إسلام ويب

نيران الدنيا [الزنا]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى حرَّم المحرمات وجعلها على مراتب، فجعل منها الصغائر والكبائر الموبقات، وهذه المادة بصدد الحديث عن إحدى هذه الموبقات ألا وهي فاحشة الزنا الذي ذمها الله سبحانه وتعالى في جميع الأديان والشرائع، وسد جميع الأبواب الموصلة إليها ورتب على ارتكابها العقوبات العديدة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.

    1.   

    الزنا إحدى الموبقات

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    الحمد لله الذي أحل لنا النكاح وحرم علينا السفاح، الحمد لله الذي أباح لنا كل ما يصلح حالنا وحرم علينا كل ما يشيننا ويفسد حالنا.

    أيها الناس: إن الله سبحانه وتعالى حرم المحرمات التي فيها ضرر على العباد سواء كان الضرر في أديانهم أو في أبدانهم أو في نفوسهم أو في أحوالهم عامة، وجعل الله الحرام مراتب، فجعل منه الكبائر التي لا بد لها من التوبة فلا تكفرها الأعمال الصالحة بخلاف الصغائر، فتحتاج هذه الكبائر إلى توبة مخصوصة، وجعل من الكبائر موبقات، فالكبائر كثيرة منها: ما توعد الله عليه بلعنة أو غضب، أو نار أو طرد وإبعاد عنه سبحانه وعن رحمته أو عدم تكليم صاحبه، ومن هذه الكبائر الموبقات التي توبق صاحبها في النار وتهلكه فيها؛ نظراً لكثرة شرها واتساعه، وعموم ضررها وشموله، ومن هذه الموبقات: الزنا الذي حرمه الله سبحانه وتعالى ومقته وأبغضه، وأمرنا بالابتعاد عنه وعن أسبابه، وقال الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] وهو قبيح عقلاً وشرعا.

    1.   

    ذم الزنا في شريعتنا وشرائع من قبلنا

    قال عثمان رضي الله عنه: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنا وهو محصن فرجم، أو رجل قتل نفساً بغير نفس، أو رجل ارتد بعد إسلامه) قال عثمان : [فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا قتلت نفساً مسلمة، ولا ارتددت منذ أسلمت] قال ذلك لما حاصره الفجرة الذين أراقوا دمه على المصحف.

    أيها المسلمون: نفس عثمان وفطرته السليمة تأبى الزنا حتى لما كان في الجاهلية، لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء في بيعة النساء المعروفة التي أمره الله بها بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ [الممتحنة:12] قال: ولا يزنين، ثم قال: ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيدهن وأرجلهن، وفيه معنى الزنا أيضاً، فوضعت هند بنت عتبة يدها على رأسها، وجاء في رواية أن امرأة قالت: [أوتزني الحرة؟!] مستغربةً لهذا، فالفطرة السليمة تأباه، والنفوس الأبية ترفضه؛ لما انطوى عليه من الشناعة والقبح ومعاني الرذيلة التي اجتمعت فيه، وهو حرام في الأديان والشرائع من قبلنا، هو حرام عند بني إسرائيل، هو حرام في التوراة والإنجيل، وقد جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمماً مجلوداً -يعني: مسود الوجه مجلوداً- فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم -كذبة- فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى -ولم يقل أنشدك بالله الذي أنزل القرآن- أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد نسود وجه الزاني ونجلده فقط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -لما قال اليهودي جعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، حرفوا دين الله-: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم) فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ .. الآية [المائدة:41] وفيها قول الله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة:41].

    1.   

    الزنا في الإسلام

    وفي شريعتنا ذمه الله أشد الذم، وقال الله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] فجعله بعد الشرك والقتل، فليس بعد الكفر أعظم من قتل بغير حق ثم الزنا، وقال الإمام أحمد رحمه الله: ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنا، بل قدمه في آية على القتل، فقال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:32-33] وذلك لأن الزنا يؤدي إلى القتل، ويتبع الزنا في الغالب الرغبة من التخلص من آثاره بقتل الجنين وإزهاق روح ولد الزنا في بطن الزانية أو بعد ولادته، أو إهماله ووضعه في المرحاض أو رميه في الزبالة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً خطره: (تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي منادٍ: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عنه، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله عز وجل له، إلا زانية تسعى بفرجها أو عشَّارا) امرأة جعلت فرجها مصدراً للكسب، زانية تسعى بفرجها، أو عشَّاراً يأخذ الضرائب ظلماً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً صورةً كريهةً من صور الزاني: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر) فقير مع ذلك متكبر، والأشيمط الزاني الذي لم يردعه الشيب في شعره، لم يرتدع وقد اشتعل بالشيب رأسه أن يتعدى حدود الله، وأن يظلم نفسه وأن يقع في الفاحشة، مع أن الدواعي لديه أضعف من الشاب وكلهم ملعون، ولكن من كان هذا حاله فكيف يرجى له الخير ولم يفكر في اقتراب أجله ودنو موته، ولم يكن عنده رغبة في التوبة وقد وصل إلى ما وصل إليه في هذه المرحلة من العمر، وقد أعذر الله إلى امرئ بلغ الستين، ولما بلغ نبي الله أربعين: قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [الأحقاف:15] قال العلماء: تجديد التوبة بعد الأربعين، وعند الستين يتفرغ للعبادة، وهذا أشيمط زانٍ.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا زنا العبد خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه) فهو ليس بمؤمن حين زنا، لا يخرج من الدين بالكلية ولا يكفر، فلا يزال إيمانه متعلق به، لكن يكون كالظلة على رأسه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره) وهذا الزاني الذي يطأ المتزوجة وفيها جنين غيره وربما تكون حاملاً من زوجها فلا يتورع أن يضع ماءه في هذا الرحم المحرم والفرج المحرم، فتختلط الأنساب وتتداخل المياه والعياذ بالله.

    1.   

    عقوبات الزنا

    عقوبات جماعية

    أما عقوبة الزنا فهي جماعية وليست فردية فقط، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله) استحقوا العذاب فليرقبوه، فليرقبوا إتيانه فهو قريب منهم إلا أن يحجب عنهم برحمةٍ من الله، وقيام المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر) وبلدان العالم الإسلامي اليوم من أفقر البلدان؛ نظراً لأنها لا تحكم شرع الله سبحانه وتعالى، ولذلك نشأ فيهم الفقر، والفقر متوقع ازدياده فيهم: (ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت) حديث حسن. سبحان الله! ما أصدق هذا الوحي! انظروا في الواقع، واعلموا أن من أعظم أسباب الموت هذه الأمراض الناشئة من الزنا ومن الفاحشة، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن -ما هي؟- لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) حديث صحيح. فانظر الآن في الواقع، وقل بلسان الحال: صدق الله ورسوله، وبقلبك صدق ما أخبر الله ونبيه عنه في هذا الوحي وأنت ترى أخبار هذه الأوبئة والأمراض في نشرات الأخبار لعظمها وخطرها، ويقولون: دخلت فيروسات الإيدز في الطور الثالث ونحن لم نكتشف بعد علاجاً للطور الأول، والمرض يزداد تعقيداً ويكتشفون أن بعض الأدوية التي كانت تعطى لمرضى لا تنفع، وهكذا عقاب الله لهذه البشرية الضالة التي تاهت عن أمر الله ورسوله.

    عقوبات فردية

    وقد عاقب الله على الزنا الزاني والزانية بأشنع العقوبات، فجعل المحصن منهما عقوبته أشنع قتلة، رجماً بالحجارة حتى يموت، حتى يجد الألم في جميع الجسد الذي تلذذ بالحرام، يجعل أمام الناس يرجمونه بالحجارة حتى يموت، قال عليه الصلاة والسلام: (وللعاهر الحجر) وإذا كانا غير محصنين زجرهما بإيذاء البدن بأعلى أنواع الجلد، مائة جلدة ردعاً عن المعاودة إلى الاستمتاع المحرم: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور:2] لا تقل ضحية للمجتمع، ولا تقل مسكين غلبته نفسه وشهوته: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النور:2] وأضاف إلى ذلك عقوبة التشهير فقال: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2] فلا يجوز جلدهما سرا، وأضاف إلى ذلك عقوبة التغريب فأمر بتغريب الزاني سنة، نفيه إلى مكان نظيف آخر يذوق ألم الغربة عن بلده ولعله يبدأ حياة جديدة.

    وكذلك حرمت الشريعة مناكحة الزناة والزواني، فقال الله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] فلا تجوز مناكحة الزانية من قبل عفيف فهذا حرام، ولا يجوز للعفيفة أن تنكح زانياً فهو حرام، ومن فعل ذلك فإن كان يعلم بطلان العقد فهو زانٍ، وإن قال: لست مقتنعاً بحكم الله فهو مشرك، والغالب أن الزاني لا ينكح إلا زانية مثله، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ مثلها، وهذا التحريم نوعٌ من عزل الزناة والزواني عن المجتمع، الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

    ورد الله شهادة الزاني والزانية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية، ولا ذي غمرٍ على أخيه في الإسلام) يعني: حقد على أخيه، لأنه إذا شهد عليه جار عليه، كان تهمة، فرد شهادة الزاني والزانية.

    العقوبة في الآخرة

    وأما في الآخرة وبعد الموت، فقد ورد في صحيح الإمام البخاري رحمه الله عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي: انطلق، فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على بناء التنور -الفرن العظيم- أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نارٌ فيه رجال ونساء عراة، فإذا أوقدت ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا -إذا أتاهم اللهب من أسفل ضوضوا وصاحوا وارتفعوا؛ رفعتهم ألسنة اللهب- فإذا خمدت رجعوا فيها) وهكذا في ارتفاع وانخفاض بألسنة اللهب، والذي يظهر من هذا الحديث أنه في البرزخ كما يتضح من سياقه لكن إذا قامت القيامة ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار في آخر يوم القيامة وختامه، فبعد ذلك لا تتصور ولا تستطيع أن تتخيل عقوبة الزناة والزواني، التنور في البرزخ وبعد ذلك يكون العذاب أشد والعقاب أكثر ألماً، ولا تسل عن عذابهم، وشراب أهل النار عصارة فروج الزناة والزواني.

    أيها المسلمون: إن الله عاقب هذه البشرية في هذا القرن وفي هذا الزمان على مرأى ومسمع منا ونحن نقرأ أخبار هؤلاء السفلة -ومجتمعات المسلمين تمشي على آثارهم وتقفوا نهجهم في الانحطاط والسفالة- وهم يخرجون الإحصائيات، يموت في فرنسا أكثر من ثلاثين ألف نسمة بالأمراض الجنسية، وفي أمريكا أكثر من ستمائة وخمسين مستشفى خاص لعلاج الأمراض الجنسية، وفي السويد ولد زنا من كل أربعة مواليد، هذه إحصائية عام 1977م والآن نحن بعدها بهذه السنوات الطويلة ستة عشر عاماً كيف حالهم؟ والإحصائيات عندهم موجودة، وبالرغم من تحسن الخدمات الطبية واكتشاف العقاقير والأدوية الأمراض آخذة في الانتشار والازدياد والتعقد إنها عقوبة الله، وقد وجد بين المسلمين كثير من آثار هذه الجريمة.

    ليعلم الزاني خطر الجريمة وهو يساهم بنشر الأمراض، وبعضها تنتشر إلى الأبرياء، وفي تقارير بعض الأطباء: ليس هناك شك في إمكانية وجود مرض الزهري في ثلاثة أجيال متعاقبة لعائلة واحدة، هذه اللعنة تسري في الأجيال، وكيف لا يأثم وهو ينقله إلى بريء أو بريئة؟ ومشكلة أولاد الحرام وما يظهر من الانحراف؛ لأنهم ينشئون في الغالب دون رعاية، اختلاط الأنساب، إدخال الوبال والعار على العوائل والأسر المحترمة، قتل الأجنة، ومن أكثر الأدوية تصنيعاً في العالم أدوية منع الحمل، ومن أكثر العمليات إجراء في العالم الإجهاض وإسقاط الأجنة، وهذه أحوال دور الرعاية شاهدة على آثار جرائم الزناة والزواني في المجتمع.

    اللهم سلم سلم، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلنا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من كل شر ومكروه، وباعد بيننا وبين الحرام، اللهم طهر قلوبنا وحصن فروجنا وسدد ألسنتنا يا رب العالمين.

    1.   

    تحريم الوسائل المفضية إلى الزنا

    أيها المؤمنون: إن الشريعة لما حرمت الزنا حرمت الوسائل المفضية إليه وسدت الذرائع المؤدية إلى طريقه، ولما قال الله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] ما قال: ولا تقعوا في الزنا، أو قال لا تزنوا، وإنما قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] أيضاً نهى عنه وعن قربه، فالقبلة للأجنبية والغمزة والنظرة حرام، النهي عن قربان الزنا وعن قرب الزنا أبلغ من النهي عن مجرد فعله، وإن هذه الشريعة جعلت من الأسباب ما يكفل الحياة النظيفة لمتبعيها، لقد شجعت على الزواج وأمرت به وأخبرت بأنه من سنن المرسلين، وأمرت بالتبكير إليه وأعانت على من سعى فيه، وأجازت دفع الزكاة لمن خشي على نفسه العنت وأراد أن يتزوج، وحرمت على الولي أن يتكسب من مال المهر؛ لأنه حق للمرأة الزوجة، وحاربت الشريعة الإسراف في الولائم والمغالاة في المهور، واشترطت الولي سداً لذريعة الزنا ولولا ذلك لقالت أي امرأة لرجل هات اثنين من أصحابك وقل تزوجتك وأقول قبلت، وأمر بإعلان النكاح كي يكون فرقاً بينه وبين السفاح، ولا تكره الفتاة على من لا تريده، لأنها قد تقع في الفاحشة بعد ذلك في جو رجلٍ لا ترضى به، ودعت الشريعة إلى رؤية المخطوبة كي لا يتورط أي من الطرفين في رجل لا يريده، وحرمت نكاح المتعة لأنه مما يشبه الزنا، وحرمت نكاح التحليل كذلك، ومنعت الزواج من الزانية والزاني، ومنعت الزوج من الغياب عن زوجته فترة طويلة لأنه من طرق الزنا، وحدد العلماء فترة للمفقود إذا لم يظهر بعدها اعتدت المرأة أربعة أشهر وعشرا حكم المعتدة من الوفاة، ثم ولي المفقود يطلق وتذهب فتتزوج، وحددت مرات الطلاق بثلاث فلا يستطيع الزوج أن يطلق ويبقيها عنده ويطلق ويبقيها فربما أيضاً وقعت في الفاحشة، فإذا حصل عدم التوافق تفرقا ويغني الله كلاً من سعته، ونهت الشريعة عن التحدث بما يقع بين الرجل وأهله، ونهت عن وصف المرأة المرأة لزوجها فلا يبقى في ذهنه صورة لامرأة تهفو نفسه إليها، فربما يكون من وسائل الوقوع في الفاحشة، وأباحت تعدد الزوجات كذلك، وحرمت الخمر لأنها من مفاتيح الزنا، وحرمت الغناء والمعازف لأن الغناء والمعازف بريد الزنا، ودقق لكلمات الأغاني تجد الدعوة إلى الفاحشة إما علانية أو من وراء ستار خفي، ودعت إلى الصوم إذا لم يجد، وشددت في عقوبة القذف حماية للأعراض وحتى لا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأعلنت عقوبة السفاح، وأمرت المرأة بالقرار في البيت، وأمرت بالاستئذان عند الدخول، وحرمت الخلوة بالأجنبية، وحرمت سفر المرأة بغير محرم، وحرمت على المرأة إبداء الزينة للأجانب والتعطر عندهم، وحرمت كذلك عليها الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وأمرت بغض البصر وعدم جواز لمس المرأة الأجنبية، كل هذه الاحتياطات والإجراءات والتشريعات حماية للأعراض، لأن حماية العرض من مقاصد الشريعة، ومع ذلك هذه المجتمعات المنحرفة اليوم -ومجتمعات المسلمين أعني بالذات- تسير بخلاف ما أمرت به الشريعة، النهج الموجود خلاف ما أمرت به الشريعة، حياة الناس بخلاف ما أمرت به الشريعة، فنحن على العكس كثيرٌ من الناس يغلقون منافذ الخير ويفتحون منافذ الشر، وكل ما أمرت به الشريعة مما سبق يخالفونه، فيؤخرون الزواج ويغالون في المهور ويتهمون الإسلام بالرجعية في تعدد الزوجات، وتخرج نساؤنا إلى الأسواق متعطرات متبرجات، ويخلو السائق بالمرأة، وتسافر المرأة بغير محرم، ويحدث ما يحدث من جميع المنكرات.

    أغلقنا أبواب الخير المؤدية للطهر والعفاف وفتحنا أبواب الشر، فهذه أفلام ومسلسلات وبث مباشر تحوي الحب والغرام والعشق الموقع في الزنا، وهذه المكالمات الهاتفية كثيراً ما تنتهي بالزنا، وتعطي مفتاح بيتها لهذا الشاب ويأتي بالليل هذا الفاجر إلى بيت أهلها ربما ويحدث، وأخبار المجتمع كثيرة، ومجاورة الفسقة ويزني الجار بحليلة جاره، والنبي عليه الصلاة والسلام يصف هذه الخيانة بقوله: (لأن يزني الرجل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره) فبعد الشرك بالله وقتل ولدك مخافة أن يطعم معك من الكبائر أن تزاني حليلة جارك، ويذهب هذا الرجل في نوبة ليلية في العسكرية أو في غيرها من الشركات ليخونه ذلك الآثم الفاجر مع هذه المرأة التي لم تتربّ على الإسلام ولم تعرف رائحة الطهر والعفاف فتقع المصائب، وعصابات الدعارة والفساد في بعض البلاد بطاقة البغاء رسمية، والقانون يقول: إذا زنيا برضاهما فلا شيء، وفي الأماكن الأخرى شقق الدعارة منتشرة وهؤلاء المطلقات والعوانس والتي هجرها زوجها وبعض الفجرة يفضل الزنا بالمتزوجات؛ لأنه لا يكتشف أمره وأبعد عن المشاكل، والفساد في مدارس البنات والذهاب إلى الأسواق والمستشفيات ثم تركب مع من واعدته والسفر إلى الخارج، ووضع العراقيل في طريق الزواج الشرعي، ثم تأخير الزواج بغير عذر للقادر عليه، وبعد ذلك من حصنه الله كثيرٌ منهم يقع في الفاحشة مع ذلك، قال أحد الفرنسيين وهو بول فيورو : إن عامة الشباب يريدون بعقد النكاح عندهم استخدام البغايا أيضاً وذلك أنهم يضلون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أو أحراراً طلقاء في أودية الفجور، ثم يجيء عليهم حين من دهر يملون تلك الحياة الشريرة المقلقة فيتزوجون بامرأة بعينها حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته واللذات المحرمة خارج البيت، دقق الآن واسمع من أخبار المجتمع ما تسمع لترى أننا على الطريق سائرون ولنهجهم مقتفون ولا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله السلامة.

    يا أيها الناس: هذه شريعتكم فما بال العدول عنها؟!

    أيها المسلمون: يوجد عافية في المجتمع والحمد لله، يوجد أطهار وشرفاء، يوجد أناس عندهم عفة، لكن السكوت عن الجريمة جريمة، والامتناع عن إنكار المنكر جريمة أيضاً، وماذا ننتظر والحرائق بين بيوتنا؟ ماذا ننتظر؟ كيف نتقاعس عن الدعوة إلى الله؟ وكيف نتقاعس عن إنكار المنكر؟ كيف نتقاعس عن نشر الفضيلة؟ كيف نتقاعس عن التوفيق بين النساء والرجال في الزواج والدلالة على الخير وتقليل المهور وتيسير الأمور؟

    يا عباد الله! إنها مسئولية والله سائلنا عما حل بالمجتمع، فليقم الأطهار منا بالواجب، وليرجع أولئك الذين يقعون في الفجور عن فجورهم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

    وسيقف الزاني والزانية أمام الله بفجوره ونجاساته وأرجاسه وأنجاسه، فيحاسبهم الله على ما عملوا، ثم يكون القصاص العاجل عند رب العالمين، ويكون في البرزخ أفران من النار وفي جهنم نيران جنهم: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36] وهؤلاء يصطرخون فيها: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] لكن قال الله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه [الأنعام:28] فلا يخرجهم العليم الخبير من النار؛ لأنه لو أخرجهم لعادوا، وقال مصداقاً لهذا في كتابه: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه [الأنعام:28] فليرجع إلى الله من وقع في الفاحشة، وليتذكر من وقع ذنبه فيتوب قبل أن يأتي الموت، فالموت قريب والأجل عاجل والله يمهل ولا يهمل، وسيرى عقوبة فعله ربما في أهله وبناته، فليتق الله قبل الفضيحة في هذه الدار ويوم يقوم الأشهاد.

    اللهم إنا نسألك أن تغنينا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك.