إسلام ويب

حقها عليهللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من نعم الله سبحانه وتعالى على عباده أن جعلهما زوجين، ذكراً وأنثى، وجعل كلاً منهما يألف الآخر ويحن إليه، وقد جعل الشارع كذلك أسباباً وحقوقاً على كل من الزوجين تزيد في المودة والمحبة والألفة إن هم عملوا بها، ومن هذه الأسباب: حقوق الزوجة، وقد ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة بعض حقوق المرأة على الرجل كالعشرة والنفقة وأحوالها، وما يصلح وما لا يصلح فيهما.

    1.   

    من حقوق الزوجة: المعاشرة بالمعروف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    سنتحدث -يا أيها الإخوة- وما زلنا في الحقوق الزوجية، التي هي من الأمور الأساسية التي جاءت بها الشريعة في العلاقة بين الزوجين، وأن معرفة هذه الحقوق مما يدرأ المشكلات، ويجعل الحياة الزوجية حياة سعيدة, وأن كثيراً من أسباب الشقاء بين الزوجين يعود إلى الجهل بالحقوق الزوجية.

    ولا شك أن هناك حقوقاً تعود إلى الزوجة، مثل:

    المهر.

    والنفقة.

    والمعاشرة بالمعروف.

    وعدم الإضرار بالزوجة.

    والوطء وما يتعلق به.

    وأن هناك حقوقاً للزوج، مثل:

    طاعته.

    وقرارها في بيته.

    وألا تأذن لأحد بغير إذنه.

    وأن تحفظ مال الزوج.

    وأن تخدمه في بيته.

    وله عليها حق التأديب إذا احتاج الأمر إلى ذلك.

    وقد تكلمنا في المرة الماضية عن مسألة واحدة فقط من حقوق الزوج وهي: طاعتها له، ونتكلم اليوم عن حق من حقوق الزوجة، لنعود بعد ذلك إلى حقوق الزوج مرة أخرى، ونجعل هناك مناوبة بين الحقين.

    فمن حقوق الزوجة على زوجها: المعاشرة بالمعروف:

    أما بالنسبة للمعاشرة بالمعروف، فإن من حقوق الزوجة على زوجها: معاشرته لها بالمعروف، قال الله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ولا بد أن نعرف ما معنى المعاشرة بالمعروف، وما هي مستلزمات هذه المعاشرة.

    معنى المعاشرة والمعروف في الآية

    ما المقصود بالمعاشرة؟

    المقصود بالمعاشرة: المخالطة، والمصاحبة، وينبغي أن تكون هذه المعاشرة بالمعروف.

    فما هو المعروف، بعد أن عرفنا معنى المعاشرة؟

    قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]: أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبون ذلك منهن، فافعلوا أنتم بهن مثله.

    وقال بعض المفسرين: النَّصَفَة في المبيت، والنفقة، والإجمال في القول.

    وقال الجصاص رحمه الله في هذه الآية: أمر الله تعالى الأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف، ومن المعروف: أن يوفيها حقها من المهر، والنفقة، والقَسْم -أي: القسم بين الزوجات إذا كان له أكثر من زوجة- وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض عنها، والميل إلى غيرها، وترك العبوس والتقطيب في وجهها بغير ذنب، وما جرى مجرى ذلك.

    إذاً: فَسَّر قوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]: أن يوفيها حقها من المهر، والنققة، إذا كان له أكثر من زوجة، وأن يترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض، والميل إلى غيرها، وأن يترك العبوس والتقطيب في وجهها بغير ذنب منها.

    وقال القرطبي رحمه الله في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]: أي: عاشروهن على ما أمر الله به من حسن المعاشرة، وذلك بتوفية حقها من المهر، والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقاً في القول؛ لا فظاً، ولا غليظاً، ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها -لا يظهر الميل إلى غيرها- فأمر الله تعالى بحسن صحبة النساء، إذا عقدوا عليهن، لتكون أُدْمَة ما بينهم -أي: خلطة ما بينهم- وصحبتهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش.

    وقال الشيخ: محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]: أي: يجب عليكم -أيها المؤمنون- أن تحسنوا عشرة نسائكم بأن تكون مصاحبتكم ومخالطتكم لهن بالمعروف، الذي تعرفه وتألفه طباعهن، ولا يُسْتَنْكر شرعاً، ولا عرفاً، ولا مروءة، فالتضييق في النفقة، والإيذاء بالقول أو الفعل، وكثرة العبوس -عبوس الوجه وتقطيبه عند اللقاء- كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف، والغرض أن يكون كل منهما مدعاة سرور الآخر، وسبب هنائه في معيشته.

    وبالجملة: فإن قوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] أن يجري مع زوجته بما جرى من عرف الناس، مما يعتبرونه من حسن المعاشرة، وتألُّف طباع النساء، وما يليق بكل زوجة بحسب حالها، بشرط ألا يُسْتَنْكَر ذلك شرعاً.

    فإذاً مراعاة العرف -أيضاً- من الأشياء المهمة ما لم يخالف الشرع.

    حكم المعاشرة بالمعروف والأدلة عليها

    ومعاشرة الأزواج للزوجات بالمعروف واجب، ليس مستحباً فقط، وإنما هو واجب؛ لأن الله أمر به، فقال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب؛ إلا إذا قام الدليل على صرفه إلى الاستحباب، ولا صارف، هناك أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يوجد صارف، إذاً ما حكم المعاشرة بالمعروف؟ واجب، إذا أخلَّ بها الزوج يأثم.

    بل إن الأدلة متضافرة على وجوب المعاشرة بالمعروف، وتأكيد هذا الوجوب، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء خيراً ) رواه الإمام مسلم . وهذه الوصية من النبي عليه الصلاة والسلام، أن نستوصي بالنساء خيراً؛ لأنهن عَوان عندنا، وأسيرات، فلا بد من إحسان العشرة معهن، والمخالِف لذلك كثير، ولذلك إذا طغى الزوج، أو بغى، أو كان فظاً، أو غليظاً، أو سيئ المعاملة، أو نابي الألفاظ، أو مقصراً في النفقة، أو مقطباً في وجه زوجته، أو لا يكلمها، ولا يعطيها اهتماماً، ولا عطفاً، ولا حناناً، فإنه بالتالي يكون مخالفاً لهذه الآية، والمخالفة خطيرة، ولذلك ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة.

    وقد حث الإسلام على الالتزام بهذا الأمر، وجعل أكثر الرجال خيرية خيرهم لنسائهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم).

    وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).

    فإذاً جعل الخيرية في طبقات الرجال مَن كان خيراً لأهله؛ لأنه إذا كان معاشراً بالمعروف لأقرب الناس إليه، ومن كانت خلطته دائماً معها وهي زوجته وهو معها بشر وحسن خلق وحسن معاشرة فمن باب أولى أن تكون علاقته مع الناس البعيدين حسنة، ومع الناس الذين يجدهم بين الفينة والفينة حسنة، ولذلك تجد القاعدة فعلاً مُطَّرِدَة، إذا كانت معاشرة الرجل مع زوجته حسنة، في الغالب تجد أن معاشرته مع جميع الناس حسنة.

    ومما يؤكد وجوب المعاشرة بالمعروف للزوجة: التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى قال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    وماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم مع نسائه؟

    كان جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف معهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان إذا صلى العشاء، يدخل منزله يسمُر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم، ولذلك كَرِه السمر بعد العشاء إلا مع الأهل أو الضيف وما شابه ذلك من الحاجة، ولذلك فإن مسامرة الرجل لأهله من السنة، وسَمَرُه مع زوجته من السنة.

    ولعلنا نفرد فصلاً خاصاً لمعاشرة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه في معاشرة زوجاته.

    1.   

    ضوابط معاشرة الزوج لزوجته

    ومع أن الإسلام أمر الزوج بمعاشرة زوجته بالمعروف، وجعل ذلك واجباً عليه، فإن هناك أموراً تعين الزوج على القيام بالواجب، ومنها:

    معرفة طبيعة المرأة

    أولاً: معرفته لطبيعة المرأة:

    ولذلك إذا عرف طبيعة المرأة سهل عليه أن يعاشرها بحسب ما يحتاج الأمر، فمثلاً بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة خُلقت من ضِلَع أعوج، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضِلَع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها على عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها) .

