إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. دور القرآن في إنشاء تصورات المسلمين

دور القرآن في إنشاء تصورات المسلمينللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مازال القرآن الكريم كنـزاً مدفوناً عند كثير من المسلمين لم يستخرجوه بعد، ولم يطّلعوا على ما فيه من القيم العظيمة التي أودعها الله. فالقرآن الكريم بالإضافة إلى التعبد بتلاوته والعمل بأحكامه يبين لنا ويوضح كثيراً من المفاهيم التي أخطأ فيها كثير من الناس اليوم، فهو يوضح مفهوم الولاء والبراء .. مفهوم المفاصلة .. مفهوم العبادة .. مفهوم سنة التدافع بين الحق والباطل، وكذلك مفهوم التميز في العبادة ... إلى غير ذلك من التصورات التي ينبغي لجميع المسلمين أن ويعقلوها.

    1.   

    الكنوز العظيمة في القرآن وغفلة الناس عنها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إخواني: لا زال هذا القرآن الكريم كنزاً مدفوناً عند الكثيرين من المسلمين لم يستخرجوه بعد، ولم يطلعوا على ما فيه من القيم العظيمة التي أودعها الله في هذا القرآن.

    من الناس من يقرأ القرآن لينال أجر التلاوة، ومنهم من يحفظ آياته لينال أجر الحفظ، ومنهم من يقرأ القرآن ليذوق حلاوة هذا النظم العجيب ويتعلم من بلاغة القرآن وأسلوبه أموراً كثيرة، ومن الناس من يقرأ القرآن ليبحث عن الأخلاقيات التي تحسن سلوكه، ومنهم من يقرأ القرآن يريد فيه حلاً للمشكلات الاجتماعية، ومنهم من يقرأ القرآن يريد فيه حلاً للمشكلات الاقتصادية، هذا كله أمر مهم، ولكن لا بد أن نقرأ القرآن لهذه الأغراض كلها مجتمعة، ولا بد أن نقرأ القرآن لنستخرج منه التطورات الإسلامية والمكرمات العظيمة التي يجب أن يتربى عليها الفرد المسلم، ولأننا في غمرة تلاوتنا للقرآن ما بين جهل بمعاني ألفاظه وبين مرور سريع يمنعنا من التدبر في أعماقه، فإنه لا زالت هناك كثير من التصورات الإسلامية في هذا القرآن مدلولة للكثيرين.

    وهذا الكتاب العظيم له أهمية كبرى نريد أن تكون هذه الأهمية واضحة بوعي وليست واضحة بمجرد البركة والتقديس الذي يجده كثير من العوام في أنفسهم تجاه هذا الكتاب العزيز، وحتى أوضح لكم ما أردت أن أشير إليه فإني أستعرض وإياكم طائفة من التصورات القرآنية من أوائل القرآن الكريم في أوائل سوره لعلنا نجد معاً ما هو المقصود بالعمق المطلوب في دراستنا للقرآن الكريم؟

    1.   

    مفهوم العبادة والاستعانة في القرآن

    لو تأملت -مثلاً- قول الله عز وجل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وتتأمل كيف قدم هذه الكلمة: (إياك) على قوله: (نعبد) مع أن الأصل في اللغة أن تقول: نعبد إياك، فتأتي بالفعل ثم تأتي بالفاعل والمفعول، لكنه قدم المفعول أولاً، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] ولم يقل: نعبد إياك؟ ففي هذا دلالة على تخصيص الله بالعبودية، أليس هذا التقديم والتأخير يجب أن يكون مساراً للانتباه؟! ويجب أن يكون آخذاً باللب حتى يستشعر المسلم ما معنى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5]؟ ما هو الاختصاص الحاصل في هذه الآية؟ لماذا يجب أن يختص الله في العبادة وبالاستعانة، فلا نعبد إلا الله ولا نستعين إلا بالله؟

    تأمل.. كيف ينشئ القرآن هذا التصور العظيم للعبادة التي من أعظم معالمها الإخلاص إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] ولا نعبد أحداً معه سواك.. لا مالاً ولا جاهاً ولا منصباً ولا قانوناً وضعياً ولا آراءً بشرية، لا نعبد إلا الله سبحانه وتعالى، ولا نرضخ إلا له، ولا نذل إلا له، ولا نستعين إلا به.. لا بقوى شرقية ولا غربية، ولا شمالية ولا جنوبية، وإنما فقط إياك نستعين.

    1.   

    تصور وجوب اتباع أوامر الله

    تأمل مثلاً.. كيف ينشئ القرآن في نفس المسلم تصوراً عظيماً بوجوب اتباع أوامر الله عز وجل والوقوف عند كلماته، وعدم الاعتداء على ما أنزل الله، لما قال الله لبني إسرائيل: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58] ادخلوا الباب سجداً شاكرين لله على ما أنعم به عليكم، خالف اليهود هذا الأمر ودخلوا يزحفون على أدبارهم فخالفوا الأمر الإلهي.

    قال: وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] أي: ادعوا الله أن يحط عنكم، فماذا قالوا؟ زادوا (نوناً) فقالوا: حنطة، أعطنا طعاماً بدلاً من أن يقولوا: حط عنا ذنوباً، لم يقفوا عند كلمات الله، ولا عند أوامره، ولهذا لما شابهت طائفة من هذه الأمة أولئك اليهود فزادوا أحرفاً في تحريف كلمات الله، فقال الجهمي في تفسير قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال: الرحمن على العرش استولى.

    نون اليهودي ولام جهمي هما     في وحي رب العرش زائدتان

    1.   

    مفهوم المسارعة في تنفيذ أوامر الله

    إذاً: لا بد من الوقوف وعدم التعدي عند الأوامر والكلمات الإلهية الواردة في القرآن والسنة، مفهوم عدم التلكؤ وعدم التباطؤ في تنفيذ أوامر الله، والمسارعة فيها مفهوم تشير إليه قصة أمر بني إسرائيل بذبح البقرة، كيف تلكئوا؟ كيف تباطئوا؟ ما هي الأعذار التي افتعلوها؟ لماذا أرادوا التأخر؟

    كثير من المسلمين يحذون حذوهم في هذه الأيام: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) فيضعون المعاذير والعقبات في سبيل تنفيذ أوامر الله، ويعتذرون بأعذارٍ واهية إنما هي من وحي الشيطان.

    1.   

    مفهوم التميز في العبادة

    مفهوم الاختصاص والتميز في العبادة وعدم مشاركة الكفار بأي شعيرة من الشعائر كان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يتوجهون في البداية إلى بيت المقدس، ثم نزل تحويل القبلة إلى الكعبة تمييزاً لعبادة المسلمين عن عبادة الكفار، وتمييزاً لتوجههم في العبادة عن توجه الكفار: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:142]، وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ [البقرة:145].

    إذاً: تميز في العبادة مفهوم أصيل من المفهومات الإسلامية.. وجوب تطبيق جميع الإسلام.. خذ الإسلام جملة لا تأخذه وتفصل منه ثياباً كما تريد وتهوى، وإنما خذه جملة في جميع النواحي التي نزل فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً 2 البقرة:208] ادخلوا في جميع شعب الإيمان وجميع النواحي التي جاء بها الإسلام.

    1.   

    قاعدة التفاضل بين الناس

    قاعدة أخرى من القواعد التي يقرها القرآن: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً [سبأ:37]، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] هذه القاعدة مهمة حتى نعرف كيف يتفاضل الناس، وبأي شيء يتفاضلون؟ لما غابت القاعدة انظر اليوم إلى تعظيم البشر للبشر، وإلى اتباع البشر للبشر الآخرين.. ما هي موازين الاتباع والتعظيم؟ الجاه والمنصب والمال والأولاد أشياء من الدنيا.

    ولذلك اعترض بنو إسرائيل الجهلة منهم على تنصيب طالوت عليه السلام ملكاً عليهم، فماذا قالوا؟ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ [البقرة:247] لماذا؟ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247] إذا لم يتضح هذا المعيار وهذا الميزان حصل الخبط في الاتباع، وحصل الخبط في النظرة للناس وفي تقديرهم.

    1.   

    مفهوم التدافع في القرآن

    لابد من تصفية الصف وتنقيته من الدخلاء والمزيفين حتى يكون صفاً إسلامياً يستطيع فعلاً أن يجاهد أهل الشرك والكفر، وينصره الله باستكمال مقومات النصر: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249] ماذا حصل؟ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [البقرة:249] فقط، لم يدخل معهم دخيل آخر.

    وتمحيص الصف المسلم من حكم الله التي يريد أن تقع في الأرض: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179]، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [آل عمران:154] مفهوم التدافع بين الحق والباطل يكون لهذا كرة ولهذا كرة أخرى، لماذا؟ ليظهر الحق ويبطل الباطل، وعندما تحتدم المعركة تتميز الأشياء.

    وبضدها تتميز الأشياء

    وتحصل منة نصر الله لعباده، ويصلب البناء، ويشتد العود، وتقوم حركة الجهاد بكل إيجابياتها، وإلا لو لم يكن هناك صراع بين الحق والباطل على الأرض هل يكون هناك جهاد؟ هل يكون هناك تنقية وتمحيص وتصفية وأهمية للتربية؟ التدافع بين الحق والباطل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251]، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج:40].

    من سنة الله أن المسلمين ينزل أمرهم ويتغلب عليهم الكفار في وقت من الزمن، ومن سنة الله أن هؤلاء يعيدون تربية أنفسهم وصقلها في ظل تلك الظروف التي ينشئها الله سبحانه وتعالى حتى تعود الغلبة للحق والكرة له مرة أخرى، ويتخذ الله من عباده شهداء، حِكَم مترابطة.

    1.   

    الجدال والمناظرة في القرآن

    مفهوم الجدال والمناظرة في القرآن الكريم.. كيفية إفحام الخصوم من أهل الباطل؟ كيفية إسكاتهم؟ كيف تكون الحجة؟ وما هو أسلوب الحوار؟

    يعلمنا القرآن هذا المفهوم الأصيل.. يعلمنا القرآن ما نحتاج إليه في معركتنا مع أهل الباطل، كثيرون أولئك أهل الباطل في المجالس وفي جميع الأمكنة، تجدهم حرباً على الله ورسوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258] أتى بإنسان فقتله وأتى بمحكوم عليه بالإعدام فعفى عنه، سذاجة في التصور للإحياء والإماتة، ماذا قال إبراهيم؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258].

    1.   

    الدنيا.. مفهومها وميزانها وقيمتها في القرآن

    حقيقة الحياة الدنيا.. مفهومها.. ميزانها.. قيمتها! إنك تجد هذا التصور في القرآن في آيات كثيرة، زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14] إذاً ماذا نختار؟ وإلى أي جانب نميل؟ متاع الحياة الدنيا أم حسن المآب التي عند الله عز وجل؟ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] ماذا تختار يا أخي؟ تصور إسلامي مهم يعطيك إياه القرآن، هذا التصور تحتاج إليه كل دقيقة من حياتك.

    1.   

    مفهوم الولاء والبراء في القرآن

    مفهوم الولاية للمؤمنين: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران:28] هل تميل إلى الكفار؟ هل تصاحبهم؟ هل تنصرهم؟ هل توادهم؟ هل تجالسهم؟ هل تكون معهم ضد إخوانك؟ حتى في الشركات والأعمال تجد أن هذا المفهوم قد محي محواً تاماً، لا تجد مفهوم الولاية للمؤمنين والمعادة للكافرين حتى في أثناء معاملاتنا اليومية مع هؤلاء وهؤلاء.

    متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    تدعي حب الحبيب ثم     تخالفه ما ذاك في إمكانِ

    لا يمكن أن تجتمع المحبة والمخالفة، كثير من المسلمين اليوم يزعمون أنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يخالفون سنته في تصوراتهم وموازينهم وسلوكياتهم؛ بل وحتى مظاهرهم الشخصية.. معاملاتهم في البيت لزوجاتهم وأولادهم ولإخوانهم مخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل إن هيئتهم في الصلاة لا تشبه هيئة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم إطلاقاً، إلا في الأشياء العامة.. الركوع والسجود والقيام والقعود فقط.

    1.   

    مفهوم الشمولية في هذا الدين

    شمولية مفهوم الدين لجميع أعمال الخير ليس قاصراً على شيء معين إنما هو عام.

    المفهوم الشامل للعبادة ضاع في كثير من الأذهان.. كثيرون اليوم يعتقدون أن الدين في المسجد وأما العبادة فلا تتعدى المسجد، ولو خرج الخارج من باب المسجد لانتهت الصلة بالدين ولجاز له أن يعمل ما يشاء، هذا هو المفهوم الذي يقره القرآن في شمولية العبادة: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177] رد مفحم على كل رجلٍ متأثر بأهل الزندقة، وأهل الاستشراق، وأهل الغزو الفكري الذين يصورون أن الإسلام في المسجد فقط.

    1.   

    مفهوم المفاصلة في القرآن

    1.   

    مفهوم تخليص شخصيات الإسلام من ادعاءات الكفار

    مفهوم تخليص رجالات الإسلام من ادعاءات الكفار، حتى هذا ورد النص به في القرآن.. ما هو؟ ادعت اليهود والنصارى أن إبراهيم منهم، كل طائفة قالت: إبراهيم منا.. إبراهيم مشهور بالحنيفية.. بالصلاح والتقوى وامتثال أوامر الله، كل طائفة تريد أن تسحبه إلى جهتها، وتريد أن تتبناه وتجعله من رجالاتها، ولكن كيف واجه القرآن هذا الأمر؟ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:65] انظر إلى القوة في العرض، كيف تجادلون في إبراهيم، وإبراهيم ما نزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده.. موسى بعد إبراهيم، وعيسى بعد إبراهيم واليهود والنصارى يعلمون هذا التسلسل التاريخي الزمني، كيف يدعون إبراهيم لهم؟ وما أنزلت التوراة ولا صارت اليهودية ، وما أنزل الإنجيل ولا صارت النصرانية إلا بعد إبراهيم: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67].

    إذاً: من أحق الناس بإبراهيم؟ من أحق الناس بهذا الرجل؟ هذا الرجل يكون فرداً في أي حركة؟ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:68] هؤلاء أولى الناس بإبراهيم، انظر إلى هذا المفهوم في انتزاع وتخليص الشخصيات من الادعاءات الكفرية.

    1.   

    مفهوم توضيح خطط الكفار في القرآن

    الموقف من محاولة التشكيك من الكفار كيف تكون؟

    إنهم يريدون أن يحرفونا عن ديننا، وأن يبتلونا عن شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، وسائل عجيبة وخبث ومكر ودهاء، ماذا قالوا؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72] خطة خبيثة، ادخلوا في الإسلام صباحاً وإذا جاء المساء خرجوا من الإسلام، حتى يقول الناس: إن هذا ليس بدين صحيح وإلا لثبت الداخلون عليه، لكنهم لما دخلوا فيه ثم رأوه باطلاً خرجوا منه.. خطة خبيثة، وتزعزع الصف المسلم وتشكك المسلمين في إسلامهم، انظر إلى الخطة العجيبة: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72] كشف الله زيف الخطة، وكشف باطلهم في القرآن، وثبِّت المسلمين ووضح كيفية المجابهة.

    1.   

    مفهوم المستقبل للإسلام

    مفهوم المستقبل للإسلام، وأن الله لا بد أن يعز هذا الدين وأن ينصره ولو بعد حين: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:8-9] كم نحتاج هذا المفهوم اليوم؟ كم نحتاج التصور أن المستقبل للإسلام في وسط الضعف الذي نعيش فيه.. في وسط التقهقر الذي نحيا فيه.. في وسط غلبة الكفار على المسلمين في هذه الأيام، كم نحتاج إلى إشراق وتوهج هذا المعنى الأصيل في نفوسنا: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف:8] .. (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين يجاهدون حتى قيام الساعة

    نسأل أن يجعلنا وإياكم منهم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    مفهوم الوحدة في القرآن

    الحمد الذي لا إله إلا هو، لم يكن له ولي من الذل ولا شريك في الملك وأكبره تكبيراً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، واستوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وأنزل عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيماً، وفضل الله على المؤمنين عظيماً لما أنزل عليهم هذا الكتاب المشتمل على هذه القواعد المهمة في التصورات والمفهومات التي تعم جميع نواحي الحياة.

    مفهوم التوحد وعدم التفرق شيعة وأحزاباً مفهوم يؤكد عليه القرآن، وَاعْتَصِمُوا [آل عمران:103]، ثم يقول: وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] ما هو موقف المسلمين اليوم من هذا الأمر الإلهي وقد تفرقوا شيعاً وأحزاباً وطوائف وجماعات حتى ما عاد الحق يُعرف لعامة الناس من كثرة هذا التفرق؟

    ما هو المفهوم القرآني للاجتماع؟ نجتمع على أي شيء؟ كيف يتوحد المسلمون؟ يتوحدون على أي شيء؟ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [آل عمران:103] أما الاعتصام بحبلٍ من الله وحبل من الناس فلا يكون اعتصاماً ولا يصح أن يتوحد عليه المسلمون، وأي صف توحد على حبل من الله وحبل من الناس فآخرته ونهايته إلى الخسران والانكسار؛ لأن الله لا ينصر صفاً مرقعاً، ولأن الله لا ينصر صفاً تلخبطت فيه الأمور واختلطت من الحق والباطل.

    1.   

    مفهوم الخيرية في هذه الأمة

    مفهوم خيرية هذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] بأي شيء كنا خير أمة أخرجت للناس؟ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] إذا لم نقم بالأمر بالمعروف ولا بالنهي عن المنكر هل يصح أن ندخل أنفسنا في خير أمة أخرجت للناس؟ كلا. إننا حينئذٍ نخرج أنفسنا إذا أسقطنا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أمة الإجابة إلى أمة الدعوة، نكون من أمة الدعوة.. الدعوة موجهة إليهم لكن ما أجابوا ولا استجابوا.

    1.   

    مفهوم استعلاء المسلم عن الجاهليين

    مفهوم استعلاء المسلم وارتفاعه عن الجاهليات مهما كادوه وأحزنوه وعادوه وشردوه: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] كم نحتاج إلى هذا المفهوم في وسط هذا الضيق والاضطهاد الذي يواجهه المسلمون في كل مكان: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران:139] بعقيدتكم أنتم الأعلون بصفاء منهجكم، أنتم الأعلون بسنة نبيكم، أنتم الأعلون.. بصبركم على كتابكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مفهوم التعلق بالدِّين

    مفهوم التعلق بالدين لا بالأشخاص، فإذا ذهب الأشخاص ذهب المتعلقون بهم، أما المتعلق بالدين فإنه يبقى ولو مات كل الأشخاص الذين تعلق قلبه بهم أو أحبهم: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144].

    1.   

    مفهوم طبيعة مواجهة الجاهلية في القرآن

    طبيعة مواجهة الجاهلية مفهوم قرآني أصيل مبين في القرآن العظيم، ما هو الأذى الذي سيلحقنا من الكفار؟

    أذى متعدد الأنواع: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ [آل عمران:186] فقط: وَأَنْفُسِكُمْ [آل عمران:186] فقط: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [آل عمران:186] إذاً: الأذى في الذات.. في الأجسام.. في الأموال، والأذى المعنوي سماع الأذى من الكفار جميع أنواع الأذى، ما هو العلاج؟ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186] هذا مهم حتى يستعد المسلم للمواجهة، ويأخذ أهبته للصبر في المعركة على جميع أنواع الأذى.

    1.   

    مفهوم التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله

    المفهوم العميق في أن جميع الاختلافات والمنازعات لا بد أن ترد إلى الله وإلى الرسول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59]، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] كم نحتاج إلى هذا المفهوم اليوم، كثرت التنازعات والاختلافات، حتى في الأحكام الفقهية الناس فيها مساكين؛ لأنهم مضطربون ومتحيرون، هذا يقول شيئاً والآخر يقول بخلافه، وهذا يقول أمراً وهذا يقول بعكسه وضده، ما هو الحل؟ ما هو العلاج؟ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].

    أيها الإخوة: هذا القرآن والله الذي لا إله إلا هو فيه علاج لكل الأسقام المادية والمعنوية.. فيه علاج لكل أمراض الأمة.. فيه إيجاد أشياء مهمة للتربية.. تصورات يجب أن يقوم عليها المجتمع والأفراد المسلمين قد خلت كثيراً من نفوس المسلمين منها.

    اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعلنا ممن يقتدي بهذا القرآن.

    اللهم اجعلنا ممن وضع القرآن أمامه فقاده إلى الجنة، ولا تجعلنا ممن نبذ القرآن وراءه فقاده إلى النار.

    اللهم اجعلنا ممن يحل حلاله ويحرم حرامه ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه.

    اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار.

    اللهم واجعلنا ممن يستمدون تصوراتهم من القرآن، واجعلنا ممن يؤسسون موازينهم من القرآن، واجعلنا ممن يقرءون القرآن تدبراً وخشوعاً، وارزقنا حلاوة الإيمان به والعمل يا رب العالمين.