ولا مشاركة ولا تصرف، والحديث: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) وحديث: (وإن اجتمع الخلق على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد قدره الله لك) وكذلك في الضر، قال عز وجل عن نفسه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر [الأعراف:54] سبحانه وتعالى.

    فإذاً: ليس لأحد من مخلوقاته شيء ما بوجه من الوجوه من ناحية التدبير والتصريف، فالكل تحت ملكه سبحانه وقهره إماتةً وخلقاً ورزقاً وغير ذلك، ونحن نعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما قال بعض الناس على إثر سماء أمطرت: مطرنا بنوء كذا. فنقل لنا عن ربه عز وجل حديثاً قدسياً: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) رواه البخاري .

    1.   

    من نواقض الإيمان: الشرك في الألوهية

    وكما أن هناك شركاً في الربوبية فهناك شرك في الألوهية، على هذا قاتلت الأنبياء، فاعتقاد ألوهية غير الله عز وجل يناقض قول القلب، وينقل صاحبه من الإسلام إلى الكفر، وصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله شرك في الألوهية، وابن القيم رحمة الله عليه عند كلامه عن الشرك، قال: الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وأفعاله، وهذا شرك الربوبية، وشرك في عبادته ومعاملته، وهذا شرك الألوهية، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والشرك الأول -وهو الشرك الذي يتعلق بالمعبود في ذاته وصفاته- نوعان:

    شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون، قال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23] لا يوجد: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24].

    والنوع الثاني: شرك من جعل معه إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته، ما عطلها تعطيلاً كما يفعل الملاحدة والجاحدون لله كفرعون، لكن يشركون معه كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً وأمه إلهاً، وكذلك شرك المجوس الذين يسندون حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وكذلك شرك القدرية الذين يقولون: كل يخلق أفعاله بنفسه، الله لا يخلق أفعال العباد، من الذي يخلقها؟ قالوا: كل شخص يخلق أفعاله بنفسه، فهؤلاء مشركون أيضاً بالربوبية. كذلك مشركو الصابئة الذين يشركون بالكواكب العلويات، وأن لها أشياء في التدبير، فهؤلاء مشركون شركاً أكبر في الربوبية.

    النوع الثاني: شرك الألوهية الذي يتعلق بالعبادة، وهو صرف العبادة لغير الله تعالى.

    وقلنا سابقاً: إن أكثر البشر لم ينكروا توحيد الربوبية -أي: أنكروا وجود الله- لكن أشركوا معه غيره.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم نعلم أن أحداً من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح بن مريم شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، لكن أين حصل الشرك؟ في الألوهية، أكثر الشرك حصل في الألوهية، ولكن ينبغي أن نعلم أن هناك شركاً في الربوبية ضربنا له أمثلة حتى لا يعلم فقط أن القضية في صرف سجود أو نذر أو خوف أو رجاء.. لا، والمسألة فيها حتى في الربوبية أنواع من الشرك.

    1.   

    من نواقض الإيمان: كفر الإعراض

    هناك أنواع أخرى من نواقض الإيمان تنافي عمل القلب، أي: هناك أشياء تنافي قول القلب وأشياء تنافي عمل القلب، فمثلاً: كفر الإعراض: هو الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، فما هو الإعراض؟

    الإعراض عن الشيء: الصد عنه: (ثم أعرض عنها) أي: تركها، ترك القبول، وقد ذكر الله عز وجل الإعراض في آيات كثيرة من كتابه: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:31-32]، وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3].

    وكفر الإعراض له مظاهر، فقد يكون أحياناً عدم الاستماع لأوامر الله عز وجل وعدم المبالاة بها وعدم التفكر فيها وهو الغالب، فغالب كفر الإعراض أنه لا يسمع للشريعة أبداً، يقول: الدين على جنب، أو أبسط كلمة يقول: دع الدين على جنب. أي مناقشة في أي قضية اقتصادية أو حياتية أو اجتماعية، قال: دع الدين على جنب. وهذا إعراض واضح يمارسه بعض العامة: لا يدخل الدين في حياتنا ولا في عاداتنا، وكأن الدين هذا لأهل السماوات ولا ندري نحن أهل الأرض ما لنا منه؟!

    ثانياً: يأتي الإعراض بمعنى عدم القبول، فشيء عدم الاستماع وعدم المبالاة وشيء عدم القبول.

    ويأتي بمعنى الامتناع والتولي عن الطاعة، وهذا يكون بعد الاستماع والقبول لكن يقول: لا يطيع ولا يفعل، ولذلك يأتي الإعراض -أيضاً- بمعنى ترك العمل بالكلية، وكذلك يأتي بمعنى الصدود وأيضاً ترك التحاكم إلى الله.

    فإذاً: شيء يتعلق بالعلم وهو قول القلب من عدم الاستماع وعدم المبالاة، وشيء يتعلق بعدم العمل -أي: عمل القلب والجوارح- مثل عدم القبول وعدم الاستسلام، وهذا منافٍ لعمل القلب، ألَّا يعمل بالدين نهائياً ولا بشيء من الدين هذا ترك لعمل الجوارح وهذا كله إعراض.

