إسلام ويب

معاتبة النفسللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه المحاضرة تتحدث عن كثير من السلبيات التي نقع فيها، والتي لابد أن نراجع ونعاتب أنفسنا عليها، ومن هذه السلبيات: عدم الانقياد للحق بسهولة، وكذلك التجرؤ في الفتوى بدون علم، وعدم تعظيم كلام الله ... إلخ. كما بين الشيخ الفرق بين السلف والخلف في حب المال، وحب الرئاسة، وكذلك حب الظهور. وحث الشيخ على مراجعة أخلاقنا مع الأهل والأقارب والأصدقاء ....

    1.   

    حاجتنا إلى معاتبة النفس

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:18-19].

    وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    أيها الإخوة .. تعالوا نعاتب أنفسنا، هذا هو موضوعنا في هذه الليلة، ما أشد حاجتنا إلى معاتبة النفس ومحاسبتها، إن هذه المعاتبة والمحاسبة هي التي تجعل النفس تتحرر من أسر الشهوات، وتتحرر من الظلمات، وبالمعاتبة والمحاسبة تقام النفس على الصراط المستقيم، فإن الله سبحانه وتعالى ندبنا إلى ذلك فقال: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] وقد قال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18]].

    وكان رضي الله عنه يحاسب نفسه وهو أمير المؤمنين كما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: [سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخٍ بخ، والله لتتقين الله يا بن الخطاب أو لعيذبنك] رجاله ثقات.

    وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: [رحم الله عبداً قال لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائدا].

    وقال ميمون بن مهران رحمه الله: [التقي أشد محاسبة لنفسه من شريك شحيح] الذي يحاسب شريكه.

    وكانوا رحمهم الله تعالى يحاسبون أنفسهم، ونحن -أيها الإخوة- فينا عللٌ كثيرة، وفي أنفسنا أمراضٌ كثيرة تحتاج إلى علاج وإذا استمرت الأحوال دون تصحيح فإنه يخشى علينا -والله- من الهلكة.

    وإذا نظرت -أيها المسلم- فيما حولك تجد في بعض هذه الجموع التي جاءت إلى طريق الحق تريد الاستقامة خيراً كثيراً ولا شك، ولكننا -أيها الإخوة- لا نعتبر بالكثرة وإنما بالحقيقة، والحقيقة أنه يجب علينا أن نحاسب أنفسنا، وأن نعاتبها، هل فينا خوف من الله كما ينبغي؟ هل يوجد عندنا شيء مما كان يوجد عند السلف من البكاء من خشية الله تعالى؟ هل إذا تليت آيات الله حركت في أنفسنا ما يجب أن يتحرك، واقشعرت الجلود والنفوس والقلوب لذكر الله عز وجل ثم انقادت إلى طاعته ومرضاته؟: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ [الرعد:28].. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23].

    عن القاسم بن محمد قال: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر في بالي فأقول في نفسي: بأي شيء فضل الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟! إن كان يصلي إنا لنصلي، ولئن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج فإنا لنحج؟ حتى كنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ طفئ السراج فجأة، فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يبحث عن شيء لإصلاحه وإيقاده، فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القيامة.

    وقال المروذي لـأحمد رحمه الله: كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبان بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟

    وكم مرة يأتي ذكر النار علينا، ونسمع ذلك كثيراً، فماذا حرك ذلك في أنفسنا؟ أليس فيها من الأهوال وأنواع العذاب ما لو نزل ذكره على جبل لصار خاشعاً متصدعاً من خشية الله؟!

    عبد الله بن مسعود يقول في قوله تبارك وتعالى: زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ [النحل:88] [عقارب أنيابها كالنخل الطوال] إسناده صحيح، وقد جاء مرفوعاً عن البراء بن عازب : (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تبارك وتعالى: زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ [النحل:88] قال: عقارب أمثال النخل الطوال تنهشهم في جهنم) فإذاً هذا عذاب فكيف بالعذاب الأصلي؟!

    فلا شك أن المؤمن يعاتب نفسه على عدم تحرك الخشية أو الخوف من الله عز وجل في نفسه إذا تليت مثل هذه الآيات، وإذا حصل من التذكير بالله عز وجل، فلم تحرك في نفسه شيئاً فلا شك أنها تحتاج إلى معاتبة، لا شك أن نفوسنا من كثرة المعاصي والانشغال بالدنيا وكثرة الوقوع في الآفات قد قست.

    1.   

    الفارق بين السلف والخلف في حب الظهور

    نحن -أيها الإخوة- ما هو حالنا ونحن نعاتب أنفسنا؟ ما هو حالنا في إخفاء العمل؟

    العمل واجب ومطلوب ولا شك في ذلك، لكن هل حاولنا إخفاء العمل كما كانوا -رحمهم الله- يخفونه؟ أليس الواحد منهم كان يحمل جراب الدقيق على ظهره ليعطيه فقراء أهل المدينة؟!

    أليس الواحد منهم كان إذا نشر مصحفه فدخل عليه رجل غطاه بثوبه حتى لا يراه وهو يقرأ؟!

    ما رئي الربيع متطوعاً في مسجد قومه قط إلا مرة واحدة، كان يجعل تطوعه كله في البيت حتى لا يرى، أما نحن فنحب الشهرة ونتطلع إليها، ونريد أن نذكر وأن يعلو اسم الواحد منا بين الناس، على عكس ما كانوا عليه رحمهم الله تعالى.

    خرج ابن مسعود ذات يوم فتبعه الناس فقال لهم: [ألكم حاجة؟ قالوا: لا. ولكن أردنا أن نمشي معك؟ قال: ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع] نحن نرى لأنفسنا حقاً وشأناً ومكانة وهم كانوا رحمهم الله تعالى يغمطون أنفسهم ولا يرون لها حقاً، بل كانوا يحتقرونها حتى قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [لو تعلمون ما أعلم من نفسي لحثيتم على رأسي التراب] وكان بكر بن عبد الله المزني إذا رأى شيخاً كبيراً في السن، قال: هذا خير مني، عبد الله قبلي، وإذا رأى شاباً قال: هذا خير مني ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب.

    فعندنا -أيها الإخوة- طربٌ إذا سمعنا ثناء الناس بخلاف السلف رحمهم الله تعالى.

    محمد بن واسع دخلوا عليه يعودونه وهو يقول: ما يغني عني ما يقول الناس إذا أخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار. وكان يقول لجلسائه: لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إلي.

    نحن أصحاب المجاملات، ونحن الذين يتزين بعضنا لبعض ويخفي بعضنا عن بعض أشياء كثيرة، نحن لو قارنا حالنا بحال السلف الذين كان يقول قائلهم هذا الكلام لأفلحنا، ولكن نفعل أشياء من الذنوب كثيرة، ثم نتجمل أمام الناس بالمظهر الحسن ونتظاهر بلباس التقوى، وفي أحدنا من الذنوب ما الله به عليم.

    وقال رجل لـابن عمر: [لا نزال بخير ما أبقاك لنا الله، قال: ثكلتك أمك، وما يدريك ما يغلق عليك من أخيك بابه].

    وإذا كان الواحد منا إذا أثني عليه في مجلس انتفش وانتفخ وأحس بنشوة وطرب فإنهم رحمهم الله كانوا بخلاف ذلك. قال أحدهم: رأيت أثر الغم في وجه أبي عبد الله -يعني الإمام أحمد- وقد أثنى عليه شخص وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيراً، قال: بل جزى الله الإسلام عنا خيراً ، ومن أنا؟ وما أنا؟

    وفي أنفسنا نحن عجب كثير، يعجب الواحد بعمله، ويعجب برأيه، مع أن الإعجاب بالرأي مصيبة، وقد لا نفكر بالخوف على أنفسنا من هذا العجب رغم أنه يورد المهالك: (الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه) قال رجل لـابن عمر : [يا خير الناس وابن خير الناس! فقال: ما أنا بخير الناس ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه].

    كان الواحد منهم يرفض أن يثنى عليه، والواحد منا اليوم إذا سمع ثناءً لسان حاله يقول: هات الزيادة، وليثن غيرك ونحو ذلك، وهم رحمهم الله كانوا لا يرون أنفسهم شيئاً، يحتقرون أنفسهم غاية الاحتقار حتى كان الواحد منهم يقف في عرفة يُسمع بغير قصد وهو يقول: اللهم لا ترد هذا الجمع من أجلي، بل كانوا إذا لم يعرفوا سروا بذلك، كان للواحد منهم سمعة بغير قصد، فكان إذا جهل حاله في مكان أو بلد قدم إليه سراً في ذلك.

    قال الحسن : كنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس، فزحموه ودفعوه، فلما خرج لي قال: ما العيش إلا هكذا، يعني: حيث لم نعرف ونوقر.

    وبينما هو بـالكوفة يقرأ عليه كتاب المناسك انتهى إلى حديث وفيه قال عبد الله بن المبارك وبه نأخذ، مكتوب تعليق على الكتاب قال عبد الله بن المبارك وبه نأخذ، فقال: من كتب هذا من قولي؟ قلت: الكاتب الذي كتبه، فلم يزل يحكه بيده حتى درس وذهب، ثم قال: ومن أنا حتى يكتب قولي، هذا وهو من السلف رحمهم الله تعالى.

    إنهم كانوا حريصين على كسر الفخر وإذهاب العجب والرياء من أنفسهم، لا يمكن للواحد منهم أن يختال وأن يزدري الناس.

    1.   

    فرق بين السلف والخلف في حب المال

    وكذلك فإننا إذا نظرنا إلى أنفسنا في مسألة حرصنا على المال، نجد الواحد منا يفرح به فرح الأشرين، وربما حصل في نفسه الفرح في الدنيا والتعلق بها، والواحد منهم كان يأتيه المال فيفرقه يميناً وشمالاً، لما أرسل عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة أربعمائة دينار، قال للغلام: [اذهب بها إلى أبي عبيدة ثم تله ساعة -تشاغل في البيت ساعة- حتى تنظر ما يصنع، قال: فذهب بها الغلام فقال: يقول لك أمير المؤمنين: خذ هذه، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: يا جارية! اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فوجده قد أعد مثلها لـمعاذ بن جبل فأرسل بها إليه، فقال معاذ : وصله الله، يا جارية! اذهبي إلى بيت فلان بكذا، ولبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا! ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحى بهما إليها، ورجع الغلام فأخبر عمر فسر بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض] كيف لا يكونوا بعضاً من بعض قد رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك خرجت هذه النماذج -أيها الإخوة- متشابهة، زهدهم في الدنيا موجود، خوفهم من الله موجود، ليس في واحد منهم ما يقدح في إخلاصه أو في تقواه رضي الله تعالى عنهم، ولذلك أخبر الله أنه رضي عنهم: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119].

    ولو نظرنا -أيها الإخوة- إلى ما أصاب الناس اليوم من جراء الاشتغال بالتجارة والبيع والشراء، دخل عددٌ من الناس في التجارات، دخلوا في أنواع من البيوع والشراء لكن دخولهم ما كان لله، أو أنهم دخلوا في البداية يحدثون أنفسهم أن دخولهم لله فإذا به ينقلب ويصبح انشغالاً بالدنيا فتعسوا فعلاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم).

    الواحد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لما كان يحتاج إلى العمل ويحتاج إلى الشغل، يحتاج عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يعمل في مزرعة، هل كان عمله في المزرعة شهوة للدنيا؟ الجواب: كلا. وإنما كان يعمل للحاجة، لا بد أن يكسب قوته وأن يكسب حاجته، ولكن هل كان عمله في الدنيا يمنعه أو يشغله عن طلب العلم؟ كلا.

    ولما عقد البخاري رحمه الله تعالى باباً في كتاب العلم بعنوان: التناوب في العلم، أتى بقصة عمر رضي الله عنه: [كنت أنا وجار لي من الأنصار ..] وذكر القصة وفيها أن واحداً منها كان يبقى ليعمل والثاني يذهب إلى المسجد، ليسمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فيرجع إلى صاحبه فيخبره بما حصل وبما قيل، وبما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم، طالب العلم لا يغفل عن النظر في أمر معاشه، ليستعين به على طلب العلم وغيره، ولكنه يأخذ بالحزم بالسؤال عما يفوته في يوم غيبته، هذه الفائدة العظيمة التي ذكرها ابن حجر رحمه الله تعالى.

    الآن بعض الشباب ربما جاءتهم بعض الخواطر للاشتغال في التجارة، فدخلوا فيها، وفتحوا محلات، وذهبوا يعملون في صفقات، ويذهبون في سفريات، ويستوردون البضائع، ويحضرون المعارض، ويأخذون وكالات ويشتغلون، وهذا أمر جيد إذا ما قيد بالضوابط الشرعية، لكن أيها الإخوة! هؤلاء الذين فتحوا المحلات وجلسوا يبيعون فيها أو راحوا في السفريات والأعمال كيف أصبح حالهم؟

    لقد تدهور الكثيرون منهم تدهوراً شنيعاً، لقد اشتغلوا بالدنيا فقست قلوبهم، لقد أعرضوا عن مجالس ذكر كانوا يحضرونها، لقد تركوا كتب علمٍ كانوا يقرءون فيها، ولذلك باع بعضهم كتبه، أو قال: أهبها على استحياء، أو أجعلها وقفاً أو أجعلها في مسجد ونحو ذلك، تخلصوا من الكتب التي كانوا يقرءون فيها، وكان لهم صحبة طيبة يجلسون إليهم يتعلمون منهم ويستفيدون منهم فتركوا ذلك كله.

    كنت أحادث شخصاً قبل يومين بالهاتف وقد دخل في تجارة من هذه الأنواع، وكان الرجل من قبل من المبكرين إلى الصلاة في المسجد، الذين يحافظون على الجماعة، ويحضرون حلق العلم والذكر، وفيه شيء من الرقة، ثم ذهب الرجل في شيء من التجارة وسافر، ودخل في وكالات واستثمارات، واشتغل في أنواع من هذه الصفقات، فقلت له: هل لا زلت تحضر درساً في الأسبوع؟ قال: لا وللأسف، ما عدت أحضر شيئاً مطلقاً من الدروس، لا مع أصحابي ولا في المسجد؛ ولذلك فإن هؤلاء الذين ينـزلقون في متاهات الاشتغال بالتجارة ولا يقدرون أنفسهم حق قدرها، ولا ينضبطون بالضوابط الشرعية يكون ذلك وبالاً عليهم، ربما يدخل في التجارة يقول: أنا غرضي إفادة الإسلام، وسأجعل جزءاً من أرباحي في سبيل الله، وفعلاً قد يجعل أشياء من الصدقات، لكن لو نظر في النهاية إلى ما آل إليه أمره من قسوة القلب والابتعاد عن طلب العلم وعن الدعوة إلى الله وعن الأخوة الصالحة لوجد الفرق شاسعاً والبون عظيماً بين حاله الآن بعد اشتغاله وقبل ذلك.

    وما أحد يقول: إنه لا يمكن الجمع بين التجارة والعبادة والطاعة، لقد كان هناك من أهل العلم من يشتغل في التجارة، ومن أشهرهم ابن المبارك رحمه الله تعالى، قيل له: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة ونراك تأتي بالبضائع كيف ذا؟ فقال: يا أبا علي ! إنما أفعل ذا لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، قال: يا بن المبارك ! ما أحسن ذا!

    وكان بعضهم يشتغل بالتجارة يقول: لولا المال لتمندل بنا هؤلاء. يعني: لتلاعب بنا السلاطين وأذنابهم، وصاروا يذهبون بنا يميناً وشمالاً، واحتجنا إليهم في طلب الأموال، ولذلك كانوا يستقلون بالتجارة، لكن هل كانوا ينغمسون فيها بالكلية؟ أو يقول الواحد كما يقول الواحد في هذا الزمان: أنا أحتاج فترة تأسيس، أنا أحتاج تفرغاً للعمل سنتين أو ثلاثاً ثم بعد ذلك أرجع إلى ما كنت فيه؟ ولكن في الحقيقة ينغمس ويتدرج في الانغماس حتى تذهب السنوات الثلاث والسبع والعشر وهو يتردى من أسفل إلى أسفل، وهكذا حال كثير منهم.

    1.   

    طلب الرئاسة بين السلف والخلف

    وفينا من العيوب أيضاً أيها الإخوة: طلب الرئاسة، والحرص عليها، والسعي إليها، وتمنيها، وبذل الغالي والنفيس من أجلها، ولا شك أن الذي يحرص على الرئاسة دون أن يكون هناك تقوى من الله فإنه يفسد دينه، فإن الحرص عليها يفسد الدين كما يفسد الذئب في زريبة الغنم إذا أفلت فيها وهو جائع كما دل عليه في حديث: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) ما أفسد منها للدين، ما أفسد للدين من حرص الشخص على المال والشرف.

    عن يوسف بن أسباط سمعت سفيان يقول: ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب فإن نوزع الرئاسة حامى عليها وعادى.

    صارت هي المطمع، صار السعي إلى المنصب هو المطمع، حتى لو بذل دينه، حتى لو تنازل عن أشياء من الإسلام، حتى لو عمل مخالفات شرعية، همه الوصول إلى المنصب، حتى لو نافس غيره ممن هو أحق منه من المسلمين، يفعل ذلك، وليس الكلام موجهاً إلى من يتوجه لسد ثغرة يدرأ بها عن الإسلام وأهله شراً، ومن كان عنده استعداد لهذا النوع فهو مأجور إذا كان يعلم من نفسه القدرة والحكمة لفعل هذا ولا يطلبه للدنيا ويسعى إليه للفخر، ولكن كثيراً من الناس سعيهم ومسابقاتهم في الوظائف هي من جنس حب الرئاسة المذموم.

    1.   

    عدم الانقياد للحق بسهولة

    من العيوب التي فينا أيها الإخوة: أننا لا ننقاد إلى الحق بسهولة، وربما لا ننقاد إلى الحق أبداً، نبصر بعيوبنا فنكابر، والواحد ينصح فيدافع عن نفسه ويقول: ليس فيما تقول لي، لست بكذا ولست بكذا، ما قصدت هذا القصد، وهو في نفسه وفي قرارة نفسه يعلم يقيناً أن هذا قصده وهذه نيته، ولكنه يكابر ويأبى ويصر على تبرئة نفسه، وحتى في النقاشات العلمية بعضنا في المجالس إذا تبين له الدليل وعرف أنه ليس على شيء أصر على رأيه، إما تعصباً أو مكابرة أو حتى لا يقال إنه تراجع، ويعتبر أن التراجع ضعف ومهانة وذلة، فتقول له النفس الأمارة بالسوء: كيف تتراجع بالمجلس أمام فلان وفلان، لو تراجعت فقلت يا فلان جزاك الله خيراً بينت لي الحق أنا رجعت، أو يسكت لكن يعتبر أن السكوت أو التراجع ذل وأنه لا يصلح له أن يفعل ذلك فيكابر ويصر بغير دليل، ولا عنده حجة ولا برهان.

    عن أبي حنيفة عن ابن سماك وحدثه ابن أبي ذئب وكان من كبار الفقهاء بالحديث، فقال له: أتأخذ بهذا الحديث؟ فضرب صدري وصاح كثيراً ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به، نعم آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى كل من سمعه.

    وقد مضى قول الشافعي رحمه الله: ما كابرني أحد على الحق ودافع إلا سقط من عيني، وما قبله أحدٌ إلا هبته واعتقدت مودته.

    وقد ناظر الشافعي رحمه الله رجلاً من أهل العلم، انتهت المناظرة بأن رجع كل منهما إلى قول صاحبه، الشافعي ترك قوله واقتنع برأي الآخر، والآخر ترك قوله واقتنع برأي الشافعي ، يعني: أنهم رضي الله تعالى عنهم ما كان التعصب رائدهم، ولا كانوا يتناقشون ويتجادلون لإظهار النفس، أو أن ينتصر الشخص في المجلس أو يفحم الخصم أو يسكته، بل إنهم كانوا يتناظرون للوصول إلى الحق.

    1.   

    الفتوى السريعة في هدم الشريعة

    ومن البلايا التي فينا -أيها الإخوة- والطامات: تسرعنا في الكلام في الدين، والإفتاء، والإخبار بأن هذا حلال وهذا حرام، مخالفين أمر الله عز وجل أو نهي الله عز وجل: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116] فترى الواحد منا في المجلس إذا طرحت مسألة علمية أو قضية سارع بالكلام فيها والجزم والإخبار عن الحكم مع أنه بعيد كل البعد عن المعرفة به، ولا عنده فيه لا دليل ولا قول عالم، لا عنده فتيا عالم ولا دليل، ومع ذلك يسارع إلى الجزم بالحكم والكلام به عن رأيه المجرد دون أن يكون عنده قاعدة أو يكون عنده أهلية للكلام في مثل هذه المسائل، هذه الجرأة على دين الله مذمومة، لو كانت المسألة في آلة من الآلات أو دواء من الأدوية لهان الخطب، ولكن المسألة في الدين ومع الأسف صار دين الله في المجالس عرضة لأن يدخل فيه كل الناس ويدلون بآرائهم، ولكن إذا صارت القضية في مسألة اقتصادية أو طبية سكتوا إلا أهل القراءة والخبرة أو العلم بهذا الفن، فصار دين الله عند الناس أرخص من الدنيا، صار يتكلم في دين الله كل واحد من أوساط المتعلمين والمثقفين والجهلة والعامة.

    عن نافع أن رجلاً سأل ابن عمر عن مسألة فطأطأ رأسه ولم يجبه، حتى ظن الناس أنه لم يسمعه فقال له: [يرحمك الله أما سمعت مسألتي؟ فقال: بلى. ولكنكم كأنكم ترون أن الله ليس بسائلنا عما تسألونا عنه، اتركنا يرحمك الله حتى نتفهم في مسألتك، فإن كان لها جواب عندنا وإلا أعلمناك أنه لا علم لنا بها] كانوا يتدافعون الفتيا كل واحد يدفعها إلى الآخر ويقولون: اسأل فلاناً حتى تعود إلى الأول، تدور الفتوى على عشرة أو أكثر ويأبون الكلام فيها للتحرج بأن الواحد منهم يعلم الإثم المترتب على أن يفتي بشيء لا علم له به: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:169] هذا من أكبر الجرائم، (ومن أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه) الإثم على من أفتاه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    عدم تعظيم كلام الله

    ومن عيوبنا أيضاً التي نعاتب أنفسا فيها: عدم احترامنا لكلام الله تعالى، لا يظهر على الواحد منا أثر الحفظ، الآن الحمد لله انتشر حفظ القرآن، وصار هناك أعداد من الذين يحفظون القرآن الكريم، وهذا شيء طيب ولا شك، ويثلج الصدر، ويشعر الإنسان ببرد في نفسه مما يرى من كثرة الحفاظ وتوالي المتخرجين من حلق التحفيظ.

    ولكن أيها الإخوة! هل ظهرت آثار هذا القرآن المخزون، أو هذا القرآن المحفوظ في النفس أو في القلب، هل ظهرت على نفوس الحفاظ وعلى محياهم؟! هل ظهرت في تصرفاتهم وأفعالهم؟! هل كان كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه واقعاً فينا، وفي الذين يحفظون كتاب الله أو أجزاء كثيرة من كتاب الله؟! قال عبد الله بن مسعود : [ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون, وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إلى الناس يختالون].

    وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً، حليماً حكيماً سكيتاً، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافياً ولا غافلاً ولا صخاباً -ليس بذيئاً- ولا صياحاً -غير مرتفع الصوت بالصياح- ولا حديداً -لا يكون وقحاً ولا يكون جلفاً- وإنما يكون سهلاً ليناً ينقاد، المؤمن كالجمل المربوط إذا أقيد انقاد، وإذا أنيخ على صخرة استناخ، المؤمن يألف ويؤلف، فهل ظهرت آثار حفظ القرآن على الذين يحفظونه؟ وهل ظهر الأدب الذي يتأدب به عليهم؟ هذا مما ينبغي أن نعاتب أنفسنا به كذلك.

    1.   

    قسوة القلوب

    من الأمراض التي أصبنا بها: قسوة القلب، عدم النشاط في العبادة، الفتور والتكاسل عن الطاعات، هذه ولا شك من عيوبنا، وإذا جاء الملك للإنسان منا بخاطرة عبادة، ولا شك أن كل خاطرة عبادة مبعثها الملك؛ لأن الشيطان مع الإنسان موكل به يأمره بالشر والملك يأمره بالخير، ما من خاطر خير في نفسك إلا ومبعثه من هذا الملك الذي هو معك مقترن بك، وخاطر الشر من الشيطان المقترن بك، كلما جاء الملك إلى الواحد منا بخاطرة من صدقة أو صلاة أو صيام أو تلاوة أو دعاء أو ذكر واستغفار ونحو ذلك من أنواع الطاعات والعبادات كالعمرة أو الحج، إلا وتجد النفس الأمارة بالسوء تتثبط وتثبط، وتأتي قضية لعل وعسى والتسويف، بخلاف ما كان عليه السلف رحمهم الله تعالى من النشاط في العبادة والمسارعة فيها.

    عن أسد بن الوداع عن شداد بن أوس أنه كان إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم، فيقول: اللهم إن النار أذهبت مني النوم فيقوم فيصلي حتى يصبح، وكان الواحد منهم يطيل الصلاة ويطيل العبادة مما نتبرم منه نحن اليوم، نحن لو أطلنا شيئاً من إطالتهم لسئمنا أشد السأم وتبرمنا أشد التبرم.

    قالت بنت لجار منصور بن المعتمر : يا أبت! أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة لم أعد أراها؟ قال: يا بنية! ذاك منصور كان يقوم الليل ليس بخشبة، ذاك منصور كان يقوم الليل رحمه الله تعالى، لكن من قيامه وسكونه وخشوعه رضي الله تعالى عنه ورحمه حسبته البنت الصغيرة أنه خشبة، ونحن لا نصدق متى ننتهي من الركعات حتى نذهب ونندس للنوم، ولا شك -أيها الإخوة- أن هذا الداء الذي فينا أصابنا بسبب المعاصي والانغماس في الدنيا والبعد عن الله عز وجل، هذا من الصدأ الذي أصاب قلوبنا من دخان أنفاس بني آدم، ومن كثرة الأكل والنوم والخلطة والضحك والاهتمام بالدنيا، لا شك أن لهذه الأشياء آثاراً سلبية على النفوس.

    قال عاصم بن عصام البيهقي : بت ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بماء فوضعه لي، فلما أصبح نظر إلى الماء بحاله ما تغير، فقال: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له ورد في الليل.. كيف يتفق هذا؟!

    فكان الحث منهم على العمل والنشاط والمسارعة؛ لأنهم امتثلوا أمر الله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] .. سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحديد:21] عرضها كعرض السماء والأرض، هذا العرض فما بال الطول؟

    يا جماعة! العرض كعرض السماء والأرض، ومعروف أن الطول أطول من العرض، الجنة عرضها كعرض السماء والأرض فما بالك بطولها؟!

    كان مطرف بن عبد الله يقول: يا إخوتاه! اجتهدوا في العمل فإن كان الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات الجنة، وإن يكن الأمر شديداً كما نخافه ونحذر لم نقل: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك، على الأقل ما نتندم ونقول: أرجعنا نعمل صالحاً، المهم أن نعمل.

    1.   

    دوام المحاسبة

    ومن الأشياء أيضاً التي نحن في سهو عنها: مسألة المحاسبة التي تنتج العمل، فإن مجرد أن يتذكر الإنسان بعض الأشياء دون أن يكون بعدها للعمل ليس أمراً مفيداً بالغاية المطلوبة، ونحن مع كثرة الخلطة ما صار الواحد فينا يجد مكاناً أو مجالاً لمحاسبة نفسه، صرنا في حال الخلطة مع الأصدقاء والأقرباء والزملاء في العمل وفي الدراسة وغيرها، ما عندنا مجال للخلوة بأنفسنا، فالواحد منا يكون مع أصحابه وكان مع أقربائه، أو كان مع أهله، أو كان مع جيرانه، كان مع الناس في الدكاكين، كان في الأسواق، وهذه الخلطة التي تمنع الإنسان من أن يجد لنفسه وقتاً يحاسب نفسه فيها لا شك أنه يخسر بذلك خسراناً عظيماً، وكانوا -رحمهم الله- لهم لحظات ساكنة يحاسبون فيها أنفسهم.

    قال إبراهيم التيمي : مثلت لنفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أيْ نفس! أيُّ شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً قال: فقلت: فأنت في الأمنية فاعملي. أنت الآن في الأمنية وهي أنك في الدنيا فاعملي.

    وكانت هذه المحاسبة مستمرة عندهم بحيث أنهم -رحمهم الله تعالى- كانوا يذكرون من فضلهم ومن سبقهم، كما مر بعضهم على خباب رضي الله عنه وهو يبني حائطاً له، خباب اكتوى سبع مرات، مما أصابه من العذاب في مكة ، اكتوى سبع مرات يعالج نفسه بعد ذلك والله سبحانه وتعالى مد له في الأجل، وجاءت الفتوحات ففتحت عليهم الدنيا، قال قيس : [أتيت خباباً وهو يبني حائطاً له، فقال: إن أصحابنا الذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئاً، وإنا أصبنا من بعدهم شيئاً لا نجد له موضعاً إلا في التراب]. هذا المال نبني به شيء نجعله في التراب.

    وعن أبي وائل قال: [عدنا خباباً فقال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله تعالى فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير ، قتل يوم أحد وترك نمرة فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها] مع أنهم كانوا يعملون في الحلال ولا أشغلتهم الدنيا عن طاعة الله، وإنما كانوا إذا نودي للجهاد قاموا وواصلوا الجهاد، مع أنهم قسموا الغنائم في المعركة التي قبلها، وعندهم أشياء كثيرة من الدنيا، لكن الدنيا ما قعدت بهم عن الجهاد في سبيل الله أبداً.

    كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده من تواضعه، لباسه مثل لباس عبيده، ليس له فضل عليهم، فهذا العمل منه يذكر إخوانه الذين سبقوه بالإيمان وأنهم أفضل منه لأنهم ما أخذوا من الدنيا شيئاً.

    ولما قدم طعام الإفطار لأحدهم ذكر من مات من إخوانه الذين سبقوه أنهم ما أخذوا شيئاً، فبكى حتى ترك الطعام وقام عنه.

    إذاً هذه النفسية التي يحاسب الإنسان بها نفسه ويذكر أن هناك من إخوانه من ذهب وما أخذ شيئاً من الدنيا، فيحصل في نفسه من هذه الأشياء التي تنفعل في نفسه وتعتمل في نفسه ما يجعله يذكر الله عز وجل ويحاسب نفسه على هذه الأموال التي بين يديه، إن هذه النفسية لا تكون إلا وليدة كثرة العبادة وذكر الله والتضحية في سبيل هذا الدين، والتربية على هذا الدين هي التي تنتج هذه النماذج.

    1.   

    خطر السكوت عن المنكر

    من العيوب التي فينا أيها الإخوة ونحن نعاتب أنفسنا عليها: قضية السكوت عن المنكر، وعدم التغيير، رغم أننا نرى أمامنا المعصية تفعل، نرى أن المنكر قائم، نرى أمامنا حدود الله تنتهك، نعلم يقيناً أن هذا حرام، نعلمه يقيناً بالأدلة وبفتاوى العلماء ثم لا نغير شيئاً، ولا يلتفت أحدنا أو يهمس ببنت شفه في سبيل تغيير هذا المنكر، وربما لا يفكر أصلاً، أو لا يختلج في نفسه شيء من قضية التغيير، حتى التردد ربما لا يحصل، ويمر أمام المنكر وكأن شيئاً لم يكن. قال أبو عبد الرحمن العمري : إن من غفلتك وإعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر ولا تنهى خوفاً ممن لا يملك ضراً ولا نفعاً.

    وقد ضرب السلف رحمهم الله المثل الأعلى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر والجرأة في الحق، فهذا الأوزاعي لما بعث به إلى عبد الله بن علي وكان من كبار السفاكين والسفاحين اشتد ذلك عليه، وقدم ودخل عليه والناس سماطان -فريقان- هناك حصل كلام واختلاف في قضية خروج عبد الله بن علي هذا وسعيه في الحكم والإمارة، فقال عبد الله بن علي للأوزاعي : ما تقول في مخرجنا وما نحن فيه؟ قال: فتفكرت ثم قلت: لأصدقن.. واستبسلت للموت؛ لأن هذا الشخص سفاح ليس عنده شيء أسهل من سفك الدماء وأن تطير الرءوس عن أجسادها، ثم رويت له عن يحيى بن سعيد حديث الأعمال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ... الحديث) كأنه يقول له: إن كان خروجك لله فأنت على خير، وإن كان طلباً لملك أو طلباً لإمرة أو طلباً لدنيا فأنت ولك، وبيده قضيب ينبذ به، ثم قال: يا عبد الرحمن ! ما تقول في قتل أهل هذا البيت؟ قلت: حدثني محمد بن مروان عن مطرف بن الشخير عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل قتل مسلم إلا في ثلاث ... وساق الحديث) فقال: أخبرني عن الخلافة وصية لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: لو كانت وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك علي رضي الله عنه أحداً يتقدمه.

    وهذا فيه رد على أهل البدع الذين يقولون: إن علياً عنده عهد من النبي عليه الصلاة والسلام في الخلافة من بعده، قال الأوزاعي لذلك الرجل: لو كانت وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك علي أحداً يتقدمه.

    قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قلت: إن كانت لهم حلالاً فهي عليك حرام، وإن كانت عليهم حراماً فهي عليك أحرم -إن كانت لهم حلالاً لا يجوز لك أن تأخذها فهي عليك حرام، وإن كانت عليهم حراماً أخذوها بغير وجه حق فهي عليك أحرم؛ لأنك ستأخذ المال الحرام وتضيف إليه إثماً آخر وهو الغصب- فأمر بي فأخرجت، قال الذهبي : قد كان عبد الله بن علي ملكاً جباراً سفاكاً للدماء صعب المراس، ومع هذا فالإمام الأوزاعي لصدعه بمر الحق كما ترى لا كخلق علماء السوء الذين يحسنون السوء للحكام فيقتحمون الظلم والعسف لأهل الجور، ويقلبون له الباطل حقاً قاتلهم الله، أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق.

    1.   

    إهمالنا لأهل بيوتنا

    كذلك -أيها الإخوة- من الأشياء والعيوب التي عندنا مما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إهمالنا لأهل بيوتنا، إهمالنا للزوجات وعدم تعليمهن، إهمالنا للأولاد وعدم تربيتهم، ربما يكون أولاد الواحد يخرجون إلى الشوارع ويتعلمون الألفاظ البذيئة، وربما يمارسون الفواحش، ويكون المسئول عنه واحد ممن يظهر عليه آثار الالتزام والتدين، ومع ذلك هذا حال أولاده وإخوانه الصغار، فأين الإحساس بالمسئولية؟ وأين أثر قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6]؟ أين هذا من إهمالنا نحن لحال أهلينا وحال أولادنا وزوجاتنا بل وآبائنا وأمهاتنا؟

    وقد كانوا -رحمهم الله- يهتمون بذلك اهتماماً عظيماً، قال عبد الرحمن بن رستة : سألت ابن مهدي عن الرجل يبني بأهله -واحد يدخل بزوجته- هل يترك الجماعة أياماً -هل يجوز له ترك صلاة الجماعة؟ هل يجوز للعريس أن يترك صلاة الجماعة أياماً؛ لأنه إذا دخل بها فانشغل بزوجته وهو حديث عهد بها وبشهوته فربما تفوت عليه الصلوات ويصعب عليه إدراك الجماعة، هل ترخص لهذا العروس الجديد إذا دخل بزوجته أن يترك الجماعة أياماً؟ وهذا تراه شائعاً عند بعض الناس يقولون: أول فجر وأول جمعة وأول ثلاثة أيام يبتدعون من عندهم مقادير معينة للصلوات أنه لا يأتيها ولا يصليها ولا يركعها في جماعة، وهذه رخصة، يؤكدون أنها رخصة وأنه ليس عليه إثم إذا فعل ذلك، فيترك الجماعة أياماً- قال: لا. ولا صلاة واحدة.

    الآن العلاقة بقضية الأهل والأولاد، وحضرته صبيحة بنى بابنته، ابن مهدي يفتي أنه لا يجوز لهذا الشخص أن يتخلف عن صلاة الجماعة، بني في ابنته في الصباح خرج فأذن ثم مشى إلى بابهما؛ باب البنت وزوجها، فقال للجارية: قولي لهما يخرجان إلى الصلاة، الرجل في المسجد والمرأة تقوم تصلي في البيت، فخرج النساء والجواري فقلن: سبحان الله! أي شيء هذا؟ هذه أول ليلة وهذا أول فرض، فقال: لا أبرح حتى يخرجا إلى الصلاة.

    النبي صلى الله عليه وسلم كان يطرق بيت فاطمة وعلي ليلاً على صلاة النافلة، على الصلاة المستحبة، ويأمرهما بالصلاة، فكيف بقضية إهمال الأهل والأولاد في الأمر بالصلاة الواجبة: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طـه:132]؟ الحقيقة أننا كثيراً ما نقصر في أمر أهالينا بالصلاة، وهذا أمرٌ مما نعاتب أنفسنا به أشد المعاتبة، ذلك لأننا سنشترك الإثم لو سكتنا عن القضية.

    لو سكتنا عن محاربة المنكرات في البيوت سنأثم ولا شك، والآن المنكرات تزداد وتتنوع وتتشعب وتكثر، أصناف ألوان من المنكرات تغزو البيوت غزواً استعمارياً شديداً، وتسيطر على الأفكار، وتوقظ الشهوات في النفوس، وتلقي بضلال الشبهات في القلوب، هذه قضايا واقعة فما هو موقفنا تجاهها؟ أو ماذا فعلنا لأهلينا وأولادنا؟ هذه من الأشياء التي قصرنا فيها، ونعاتب أنفسنا فيها.

    ما هو موقفنا من الجهاد؟ هل يوجد واحد منا يتمنى أن يجاهد؟ هل الواحد منا يتمنى الشهادة؟ هل الواحد منا يحدث نفسه بالغزو؟ وجد أعذاراً في وضعه وحاله أنه لا يجب عليه الجهاد، ولكن هل يحدث نفسه بالغزو أو الشهادة، أو أن القضية بعيدة المنال بحيث أنها لا تخطر له على بال، ولا تأتي له على قلب مطلقاً؟ لو كنا صادقين في موقفنا من الجهاد لكنا نحدث أنفسنا على الأقل بفرضيته وأهميته وأجر الشهادة وفضل الشهادة ونتمنى الشهادة حتى إذا مات الواحد منا على فراشه نال أجر الشهادة، هذا خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة رضي الله عنه قال: [لقد طلبت مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عمل شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار] يقول: هذا أرجى عمل، أحرس أنتظر والسماء تمطر وأنا أنتظر الصباح لنغير على الكفار، ثم قال: [إذا مت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله].

    و ابن أم مكتوم وهو أعمى معذور قال: [أي رب! أنزل عذري، فأنزلت: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء:95] فكان بعد يغزو ويقول: ادفعوا إلي اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر وأقيموني بين الصفين]. يقول: أنتهز فرصة أني أعمى فلا أفر فضعوا اللواء عندي.

    حتى نساؤهم رضي الله عنهن، أم سليم اتخذت خنجراً يوم حنين ، فقال أبو طلحة : (هذه أم سليم معها خنجر، فقالت: يا رسول الله! إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه، من أجل ذلك وضعت عندي هذا الخنجر).

    أبو طلحة قرأ قول الله تعالى: انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً [التوبة:41] فقال: [استنفرنا الله وأمرنا شيوخاً وشباباً جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله إنك قد غزوت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ونحن نغزو عنك الآن، قال: فغزا في البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير] ما يتغير مثلما يتغير الموتى.

    1.   

    السلبية القاتلة

    ومن الأشياء التي نعاتب فيها قضية السلبية، السلبية القاتلة التي تمنعنا عن القيام بالأعمال، السلبية القاتلة التي تقعد بنا عن ممارسة الأدوار الإسلامية المطلوبة في الواقع، السلبية القاتلة التي تمنعنا حتى من تثبيت إنسان مسلم يتعرض لفتنة، الآن إخواننا الذين يتعرضون لفتن كثر، واحد يتعرض لفتنة المال، وواحد يتعرض لفتنة المنصب، وواحد يتعرض لفتنة النساء، وواحد يتعرض لمحنة اضطهاد، ما هو دورنا؟ ولا شك أن كل واحد فينا يعلم على الأقل ممن يبتلى أو يتعرض لفتنة أو محنة، ما هو دورنا في تثبيته؟ هل قمنا بأشياء في تثبيتهم؟ هل مددنا لهم يد العون الإسلامية بالتذكير والموعظة؟

    كانت أبواب التثبيت متداولة في العصر الأول، لو واحد تعرض لمحنة يجد من إخوانه من يقف بجانبه، لو تعرض لشدة وكربة يجد من إخوانه من يساهم في تفريجها عنه، يجد الواحد على الحق أعواناً، والآن يتعرض الإنسان لمحن وأنواع من الفتن فلا يجد ممن حوله من يقف، ولو حتى بكلمة ينصحه بها ويثبته، ولذلك تكثر حالة الانتكاس.

    ومن أسباب الانتكاس: أن هناك سلبية من المحيطين بالشخص المنتكس، لقد أحسوا بتقهقر، لقد رأوا بوادر الشر، لقد لمسوا مواطن ضعف الشخص، لكنهم ما فعلوا شيئاً، ولذلك لو ناقشت بعض هؤلاء المنحرفين لقال لك: إن جزءاً من المسئولية يقع على عاتق أصحابي الأول، إنهم ما كانوا حولي لما حصل لي ما حصل من الضعف، ولا أحد جاء ونصحني ولا ثبتني ولا لازمني، هم يعرفون أنني أنحدر فما لازموني بل تركوني أنحدر إلى الهاوية لوحدي.

    الإمام أحمد رحمه الله لما حمل إلى المأمون أُخبر أبو جعفر رحمه الله قال: فعبرت الفرات مع أنه الإمام أحمد لكن ما قال: هذا الإمام أحمد لا يحتاج إلى تأثير ولا يحتاج نصراً، لا. لا بد من ممارسة دور حتى لو كان الإمام أحمد ، فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر ! تعنيت -أتعبت نفسك- فقلت: يا هذا! أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، -أي: كلهم ينتظرون كلمتك- ومع هذا فإن الرجل -يعني: الخليفة- إن لم يقتلك فأنت سوف تموت، فاتق الله ولا تجب، فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله، ثم قال: يا أبا جعفر ! أعد علي فأعدت عليه وهو يقول: ما شاء الله ما شاء الله.

    حتى أن أعرابياً ممن كانوا يعملون الشعر في البادية لما سمع أن الإمام أحمد متوجه ومحمول إلى المأمون ، ذهب من مكان إلى مكان حتى وصل إلى مكان الإمام أحمد وهو أعرابي، وجلس يقول له كلاماً بالثبات على الحق، مع أنه أعرابي وهذا الإمام أحمد ، لكن ما منعه ذلك من أن يؤدي دوراً في الموضوع.

    حتى اللصوص في السجن كان أحدهم يقول للإمام أحمد : يا أحمد ! إني أصبر على الضرب وأنا على الباطل، أفلا تصبر عليه وأنت على الحق؟!

    ويقول واحد من أهل السجن للإمام أحمد : إنما هي ضربة أو ضربتان بالسوط ثم لا تدري أين يقع الباقي، قال: فسري ذلك وخفف عني.

    فالواحد عندما يكون في محنة ويجد من إخوانه من يقف بجانبه يسر بذلك، ويشعر بشعور عظيم ويشعر بتثبيت، واليوم نحن نتخلى عن أدوار مهمة جداً يمكن أن ينقذ الله بها أقواماً من الناس بسبب سلبيتنا القاتلة.

    1.   

    التساهل في فتنة النساء

    ومن الأمور -أيها الإخوة- التي نعاتب أنفسنا فيها في موضوع الفتن، هذا التساهل الذي يحدث منا في فتنة النساء، من النظرة المحرمة، مخالفين قول الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] ومخالفين قول حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تتبع النظرة النظرة) ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام قد حذرنا من فتنة النساء، وقال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) وقال: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).

    واليوم بفعل هذا التبرج الشائع، وهذه الملابس التي هي زينة في نفسها والتي جعلت الأمر أشد، وهذه الروائح والأطياب التي شاعت وانتشرت ووضعت مما جعل الأمر أنكى وأسوأ، وهذا الخروج من البيوت وأماكن الاختلاط وموضوع التصوير، وشيوع الأفلام جعلت من فتنة النساء اليوم أمراً عظيماً لا يثبت أمامه إلا من عصمه الله.

    ولا شك أننا في وضع لا نحسد عليه في هذه القضية، وكثيرون هم اليوم الذين يطلقون أبصارهم إلى ما حرم الله، ويقولون: نحن لم نفعل الفواحش، نعم لكنهم مصرون، لو فرضنا أن النظر من الصغائر فهم مصرون على الصغيرة والإصرار قد حولها إلى كبيرة.

    كان أحد السلف في بعض المغازي فتكشفت جارية فنظر إليها فرفع يده فلطم عينه وقال: لحاظة إلى ما يضرك؟

    وقال عمرو بن مرة بعدما عمي: ما يسرني أني بصير، قد كنت نظرت نظرة وأنا شاب. وهو شاب حصل أنه نظر نظرة.

    وعن سعيد بن المسيب قال: [ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء].

    وقال لنا سعيد وهو ابن أربع وثمانين سنة قال: علي بن زيد وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى: ما من شيء أخوف عندي من النساء. هذا عمره أربعة وثمانون سنة، واحدة ذهبت والأخرى يعشو بها ويقول هذا!

    ونحن اليوم يحصل عندنا من التساهل في موضوع النساء أمر عظيم جداً، سواء في قضية أمرهن بالتستر والحجاب، أو التساهل في إخراجهن إلى أماكن الاختلاط والفساد، أو التساهل في النظر إليهن سواء كانت صوراً حية واقعية تتحرك في الشوارع والأسواق وعلى أبواب مدارس البنات والكليات وغيرها، أو كانت صوراً متحركة في أفلام، أو كانت صوراً مطبوعة في مجلات وأوراق، أقول: إن ما حصل من التساهل في هذا أمر عظيم جداً، قد جعل الكثيرين يقعون في المعاصي، وأمور تحركها الشهوات بسبب عدم غض البصر، ولربما وقع الواحد في فاحشة -والعياذ بالله- نتيجة تساهله، هذا التساهل الموجود عند بعض الناس في بعض القطاعات كما يوجد عند بعض الأطباء تساهل في النظر إلى المريضات، كما يحدث من تساهل بعض الباعة في النظر إلى النساء، وهم يعيشون بيئة من أسوأ البيئات، الباعة الذين هم في المحلات من كثرة ما يرون من الأجناس والأخلاط من هؤلاء المتبرجات أو السافرات المتعطرات الملعونات اللاتي لعنهن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (العنوهن فإنهن ملعونات) والمقصود لعن الجنس وليس لعن المعين، لعن هذا الجنس: المائلات المميلات؛ رءوسهن كأسنمة البخت، هؤلاء الكاسيات العاريات؛ بأن تكون لابسة شيئاً قصيراً أو شفافاً أو ضيقاً، وهذا هو حال كثيرٍ من النساء، وهن متوعدات باللعنة وهي الطرد من رحمة الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (العنوهن فإنهن ملعونات).

    هذا التساهل الحاصل من قبل بعض هؤلاء الأطباء أو الباعة وغيرهم من الذين يتعاملون في أوساط فيها نسوة، أو الموظفين في بعض الشركات، أو بعض الذين يتساهلون فيمن يعمل بجانب سكرتيرة أو امرأة، ثم يقع بعد ذلك ما يقع، وهي تأتي في الصباح إلى العمل متبرجة متعطرة.

    كان يونس بن عبيد من السلف يقول: لا يخلون أحدكم مع امرأة ولو كان يعلمها القرآن، ولو كانت القراءة منه وليست منها فإنه لا يجوز له ذلك.

    لا يخلون أحدكم مع امرأة يقرأ عليها القرآن، فكيف بهؤلاء الذين يفعلون ما يفعلون من انتهاك المحرمات؟! فهذه قضية مهمة من القضايا التي تنبئ عن عيوبٍ خطيرة في أنفسنا.

    1.   

    فلنراجع أخلاقنا

    وإذا انتقلنا إلى مسألة الأخلاق، وجدنا أن عندنا تقصيراً عظيماً، وأننا نعاني من عيوب كبيرة في مسألة الأخلاق، فتجد الجبن والكذب والبخل؛ هذه ثلاثة من أسوأ الأخلاق، موجودة عند الكثيرين، أو يكون في النفوس نصيب من كل خلق سيئ من هذه الأخلاق.

    النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين أو بعد غزوة حنين لما جاء هوازن يطلبون نساءهم وأبناءهم وأموالهم قال: (يا أيها الناس! ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم .. الحديث) ثم ركب راحلته وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا حتى ألجئوه إلى سمرة فخطفت رداءه عليه الصلاة والسلام، فقال: (يا أيها الناس! ردوا علي ردائي، فوالله لو أن لي بعدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم لا تلقوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذوباً) حديث صحيح رواه أحمد والنسائي عن ابن عمرو رضي الله عنهما. فإذاً هذه ثلاثة من أسوأ الأخلاق: الجبن والبخل والكذب، وهي موجودة ومنتشرة ومتفشية.

    وكذلك فإن مما يبلغ بالسوء غايته أن يجعل الإنسان شعار التدين، ويكون في حال من التمسك بالظاهر لبعض السنن وتحدث منه أو تبدو منه هذه الأخلاق التي تدل الناس على شيء من الازدواجية التي يعاني منها هذا الشخص، أو مظهر من مظاهر النفاق ولا شك.

    قضية الكلام الفاحش من سوء الخلق، ولعن من لا يستحق اللعن، وهذه قضية منتشرة، والغيبة والنميمة التي صارت فاكهة المجالس، وكثير من الذين يعظون في الغيبة يقعون فيها، والسلف رحمهم الله كانوا يحاسبون أنفسهم على الكلمات، التي قد تبدو عادية لبعض الناس فكانت عندهم ذات شأن.

    عن مالك بن ضيغن قال: جاء رباح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر، فقلنا: إنه نائم، فقال: أنوم هذه الساعة؟ ثم ولى منصرفاً، فأتبعناه رسولاً يذهب وراءه فقلنا: قل له: ألا نوقظه لك؟ فأبطأ علينا الرسول، ثم جاء وقد غربت الشمس، فقلنا: أبطأت جداً، فقال: هو أشغل من أن يفهم عني شيئاً، أدركته يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول: أقلت: أنوم هذه الساعة؟ أفكان هذا عليك؟ ينام الرجل متى شاء وقلت هذا وقت نوم؟ وما يدريك أن هذا ليس بوقت نوم؟! ثم قال مخاطباً نفسه: تسألين عما لا يعنيك وتتكلمين بما لا يعنيك. هذا على كلام يبدو عادياً جداً عند بعضنا، ومع ذلك كانوا يحاسبون أنفسهم على هذه الأشياء.

    1.   

    صلة الرحم وبر الوالدين

    مما نعاتب به أنفسنا تقصيرنا في صلة الرحم، زيارة الأقرباء، وبر الوالدين على رأس صلة الرحم، بل أهم شيء في صلة الرحم بر الوالدين، ومع ذلك قصرنا فيه كثيراً، فالذي يكون والداه معه في البيت فهو في شيء من سوء الخلق وعصيانه، وعدم تلبية رغباتهم، وعدم الإحسان إليهم، وكلمة (أف) عنده عادية، مع أن الله سبحانه وتعالى قال: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] نهى عن الأذى بالكلام: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] ونهى عن الأذى بالفعل: وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] وأمر بضد ذلك: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً [الإسراء:23] بدلاً من (أف) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] بدلاً من: وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] فاكتمل للأبوين الفعل الطيب والكلام والطيب والنهي عن الفعل السيئ والكلام السيئ كما أمر الله عز وجل.

    والذي يكون معه والداه في البيت يفعل أشياء مشينة في هذا، وربما نفض يديه في وجههما، نفض الدين في الوجه، هذا يعتبر من أنواع العقوق، ولو كان الوالدان في بلد آخر لكان السؤال قليلاً والتفقد نادراً والوصل بهدية أو مال أو شيء أيضاً أمراً قليلاً، وربما قال: أنا أولى بذلك ونحو ذلك، وصار يجادل أباه على مال أو بيت ونحوه، ويفاوضه كأنه إنسان غريب أجنبي.

    عن ابن عون قال: دخل رجل على محمد بن سيرين عند أمه فقال: ما شأن محمد يشتكي شيئاً؟ فقالوا: لا، ولكن هكذا كان عند أمه مثل المريض.

    وعن ابن عون: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين، كيف يعلو صوته على صوتها؟

    وكان الهذيل بن حفصة يجمع الحطب في الصيف فيقشره ويأخذ القصب فيفلقه، فإذا كان الشتاء جاء بالكانون قالت أمه: فيضعه خلفي وأنا في مصلاي ثم يقعد فيوقد بذلك الحطب المقشر وذلك القصب المفلق لا يؤذي دخانه ويدفئني، نمكث بذلك ما شاء الله، قالت: وعنده من يكفيه لو أراد ذلك، أي: هناك خادم لو أراد يأتي بخادم، لكنه يمارس ذلك بنفسه، قالت: وربما أردت أنصرف إليه فأقول: يا بني! ارجع إلى أهلك ثم أذكر ما يريد فأدعه.

    وكان واحد من كبار العلماء في المجلس تقول له أمه: يا فلان! وهو في المجلس وعنده طلبة العلم، وعنده ناس يكتبون الحديث، قم فألق الشعير للدجاج، فيترك الحلقة ويقوم ليلقي الشعير للدجاج، ويقوم ولا يقول: سكتوها، أو يتبرأ منها، ولست أنا المقصود.

    من قضايا الأخلاق والبر والصلة: معاملاتنا مع إخواننا، يوجد من الصدود والنفرة والشحناء والبغضاء والقطيعة والهجران والمعاملة السيئة والألفاظ الخشنة والتعامل الخشن مع إخواننا، ولا شك أن هذا منافٍ للبر، وهو من الأشياء التي نعاني منها كثيراً، كل واحد يعاني من الثاني، وكل واحد يشتكي من الآخر، والعيب مشترك، الخلل فينا جميعاً وليس أحدٌ مبرأ إلا من أبعده الله عز وجل عن هذه الأخلاق.

    حتى قضية الإنفاق على الإخوان من الأشياء التي صارت عزيزة، والواحد صار يؤثر نفسه على إخوانه بدلاً من أن يؤثر إخوانه على نفسه، كما قال الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].

    وابن المبارك رحمه الله كان يأخذ الاشتراكات من أصحابه عند السفر، ثم ينفق عليهم طيلة الطريق، وإذا وردوا البلد يشتري لهم هدايا لأولادهم مما يشتهون ويتمنون، ويقول: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم يا فلان ويا فلان ويشتري الهدايا، فيرجعون إلى أهليهم ثم يعيد إليهم نفقات الاشتراكات ويكون المال الذي صرفه عليهم في الرحلة كله من ماله، وهداياهم من كيسه، وهدايا أولادهم من كيسه.

    وكان ابن عمر يخدم أصحابه، وكان يرحل رواحل أصحابه، البعير إذا صار وقت المسير يحتاج إلى تجهيز، فكان يفعل ذلك، وكان يفعل ذلك لخدمه أيضاً.

    وكان بعض السلف يواسي أخاه في الحفاء، لما تنقطع نعله يحمل هو نعليه أيضاً ويمشي حافياً فيقول له صاحبه: ما حملك على ذلك رحمك الله؟ قال: أواسيك في الحفاء، أي: مادام أنك لا تريد أن تأخذ نعلي فسأمشي معك في الحفاء، فكان حسن التعامل موجوداً وقائماً.

    من الأشياء التي نعاني منها في علاقتنا الأخوية: سوء الظن، إذا رأى من أخيه تصرفاً حمله على أسوأ المحامل، وأول ما يتبادر للذهن الاحتمال السيئ، وليس الاحتمال الحسن، ولا نطبق القاعدة السلفية التي يقولها أبو قلابة : إذا بلغك عن أخيك شيئاً تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك: لعل في أخي عذراً لا أعلمه.

    وكثيراً ما تكون هذه الصدامات بين الإخوان وبين الشباب سبباً لتفرقهم، والأشياء التي تزرع الشحناء والبغضاء في نفوسهم بسبب أن الواحد لا يعذر الآخر ويتصيد أخطاءه، ويقول الواحدة بالواحدة ويعامل بالمثل، مع أن الآخر ربما ما قصد الشر، لكن هذا يحملها على أنه قصد الشر ثم يعامله بالمثل، ويقول له: وجزاء سيئة بمثلها، من لم يؤاخِ إلا من لا عيب فيه قل صديقه، من الذي لا يوجد فيه عيب، ومن لم يرض من صديقه إلا بالإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه، وهذه من الآفات.

    إن بعضنا يعاتب أخاه على كل شيء، أي تصرف خاطئ لا يمره، لا بد أن يوقفه عند كل واحد، أنت فعلت كذا وأنت آذيتني بكذا، وضايقتني بكذا ونحو ذلك من الأشياء، ونتصيد ونجمع الأخطاء ثم تعتمد في نفوسنا وتتحول إلى شحناء وبغضاء، وإذا صار الانفجار يكون دفعة واحدة، ونسرد الأشياء سرداً، ولا عندنا صدر متسع لكي نتحمل أخطاء إخواننا علينا.

    وحتى اختلاف الرأي، كم يتسع الصدر منا للخلاف مع إخواننا؟ الخلاف في الرأي لا الخلاف المذموم كأن تكون على سنة وهو على بدعة، أو أنت على علم وهو على جهل؟ لا. الخلاف في الرأي.

    قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى : ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟! لا يمكن أن يكون الناس على قلب رجل واحد في جميع الآراء.

    1.   

    تضييع الأوقات

    ثم -أيها الإخوة- من الأشياء التي نعاتب أنفسنا فيها جداً: قضية تضييع الأوقات، وتضييع الأوقات قد صار شعاراً لكثير من الناس، يضيعون الأوقات في التوافه، مع أن الوقت هو مخلوق لكي نملأه بالطاعات: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:62] فالله جعل الليل والنهار لكي نملأه بالطاعات: خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:62] الليل وراء النهار والنهار وراء الليل، يختلفان لكي نعمرهما بالطاعات، فماذا فعلنا في ذلك؟

    قال الحسن : أدركت أقواماً كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه. كان هذا سيماهم رحمهم الله تعالى، يستغلون الأوقات بالعبادات أولاً، وبطلب العلم، يقول الرقاق : سألت عبد الرحمن بن أبي حاتم عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالته لأبيه، فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه، يستغل كل وقت وكل دقيقة يقرأ على أبيه ويستفيد منه ومن علمه، والآن تضيع الأوقات فلا طلب علم ولا شيء، ويصبح الجهل متفشياً.

    الشباب كانوا في سفر فجاءوا وقت صلاة المغرب لجمع المغرب مع العشاء فاختلفوا: هل تقصر صلاة المغرب أو لا؟ ثم استقر الرأي على أن تقصر وصلوا المغرب ركعتين، كيف يكون هذا؟ هذه من أبسط الأشياء، قصروا المغرب وصلوا ركعتين.

    وآخرين نزل المطر في جماعة في مسجد صلوا ركعتين في البلد، جمعوا وقصروا في المطر في البلد.

    وآخرون تأخر الخطيب فصلوا ظهراً أربع ركعات مباشرة، واحد يمسك مصحف ويخرج على المنبر ويقرأ آيات، يقول الشافعي : يقرأ آيات ويدعو. ما أحد يحسن أن يفعل هذا؟ ما أشد جهل الناس، وما أجبنهم في الحق! ولكن إذا صارت الدنيا قام كل واحد ينافح عن ماله وعن نفسه.

    فتضييع الأوقات بالأشياء التافهة، حفظ القصائد والأشعار ليست من الملح، كان بعض المحدثين يختم حلقته بملحة أو بطرفة، لكن اليوم صار كل الحلقة وكل المجالس في طرف ونكت وفوازير وصوت صفير البلبلِ، وهذا شغلهم عن حفظ الأهم، وليس أنهم يحفظون ليتهم يحفظون متوناً في طلب العلم أو الحديث أو الفقه، ونحو ذلك.

    صارت الأوقات تضيع بالخلطة وكثرة النوم والسهر على غير منفعة، وكثرة الكلام وهكذا، وتضيع أيضاً بطلب الدنيا، هذا معجب بالكفار، وهذا ينزل قبل الدوام ويطلع بعد الدوام بساعات ويفخر بأنه نشيط في العمل، ونحو ذلك: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم) إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب، لا نقل: تأخر عن الدوام، واخرج قبل الدوام، لا. اجعل راتبك حلالاً لكن أن تكون عبداً للدنيا، تخرج من الصباح ولا ترجع إلا في الليل، وأعمال إضافية ما هذا؟

    وكذلك هذه الزيارات الفارغة التي ليس فيها ذكر لله تعالى، مجالس ليس فيها صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حتى كفارة المجلس، تضيع الأوقات بمرور هذا على هذا وهذا على هذا وجلوس هذا عند هذا والإسراف بالمال في الاهتمام بالمظهر وإنفاق الأموال فيه.

    ونجد عندنا كذلك مقابل الإسراف البخل بالصدقة، لو دعا داعي الصدقة تصدقنا بريالات، لكن لو دخل الواحد منا مطعماً أنفق العشرات، لا يحاسب نفسه عند الإنفاق في سوق ونحوه على ما ينفقه من المبالغ، لكن إذا أتت الصدقة وأخرج من جيبه بالغلط عشرين أرجع واحدة ووضع واحدة.

    فنحن عندنا إذاً -أيها الإخوة- شيء من البخل والشح ينبغي أن نحاسب أنفسنا عليه.

    عندنا توسع في الترفيه يصل إلى استخدام الأشياء المحرمة، عندنا مجاراة للأهل والأولاد إذا طلبوا منا أشياء محرمة كأنواع من الأفلام أو الألعاب المحرمة، إذا اشتهى شيئاً أعطيناه إياه، وجلبناه له، عندنا محبة للراحة والدعة والكسل، وانقلبت نقاشاتنا من أشياء مفيدة في طلب العلم إلى أشياء فيها أنواع من المباراة والمجادلة، لا يوجد شيء مبني على قراءة كلام العلماء، وإنما قضية ظنون وآراء شخصية.

    وكذلك فإننا نعاني من إنفاق الأموال في غير طاعة الله، والسفر إلى بلاد الكفار في السياحة، صار هذا ديدن كثير حتى من المنسوبين إلى الخير، يسافر في السياحة إلى بلاد الكفار، لا ضرورة ولا حاجة شرعية، لو أنه يقيم فيها هارباً مثلاً، أو يقيم فيها مؤقتاً للحاجة كعلاج أو نحوه لقلنا: ذلك متوجه، لكن يذهب للسياحة وإنفاق الأموال، وهو لا يعطي في سبيل الله إلا النزر اليسير، فهل يكون هذا شأن المسلم الجاد؟!

    وكذلك فإننا نحتاج إلى سؤال أنفسنا عن هذه الأموال التي ننفقها من أين اكتسبناها وفيم أنفقناها؟

    ونحن من خلال عرض هذه الأشياء -أيها الإخوة- لا نريد القول بأنه ليس في أحد خير، كلا والله، بل إن هناك كثيراً من الناس واقعهم طيب، وكثيراً من المجالس فيها خير كثير وفيها ذكر وعلم، وهناك كثير من الناس يبذلون في سبيل الله ويعطون وينفقون، وآخرون من المسلمين حريصون على طلب العلم، ويجتهدون فيه، ويحفظون القرآن، ويحفظون من السنة، ويحفظون متون العلماء أشياء لا بأس بها، وهناك الكثيرون عندهم سخاء وعندهم حسن خلق وعندهم تعهدٌ لأولادهم وبعضهم أنجز إنجازات كبيرة جداً في بيوت من إخلائها من المنكرات، أو من جمع الأهل على طاعة الله، ونجح بعض الدعاة إلى الله في تغيير بيوت وليس بيتاً واحداً، وأثروا في جيرانهم وأهل حيهم، وجماعة مسجدهم، بل وصل بهم الأمر لتعدي النفع إلى البعيدين من مراسلة هؤلاء الذين يرسلون بالرسائل التافهة إلى ركن المعرفة أو التعارف في المجلات، فأرسلوا لهم الكتب النافعة، والأشرطة الطيبة، وصار ذلك من أسباب هداية الخلق ممن كانوا بعيدين عن شرع الله.

    أقول: إن هناك خيراً ولا شك من ذلك، ولا يمكن أبداً أن يكون الكلام السابق معناه الخروج بنظرة سوداوية عن الواقع، كلا والله، بل المقصود -أيها الإخوة- أن نعاتب أنفسنا، والإنسان إذا عاتب نفسه ذكر معايبها، ليست القضية الآن تقييماً للواقع، كان الكلام هو بعنوان: تعالوا نعاتب أنفسنا، أي: عن التقصيرات الموجودة عندنا، إذاً نحن نركز على السلبيات والمعايب، وننظر إليها لنصلح من شأنها، ونحن المقصودون بالكلام، وليس الكلام لغيرنا أو لأناس من غير الموجودين، إن المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذُكَّر ذَكَر، ونحن إذا ذكرنا أنفسنا يجب أن نتذكر كلنا وأنا أولكم، ينبغي أن نحمل أنفسنا على الحق، وأن ننظر إلى العيوب التي عندنا فنشتغل بتصحيحها، وإلى الخلل فنشتغل بتسديده، ولا يصلح أبداً أن يبقى الإنسان المسلم على معصية، أو يبقى على عيب مع أنه قد وجه إليه وعرف به وهو مصر على إبقاء ما هو عليه.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.