    فإذا عرف الرجل أن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج، آدم لما خلقه الله أخذ ضلعاً من أضلاع صدره، والضلع معروف، ضلع الصدر لا بد أن يكون معوَجَّاً محنياً من جهة رأسه، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضِّلَع أعلاه) معنى ذلك: أن العوج موجود هنا أيضاً (إن أعوج ما في الضِّلَع أعلاه).

    فمعرفة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، يعني: أن الاعوجاج موجود في طبيعتها، ولذلك لا تستنكر إذا حصلت أشياء لا تستقيم عندك، لأنك تعرف طبيعة المرأة سلفاً، صحيحٌ أن هناك عاقلات من النساء أكثر من بعض الرجال، لا شك، وكَمُل من النساء أعداد، كَمُل من النساء أربع، وهناك غيرهن قريبات من الكمال، وبعض النساء أعقل من بعض الرجال، لكن الغالب أن كمال العقل عند الرجل أكثر، كَمُل من الرجال كثير.

    والفساد يؤثر على الرجل، ربما يكون من شقائه: شربه للخمر، ومعاشرته، ومقارفة المنكرات، والكبائر، والفواحش، والأسفار، تكون المرأة هي العاقلة وهو الديوث، صاحب الفواحش الذي ليس فيه ولا يكاد يوجد فيه عقل، وتكون زوجته أعقل منه، وأربط للبيت منه، وأحفظ للبيت، ونحو ذلك؛ لكن الأصل أن الرجل هو الأعقل.

    فالآن تأمل معي أن أصل الخِلْقة، لما خلقت المرأة من ضِلَع، والضِّلَع مُعْوَجٌّ من الأعلى، كان هذا الشيء الذي هو أصل الخِلْقة مؤثراً على النتيجة التي هي المرأة المخلوقة (وإن أعوج شيء في الضِّلَع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته) الآن هذا الضِّلَع معوجٌّ، اخلع ضلعاً من ذبيحة، وحاول أن تقيم هذا الضلع من الأعلى وتجعله مستقيماً، إن جئت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوجاً ( استوصوا بالنساء خيراً ) معناه: هذا شيء أصلي موجود، وإصلاحه الجذري يجب أن تستبعده.

    ولكن لا شك أن الاعوجاج في النساء يختلف:

    فمنهن عاقلة موفورة العقل.

    ومنهن من لا يكاد يوجد فيها عقل.

    ولذلك لما قال: ( استوصوا بالنساء خيراً ) أي: اقبلوا وصيتي فيهن، واعملوا بها، وارفقوا بهن، وأحسنوا عشرتهن، (فإن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج) فلا يُنْكر اعوجاجها، وليست مفاجأة يعني: إذا تصرفت تصرفاً طائشاً ليست مفاجأة؛ لأنك تعرف سلفاً طبيعة الخلقة.

    أن الأصل في المرأة النقص وعدم الكمال

    كذلك المرأة إن أردت إقامتها على الجادة تامة مرضية لا تَعْوَجَّ أبداً، لا يمكن؛ لأنك إذا أردت أن تستقيم المرأة (100%) ما يمكن، إلا بكسرها، وكسرها طلاقها، ولذلك إذا أردتها سليمة (100%) فإنه لا بد أن يؤدي ذلك إلى الشقاق والفراق وهو كسرها؛ لأنه لا يمكن، ليس من وسعها واستعدادها أن تكون (100%) مستقيمة، وإن صبرتَ على سوء حالها، وعدم قيامها بحق زوجها دام الأمر لك، ما دمتَ متوقعاً سلفاً، ومستعداً لما يصدر، ودام استمتاعك بها، وحصل بها الإعفاف وطلب الذرية الصالحة.

    ولذلك قال في رواية الترمذي : (إن المرأة كالضِّلَع، إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج).

    وقد جاء في شرح الحديث: إن المرأة كالضِّلَع، يعني: أن النساء في خلقهن اعوجاج في الأصل، فلا يستطيع أحد أن يغيرهن عما جُبِلْن عليه، ولذلك ما معنى هذا؟

    يجب على الزوج ألا يقسو عليها إذا صدر منها بعض التقصير في حقه، ولا يحمله تقصيرها على التقصير بواجب المعاشرة لها بالمعروف، فإن التقصير منها لا يقابَل بالتقصير منه، يجب أن يعرف الرجل أن زوجته ليست مثله في القوة والعقل والتحمل، وأنها إذا قصَّرت فإنه يعلم سلفاً أن تقصيرها بسبب أصل خلقتها، ولذلك لا يقابِل هو هذا التقصير بتقصير فتتسع الهوة، أو أنه يريد منها ألا تخطئ في شيء، فلذلك بعض الرجال إذا رأى شيئاً بسيطاً من التقصير، تأخر الغداء خمس دقائق، فوجئ أن الثوب غير مكوي، حصل أيُّ تقصير، زيادة الملح في الطعام، أقام الدنيا ولم يقعدها، فهذا النوع من الأزواج لا يفهم طبيعة المرأة أبداً، ما يعرف حديث: ( إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج ) أبداً، ثم إن الخطأ البشري ممكن؛ لأن المرأة بشر، والرجل قد يخطئ في أشياء كثيرة في عمله، ربما ينسخ على ورقة ليست مما يُكتب فيه، ويأخذ نموذجاً غلطاً يعبئه، واستمارة ليست هي المطلوبة، الخطأ يقع من الرجل أيضاً في أشياء كثيرة، فليتوقع أنه إذا حصل خطأ من المرأة أنه يعفو ويسامح، ومن سامح فهو كريم.

    اعوجاج المرأة لا يعني عدم تقييمها

    وكذلك فإن اعوجاج المرأة على النحو الذي بيَّنه الحديث لا يعني أن الزوج ما يقوم شيئاً في المرأة، هذه مسألة مهمة، ليس معنى الحديث تيئيس الرجل من تقويم زوجته، لا، لكن معنى الحديث: أن الرجل لو حاول كثيراً جداً، ثم لم تأتِ النتيجة على ما يريد، أنه لا يُحْبَط؛ لأن المسألة فيها طاقة وقدرة إلى هذا الحد، وأن هناك شيئاً جِبِلِّياً في الموضوع، وشيئاً خَلْقياً في الموضوع، وشيئاً فِطْرياً وغريزياً في القضية، وشيئاً أصلياً؛ ولكن لا يعني أن هناك أشياء لا تتحسن، بل إن هناك أشياء كثيرة تتحسن، لكن المقصود أنك لن تصل إلى الكمال؛ لكن يمكن أن تكون المرأة عندها اعوجاج كبير فيخف بالمتابعة، والمعاهدة، والتربية، والتعليم، والتوجيه، والملازمة، والتقويم، تتغير أشياء كثيرة في المرأة، ودلالة الحديث على ما في المرأة من الاعوجاج يعني: فقط أن الوصول إلى الكمال التام غير ممكن؛ لكن لا يعني أن التحسن غير ممكن، وهذا أمر يجب أن يفهم .

    فطبيعتها تستعصي على التقويم الكامل؛ لكنها لا تستعصي على التقويم إلى درجة مهمة، وليس من المتعذر تقويمها على نحو مهم وكبير بحيث يحسِّن من حالها، وخدمة زوجها، وطاعتها له، ونحو ذلك.

    أن الرفق واللطف مطلوب في إصلاح الزوجة

    ومن الأمور المهمة: أن يعلم الزوج أن إصلاح الاعوجاج يتطلب رفقاً ولطفاً، وقد جاء في الحديث الصحيح: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله، ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما نُزع منه إلا شانه).

    وإذا لم تستقم الزوجة لزوجها، ولم تقم بحقوقه على النحو الذي هو يتمناه ويرجوه، وبقيت بقية من النشوز والاعوجاج، فعليه ألا يستغرب؛ لأن المسألة أصلية، ولا يحمله ذلك على كسرها وهو طلاقها، بل يتحملها ويحتسب تحملها عند الله، ويؤدي حق الله عليه فيها بحسن معاشرته لها، فهذا كَرَمُ الرجال ومروءة الأزواج، والرجل لا بد أن يكون عنده شهامة، ومروءة، وكرم.