    الإعراض المكفر والإعراض غير المكفر

    ينبغي أن نفرق في مسألة الإعراض المكفر والإعراض غير المكفر؛ لأن بعض الناس يعرضون عن مسألتين: عن أشياء معينة يتولون عنها، لا يعملون بها، هل هؤلاء كفار؟ من الكافر؟ من يكفر في الإعراض؟

    عرفه ابن القيم فقال: أما كفر الإعراض كأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه -إهمال- ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة.

    وفي موضع آخر قال: العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة، وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والحجة: هي الكتاب والسنة.

    الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها.

    فالآن لو جاء شخص تتناقش معه وتورد عليه شيئاً من القرآن والسنة يقول: لا، لا، لا تسمع لي ولا أسمع لك، لا تقل لي شيئاً، معرض لا يريد الاستماع أصلاً، يقول: أي شيء فيه دين لا أقبله ولا أسمع، معرض.

    وهناك أناس يسمع لك لكن بعدما يسمع يرفض ولا يقبل، وأناس قد يسمع ولكن سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [النساء:46].

    والإعراض المكفر على حسب ما ذكر لنا ابن القيم رحمه الله من نوع اللامبالاة، لا يسمع الحجة ولا يبحث عنها ولا يفكر فيها، وليس هذا فقط هو الإعراض المكفر، لكن هذا الذي ينافي قول القلب وإلا قد سبق الكلام على الإعراض من أنواع أخرى يتعلق بعمل القلب وعمل الجوارح ومكفر.

    من صور الإعراض المكفر: الإعراض عن حكم الله عز وجل ورسوله: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:47-51].

    الإعراض الناقض للإسلام

    ما هو الإعراض الناقض للإسلام؟

    نستخلص من كلام العلماء في مسألة كفر الإعراض: أن الإعراض الناقض للإسلام هو إعراض عن أصل الإيمان، إما أن يعرض إعراضاً تاماً عن تعلم أصول الدين مع قدرته على ذلك، يقول: لا أريد أن أتعلم الدين ولا أريد أن تسمعني آية، ولا يريد أن يتعلم درساً واحداً، الإعراض عن أصل الإيمان إعراضاً تاماً عن تعلم أصوله مع القدرة، أو عن قبولها والانقياد لها، يقول: لا أنقاد لحكم شرعي أبداً. سواءً قاله بلسان الحال أو بلسان المقال، أو يعرض عن العمل تماماً، كأن يقول: أنا لا أعمل شيئاً البتة، وهذا الذي يسمونه كفر التولي وترك العمل بالكلية؛ لأننا نعلم -أيها الإخوة- أن مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان: أنه قول القلب -وهو المعرفة- وقول اللسان وعمل القلب وهو القبول والتسليم، وعمل الجوارح.

    إذاً: أربعة أشياء يتكون منها حقيقة الإيمان، قول القلب: وهو المعرفة والتصديق، وقول اللسان: وهو نطق الشهادتين، وعمل القلب: وهو القبول والتسليم والاستسلام والانقياد، وعمل الجوارح: وهو التطبيق العملي للعبادات وما شابه ذلك.

    فإذاً: لو أن إنساناً أعرض عن هذا بالكلية، عن أي واحد منها يكفي أن يعرض عنه بالكلية يكفر وينقض إيمانه.

    قال الشافعي رحمه الله: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر". وقال حنبل: حدثنا الحميدي وأخبرت أن أناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت ويصلي مستدبراً القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً، إذا عُلم أن تركه ذلك فيه إيمان إذ كان مقراً باستقبال القبلة -الآن هذا الزعم- فقلت: هذا الكفر الصراح، هذا الكفر الصراح. لأنه لا يعمل شيئاً، تولى عن العمل بالكلية، مثل الذين يعيشون في الخارج مسلمون بالاسم فقط لا يعرفون مسجداً ولا قبلة ولا صلاة ولا يزكون ولا يصومون ولذلك رأينا في الإنترنت أن أحدهم يقول: أنا مسلم بالاسم فقط.

    فهذا الذي يقول: أنا مسلم بالاسم كافر، لماذا؟ لأنه تولى عن الدين لا يعمل بشيء منه أبداً، لا يعرف أي عبادة، لا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج، فهذا الذي يسمي نفسه مسلماً بالاسم فقط هذا إنسان متولٍ عن العمل، وهذا إنسان كافر، وقد قال الإمام أبو ثور رحمه الله لما سئل عن الإيمان: هل يزيد وينقص؟ فقال: فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فهؤلاء على مذهب المرجئة، ونحن نقول: الذي لا يعمل عمل الجوارح أبداً ليس بمسلم؛ لأن هذا من أنواع الإعراض الذي ذكر الله عز وجل في القرآن عند تكفير المعرضين، ونحن لا نقول: أعرض عن شيء واحد، أعرض عن صيام يوم من رمضان فلم يصمه لا. إنما أعرض عن العمل بالكلية، ولا يعمل شيئاً، هذا إنسان غير مسلم وإن ادعى الإسلام.

    فيقول: أما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله عز وجل من عباده لما قال لهم: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] أبو ثور ذكي يعرف كيف يناقش، يقول: يقال للذين يقولون العمل ليس شرطاً في الإيمان، ماذا أراد الله من عباده لما قال لهم: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] الإقرار فقط أم الإقرار والعمل، ماذا؟ فإن قالوا: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفروا، فإن قالوا: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعاً فلمَ زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعاً؟؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به -انظر إلى النقاش- لو أن رجلاً قال: أنا أعمل جميع ما أمر الله لكن لا أقر به، مثل ذاك الذي يقول: أنا أصلي احتياطاً أو يقول: يمكن يمكن.

    فهذا قال: أنا أعمل كل شيء لكن لا أقر به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا يكون مؤمناً؛ لأن أعماله ليس لها أساس، والعمل بدون إقرار عمل باطل، قيل لهم: فإن أقر بجميع ما أمر الله به وقال: لا أعمل منه شيئاً. أيكون مؤمناً؟ انظروا ولاحظوا! الله أراد إقراراً وعملاً، يقول: يقر أن الله أوجب هذا وحرم هذا، ثم أعمل. فإن قالوا: إنه أراد الأمرين جميعاً فيقال: لو أن رجلاً قال: لا أقر لكن أعمل كل شيء. يقال له: هذا كافر. وإذا قال: أقر لكن لا أعمل شيئاً أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً؟!

    ومثل الأعمال في الإيمان كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو الجسم الحي لا قلب له، ولا ذو القلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان، وهما في الحكم والمعنى متصلان، فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقل، ومثل ذلك العلم الظاهر والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما، تخيل لو أن رجلاً ليس له شفتين .. عنده لسان وليس عنده شفتين، لا يستطيع الكلام، لأنه بدون شفتين! وكذلك لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك سقوط العمل بطلان الإيمان.. احفظوا هذا المثل: (العمل مع الإيمان مثل الشفتين مع اللسان).

    فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئاً من أمور الدين، من الصلاة والزكاة والصيام والحج ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات، أي محرم يتاح له لا يقصر فيه -هذا كلام ابن تيمية - مثل الصلاة بغير وضوء وإلى غير القبلة ونكاح الأمهات، وهو مع ذلك مؤمن في الباطن. هذا الكلام يتصور؟ أبداً.

    وسئل الشوكاني رحمه الله: ما حكم أعراب البادية الذين لا يفعلون شيئاً من الشرعيات إلا مجرد التكلم بالشهادتين هل هم كفار أم لا؟ وهل يجب على المسلمين غزوهم أم لا؟

    فقال: من كان تاركاً لأركان الإسلام وجميع فرائضه ورافضاً لما يجب عليه من ذلك من الأقوال والأفعال ولم يكن لديه إلا مجرد التكلم بالشهادتين فلا شك ولا ريب أن هذا كافر شديد الكفر حلال الدم والمال.

    إذاً.. الخلاصة التي نستنتجها مما سبق:

    أولاً: أن وجود جنس العمل شرط لصحة الإيمان، وإذا لم يوجد العمل معناه لم يوجد الإيمان، ويكون صاحبه معرضاً ناقضاً لأصل الإيمان.

    ثانياً: أن الكلام عن مسألة ترك العمل بالكلية متعلق بكلام السلف عن الإيمان أنه قول وعمل لا يغني أحدهما عن الآخر.

    ثالثاً: أن هذا دليل على ارتباط الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر، وأنه لا يوجد باطن صحيح بدون ظاهر صحيح، كما أنه لا يوجد ظاهر صحيح ومقبول عند الله إلا إذا كان يوجد باطن صحيح.

    انظر الذي يقول: الذي لا يعمل أبداً هذا دليل على أنه ليس في قلبه إيمان بالله، الذي لا يعمل شيئاً من الدين ماذا يوجد في قلبه؟ لو كان في قلبه إيمان لظهر في التطبيق، ولو كان التطبيق ناقصاً لكان هناك شيء اسمه عمل، أما إذا لم يكن هناك عمل بالكلية فدليل أن داخل القلب لا يوجد فيه شيء بالكلية، وإنما هو ادعاء كاذب.

    إذاً: تصور الآن ما ينتج عن القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، وأن الكفر هو التكذيب والجحود فقط، وهذه مصيبة المرجئة، وهذه معركتنا معهم، يقولون: الإيمان هو التصديق، والكفر هو الجحود والتكذيب. وما حال المعرض عن العمل بالكلية وما شابه ذلك؟

    إذاً: هنا يتبين الفرق بين مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب المرجئة.

    1.   

    حكم تارك الأركان الأربعة

    أيها الإخوة: إن مذهب المرجئة يناسب حال الكفرة -الآن- في هذا العصر، فهم يحبونه جداً؛ لأنه يتوافق مع أهوائهم، ويجعلهم مؤمنين وليس لهم من الإيمان نصيب، وهذا الكلام يقودنا إلى مسألة وهي قضية تارك الأركان الأربعة.

    الآن عرفنا أن ترك العمل بالكلية كفر، فهل هناك أعمال معينة تركها كفر؟

    لو أن رجلاً قام بأشياء أخرى، كبر الوالدين وصلة الرحم والصدقة على الفقراء، صادق ملتزم بالمواعيد، هل هناك أعمال معينة تركها كفر؟ نجد في كلام العلماء أنهم قد قالوا: إن تارك الأركان الأربعة كافر، ولم يخالف في مسألة ترك جنس العمل أحد -كما قلنا- وأما قضية الأركان الأربعة فإن تاركها كافر، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الأقوال في المسألة، وقال عن الإمام أحمد رواية أنه يكفر بترك واحد من الأركان الأربعة حتى الحج حتى مع الإقرار بالوجوب، وفي رواية أخرى أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة وهي رواية عن أحمد وكثير من السلف وطائفة من أصحاب مالك والشافعي.

    إذاً: ترك الأركان الأربعة بالكلية يكفر كما أن ترك العمل كله يكفر، أما لو ترك الصيام فالراجح أنه لا يكفر بترك الصيام، أو ترك الحج فالراجح أنه لا يكفر.

    أما ترك الصلاة فالمسألة فيها خلاف كبير، والراجح أن تارك الصلاة بالكلية كافر حتى لو كان تكاسلاً؛ لأجل النص: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر) ولا يوجد شيء آخر منصوص على أن تركه كفر من الأعمال -لاحظ- إلا هذا ولذلك قلنا به، قال: (فمن تركها فقد كفر) والراجح -أيضاً- أن أي صلاة يتركها فهو كافر، أو ترك الصلاة في يوم أو يومين أو أسبوع؟ الحديث الراجح والله أعلم كما هو نص الحديث (فمن تركها) أي: الترك الكلي، يعني تارك الصلاة بالكلية كافر ولو أقر، لأنه قال: (فمن تركها) ولم يفرق بين الجحود وعدمه: (فمن تركها فقد كفر).

    وتارك الزكاة -أيضاً- فيه نقاش كثير وخلاف كبير في قضية، وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن تارك الزكاة لا يكفر إلا إذا قاتل، كأن يقول: لا أؤدي وقاتل فهذا كافر.

    فهذه هي الخلاصة في قضية ترك الأعمال.

    إذاً: ترك جنس العمل كله كفر، ومن الأعمال الأخرى ترك الصلاة بالكلية -هذا وحده- كفر، والزكاة يكفر إذا قاتل؛ لأن معناه أنه مستعد أن يموت ولا يزكي، معنى هذا أين الإيمان الذي عنده؟

    بعض الناس يقول: إن الجمهور يقولون: إن تارك الصلاة لا يكفر، وهذه حقيقة لا ننكرها، لا يقولون: إن ترك أصل العمل لا يكفر، فحتى الذين يقولون بعدم كفر تارك الصلاة من علماء السلف لا يقولون: إن ترك العمل بالكلية لا يكفر.. لا. ترك العمل بالكلية كفر، لكن حصل خلاف في ترك الصلاة وترك الزكاة.

    1.   

    اعتقاد أن بعض الناس لا يجب عليهم متابعة النبي صلى الله عليه وسلم

    ومن الأمور التي توجب الكفر أيضاً: اعتقاد أن بعض الناس لا يجب عليهم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه كارثة ومصيبة عظيمة، وذهب إلى هذا غلاة الصوفية والباطنية .

    يقول الداعي الإسماعيلي طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني في كتابه " العقد الشريف " وقد حقق كتاب العقد الشريف المفضل الجعفي ، يقول -وهو واحد من دعاة الإسماعيلية - حُجج الليل -الإسماعيليون يعتقدون أن هناك حجج الليل- هم أهل الباطن المحض المرفوع عنهم في أدوار الستر التكاليف لعلو درجاتهم.

    وكلام رءوس الباطنية والإسماعيلية أشبه بالألغاز؛ لأنهم يخفون عقيدتهم عن الناس، ولذا تجد فيها غموضاً، لكن هذا النص واضح في قضية اعتقاد إسقاط التكاليف، وأن هناك أناساً من أهل الباطن، مثلا:ً العامة من أهل الظاهر وهناك مشايخ من أهل الباطن، هؤلاء المشايخ من أهل الباطن تسقط عنهم التكاليف لعلو درجاتهم، وينسبون إلى جعفر بن محمد الباقر قوله: من عرف الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر، ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر.

    ويقول أحد دعاة الباطنيين: من عرف الباطن فقد عمل الظاهر، وإنما وضعت الأغلال والأصفاد على المقصرين. وسمى التكاليف أصفاداً وأغلالاً، وقال: هذه علينا نحن العامة المقصرين، أما من بلغ وعرف هذه الدرجات التي قرأتها عليك فقد أعتقته من الرق ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر.

    وعند هؤلاء أيضاً أن المحرمات عليَّ وعليك نحن العامة مثل الزنا وغيره، أما هم أهل الباطن -هؤلاء المشايخ الكبار- ليس عليهم بحرام، وحتى نكاح الأم ووطء الأخت ليس فيها شيء.

    وقالوا بالنص: إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة، ودليلهم قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن، زعماً منه أنه يحصل لهن البركة مما يفعله معهن، وإن كان محرماً في الشريعة، وكذلك يستحل المردان والتمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم.

    يقول: يرتقي من محبة المخلوق إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى وقد يستحلون الفاحشة الكبرى، ويحتجون بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ويقولون: اليقين هذا العلم والمعرفة، فإذا حصلت سقطت العبادة.

    ولو تقرأ كلام بعض الصوفية في هذا الموضوع مثلما ذكره الشعراني صاحب طبقات الأولياء، والنبهاني صاحب جامع كرامات الأولياء سترى العجب العجاب، فمن ذلك ما ذكره العطار عن ذي النون المصري أنه نصح أحد مريديه بترك الصلاة، والعطار الآن ينقل القصة يقول:

    رجل مصري -وهو من الصوفية - نصح بعض مريديه عنده مشكلة كذا وكذا بأن يترك الصلاة، والعطار يريد أن يوقعها فقال: لو سأل الثاني: ما الحكمة في الأمر بترك الصلاة؟ فالجواب: إن الطريق أحياناً -أي: الموصلة إلى الله- تخالف ظاهر الشريعة، كقتل الخضر الولد بدون سبب ظاهر.

    إذاً: لا إنكار بالطريقة على مثل هذه الأمور.

    يقول: لو قال لك شيخ الطريقة: اعمل محرماً أو اترك واجباً فلا تستغرب، لأنه يمكن أن يكون وصل إلى الله بشيء غير الذي أنت تعرف، فإذا قلت: لماذا؟! قال: الخضر قتل الولد، نقول: الخضر قتل الولد بناء على: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82] لأنه نبي يوحى إليه، الله الذي أمره بقتله، وأنت من الذي أمرك بترك الصلاة؟ أنت الله أمرك أن تصلي لا أن تترك الصلاة.

    وحكي عن العطار -نفسه هذا الصوفي- أنه كان تاركاً للصلاة، وكان يقول: إن الله رفع عني فريضة الصلاة، والشعراني في آخر كتابه الطبقات الكبرى لما ذكر مشايخه في القرن العاشر قال: وفيهم سيدي بركات الخياط رضي الله تعالى عنهم، كان رضي الله عنه من الملامتية والملامتية يظهرون المحرمات ليلوموهم بينما هم في الحقيقة يقصدون إخفاء الولاية. فمثلاً: عندما يحلق الولي لحيته يلومه الناس، وقصد الولي أن يخفي الولاية عن الناس بلومهم، حتى لا يرائي يرتكب الزنا، أو يشرب كأس خمر، حتى لا يرائي، يخبئ الولاية عن الناس.

    فيقول: وفيهم سيدي بركات الخياط رضي الله عنه، وكان من الملامتية ، وقد مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتي الجامع الأزهر وجماعته فقالوا لما سمعوا مدح الشيخ هذا: لابد أن نزوره، وكان يوم جمعة، فكبر المؤذن على المنارة، فقالوا: نصلي الجمعة. فقال: ما لي عادة بذلك. أعاذنا الله! أنا ما لي عادة أن أصلي الجمعة، فأنكروا عليه، فقال: نصلي اليوم لأجلكم، ومنهم سيدي الشريف المجذوب -والجذبة هذه عند الصوفية شيء أساسي، أنه إذا أصابته الجذبة فهذه كرامة- رضي الله عنه كان يأكل في نهار رمضان، ويقول: أنا معتوق أعتقني ربي. وكان يرى حلال زينة الدنيا كالحرام في الاجتناب، وكانت الخلائق تعتقده -يأتون إليه- ويعدون رؤيته عيداً.

    وهذا موجود في العالم الإسلامي، يعني: الشيوخ من هذا النوع.

    أيها الإخوة! التكاليف الشرعية مشروطة بالعلم والقدرة، فمتى تحقق العلم والقدرة وجب العمل، ولذلك الذي لا يستطيع لا يكلف كالطفل والمجنون.

    ثم أعظم الناس درجة عند الله من هم؟ الأولياء أم الأنبياء؟ أليسو الأنبياء؟ فهل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من عمره ترك صلاةً واحدة أو ترك صوم يومٍ دون عذر؟ ألم يكونوا أشد الناس في الشعائر والنوافل، ومن المعلوم عند العلماء أن من استحل الحرام كفر، فكيف بمن يستحل جميع المحرمات ويترك جميع الواجبات؟؟

    ثم الولاية، والولاية بيننا وبين الصوفية ميدان للمعركة، الولاية متى تنال؟ وبأي شيء تنال؟ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] لا يفعلون المحرمات ويؤاخون النساء الأجانب والمردان.

    وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ما هو اليقين في تفسير السلف ؟!

    قال الحسن البصري : إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت.

    إذاً: اليقين هو الموت باتفاق المسلمين والمفسرين.

    ثم قالوا: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:42-43] أي: أن هذا سبب لدخول جهنم: وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:45-47] ما هو اليقين؟ الموت فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48].

    1.   

    من نواقض الإيمان: النفاق

    أيها الإخوة! من نواقض الإيمان النفاق، والنفاق: إظهار القول باللسان أو الفعل، بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد، بأن يستر كفره ويظهر إيمانه.

    وكلمة "النفاق" اسم إسلامي لم يعرفه العرب من قبل، فالإسلام هو الذي جاء بكلمة النفاق ومعناها هذا، فلم تكن موجودة عند العرب ولا يعرفونها من قبل، والنفاق كالكفر يوجد نفاق مخرج من الملة ونفاق غير مخرج من الملة.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار كنفاق عبد الله بن أبي وغيره؛ بأن يظهر تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا ضرب النفاق الأكبر.

    أما النفاق الأصغر فهو النفاق في الأعمال ونحوها.

    إذاً.. النفاق المخرج من الملة لا شك أن النفاق الاعتقادي داخل فيه، لكن ليس هو نفاق تكذيب فقط، فمن حصر النفاق المخرج من الملة بالنفاق الاعتقادي فلعله قصد نفاق التكذيب وهو أن يظهر الإيمان وهو مكذب بقلبه، والأقرب والله أعلم تقسيم النفاق إلى أكبر وأصغر، وأن النفاق الأكبر لا يسقط بالجانب الاعتقادي فقط، وهذه مسألة مهمة؛ لأن بعض الناس يعتقد أن النفاق الأكبر الذي يخرج عن الملة فقط هو النفاق الاعتقادي (إظهار الإسلام وإبطان الكفر) فيقال: إن الله ذكر في القرآن خصالاً عن المنافقين تكفرهم -وهي أعمال- مثل: تنقيصهم للرسول صلى الله عليه وسلم وسخريتهم بالمؤمنين: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ التوبة:66] ومناصرتهم للكفار، ومناصرة الكفار عمل.

    إذاً: نعرف أن النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة ليس فقط أن الإنسان يظهر الإسلام والقلب مكذب، فقد يكون منافقاً نفاقاً أكبر يخرج عن الملة بأشياء يعملها، مثل: مناصرة الكفار على المسلمين، فلو أن إنساناً ناصر الكفار على المسلمين فهذا كافر وعمله كفر.

    أيضاً.. ليس كل نفاق اعتقادي مخرجاً عن الملة، أليس الرياء قلبياً؟ الرياء أليس عملاً قلبياً؟ وليس من الأشياء العملية، ليس نفاقاً عملياً كالكذب وإخلاف الوعد، ومع ذلك إذا كان الرياء يسيراً لا يكفر صاحبه.

    إذاً: لابد أن ننتبه في قضية النفاق الاعتقادي والنفاق العملي إلى أنه ليس كل نفاق اعتقادي متعلق بالقلب يكفر صاحبه كيسير الرياء، وليس كل النفاق العملي لا يكفر صاحبه، فبعض النفاق العملي يكفر صاحبه.. هذه الخلاصة.

    إذاً: النفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق أكبر ونفاق أصغر، والنفاق الأصغر معروف كما جاء في الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذ حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) والنفاق الأصغر نوعاً من الاختلاف بين السريرة والعلانية لكن لا يصل إلى الكفر، وذلك كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، ومثال ذلك: إظهار مودة أخ والكيد له بالسر، هذا نوع من النفاق لكنه ليس مكفراً، اللهم إلا إذا كان يكيد للنبي صلى الله عليه وسلم أو للمسلمين لأنهم مسلمون.

    والنفاق الأكبر يدخل فيه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن صاحبه مخلد في النار في الدرك الأسفل مثل نفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه.

    ما الفرق بين الكافر والمنافق؟

    إذا كان الكافر يظهر تكذيب الرسول وأنت تقول: إن المنافق يظهر تكذيب الرسول! ممكن يظهر يعتبر من المنافقين، فالجواب: أن الكافر لا ينطق بالشهادتين، ولا يقول أنا مسلم، ولا يدعي الإسلام، ولا يصلي مع المسلمين، لكن المنافق يقول: أنا مسلم، وينطق بالشهادتين ويصلي مع المسلمين.

    كيف صار منافقاً نفاقاً أكبر؟ بأمور كثيرة: منها: أن يظهر تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن أبي قال شيئاً من هذا، ولذلك لا يشترط عندما نقول: منافق أكبر أنه لا يظهر منه شيء البتة، يمكن أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أمام الناس، ويصلي مع المسلمين، ويقول: أنا مسلم. لكن عمله وما يظهره فيه أشياء كفرية واضحة مخرجة عن الملة، فهذا يسمى منافقاً.. لماذا؟ لأنهم يدعون الإسلام وفي محافل ومناسبات ومحلات ومواضع يظهرون الكفر، ماذا تسميه؟ نسميه منافق، في تصريح ومقالات، وأشياء مكتوبة، وقصائد يظهر الكفر، ولما تأتيه يقول لك: أنا مسلم، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنا أصلي.

    والظاهر أن بعض العلمانيين الذي يقوم الليل، أقرباؤه يقولون: يقوم الليل، ما رأيك؟ المنافق نفاقاً مخرجاً من الملة لا يشترط أن يكون مستوراً لا يعرف عنه شيء، يظهر الإسلام ويخفي الكفر.. لا، وحال المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه ظهر منهم أشياء لكن لأنهم يقولون ويدعون الإسلام، ينطقون بالشهادتين، ويصلون مع المسلمين، ويصلون العيد، ويحضرون الجمعة لكن عبد الله بن أبي هذا، يفعل ذلك كله، لكن ظهر منه أشياء في تخذيل المسلمين، ونصرة الكفار عليهم، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، والطعن فيه، والطعن في رسالته، والكيد له، والكيد لجماعة المسلمين كلهم، وتخذيل المسلمين في أحد وهكذا.

    إذاً: النفاق الأكبر المخرج عن الملة، مثل: إنسان يدعي الإسلام وعنده أقوال وأفعال أخرى تناقض ما يقول فيعتبر منافقاً، ومن باب أولى الذي ما أظهر شيئاً أبداً، مثل رجل يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ولم نضبط عليه لا كلمة ولا فعلاً، لكنه في الحقيقة عند الله زنديق، ولذلك قال بعض العلماء: إذا اطلع على الزنديق يقتل ولا يستتاب؛ لأننا لو استتبناه سيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وهو يقولها أصلاً! فنقتله، وإذا كان صادقاً في التوبة تنفعه الشهادة عند الله، وهذا عند الإمام مالك يقول: الزنديق يقتل. لماذا؟ يقول: إذا اكتشفنا وعثرنا على زندقته نقتله. وإذا قال: أنا أقول لا إله إلا الله. نقول: نقتلك وإذا كنت صادقاً تنفعك عند الله. لماذا قال مالك ذلك؟ لأننا إذا قلنا: نستتيبك سيقول أشهد أن لا إله إلا الله، وهو أصلاً يقولها.

    وقال آخرون: الزنديق يستتاب، فإن تاب يكف عنه، وابن تيمية رحمه الله ذكر في النفاق الأكبر قال: كنفاق عبد الله بن أبي بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دين الرسول.

    إذا انهزم المسلمون في معركة أظهر السرور؛ لأن المسلمين انهزموا، أو المساءة بظهور دين الله، لو قيل له: دخل اليوم في الإسلام ألف من الكفار. ينغص هذا الخبر عليه، أو يقال: انتصر المسلمون في البلد الفلانية تراه ينغص، هذا منافق.. لماذا؟ لأنه ساءه ظهور الإسلام وانتصار المسلمين. ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه في عهده -انظر كلام ابن تيمية الخبير في الواقع، الإنسان المعايش للناس العارف بطبقات المجتمع- يقول: بل هو بعده -النفاق بعد النبي صلى الله عليه وسلم- أكثر منه على عهده. وهذا واضح في عصرنا جداً، فالعلمانيون هؤلاء هم المنافقون يظهرون الإسلام، لكن انظر إلى المقالات والأفعال.

    إذاً: يتبين لنا أن أي مظهر من مظاهر النفاق الأكبر يحكم على صاحبه بالنفاق الأكبر ولو كان يدعي الإسلام مثل تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بغض الرسول صلى الله عليه وسلم أو بغض بعض ما جاء به من الشريعة، المسرة بانخفاض دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو كراهية انتصار دين الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر، وعدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر، وإيذاؤه أو عيبه أو لمزه صلى الله عليه وسلم.. والآن بعض الذين يكتبون في الأدب يأتي بقصيدة أو قصة ويلمز دين الإسلام ويلمز نبي الإسلام، وعندما تأتيه وتقول: أنت كذا، أنت كذا أنت كذا، هذا كفر. يقول: أنا مسلم، انظر إلى إثباتي. نقول: لقد أظهرت الكفر، وهذا العمل لا يحتمل، يعني: يأتي إنسان مثلاً يسب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لا أعرف أن هذا كفر؟ أنا لم أكن أعرف أن هذا كفر؟ فإذا كانت المسألة واضحة جداً، وليس لها تبرير ولا له عذر، فهذا لا يتردد في كفره إذا كان بهذه الطريقة.

    1.   

    من نواقض الإيمان: مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المسلمين

    وكذلك مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين، أو الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم لا لشيء شخصي بينهم وبينه، وإنما يستهزئ بهم لأجل إيمانهم، والتولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله. كل هذه الأشياء حصلت من المنافقين، يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة:61].

    فرد الله عليهم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:58] فإن أذاهم قد عم المسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا دعوا إلى الله ورسوله يتولون ولا يأتون، ولا ينقادون، ويظاهرون الكافرين ويعاونونهم على المؤمنين، والله قال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] والموالاة للكفار منها ما يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومنها ما هو دون ذلك، فإذا كانت موالاة تامة، ورضاً بدين الكفار، وتصحيحاً لمذهبهم كما قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:28] قال: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم -أي: على عورات المسلمين- وثغور المسلمين، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.

    وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في نواقض الإسلام: الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51].

    والشيخ ابن السعدي رحمه الله قال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23] قال في تعليقه على الآية: وذلك الظلم بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً كان كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه، مثل شخص لو تشبه بهم أليس نوعاً من التولي لهم؟ تشبه باللباس، لكن قد لا يكفر به، ويعتبر فسقاً وكبيرة ومعصية، لكن لا يعتبر كفراً.

    فإذاً: التولي درجات، إذا كان التولي عاماً فهو كفر، وتحت ذلك درجات.

    وكذلك المسرة بانخفاض دين النبي صلى الله عليه وسلم واضح من قوله تعالى في وصف المنافقين: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ [التوبة:50] ماذا؟ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ [التوبة:50] وعملنا الاحتياطات، وما خرجنا، والذي خرج هو الذي أكلها: وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50].. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:48] هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بهذه الصفات لا شك أنهم منافقون، وكذلك هم الذين يكرهون ما أنزل الله، كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9].. وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:70].. وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54].. وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:81].

    1.   

    الفرق بين ما كره شرعاً وما كره طبعاً

    لو أن إنساناً قال: نفسي عندما تأتي إلى صلاة الفجر والتكاليف الشاقة، أو لو قيل الآن: جهاد فنفسي لا تحب وتعشق هذا، بل هناك نفور، وعندي شيء في قلبي، مثلاً: أحس بثقل وبمشقة في التكاليف، فالسؤال هو: هل الإحساس بالثقل والمشقة في التكاليف يُعتبر كرهاً لما أنزل الله، ومحبطاً للعمل، ونفاقاً أكبر أم لا؟

    الجواب: الكره والمشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكره ما يناله من ذاته، وهو يعاف على ضربين: الأول: ما يعاف من حيث الطبع، والثاني ما يعاف من حيث العقل والشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد: إني أريده وأكرهه، أي: أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، أو أريده من حيث العقل والشرع وأكرهه من حيث الطبع.

    ونأخذ مثالاً: قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ [البقرة:216] ماذا؟ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] فالآن خاطب الله الصحابة، قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] هو يثبت أن بعضهم يكرهونه، لكن يكرهونه من ناحية الطبع، وأما من ناحية الشرع فهم يحبون أن يفرض الجهاد، وهذه خذها على مسألة الزوجة الثانية؛ لأن بعض النساء عندهن مشكلة في هذه القضية، لو قلت للزوجة: ما رأيك لو أن زوجك تزوج عليك؟ ما رأيك في الزوجة الثانية؟ تكرهين ذلك أم تحبينه؛ لأن بعض الأزواج يذهب يلبس ليوقع زوجته في مشكلة شرعاً، يقول: يا ويلك إذا كرهت زوجتي فأنت كافرة؛ لأن الله قال: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9] وعملك حابط. فنقول: إن كرهته طبعاً فلا شيء عليها، وإن كرهته شرعاً كفرت. فإذاً لو قالت: أنا لا أقول شيئاً فهذا شرع الله، لكني بطبعي أكرهه، هذه غيرة. فلا تكفر المرأة، وهذا وضع طبيعي وشيء عادي عند النساء.

    إذاً: إذا كان الإنسان كره شيئاً طبعاً كأن يكره أن يقوم لصلاة الفجر؛ لأجل النوم ولذة الفراش، لكنك لو قلت له: تحب صلاة الفجر أم لا؟ يقول: أحب صلاة الفجر، لكن نفسي عليها مشقة، نقول: ما عليك شيء، إذا اقتصرت على الكره الطبيعي، وإذا قال لك: أنا عقلي وقلبي يؤمن، لكن نفسي من ناحية التعب البدني، أو الغيرة -مثل ما قلنا في قضية النساء- وبذلك يا أخي يزول الإشكال -إن شاء الله- في هذه القضية مثل قضية الزوجة الثانية، والفرق بين ما كره شرعاً وما كره طبعاً، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.