    تذكر حسنات الزوجة

    وكذلك من الضوابط الشرعية المهمة التي وردت في معاشرة الرجل لزوجه، مما يساعد على معاشرة الزوجة بالمعروف: أن يتذكر حسنات زوجته:

    وهذا الأصل وضحه عليه الصلاة والسلام بقوله في الحديث الصحيح: (لا يفْرِك مؤمنٌ مؤمنة -يعني: أي لا يكره- إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر، أو رضي منها غيره).

    قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: أي: ينبغي ألا يبغضها؛ لأنه إن وجد منها خُلُقاً يكرهه، وجد فيها خُلُقاً مرضياً يقبله، كأن تكون شرسة في الخُلُق لكنها ديِّنة -يعني: ذات دين جيد-. وربما يكون فيها تقصير في الخدمة، لكن فيها جمال وعفة، وربما يكون عندها شيء من عدم الفطنة؛ لكنها رفيقة ومتحببة.

    إذاً: من الأشياء المهمة أن يتذكر الرجل حسنات زوجته؛ لأن تذكر الحسنات يطغى على السيئات، ويغطي التقصير، فلا يصح للزوج أن يركز نظره على الجانب الكريه من الزوجة، وينسى الجانب المضيء منها، لا يركز على الجانب المظلم، وينسى الجانب الطيب، عليه أن يستحضر حسناتها معه، وهو ينظر إلى سيئاتها معه أيضاً.

    إن هذا الاستحضار المزدوج يمكن أن يُسْتَشَف من قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114].

    والله تعالى قال: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1].

    وقال: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85].

    فإذاً: العدل يقتضي ألا نغمض أعيننا نحن الأزواج عن حسنات المرأة إذا صدر منها أمر سيئ؛ لأننا إذا كرهنا منها خُلُقاً وجدنا منها خُلُقاً آخر مرضياً، وأن نعلم أنها امرأة غير معصومة من الخطأ، وأن الله عفو يحب من عباده أن يتشبهوا بما يجوز لهم التشبه فيه من صفاته، مثل: العفو، والكرم.

    المخلوق عليه أن يقتبس من صفات الخالق التي يجوز له أن يقتبس منها لنفسه؛ ولذلك يكون الزوج عفواً كريماً.

    وقال القرطبي رحمه الله: يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب.

    أن الخير قد يكون في المرأة التي يكرهها

    ثم أيضاً من الأشياء التي تساعد على معاشرة الزوجة بالمعروف: ما قال الله تعالى في الآية: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19]:

    على الزوج أن يتذكر بأن الخير قد يكون في زوجته التي يكرهها، ويأتي عن طريقها، كأن يرزقه الله منها ولداً صالحاً تقر به عينه، وينتفع به المسلمون، فضلاً عن انتفاعه به هو في الدنيا، وانتفاعه به في الآخرة، كأن يكون ولداً صالحاً يدعو له، وربما ينفع الأب استغفار ولده له فترفع المنزلة في الجنة (فيقول: مِن أين لي هذا؟ فيقولون: باستغفار ولدك لك).

    والآن هذه الآية يجب أن تؤخذ بتمامها: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].

    إذاً: إذا كرهتم شيئاً، يمكن أن يكون فيه خير من وجه آخر.

    ولذلك قال المفسرون فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ [النساء:19]: قال القرطبي : أي: لدمامة -إن كرهتموهن لقبح في الشكل، عدم وجود جمال- أي: لدمامة، أو سوء خلق، مِن غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فإذا ما وصلت المسألة إلى الفاحشة والنشوز فوجود شيء من الدمامة أو شيء من سوء الخلق يُنْدَب الزوج إلى تحمله؛ لأنه عسى أن يئول الأمر إلى أن يرزقه الله منها أولاداً صالحين، ويجعل الله منها خيراً كثيراً.

    وقال ابن كثير رحمه الله في هذا الآية: أي: فعسى أن يكون في إمساكهن مع الكراهة فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة.

    كما قال ابن عباس في هذه الآية: [هو أن يعطف عليها فيُرزَق منها ولداً أو يكون في ذلك الولد خير كثير].

    وقال ابن العربي رحمه الله: المعنى: إن وجد الرجل في زوجته كراهيةً، وعنها رغبةً -يعني: رغب عنها، وليس فيها- ومنها نفرة، من غير فاحشة ولا نشوز، فليصبر على أذاها، وقلة إنصافها، فربما كان ذلك خيراً له.

    وكذلك قال بعضهم: إنكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف، فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير، مثل ولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة، أو حصول الثواب الجزيل من الله؛ لتحمُّلِه إياها، والإحسان إليها، مع كراهيته لها.

    فإذاً: لاحظ أنهم قيدوا المسألة بما إذا لم يكن هناك فاحشة أو نشوز، إذا وجدت فاحشة فالمسألة انتهت، ليس هذا مما يُتَحَمَّل.

    فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ [النساء:19] قال الشيخ: محمد رشيد رضا رحمه الله: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ [النساء:19] أي: لعيب في الخَلْق أو الخُلُق مما لا يعد ذنباً لهن، أو لتقصير في العمل الواجب عليهن في خدمة البيت والقيام بشئونه، مما لا يخلو عن مثله النساء -يعني: الخلق هذا أو الاعوجاج أو التقصير موجود عند عامة النساء، إذا كان شيئاً موجوداً عند عامة النساء اصبر عليه، فالذي عند غيرك مثل الذي عندك، والتقصير الذي تشعر به يعاني منه كثيرون، فإذاً: المسالة في حدود العموم الموجود المنتشر الذي لا يخلو منه بيت، ولا تخلو منه امرأة- فلا تعجل بالمضارة والمفارقة فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] ومن الخير الكثير، بل أهمه وأعلاه: الأولاد النجباء، فرب امرأة يملها زوجها، ويكرهها، ثم يجيئه منها ما تقر به عينه من الأولاد النجباء، فيعلو قدرها عنده، ومن الخير الكثير أن يصلح حالها بصبره وحسن معاشرته، فتكون من أعظم أسباب هنائه.

    ولذلك بعض الناس يقول: أنا أول خمس سنوات من زواجي تعبت جداً، ولكن بعد ذلك ارتحت إلى الغاية، بسبب أنه صبر على اعوجاج الزوجة، ومن صبر ظفر.

    والحاصل أن الدين يسر، والإسلام يوصِي المسلمين بحسن معاشرة في النساء والصبر عليهن إذا كرههن الأزواج، رجاء أن يكون فيهن خير كثير.

    أن يعرف الرجل مركزه في البيت وقوامته

    ثم من أسباب المعاشرة بالمعروف، ومما يعين على المعاشرة بالمعروف: أن يعرف الزوج مركزه في البيت:

    وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] أن يتذكر ذلك دائماً، ولا ينساه، أن له القوامة على زوجته، والرياسة على عموم العائلة، وأن أمره نافذ، وطاعته واجبة في غير معصية الله، وزوجته كالرعية بالنسبة إليه، وكالأسيرة بين يديه، والشأن في المسلم الذي يخاف الله، ويتذكر نعمه، وفضله عليه، أن جعله بمركز الراعي لزوجته، وهي كالأسيرة بين يديه، الشأن به أن يترفق بزوجته، ويحسن إليها، وألا يكون فظاً غليظاً معها.

    ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]: [الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلُق] يعني: يتحامل الإنسان على نفسه.

    فالمأمول والمرجو من الزوج المسلم أن ينأى بنفسه عن التعسف في استعمال سلطته الزوجية، وألا يسيء استعمال هذه السلطة ولا يستغل مركزه في البيت على نحو يضر بالزوجة، وليعلم أنه إذا ازداد تسامحاً مع زوجته وعفواً عندما يتكرر التقصير فإنه في هذه الحالة يصل إلى مبتغاه، من جهة أنه يجذبها إلى أن تتراجع عما هي متعنتة فيه عندما ترى عفوه ومسامحته.

    ولا شك أن القوي يستحي من إظهار عضلاته على مخلوقة ضعيفة.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لَمَّا شبه المرأة بأنها عانية عند زوجها، أي: أسيرة، ومعنى أسيرة: أنها مغلوبة على أمرها، وأنه هو المتحكم فيها، فينبغي أن يحسن إلى الأسيرة الموجودة عنده، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم ) وعوان: جمع عانٍ، والعاني هو: الأسير، وقوله: (فكوا العاني) العاني هو: الأسير.

    فالمعاشرة بالمعروف: واجب على الزوج نحو زوجته كما هي واجب عليها نحو زوجها، وهذا ما أكده الإسلام وحث عليه، ولذلك رخص الكذب لأحد الزوجين فيما يُسْتَجْلَب به المودة، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (لا أعده كذباً، الرجل يصلح بين الناس، الرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها) ومعنى هذا: أن الإنسان لو قال لزوجته مثلاً: إن هذا أحسن طبخ رأيته وطعمته في حياتي، وإن هذا أفضل أكلة أكلتها، ونحو ذلك، وهذا الكلام فيه مبالغة؛ لكن الرجل يتوسع فيه من أجل تأليف قلب زوجته، ولو أنها قالت له: أنت أكرم رجل في الدنيا ممن رأيت أو ممن عرفت ونحو ذلك، ولو كان هناك أكرم منه ممن تعرفهم من أقربائها مثلاً، فإن هذا الكلام لتأليف قلب زوجها لا بأس به ولا حرج، ولا يُعتبر كذباً.

    فالكذب من أجل إصلاح ما بين الزوجين، أو تأليف كل واحد منهم للآخر لا بأس به.

    ذكر الزوجة بالخير والثناء عليها

    ومن المعاشرة بالمعروف: أن الرجل لا يزال يذكر زوجته بخير، ولو بعد وفاتها:

    وقد كان صلى الله عليه وسلم حسن العهد وفياً، وكان كثيراً ما يحسن إلى خديجة بعد وفاتها، رضي الله عنها، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غِرْتُ على امرأة ما غِرْتُ على خديجة ، ولقد هَلَكَتْ قبل أن يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، لِمَا كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة، ثم يهدي في خَلَّتها منها) يعني: في صُوَيْحِباتِها منها، وهن خلائلها وصديقاتها.

    وورد في البخاري في الأدب المفرد: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِي بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لـخديجة).

    وأخرج الحاكم والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاءت عجوز إلى النبي صلى الله وعليه وسلم، فارتاع لها وخرج، فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خَرَجَت قلت: -يعني عائشة غارت- يا رسول الله! تُقْبِل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: يا عائشة ! إنها كانت تأتينا زمن خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان). (وجاءت هالة أخت خديجة ، فقام وارتاع لها، ويسأل عن حالهم، وعن أخبارهم، فكانت عائشة تقول: ما تريد من امرأة حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها؟! -يعني: يعني: ماذا تريد بعجوز قد أبدلك الله خيراً منها- قال: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد) فهو لا يزال يذكر زوجته الأولى خديجة ، ولا شك فهي التي أعانته لما نزل الوحي، وهي التي هدَّأت من روعه، وهي التي آزرته ونصرته، وهي التي دعمته بمالها وساعدته، وكانت نعم الزوجة لزوجها، ولذلك بُشِّرت خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.

    فهذا من المعاشرة بالمعروف، والمعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة.

    فإننا قلنا: إن هناك حقوقاً على الزوج وحقوقاً على الزوجة، وهذا الحق وهو المعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة، ولذلك فإن حسن المعاشرة مذكورة في الآية في قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] لاحظ بلاغة القرآن في بيان الحق المشترك: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] فلكل من الزوجين حق المعاشرة بالمعروف على الآخر؛ ولكن يختلفان في المعروف في الحق في بعض المواضع.

    ولذلك قال العلماء، ويسن لكل من الزوجين تحسين خُلُقه لصاحبه، والرفق به، واحتمال أذاه.

    ولذلك جاءت الشريعة بالحرص على دوام حسن المعاشرة بين الزوجين، وأن تكون الروابط قوية ومتينة، وإزالة ما يكدر هذا الصفو، إذا حصل شقاق فهناك علاجات، لعلنا نذكر تفصيلها كما في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً [النساء:35].

    فهنا يتبين مسألة حق الزوجة على زوجها في المعاشرة بالمعروف.

    وهناك أشياء أخرى تفصيلية سنذكرها في النفقة، والوطء، والمبيت، والعدل بين الزوجات، مما يجب على الزوج، وأشياء أخرى تفصيلية في القرار في البيت، والاستئذان، وحفظ المال، ونحو ذلك مما سنذكره في حقوق الزوج على زوجته.

    والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    حق النفقة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فقد سبق الكلام -أيها الإخوة- في الحقوق الزوجية في أمور شتى.

    وسنتكلم في هذه الليلة إن شاء الله عن مسألة مهمة، ذكرها الفقهاء، وتعرضوا لها، ألا وهي: موضوع نفقة الزوجة.

    أدلة وجوب النفقة على الزوج

    من حقوق المرأة التي جاءت بها الشريعة: وجوب نفقة المرأة على زوجها، وعلى هذا دلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأجمع عليه العلماء، ولوجوب النفقة للزوجة على زوجها شروط معينة، وهي مقدرة شرعاً، لكفايتها من الطعام واللباس، والسكن، على قدر حال الزوج يساراً وإعساراً.

    وهذا النفقة فرض على الزوج لا بد أن يقوم به، ولا تسقط عنه، بل تصبح ديناً في ذمته إذا عجز عنها.

    وهناك أمور كثيرة تتعلق بالنفقة، مثل: وجوبها، وكيفيتها، وأنواعها، ومقدارها، واستيفائها، والاختلاف فيها، ومسقطات النفقة.

    أما وجوب نفقة الزوجة: فإنه واضح من الكتاب العزيز كما ذكر أهل العلم، واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج النفقة والكسوة؛ لقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ [البقرة:233]: عليه، فيفيد الوجوب وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    وثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف).

    وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لـهند زوجة أبي سفيان : (خذي -يعني: من مال زوجك أبي سفيان- ما يكفيك وولدك بالمعروف).

    قال ابن قدامة رحمه الله: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، واحتج بقوله تعالى: لِيُنْفِقْ [الطلاق:7] هذا أمر لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] وبقوله صلى الله وعليه وسلم: (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف).

    وقد دل الكتـاب العـزيز عـلى وجوب إسكان الزوجة في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6].

    يعني: على قدر ما يجد أحدكم من السعة والمقدرة، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق أيضاً؛ لأنها لا تصل إلى النفقة إلا بالخروج للاكتساب، وهي ممنوعة من الخروج بحق الزوج، إذاً وجب عليه أن يكفيها الخروج، وأن ينفق عليها.

    وقال الله تعالى: تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق:6] أي: لا تضارُّوهن في الإنفاق، فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن لطلبها.

    وقال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].

    سبب وجوب النفقة على الزوجة

    وما هو سبب النفقة على الزوجة؟

    ذهب بعض أهل العلم إلى أن سبب وجوب النفقة على الزوجة، أنها محبوسة عند زوجها بحبس النكاح، ممنوعة من الخروج للاكتساب؛ لأنها إذا كانت محبوسة عنده، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( فإنهن عوان عندكم ) ولا يجوز لها أن تخرج إلا بإذنه، فمعنى ذلك أنها لا تستطيع أن تخرج لتكتسب إلا بإذنه، وهي محبوسة لحقه، متفرغة لشأنه وأولاده وبيته.

    فإذاً لا بد أن تنال كفايتها، وكل من كان محبوساً على أمر من الأمور بحيث يشغله هذا الأمر عن النفقة على نفسه، فإنه يُفرض له من بيت المال، كالقاضي والمفتي ونحوهم، إذا فُرِّغوا لأجل مصالح المسلمين، وجب أن يعطوا من بيت المال النفقة عليهم.

    وكذلك المرأة محبوسة عن النفقة، أسيرة في بيت زوجها، فكان لا بد له أن ينفق عليها.

    وذهب بعض أهل العلم -أيضاً- إلى أن سبب نفقة الزوجة على زوجها التي يجب أن يسلمها إياها هو تسليم نفسها إليه، وتمكينه تمكيناً تاماً من الاستمتاع بها، فإذا كانت الزوجة قد سلمت نفسها لزوجها وجب على زوجها أن ينفق عليها.

    وقال العلماء: إذا بذلت الزوجة تسليم نفسها البذل التام، بألا تسلم في مكان دون آخر، أو بلد دون آخر، بل بذلت نفسها لزوجها، وخلَّت بينها وبينه؛ بحيث يستمتع بها متى شاء، فإنه يجب عليه أن ينفق عليها.

    إذاً: إذا سلَّمت نفسها للزوج وجب الإنفاق.

    فلو قال قائل: أنا عقدت على امرأة وهي عند أبيها، ولم تسلِّم نفسها بعد، هل يجب علي أي نفقة؟

    الجواب: لا. لأن النفقة لا تجب إلا عند تسليم الزوجة لنفسها، فإذا سلمت نفسها، فإنه يجب على الزوج أن ينفق عليها.

    وكذلك فإن العقد الصحيح سبب لوجوب النفقة، لأن العقد الفاسد ليس فيه نفقة، ولا يجب على الزوج أن ينفق عليها، ولذلك بعض الذين يسافرون إلى الخارج، ويقترفون المحرمات، ويفعلون الفواحش، ثم ترسل له الزانية بصورة البنت أو الولد قائلة: أرسل النفقة! هل عليه نفقة؟ ليس عليه نفقة؛ لأن هذا زنا وليس بزواج، وهذه البنت ليست ابنته، بل هي بنت الزانية تُنسب إليها، ولذلك لا نفقة لها، ولا لمن يأتي من الزنا، فالنفقة من النكاح الصحيح، وليس من النكاح الفاسد.

    وكذلك فإن الزوجة إذا نشزت وامتنعت عن تسليم نفسها لا نفقة لها، فتسليم الزوجة نفسها للزوج في نكاح صحيح، وحبسِها لنفسها في بيته هو سبب النفقة.

    فإذاً: لا يجوز للزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها لزوجها بدون سبب شرعي، وعليها أن تخلي بين نفسها وبين زوجها، وفي هذه الحالة تستحق النفقة، وإذا امتنعت عن الذهاب معه إلى بيته، فليس لها نفقة.

    وينبغي أن يكون تسليمها لنفسها حقيقياً بأن تأتي إلى بيته، فإذا زفت إليه -مثلاً- تم التسليم، كما يُعتبر التسليم حاصلاً حكماً إذا كانت مستعدة للانتقال إلى بيته في أي وقت شاء؛ لكنه هو الذي أخر هذا الانتقال، فهي إذاً جاهزة من أجله، فهنا يجب عليه النفقة.

    1.   

    حالات يحق للزوجة فيها الامتناع عن تسليم نفسها

    وللزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها بسبب شرعي، من أمثلة ذلك:

    الامتناع عن إعطائها مهرها المعجل

    ألا يعطيها مهرها وحقها:

    فإذا امتنع عن إعطائها المهر، جاز لها أن تمتنع عن الحضور إلى بيته، المهر المعجَّل الذي اتفقوا على تعجيله، سواءً أكان المهر كاملاً معجلاً أو جزءاً منه معجلاً، لا بد أن يسلَّمَ المهر كاملاً، وإذا لم يسلِّم المهر جاز للمرأة أن تمتنع عن تسليم نفسها، ويكون امتناعها مشروعاً؛ لأنه هو الذي امتنع عن تسليم الحق.

    عدم تهيئة البيت الشرعي لها

    وكذلك عدم تهيئة البيت الشرعي:

    كأن يسكنها في بيت ضرتها، أو في بيت فيه بعض أهله، أو في بيت لا تتوفر فيه شروط البيت الشرعي، فإن لها أن تمتنع عن تسليم نفسها إليه.

    ولذلك فإن من حقها أن يسكنها في دار مفردة لها؛ لأن السكن من كفايتها.

    إذا سافر بها إلى بلاد الكفار أو بلد غير مأمون

    وكذلك إذا أراد أن يسافر بها سفراً غير مأمون:

    أو أن يسافر بها إلى بلاد الكفار، ويجلسها هناك في مكان الفتنة، لغير حاجة ولا ضرورة فإن لها أن تمتنع، ويكون امتناعها امتناعاً شرعياً.

    1.   

    حالات نشوز المرأة

    أما إذا نشزت المرأة، وعصت الزوج، وامتنعت عما أوجبه الشارع عليها، كما لو امتنعت عن فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مناسب لها، أو امتنعت من السفر معه سفراً مباحاً، فإنها في هذه الحالة لا نفقة لها؛ لأنها ناشز وعاصية، وخروج المرأة من بيت زوجها بدون إذنه يعتبر نشوزاً يسقط حقها في النفقة؛ لأنها بهذا الخروج قد خرجت عن طاعته، وفوتت عليه حق الاستمتاع بها، وخدمتها له.

    فمتى امتنعت من فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن لائق بها وشرعي متوفر فيه كل الشروط، ليس بمسكن ضرة ولا ضرار، أو امتنعت من السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى.

    فلو قال: تأتين معي إلى هذا البيت، أو إلى هذا البلد، الذي صار فيه رزقي وعملي، فامتنعت بدون سبب شرعي، ولا شرطت شيئاً في العقد، فإنها ناشز وعاصية، ولا نفقة لها.

    ولو قالت له: أرسلني يجوز له أن يمتنع عن الإرسال؛ لأنها عاصية وناشزاً.

    أما إذا شرطت في العقد ألا تسافر من بلد أهلها -مثلاً- ووافق الزوج، فإن شرطها ملزم للزوج، وملزم للإنفاق عليها، ولو غادر هو البلد.

    نقول أيضاً: إن امتناع المرأة ونشوز المرأة يعتبر مسقطاً للنفقة.

    وكذلك إذا خرجت من بيته بدون إذنه، فإنها تعتبر ناشزاً إذا كان خروجها لغير سبب مشروع.

    وكذلك فإنها إذا امتنعت عن الزفاف والقدوم إلى بيت زوجها، وقد أعطاها مهرها المعجل، وقالت: لا آتي إلى بيتك، ولا أريد الدخول، ولا أريد الزفاف، فإنها في هذه الحال تعتبر ناشزاً، ولا نفقة لها.

    وكذلك إذا امتنعت عن الوطء، وعن إعطاء الزوج حقه بالاستمتاع، فإنها تعتبر ناشزاً إذا امتنعت عن الوطء أو مقدماته بدون سبب شرعي، بحيث كان ممكناً لها حصول الوطء والاستمتاع من قبل الزوج؛ ولكنها تأبَّت وتمنعت وخرجت عن فراشه، فإنها لا نفقة لها، وتعتبر ناشزاً عاصية لله تعالى.

    وأما خروج المرأة للحج، فإن كان الحج فريضة أو العمرة واجبة فإن خروجها صحيح، ولها النفقة؛ لأنها فعلت ما أوجب الشرع عليها.

    وكذلك صيام رمضان، فإنها تمتنع عن زوجها بالاستمتاع لأجل حق الله.

    ولذلك لا يعتبر امتناعها في نهار رمضان عن زوجها نشوزاً، ولا يعتبر خروجها لحج الفريضة أو العمرة الواجبة خروجاً ولا نشوزاً عن طاعة زوجها، وبالتالي النفقة تكون سائرة ومستمرة لها، ولا تعتبر ناشزاً في هذه الحالة، بخلاف خروجها في حج النافلة بغير إذن الزوج؛ فإنها تعتبر ناشزاً.

    وأما خروج الزوجة الموظفة أو ذات الحرفة إلى العمل: هل يعتبر نشوزاً أم لا؟

    إذا كانت شرطت على زوجها ذلك في العقد ووافق، وكان العمل حلالاً، أو سمح لها الزوج بالخروج، فإن خروجها صحيح إذا كان بالشروط الشرعية، ولها النفقة حتى لو كانت موظفة، لها النفقة، أما إذا لم يسمح لها الزوج بالخروج، وأمرها بالقرار في البيت، فخرجت بدون إذنه إلى وظيفتها -مثلاً- فإن خروجها يعتبر نشوزاً، فهي لم تحتبس في بيت زوجها، ولم تجلس فيه، وفوتت عليه مقاصده، وما يريد منها من القرار في البيت، فإن استمتاعه يكون به ناقصاً إذا كانت في النهار تعمل وتكدح، فتكون في الليل عنده متعبة.

    فإذاً إذا لم يحصل منها اشتراط، ولم يسمح لها الزوج، فإن خروجها للوظيفة نشوز يُسقِط النفقة، وعليها أن تتوب إلى الله، وترجع عن هذا النشوز؛ لأنها تكون عاصية لله تعالى، فإذا تابت إلى الله، وأطاعت برجوعها إلى بيته، عادت النفقة لها لعودها إلى الطاعة.

    1.   

    حكم النفقة حال الإعسار والغيبة

    وكذلك فإن المرأة إذا كانت ذات زوج معسِر، فما هو حقها في النفقة؟

    إذا كان معسراً فإن حقها في النفقة ثابت، ويكون ديناً على زوجها، يجب عليه الوفاء به إلا إذا سامحته، ولا شك أن أمور الزواج مبنية على التسامح والمحبة، ولكن الحقوق لا بد من ذكرها حتى يُعرف الحد، وأما بالنسبة لقضية التسامح فإنها لا بد أن تكون هي الطاغية والحاصلة؛ ولا يكون شأن الزوجين التحاكم إلى القاضي في كل صغيرة وكبيرة، ولكن إذا علم كل واحد منهم ما أوجبه الله عليه فإنه يسارع إلى بذله، وكذلك ينفع هذا العلم عند حصول الخلاف، فيعرف كل من الزوجين ماذا يجب عليه.

    ثم إن بعض انتهاكات الحقوق الشرعية هي من مسببات الخلاف في الغالب، فتقصير الزوج في النفقة من مسببات الخلاف، خروج الزوجة للعمل من مسببات الخلاف. انظر إلى مسببات الخلافات الزوجية تَجِد أن أكثرها يعود إلى مُخالَفة هذه الحقوق التي تذكر.

    والزوجة إذا غاب زوجها عنها، فإن عليه أن ينفق عليها أثناء غيابه، وأن يرسل لها بالنفقة في غيبته؛ لأنها سلمت نفسها، لكن هو الذي سافر.

    وبالتالي فإن زوجة الغائب نفقتها على زوجها، إذا كانت قد سلمت نفسها إليه؛ ولكنه هو الذي سافر عنها.

    والنفقة تصير ديناً في ذمة الزوج إذا امتنع عن أدائها، وإذا كان معسراً فإنها تبقى ديناً عليه، وقد قال الله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233] وكلمة (على) تفيد الإيجاب، فأخبر سبحانه عن وجوب النفقة والكسوة، وأطلق ذلك عن الزمان، أي: أنه دائماً عليه: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7] فإذا وجبت فإنها لا تسقط، لأنها مثل الحقوق، فإنها ما دامت عنده مسلِّمة نفسها يستمتع بها، فالنفقة عليه.

    1.   

    أنواع النفقة على الزوجة

    وكذلك فإن النفقة على الزوجة أنواع:

    الله تعالى يقول: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] هذا المطلقة الرجعية، لها النفقة والسكنى، فمن باب أولى الزوجة التي ليست بمطلقة.

    وقد قال حكيم بن معاوية القشيري : (يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تقبح الوجه، ولا تهجر إلا في البيت).

    وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن).

    فدلت الآيات والأحاديث على أن الزوج ملزم بالنفقة على زوجته في هذه الأنواع الثلاثة، ما هي الأنواع الثلاثة؟

    أولاً: السكن.

    ثانياً: الطعام.

    وثالثاً: الكسوة.

    ثلاثة أشياء واجبة على الزوج، يلزمه كل ما تحتاج إليه المرأة من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن، وتوابع هذه الأشياء، كما قلنا، مثل: الخادم إذا كانت من أهل بلد هذا عُرْفُهُم، لا يمكن أن تعيش بدلاً منه، وهذا قضية تختلف باختلاف الأحوال.

    أدوات الزينة والتنظيف والأدوية

    وكذلك تكلم الفقهاء رحمهم الله تعالى في مسألة أدوات الزينة، والتنظيف، والطيب، والأدوية، وأجرة الطبيب.

    بالنسبة لهذه الأشياء، فإنه إذا لم يكن عليه واجباً، فإنه لا بد أن يكون من مكارم الأخلاق، وحسن العشرة، أن يداويها إذا احتاجت، وأن ينفق عليها بأجرة الطبيب؛ لأن علاجها من مصلحته هو، ومرضها يفوت عليه الاستمتاع، وإنجاب الولد ونحو ذلك، وكثيراً ما تكون المرأة ليست ذات مال، وإنما معتمدة بعد الله على زوجها اعتماداً كلياً، فمن المعاشرة بالمعروف وهي شريكة العمر أن ينفق عليها فيما تحتاجه من الأشياء الأخرى، مثل: الأدوية، ونفقة الطبيب، وأدوات الزينة، والطيب، ونحو ذلك.

    ولو أن جمهور الفقهاء قد قالوا بأنه: لا يجب على الزوج الزينة، وأدواتها؛ ولكنه إذا طلب التزين لزمه أن يأتي بأدوات الزينة.

    قال الفقهاء: وعلى الزوج لزوجته مئونة نظافتها من دهن وسدر مثل: الصابون الآن، والشامبو، وغيره، وثمن ماء، ومشط، ويلزم الزوج ما يراد لقطع رائحة كريهة من جسمها. أما الحناء والخضاب ونحو ذلك من الأصباغ، مثل: ما يُحَمَّر به وجه، أو يُسَوَّد به شعر، فلا يُلْزَم الزوجُ بذلك؛ لأن ذلك من الزينة فلا يجب عليه. كما لا يجب عليه شراء الحلي، ولكن لو طلب الزوج من زوجته ما تتزين به له فهو عليه.

    وهو إذا أرادها للاستمتاع فإنه لا بد أن يعطيها ما يحصل به الاستمتاع من الطيب، وأدوات التنظيف، والحلي، ونحوه، إذا طلب منها لبسه وجب عليه أن يشتريه هو.

    ثم إن من مكارم الأخلاق أن يهديها في الأعياد وغيرها من الحلي على قدر ما أعطاه الله تعالى.

    فلو راجع الإنسان كتب بعض الفقهاء، ووجد فيها كلاماً عن عدم وجوب شراء الحلي، فهذا لا يعني أنه لا يكون من المستحب، ومن المعاشرة الطيبة، فالهدية إذا كانت مطلوبة بين الإخوان فالزوجة من باب أولى؛ لأنها أقرب الناس إلى زوجها، ولكن المرأة في المقابل لا تكلِّف زوجها ما لا يطيق، فتشترط أنواعاً من المكياجات، وأشياء من الحلي لا قِبَل للزوج بشرائها، وربما امتنعت عن فراشه إذا امتنع عن الإتيان بها، وعجز عن الإتيان، وربما خرجت من بيته، وبهذا تكون ناشزة.

    فإذا علمت المرأة أن هذه الأشياء الزينة والحلي في الأصل أنها ليست واجبة على الزوج، وإنما يفعل ذلك منه تكرماً وتلطفاً، فإنها لابد ألا تثقل عليه بطلب هذه الأشياء والمغالاة فيها، وإنما تطلب بما هو متعارف عليه، ومعتاد، وما هو -وهذا هو الأهم- في طاقة الزوج وحدوده التي لا يستطيع أن يتعداها.

    ولذلك فإن هذه المسألة من القضايا المهمة، ولا بد من معرفتها؛ لأنها تكون مثار خلافات زوجية كثيرة.

    الطعام

    أما بالنسبة للنفقة، فإن نفقة الطعام تختلف باختلاف قوت البلد، وما كان غالباً على قوت البلد يجب على الزوج أن يأتيها به، في ما يسد كفايتها, وهذا الواجب ينبغي أن يكون معلوماً، خصوصاً عند حدوث الخلاف أو الشقاق، فيما يجب عليه في قضية النفقة.

    ونحن في الأحوال العادية ربما لا نَسأل عن ذلك، ولا نحتاج إلى أن نعرف أن على الزوج الموسر مُدَّان من الطعام كل يوم لزوجته، لا داعي لهذا، فهو يشتري الطعام، ويأتي به للعائلة كلها، وهي تطبخ له ولها وللأولاد؛ ولكن إذا علمنا أن هناك بعض الأزواج بخلاء للغاية، حتى الطعام لا يأتون به إلى البيت، وربما تجلس المرأة ما عندها خبز في البيت، ولا ترى اللحم، وربما مِن بُخله يقول لها: اذهبي واستعيري من الجيران، خذي من هؤلاء خبزاً، ومن هؤلاء لحماً، ومن هؤلاء خضاراً، ومن هؤلاء فاكهةً.

    ولذلك ترى المسكينة إلى أي شيء تحتاج وتُدفع! تطرق الأبواب وزوجها مِن بُخله لا ينفق عليها، لو كان فقيراً لقلنا: مسكين، يُعطَى من الصدقات ومن الزكاة ومن الجيران ومن غيره، لكن بعض الناس عنده البخل والعياذ بالله مرض مستحكم، ولذلك الجيران يقولون: طبخة هؤلاء الجماعة علينا مقسطة، يأخذون الخبز من هؤلاء، والطماطم من هؤلاء، والخضار من هؤلاء، واللحم من هؤلاء، ويستلفون حتى الملح، أعطونا ملحاً، أعطونا كبريتاً، أعطونا ...، ما عندكم حفائظ أطفال؟ ما عندكم ...؟ ويستعيرون فعلاً أشياء يخجل الإنسان من ذكرها، بسبب بخل الرجل.

    ولذلك عندما نفتح ونقرأ في كتب أهل العلم، وأنهم أوجبوا على الزوج وماذا يجب عليه في النفقة بالتحديد، ماذا يجب عليه من الطعام، وماذا يجب عليه من الإدام، وماذا يجب عليه في اللحم، وماذا يجب عليه في الماء، وماذا يجب عليه في الملابس، وقضية النفقة في الشتاء والصيف، فهذه المعلومات مهمة في مسألة إلزام الزوج البخيل بإخراج النفقة، وبإعطائها إياها، فإن بعض الناس والعياذ بالله ربما لا يدفع إلا تحت تهديد القاضي.

    فالشاهد: أن ما غلب على البلد من الإدام والطعام، ما هو مستعمل فيه من زيته وسمنه وجبنه وتمره وخله وملحه ونحو ذلك، فإن عليه أن يأتيها بكفايتها.

    وهذا أيضاً متعلق بيسار الزوج وإعساره وتوسطه، فإذا كانت عادة أهل البلد تناول اللحم في كل يوم، كان لها ذلك، ولا يتقدر بوزن، وينبغي عليه أن يأتيها به، وللزوجة كذلك على زوجها ماء الشرب، ذكر ذلك الفقهاء، وربما يستغرب البعض هذا، ولكن في بعض الأماكن لا يكون الماء واصلاً إلى البيوت، فعليه أن يأتي بالماء إلى البيت ولا يتركهم بغير ماء، وربما ينقطع الماء في بعض البيوت، وربما ينقطع يوماً أو يومين متواليين أو أكثر، فمن النفقة أن يأتي لها بالماء، ينبغي أن يَعْلَم ذلك.

    وهذه النفقة مقدرة بالكفاية: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233] أوجب الله النفقة مطلقاً غير مقيدة بتقدير وسمَّاها رزقاً: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ [البقرة:233] يجب أن يرزق زوجته، ورزق الإنسان كفايته في العرف والعادة.

    ولما جاءت هند امرأة أبي سفيان ، قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال صلى الله عليه وسلم: خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف).

    فإذاً: يجوز للمرأة أن تأخذ كفايتها، فإذا ما أتى لها بالطعام تأخذ مالاً من جيبه وتشتري به طعاماً، وتأتي بالحاجة إلى البيت.

    فإذاً: نفقة الزوجة مقدرة بكفايتها، وبعض العلماء قالوا: يقدر بمُدَّين من طعام في اليوم، ويقدر بكذا من اللحم، ولكن الراجح أنه بحسب الحاجة، بدليل الحديث: (خذي من مال أبي سفيان -وهو زوجها- ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف).

    فإذاً: هذا هو الصواب في المسألة، ويترتب على كون نفقة الطعام للزوجة مقدرة بكفايتها، أنه يجب على الزوج لزوجته من نفقة الإطعام قدر ما يكفيها من الطعام، كالخبز والإدام والدهن ونحو ذلك مما يؤكل مأدوماً، والله تعالى قال في كفارة إطعام المسكين: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89] يعطِي المسكين في كفارة اليمين من أوسط ما يطعم أهله، مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89].

    إذاً ينبغي أن يكون هذا هو ما يعطَى للزوجة، ما يكفيها ويسد حاجتها، ولا يقول: كُلِي خبزاً طيلة الشهر، أو طيلة السنة، ما هنا إلا الخبز، يكفيك الخبز، ولن تموتي من الجوع، نقول: لكنه ليس بالمعروف! أين المعروف؟ فينبغي أن يكون طعاماً بالمعروف.

    الكسوة

    أما بالنسبة للكسوة، فإن بعض العلماء قال: الكسوة مقدرة بنفسها.

    وقال الآخرون: هي مقدرة بكفاية الزوجة، مثل ما قالوا في الطعام.

    والذين قالوا: إنها تعطَى ما يكفيها، أو تعطَى الكسوة، قالوا: إنها تعطَى كفايتها، بطولها وقصرها، وسمنها ونحفها، وباختلاف البلاد في الحر والبرد، فماذا تحتاج؟

    لو كان البلد برداً: إذاً تحتاج إلى كسوة من نوع خاص.

    إذا كان البلد حاراً: تحتاج إلى كسوة تناسب الحرارة.

    لو كانت المرأة طويلة أو سمينة، هزيلة أو قصيرة: كل امرأة تحتاج إلى كسوة بحسبها.

    ولذلك قال بعض أهل العلم: يجب للزوجة على زوجها كسوة في كل سنة مرتين، كسوة صيفية في الصيف، وكسوة شتوية في الشتاء؛ لأنها كما تحتاج إلى الطعام والشراب، تحتاج أيضاً إلى اللباس لستر العورة، ولدفع الحر والبرد، وكذلك يجب لها عليه ما يستر عورتها من الخمار إذا أرادت الخروج، والغطاء، ونحو ذلك.

    وعلى الزوج أن يتجمل لزوجته، وأن يعاشرها بالمعروف في مسألة اللباس، ويعطيها من أنواع الثياب التي تحتاج إليها، داخلية وخارجية، وداخل البيت وخارج البيت بالمعروف بما يكفيها، وألا يضيق عليها حتى ربما صارت رثة الثياب، مخرقة الأكسية، وهو لا يعطيها حقها.

    فإذاً: الإنفاق عليها في اللباس بحسب حاجتها، وفي المقابل المرأة لا تغالي وتطلب الغالي، ولا تقول: اشترِ من المحل الفلاني بشيء قيمته نصف راتب الزوج أو ربعه، فإنه لا يطيقه، وفي المقابل يكسوها بما يكفيها من اللباس الداخلي والخارجي، وما تظهر به خارج البيت من الخمار، والدرع، والغطاء، والجوارب، وقفازات، فعليه أن يسترها في داخل البيت وخارجه، وعندما تكون في الحر أو البرد وبحسب طولها وقصرها وسمنها ونحفها، فإنها تراعَى في كل هذا، وحراً وصيفاً وبرداً وشتاءً، فإنها بالمقابل لا تغالي في طلب الكسوة، فتقول: اشترِ هذا، واشترِ هذا، ولا يكفيني، وتريد أن تجدد في كل شهر لباساً، وفي كل حفلة فستاناً، وفي كل عرس كذا وكذا، هذا مما لم يأتِ في الشرع، فإن طلبات المرأة من هذا النوع يعتبر إرهاقاً وظلماً للزوج، ولا يجوز لها أن تكلفه ما لا يطيق.

    ثم هذه المغالاة وهذه الألبسة الكثيرة جداً التي ربما لا تلبسها في السنة ولا مرة، فبعض النساء عندهن ألبسة لا تلبسها في السنة حتى مرة، وإذا لبست فستاناً لا تريد أن يراها النساء وهو عليها مرة أخرى، وإذا رأينها عليها الفستان مرة ثانية صار عيباً عندها، ولذلك فإنها تكون في هذه الحالة مسرفة، والله يقول: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31].

    السكن

    وأما بالنسبة للسكن فإن العلماء قالوا: ليس للرجل أن يجمع بين امرأتين في مسكن واحد بغير رضاهما، صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن عليهما ضرراً لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما في بيت واحد يثير الخصومة، وتسمع كل واحدة منهما حسه إذا أتى الأخرى، أو ترى ذلك، لكن إذا رضيتا جاز؛ لأن الحق لهما، فلهما المسامحة.

    فإذاً: يجب على الزوج أن يسكنها في دار تصلح لمثلها، فيها مقومات البيت التي لا بد منها، ولا يسكن زوجتين في بيت واحد إلا بإذنهما، وإلا فالأصل أن كل واحدة لها بيت مستقل، إلا إذا رضيتا بأن تكونا معه في بيت واحد؛ فإن الحق لهما.

    ومن كفاية المسكن: أن يكون بين جيران صالحين؛ لتأمن أذاهم، ولهذا فإن البيت إذا كان فيه جيران سوء، لا تأمن المرأة على نفسها منهم، وربما تسوروا عليها سور البيت، وربما حاولوا إيذاءها، أو النظر من خلال النوافذ، ونحو ذلك، فإن هذه الدار لا تصلح سكناً لها في هذه الحالة.

    وأما بالنسبة لأثاث المسكن، فإن البيت لا بد أن يحتوي ما تتهيأ به حاجة المرأة من أثاث لنومها وجلوسها، وما تحتاج من أدوات الطبخ والطعام، ونحو ذلك؛ لأن المرأة ليس عليها إلا تسليم نفسها في بيته، وعليه أن يهيئ لها جميع ما يكفيها بحسب حالها، من أكل، وشرب، ولبس، وفرش، وأثاث، وأدوات منزلية، ولذلك نص الفقهاء على أنه يهيئ لها آلة الطحن، والخَبز، وآنية الشرب، والطبخ، وسائر أدوات البيت، والأثاث، كحُصُر وطنفِسَة -التي يجلس عليها- لكن هذا كان في السابق، حيث كان عندهم هذه الأشياء.

    وقال صاحب كشاف القناع رحمه الله: وللنوم: فراش، ولحاف، ومخدة، وملحفة؛ لأنه معتاد، وللجلوس بساط من صوف. لأن هذا هو المعتاد عندهم، والآن يوفر لها سريراً، ويوفر لها ما تجلس عليه في البيت، ويوفر لها ما تطبخ به من قدور، وسكاكين، وملاعق، وما تحتاجه، والآن صارت الثلاجة من الأساسيات، ولم تكن عند العلماء من قبل؛ فلا بد من أن يوفر لها هذا، فإذا كان من المعروف أن يشتري لها غسالة اشترى، ولا يقول: اغسلي على يديك، وافعلي على يديك، مادام هذا صار عرف البلد مما يؤتَى به للزوجة لا شيء في مغالاة، ولا هو خارج عن العادة، ولا هو خارج عن الحد، مثل الغسالة، والثلاجة، فقد أصبحت هذه أشياء لا بد منها وهي من توابع السكن.

    كذلك مثلاً: البيت اليوم في مثل هذا البلد، لا يمكن أن يُعاش فيه في الصيف من غير تكييف وشيء يلطف الحرارة؛ لأن الجدران الإسمنتية والمسلح بالحديد من الداخل يكنز الحرارة، ولا يمكن أن يطيق الإنسان العيش فيه، ولذلك بيت بلا تكييف لا يُعتبر مسكناً يسد الحاجة.

    والإنسان مطالَب أيضاً على قدر حاجته، وعلى الزوجة ألا تقول: اشترِ لي آخر ما وصل إليه العلم والتكنولوجيا من العصارات والفرامات، وهات، وهات.. لا بد أن تجدد الأثاث كل ستة أشهر، مللنا من الكنب، ومللنا من غرفة النوم، ومللنا من كذا، ولا بد أن تجدد، هذا إسراف وتكليف للزوج وخروج عن المألوف، وهو غير مكلف بإعطائها ذلك، ولا بالاستجابة لها.

    قال ابن قدامة رحمه الله: يكون المسكن على قدر يساره وإعساره، لقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] فإذا كان يستطيع بيتاً مستقلاً فيسكنها بيتاً مستقلاً، وإذا لم يستطع فيسكنها شقة، ثم الشقق تختلف، هناك شيء بغرفة ومجلس وصالة ومطبخ وحمام، وهناك شيء بغرفتين، وشيء بثلاث، وشيء بأربع، وشيء بأكثر، فهو يسكنها على قدر ما تحتاج، على قدر ضيوفها، وحاجتها، وأولادها.

    فإذاً: السكنى على حسب حال الزوج، الله يقول: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] من وجدكم: بحسب ما يتيسر لك فعليك أن تسكِن.

    ثم إن الزوج إذا امتنع عن أداء النفقة فإنه يجوز للزوجة أن تأخذ مما تصل إليه يدها من ماله، بقدر ما يكفيها ويكفي ولدها إن كان لها ولد، ولو كان بغير إذنه، تأخذ بالمعروف وبالقدر الذي عُرِف بالعادة بالكفاية، هذا أباحه النبي صلى الله وعليه وسلم.

    وإن امتنع وأخفى المال وما أبقى فلساً في البيت، فيجوز لها أن تذهب إلى القاضي تطالب بالنفقة، ويرتب القاضي لها نفقة، ويجبره على الدفع والإنفاق عليها ولها أن تطالب؛ لأن هذا حقها، لا بد أن يسلِّم لها حقها.

    وكذلك فإن على المرأة أن تحفظ مال زوجها في البيت، وسنأتي على ذلك في الحلقة الأخيرة من حقوق الزوج على زوجته.

    وقلنا: هذه النفقة تسقط بأشياء كثيرة، وذكرنا بعض هذه الأشياء، ومنها: سقوط النفقة بالطلاق: إذا انتهت العدة ما لها نفقة، إذا مات الزوج ليس لها نفقة بعد وفاته وانتهاء عدة الوفاة، وإنما تأخذ إرثها، ويكون هذا هو الذي انتهى إليها من حقها مما جاء من قِبَله.

    والمسألة على وجه العموم -أيها الإخوة- كما قلنا: بالمعروف، ينبغي أن يكون كل شيء بالمعروف، والزوج لا يحتاج أن يقول: أمشي على ما ذكر الفقهاء من الواجب، وما لي إلا واجب، نقول: لا، إذا أعطاك الله ويسَّر عليك وسِّع عليها، وأنت مأجور في كل ما تنفقه عليها، وكل ما توسِّع به على أهلك، وخصوصاً في الأعياد، لِمَا هو في معنى العيد من التوسعة على الأولاد، والأهل، والزوجة، التوسعة عليهم بالهدايا، بالطعام، بالكسوة، بالذهب، والحلي، يوسع عليها.

    ولذلك ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن مَن جعل يوماً معيناً يوسع فيه على أهله، يعود ويتكرر، يوسع فيه ويعطيهم نفقات وأشياء، فإنه في معنى العيد، ويكون هذا التعيين محرماً، مثل ما يحدث في بعض الاحتفالات التي يسمونها الآن بـ(القِرْقِيْعان)، والتي سنأتي عليها في هذه الأيام، ترى بعض الآباء يشترون للأولاد هدايا وتوسيعات، حقوقاً وأشياء، ويفرحونهم بهذا اليوم المعين، وهو الخامس عشر من رمضان أو الرابع عشر أو قبله أو كذا، ويُجعل احتفالاً ويُجعل فرحةً للأولاد في يوم معين، ويُشترى فيه أشياء وأكسية معينة للـ(قِرْقِيْعان)، وحلويات معينة، ومكسرات معينة لأجله، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للإفتاء، برئاسة سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز فتوى بتحريم الاحتفال بهذا، وقطع الطريق على من يريد إضافة أعياد أخرى حتى على مستوى الأطفال، بل إن فرحة الأطفال بـ(القِرْقِيْعان) هذا أشد من فرحتهم بعيد الفطر والأضحى في بعض الحالات، ثم إنه طبعاً صار وسيلة للرقص، وعرض المحرمات، ومشاركة البنات الكبيرات، وصارت مؤخراً -يا جماعة- احتفالات في الفنادق، حفلة (قِرْقِيْعان) في الفندق الفلاني، ونساء وبنات كبيرات.

    فانظروا ما يجر إليه الشر، يجر بعضُه بعضاً! وتنمو هذه الأشياء وتكثر! وتأسَّسَ عيدٌ عند الناس، وهكذا تكون البِدَع، وتستشري، وتستفحل. نسأل الله السلامة والعافية. ومن تأمل في الواقع عَرَف كيف يؤتى المسلمون من إحياء هذه الأمور التي يجب أن تمر كأي يوم آخر، ولا يكون التوسعة والفرحة والعيد الذي يعود ويتكرر إلا الفطر والأضحى.

    هذا نهاية الكلام عن موضوع نفقة الزوجة.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الكرماء الأوفياء القائمين بحقوق الزوجات والأولاد.

    والله تعالى أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد.