إسلام ويب

مسابقة في آية المحرماتللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المحرمات من النساء على قسمين: القسم الأول: محرمات بالنسب، وهن سبع: الأمهات، الأخوات، البنات، الخالات، العمات، بنات الأخ، بنات الأخت. والقسم الثاني: محرمات بالسبب وهن على قسمين: القسم الأول بالرضاع، وهن: الأمهات بسبب الرضاعة، الأخوات من الرضاعة. القسم الثاني بالمصاهرة: وتشمل: أم الزوجة، وبنت الزوجة إذا دخل بأمها، وزوجة الابن وزوجة الأب، ويحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. هذا ما تحدث عنه الشيخ تفصيلاً، ثم جرت مناقشة بين الشيخ وطلابه حول الموضوع.

    1.   

    المحرمات من النساء

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين، الحمد لله الذي أنزل علينا الكتاب، وأرسل إلينا الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم، فعلَّمنا وأحسن تعليمنا، وفقَّهنا في أمور ديننا، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    إن الفقه في الدين -أيها الإخوة- من الأمور العظمية، ومعرفة الأحكام الشرعية من الواجبات الكبيرة، والناس يحتاجون إلى معرفة الأحكام في كثير من الأمور، وخصوصاً الأمور المتكررة، التي تكون الحاجة إليها قائمة باستمرار.

    وحديثنا في هذه الليلة ودرسنا عن موضوع علمي فقهي شرعي، وهو موضوع له لذة، وفيه إعمال للعقل والفكر، موضوع نحتاج إليه جميعاً؛ لأننا نعايشه، ونتعرض لكثير من المواقف التي توجب علينا معرفة الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع، لو سأل سائل فقال: هل يجوز لي أن أدخل على زوجة عمي أو زوجة خالي؟

    أو: هل يجوز لي أن أرى خالة زوجتي أو عمة زوجتي؟

    وتسأل امرأة فتقول: هل يجوز لي أن أرى عم زوجي، أو خال زوجي -مثلاً- وأكشف عليه؟ فإن كثيراً من الناس يتحيرون ويضطربون، ولا يدرون ما هي الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع، ألا وهو موضوع المحرمات أيها الإخوة، ونحن بصدد معرفة معنى آية عظيمة من كتاب الله سبحانه وتعالى.

    وسنناقش وإياكم معنى هذه الآية، وما اشتملت عليه من الأحكام، ثم يكون هناك أسئلة موجَّهة إليكم، متعلقة بما ذكرناه من الأحكام، وبعض هذه الأسئلة تحتاج إلى تفكير؛ إذ أنها ليست أسئلةً مباشِرة، ولكن سيتبين من خلال النقاش كثيرٌ من الأحكام التي ربما كان بعض الإخوة عنها في بُعد، وعدم اطلاع وتبصر.

    وسيكون في نهاية الحديث عن هذه الآية والأسئلة إجابات عن أسئلتكم التي طرحت في المحاضرة السابقة؛ إذ إنني أحتفظ بجميع الأسئلة الواردة إليَّ في جميع المحاضرات التي سبق أن حصلت، وأستفيد من هذه الأسئلة، وبعض هذه الأسئلة ربما يكون داخلاً في بعض المحاضرات، بل ربما يكون هو عنواناً لبعض المحاضرات، وإذا كان هناك وقت لنجيب على أسئلة أخرى ترد في هذه المحاضرة، فسنفعل ذلك إن شاء الله.

    قال الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً النساء:23].

    1.   

    أنواع المحرمات من النساء

    هذه الآية فيها إشارة إلى نوعين من المحرمات:

    - محرمات إلى الأبد.

    - ومحرمات إلى أمد.

    تحريم مؤبد، وتحريم مؤقت.

    وهذه الآية فيها إشارة إلى:

    - محرمات بالنسب.

    - ومحرمات بالسبب.

    المحرمات بالنسب: مثل الأمهات، والأخوات.

    والمحرمات بسبب:

    - إما أن يكون السبب رضاعاً.

    - أو مصاهرة.

    فالرضاع مثل: الأخت من الرضاع، والمصاهرة مثل: أم الزوجة مثلاً.

    وفي هذه الآية -أيضاً- بيان ما هو تحريم عين: كالأم، والأخت، وتحريم جمع: كالجمع بين الأختين.

    ولذلك هذه الآية تضمنت فقهاً عظيماً، وربما يقرؤها الواحد منا في ختمه للقرآن، ولا يُلِمُّ بِمَعانيها، ونحن نتعرض يومياً إلى مواقف من الأقارب، ولا يعلم كثير من الناس ما هو الموقف حيال هؤلاء الناس الذين بينك وبينهم صِلات نسبية أو سببية.

    فلعلك -أيها الأخ المسلم- ستستفيد فائدة كبيرة -إن شاء الله- من وراء معرفة هذا الموضوع.

    قال الله سبحانه وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] وهذه الآية تتضمن سبعة أنواع من المحارم بالنسب، وسبعة بالسبب، سواءً أكان السبب رضاعاً أو مصاهرةً.

    المحرمات بالنسب

    فأما المحرمات السبع بالنسب -والنسب: هو الرحم- فهن سبعٌ محرمات إلى الأبد، لا يجوز لك أن تتزوج بهن في يوم من الأيام.

    وأُولَى هؤلاء هُنَّ: الأمهات :

    قال الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23].

    والأمُّ: هي كل أنثى لها عليك ولادة، من جهة الأمِّ أو من جهة الأبِ، كل من انتَسَبْتَ إليها بولادة فهي أمٌّ.

    - فأمُّك التي ولدتك هي أمٌّ -ولا شك- وإن عَلَت.

    - فأمُّ أمِّك داخلة في التحريم، وهي الجدة.

    - وأمُّ أبيك داخلة -أيضاً- في التحريم.

    - وأمُّ أمِّ الأمِّ، أمُّ الجدة، داخلة في التحريم.. أمُّ أمِّك، وأمُّ أمِّ أمِّك.

    - وأمُّ أمِّ أبيك.

    - وجدتا أبيك، أمُّ أمِّه، وأمُّ أبيه.

    - وجدات جداتك.

    - وجدات أجدادك وإن علون وارثات أو غير وارثات، كلهن أمهات محرمات؛ لعموم قوله تعالى: حرمت عليكم أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] فأبهموا ما أبهم القرآن، فلم يحدد القرآن أي طبقة من الأمهات، وإنما قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] .

    فإذاً: أمُّك محرمة عليك، وأمُّ أمِّك محرمة، وأمُّ أبيك محرمة، وأمُّ أمِّ أمِّك محرمة، وأمُّ أمِّ أبيك محرمة، وهكذا... يتفرعن علواً، كلهن أمهات محرمات.

    ثانياً: البنات:

    والبنت: اسم لكل أنثى، لك عليها ولادة، أي: انتَسَبَتْ إليك بولادة، سواءً أكانت بنتك المباشرة من صلبك، أو من جهة ابنك، أو من جهة بنتك.

    فعلى ذلك:

    - بنت الابن محرمة

    - وبنت البنت -الحفيدة- محرمة.

    - وبنت بنت ابنك محرمة.

    - وبنت بنت بنتك محرمة.

    وإن نزلن، كلهن بنات محرمات.

    فحفيدتك، وحفيدة حفيدتك، وحفيدة حفيدة حفيدتك -لو أدركتها- فهي محرمة عليك؛ لعموم قوله تعالى: وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23].

    ثالثاً: الأخوات :-

    والأخت: هي كل أنثى جاورتك أو شاركتك في أصلَيك، وما هما أصلاك؟ الأب والأم، أو في أحدهما. فتشمل:

    - أختك الشقيقة؛ والأخت الشقيقة جاورتك في الأصلَين؛ لأنها أختك من أبيك وأمك.

    - وأختك من أبيك محرمة.

    - وأختك من أمك محرمة كذلك.

    ولا تفريع هنا.

    فإذاً: الأخت الشقيقة، وأختك من الأم، وأختك من الأب.. هؤلاء كلهن أخوات محرمات.

    رابعاً: العمات :-

    والعمة: أخت أبيك من الجهات الثلاث، سواءً أكانت:

    - أخت أبيك الشقيقة.

    - أو أخت أبيك من أبيه.

    - أو أخت أبيك من أمه.

    هؤلاء كلهن عمات محرمات.

    - وكذلك أخت الجد مُحَرمة؛ لأنها عمة، ولكنها عمة كبيرة، فعمة جدك مثل عمتك، وعمة أبيك مثل عمتك، كلهن مُحَرمات.. وسواء كان الجد قريباً أو بعيداً؛ فلا يفرق في الحكم أبداً.

    - وكذلك عمة الأم محرمة عليك. وهي أخت جدك لأمك، أي: أخت أبي أمك، فأخت أبي أمك هي عمتك لأمك، فهي داخلة في العمات الْمُحَرمات؛ لعموم قوله تعالى: وَعَمَّاتُكُمْ [النساء:23].

    خامساً: الخالات :-

    والخالات: هن أخوات أمك من الجهات الثلاث، سواءً أكانت:

    - أختها الشقيقة، فهي خالة.

    - وأختها لأبيها خالة.

    - وأختها لأمها خالة.

    - وكذلك أخت جدتك تعتبر خالة تكشف عليها، وإن علت الجدات، فكل أخت لجدتك -لجدتك من جهة أمك- فهي خالة محرمة، فكما أن كل جدة أم محرمة، فكذلك كل أخت لجدة هي خالة محرمة.

    - وكذلك خالة الأب محرمة، ومَن هي خالة أبيك؟ هي أخت أم أبيك، أي: أخت جدتك لأبيك، هذه خالة محرمة.

    سادساً: بنات الأخ :-

    وبنت الأخ: هي اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة مباشرة، أو من جهة أمها، أو من جهة أبيها، فمثلاً:

    - بنت أخيك الشقيق محرمة.

    - وبنت أخيك من الأب محرمة.

    - وبنت أخيك من الأم محرمة.

    وإن نزلن، فمثلاً:

    - بنت ابن أخيك.. أخوك عنده ولد، والولد هذا عنده بنت فهي محرمة عليك.

    - وبنت بنت أخيك محرمة عليك كذلك.

    وإن نزلن؛ لعموم قوله تعالى: وَبَنَاتُ الْأَخِ [النساء:23].

    سابعاً وأخيراً من أنواع المحرمات بالنسب تحريماً مؤبداً: بنات الأخت :-

    وبنت الأخت: هي كل امرأة انتَسَبَت إلى أختك بولادة، فكل امرأة انتسب إلى أختك بولادة فهي بنت أخت محرمة.

    - فبنت أختك الشقيقة محرمة.

    - وبنت أختك من أبيك محرمة.

    - وبنت أختك من أمك محرمة.

    - وبنت بنتِ أختك محرمة.

    - وبنت ابنِ أختك محرمة.

    وإن نزلن كلهن محرمات؛ لعموم قوله تعالى: وَبَنَاتُ الْأُخْتِ [النساء:23].

    المحرمات بسبب الرضاع

    ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ... [النساء:23].

    انتقل الآن من التحريم بالنسب إلى التحريم بالسبب، والسبب هو الرضاع.. وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23].

    فالمرأة التي أرضعتك هي أم لك، مثل أمك من جهة النسب، فالتي أرضعتك تكشف عليها مثل أمك.

    وهل لها حكم بر الأم؟ الأم من الرضاع هل تُبَرُّ في الأحكام مثل الأم من النسب؟

    الجواب: لا، ليست مثلها في البر، فالأم التي أرضعت ليست مثل الأم التي حملت وولدت ورعت، فلا شك أن هذه الأم التي ولدت منزلتها أعلى بكثير من الأم التي أرضعت فقط.

    - وكذلك أم أمِّك التي أرضعتك.. أرضعتك امرأة ولها أم، فأمها هذه محرمة عليك، وإن علون.

    القسم الذي يليه المذكور في الآية: الأخوات من الرضاعة :

    وأختك من الرضاعة هي التي أرضَعَتْها أمُّك.

    وكذلك: التي رَضَعْتَ أنت من أمها.

    إذاً: الأخت من الرضاعة تشمل:

    - المرأة التي أرضَعَتْها أمُّك.

    - والمرأة التي أرضَعَتْك أمُّها.

    - وكذلك بنات زوج المرضعة.

    فلو أنك رضَعْتَ من امرأة، والمرأة هذه دَرَّ لبنُها بسبب الزوج، وهذا علاقتك به أنه يعتبر أبوك من الرضاعة، لأنه صاحب اللبن، الذي در اللبن بسببه، وهذا الرجل الذي هو أبوك من الرضاعة متزوج من زوجة أخرى غير التي أرضعتك، وعنده منها بنت، فهذه البنت أختك من الرضاعة.

    - وكذلك لو اشتركت أنت وأنثى بالرضاع من امرأة خارجية؛ فلا شك أنها تكون أختاً لك من الرضاع، فلو أرضعتك امرأة، وأرضعت أنثى أخرى من العمارة التي تسكنون فيها، فإن هذه البنت التي رضعت أنت وإياها من هذه الجارة أختك من الرضاع، وهذه المرأة التي أرضَعَتْ لا هي أمك ولا هي أمها، لكن ما دام أنك اشتركتَ أنتَ وهذه الفتاة بالرضاع من امرأة أيَّاً كانت، أمها أو أمك، أو جارة من الجيران، فإنك تكون بذلك أخاً لها من الرضاع.

    - وهنا مسألة: متى يكون الشخص له أب من الرضاعة، وليس له أم من الرضاعة؟!

    إذا كان رجل له زوجتان، رضعتَ من إحداهما رضعتَين -مثلاً- ومن الأخرى ثلاث رضعات، فصار المجموع خمس رضعات من لبن رجل واحد، من لبنٍ دَرَّ بسبب رجل واحد، فماذا يكون لك هذا الرجل؟ أبوك من الرضاع، وإحدى زوجتيه ماذا تكون لك؟ لا شيء، والزوجة الأخرى لا شيء، فهل تكشف على زوجتيه؟ لا؛ لأنها ليست أماً بالرضاع، لأن الرضاع لا بد أن يكون خمس رضعات فأكثر في خلال السنتين الأوْلَيَين؛ فإذا كان الرضاع خمس رضعات فأكثر في خلال السنتين الأوْلَيَين؛ صار رضاعاً له أحكامه.

    إذاً: في هذه الحالة يكون لك أب من الرضاع، ولا يكون لك أم من الرضاع.

    نأتي إلى تكملة لموضوع الرضاع لم ينص عليها في الآية؛ لكن نُصَّ عليها في الحديث، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    فإذا أرضعتك امرأة فإنها تصبح أمك من الرضاع.

    - وأمها جدتك بالرضاع.

    - وأختها خالتك بالرضاع.

    - وبناتها أخواتك بالرضاع.

    - وبنات ابنها بنات أخيك من الرضاع.

    - وبنات بنتها بنات أختك من الرضاع.

    كلهن محرمات عليك، (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    ولذلك المرضعة تُنَزَّل منزلة الأم، وكل امرأة حَرُمت من النسب حَرُم مثلها من الرضاع؛ كالعمة، والخالة، والبنت، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وهكذا، (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    وزوج المرضعة صاحب اللبن، يكون أبوك من الرضاع.

    - وأخوه عمك من الرضاع.

    - وأخته عمتك من الرضاع.

    - وأبوه جدك من الرضاع.

    - وأبو الأب أبو جدك من الرضاع، وهكذا... وإن علوا.

    - وأمُّ صاحب اللبن جدتك بالرضاع.

    - وأمُّ أمِّه كذلك وإن علون.

    - وأولاد صاحب اللبن، ولو من امرأة أخرى غير التي أرضعتك إخوانك من الرضاع.

    - وبنات صاحب اللبن ولو من امرأة أخرى غير التي أرضعك، أخواتك بالرضاع.

    - وإذا كان لصاحب اللبن ابن، وهذا الابن له بنت، فإنها تكون بنت أخيك من الرضاع.

    - فإذاً: أولاد صاحب اللبن ولو من امرأة أخرى: إخوة وأخوات من الرضاعة، وأولادهم -أبناء وبنات- يكونون لك أبناء وبنات أخ وأخت من الرضاع.

    المحرمات بسبب المصاهرة

    ثم ننتقل إلى صنف آخر مذكور في الآية، وهو سبب آخر غير الرضاع يسبب التحريم، ألا وهو: المصاهرة :-

    والمصاهرة: أن تتزوج امرأة من عائلة -مثلاً- فتنشأ علاقة المصاهرة، فتكون أم الزوجة محرمة عليك، بأي شيء؟ بالمصاهرة، قال الله سبحانه وتعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23].

    - فمن تزوج امرأة حَرُم عليه كل أمٍّ لها، من النسب أو من الرضاعة، قريبة أو بعيدة، بمجرد العقد على الراجح، فلو أنك عقَدْت على امرأة، فإن أمها محرمة عليك ولو لم تدخل عليها، بمجرد أن عقدت على امرأة حَرُمَت عليك أمُّها.

    - ولو طلقت هذه الزوجة، فإن أمها تبقى محرمة عليك.

    - وإذا كانت زوجتك لها أم أرضعتها، فإنها تحرم عليك.. وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23].

    - وجدة زوجتك تحرم عليك، ولك أن تكشف عليها.

    ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23].

    إذا تزوجتَ امرأة ودخلت بها، وعندها بنات من رجل سابق، فإنهن يحرمن عليك، وهؤلاء البنات يسمَّين بالربائب؛ فالربيبة هذه تحرم عليك إذا دخلتَ بأمها.

    فكل بنت لزوجتك من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، وارثة أو غير وارثة، إذا دخلتَ بأمها حَرُمت عليك، سواءً كانت في حجرك أو لم تكن في حجرك.

    - وهنا سؤال: تزوجتَ امرأة وعندها بنت أرضَعَتْها، فهل تحرم عليك؟ نعم، تحرم عليك.

    - سؤال آخر: تزوجتَ امرأة وعندها بنت؛ لكن ليست مقيمة عندك في حجرك تربيها، ما زالت موجودة في بيت آخر، فهل تَحْرم عليك إذا دخلت بأمها؟ نعم.

    وماذا تقولون في قول الله سبحانه وتعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] ما هو مفهوم هذه الآية؟

    مفهوم الآية: أنها إذا لم تكن في حجرك فلا تحرم عليك، لكن هل هذا المفهوم يُعْمَل به؟ لا يعمل به؛ لأن هذا القيد وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23] خرج مخرج الغالب، ولم يخرج مخرج الشرط، فإن الغالب إذا تزوجت امرأة وعندها بنات، أنك ستضم بناتها معك، فيَكُنَّ في حجرك، فإذًا: هذا خرج مخرج الغالب، وليس شرطاً، ولذلك لا يعمل بمفهومها؛ ولأن ما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه كما يقول الأصوليون، هذه قاعدة أصولية: ما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه، وهذه الآية قد خرجت مخرج الغالب: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23].

    فالخلاصة: سواء أكانت بنت زوجتك في حجرك، أو لم تكن في حجرك؛ فهي محرمة عليك إذا دخلت بأمها.

    ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23].

    والحليلة هي الزوجة.

    - فزوجات الأبناء محرمات على الأب، زوجة ابنك محرمة عليك.

    - وكذلك زوجة حفيدك محرمة، وإن نزلنَ.

    وقوله: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] أخرج الولد المُتَبَنَّى على عادة الجاهلية، وقيده بالولد بالصلب.

    إلى الآن ذكرنا ثلاثة أنواع من بالمصاهرة في الآية:

    - أم الزوجة.

    - وبنت الزوجة إذا دخلت بالزوجة.

    - وزوجة الابن.

    بقيت واحدة من المحرمات بالصهر لم تذكر في الآية وهي: زوجة الأب.. وقد ذكرت في الآية التي قبلها.

    ولذلك ما بعد هذه الآية: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24] أي: كل امرأة محصنة عفيفة، لا يجوز لك أن تكشف عليها، إلا إذا تزوجتها بعقد صحيح.

    فزوجة الأب من المحرمات.

    - وزوجة الجد.. إذا كان عند جدك زوجتان، واحدة منهن جدتك، والثانية زوجة أخرى، فهل هي محرمة عليك؟ نعم، فزوجة جدك محرمة عليك أيضاً.

    والدليل على تحريم زوجة الأب قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] فزوجات الآباء محرمات على الأبناء؛ تكرمة للآباء، وإعظاماً للآباء، واحتراماً للآباء، أن يطأها ابنه من بعده، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام لما وصله خبر أن رجلاً قد نكح امرأة أبيه، أرسل رجلاً من صحابته ليقيم عليه الحد، وهو القتل، فمن تزوج بزوجة أبيه وهو عالم، فإنه يُقْتَل.

    ولا بأس أن نعيد الأربعة الأصناف المحرمة بالمصاهرة :

    - أم الزوجة.

    - وبنت الزوجة من غيرك إذا دخلت بالزوجة.

    - وزوجة الابن.

    - وزوجة الأب.

    هؤلاء كلهن محرمات بالمصاهرة.

    تحريم الجمع

    قال الله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النساء:23]:

    فنكون هنا قد دخلنا في القسم الثاني من أقسام التحريم؛ وهو تحريم الجمع.. فإن هناك تحريم عين: أخت، أو أم بعينها، وهناك تحريم جمع، فهي ليست محرمة بعينها، لكن لما جُمِعَت صارت محرمة. قال تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النساء:23].

    - فتحرم عليك إلى أمد مؤقت أخت زوجتك.

    - وهل تحرم عليك أخت زوجتك من الرضاع، أم يجوز أن تجمع بين زوجتك وأختها من الرضاع؟

    تحرم ولا يجوز أن تجمع بين زوجتك وأختها، لا من الرضاع ولا من النسب.

    - وقد أضيف إلى هذا الحكم في الآية حكم ورد في الحديث الصحيح، وهو تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.

    فلا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها.

    - كذلك الجمع بين المرأة وعمة أبيها حرام، وإن علون..

    - وكذلك الجمع بين المرأة وخالة أمها حرام، وإن علون، وهكذا..

    فإذا طلق المرأة وانتهت العدة، أو ماتت الزوجة مثلاً، فهل يجوز له أن يتزوج بأختها من الرضاع؟ أو من النسب؟ أو بخالتها؟ أو بعمتها؟ نعم يجوز له ذلك.

    - وهل يجوز لرجل طلق امرأته، فلما طلقها ودخلت في العدة، أراد أن يعقد على أختها، فهل يجوز ذلك أم لا يجوز؟ لا يجوز ذلك؛ لأنه قد يراجعها، فكيف يراجعها في العدة ويعقد على أختها؟ فلا يجوز أن يعقد على أختها إلا بعد انتهاء العدة؛ كما أنه لا يجوز للرجل أن يعقد على خامسة وقد طلق الرابعة، والرابعة لا تزال في العدة.

    وقد اختلف بعض أهل العلم في مسألة الطلاق إذا كان بائناً: هل يجوز أن يتزوج أم لا بد أن تنتهي عدة الطلاق البائن؟ والأحوط أن ينتظر حتى تنتهي عدة الطلاق البائن.

    فلذلك لا يجوز أن يتزوج أخت زوجته المعتدة من الطلاق، فإذا كانت الزوجة تعتد من طلاق؛ فلا يعقد على أختها، ولا على عمتها، ولا خالتها.

    لو قال شخص: هل هناك قاعدة تبين لنا من هن النساء اللاتي يحرم عليك أن تجمع بينهن؟

    عرفنا أنه لا يجوز أن تجمع بين المرأة وأختها، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها؛ فهل يجوز -مثلاً- أن تجمع بين بنتَي عمّ؟ نعم. يجوز أن تجمع بين بنتَي عمّ إذا لم تكونا أختين.

    فلو كان عندك عمَّان، كل واحد له بنت، فإنه يجوز لك أن تتزوج الاثنتين، وتجمع بينهما، وهناك قاعدة لطيفة ذكرها بعض أهل العلم، وهي: يجوز الجمع بين امرأتين، لو كانت إحداهما ذكراً لجاز له أن يتزوج بالأخرى.. يجوز الجمع بين أي امرأتين لو تصورنا إحداهما ذكراً لجاز له أن يتزوج بالأخرى.

    فبنتا العم لو كانت إحداهما ذكراً، لجاز له أن يتزوج بالأخرى، وكذلك بنتا الخال.

    - وما حكم الجمع يبن المرأة وبنت أخيها؟ لا يجوز؛ لأنه لو كانت واحدة منهما رجلاً لما جاز له أن يتزوج ببنت أخته، أو ببنت أخيه، ولذلك فإنه لا يجوز الجمع يبن المرأة وابنة أخيها، أو ابنة أختها.

    المرأة زوجتك ستصير عمتها، لكن هي ليست عمة زوجتك، زوجتك ستصبح عمتها، أو تصبح خالتها.

    ولعلنا قد انتهينا من بيان المذكورات في هذه الآية، وهي قول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:23].

    وبذلك تبين لكم -أيها الإخوة- مَن هُم المحارم.

    1.   

    أسئلة ومناقشات حول الموضوع

    سنعرف الآن مدى الاستيعاب الذي حصل من خلال هذا الدرس.

    الرضاعة وما يتعلق بها

    السؤال: أمك أرضعت امرأة فهل تحرم عليك أمها؟ ولماذا؟

    الجواب: لا تحرم. لماذا؟ لأنك لم ترضع من أمها هي، وما العلاقة بينك وبين أم هذه البنت؟ لا شيء، أنت لك علاقة بالبنت التي رضعت من أمك، وهي أختك من الرضاعة، لكن أمها ليس لك بها علاقة، فأم أختك بالرضاع ليست محرمة عليك.

    السؤال الثاني: أرضَعَتْ أمُّك ذكراً، فهل تَحرُم عليك أمه أم لا؟

    الجواب: لا تحرم.. لماذا؟ لأنه ليس لك علاقة بأمه، هو أخوك من الرضاع؛ لأنه رضع من أمك، لكن أمه ما لك علاقة بها.

    السؤال الثالث: أرضَعَتْ زوجتُك ولداً، فهل تحرم عليك أخته الشقيقة أم لا؟

    الجواب: لا تحرم، لماذا؟ لأنه ليس لك بها علاقة.

    السؤال الرابع: أرضعَتْك امرأةٌ فهل تحرم على أبيك؟

    الجواب: لا تحرم.. لماذا؟ لأنه ليس لها علاقة بأبيك، لها علاقة بك أنت، هي أمك من الرضاعة، لكن ليس لها علاقة بأبيك، وهل يكشف أبوك على أمك من الرضاع؟ لا يجوز له ذلك.

    السؤال الخامس: أرضعتك امرأة فهل تحرم بنتُها على أبيك؟

    الجواب: لا تحرم.. لماذا؟ لأنه إذا كانت المرضعة لا تحرم على أبيك، فمن باب أولى بنت المرضعة لا تحرم على أبيك.

    السؤال السادس: أرضعتك امرأة فهل تحرم على أخيك؟

    الجواب: لا تحرم.. لماذا؟ لأنها أرضعتك أنت، ولم ترضع أخاك، ولذلك فليس لها علاقة بأخيك، فأخوك لا يكشف عليها، أما أنت فتكشف عليها، لأنها أمك من الرضاع.

    السؤال السابع: أم زوجتك بالرضاع، هل تحرم عليك؟

    الجواب: نعم، تحرم عليك.

    الربيبة وغيرها من المحارم

    السؤال الذي يليه: هل يجوز لك الزواج بابنة زوجة ابنك من غيره؟

    ولدك تزوج بامرأة وعندها بنت من غيره، فهي ربيبة ولدك، فهل يجوز أن تتزوج ربيبة ولدك أم لا؟

    الجواب: نعم، يجوز ذلك، لأنها ليس لها علاقة بك، وهل يجوز لولدك أن يتزوجها؟ لا؛ لأنها ربيبته.

    نعيد المسألة: ربيبة الولد حرام عليه، لكنها ليست حراماً على أبيه.

    ولذلك سنجعل هذا السؤال منفصلاً، حتى يتبين أكثر: هل يجوز لك الزواج من ربيبة أبيك؟

    أبوك تزوج امرأة، وعندها بنت من غيره، فهل يجوز لك أن تتزوج من ربيبة أبيك أم لا؟

    الجواب: يجوز.. لماذا؟ لأنها ليس لها علاقة بك، لكنها حرام على أبيك؛ لأنها ربيبتة، وليست حراماً عليك أنت.

    السؤال الذي يليه: هل يجوز لك أن تتزوج من أم زوجة أبيك؟

    أبوك تزوج زوجة، والزوجة هذه لها أم، فهل يجوز لك أن تتزوج بأم زوجة أبيك؟

    ولنحلل المسألة: أم زوجة أبيك حرام على أبيك، فهل هي حرام عليك أم لا؟

    لا يجوز لك أن تتزوج بأم زوجة أبيك.. لماذا؟ لأنها تحرم عليك كما تحرم على أبيك.. هذه قاعدة لم يذكرها أهل العلم في كتبهم!

    الجواب: نعم، يجوز ذلك؛ لأنها حرام على أبيك، وليست حراماً عليك.. لكن من الذي يفعل ذلك؟ من الذي سيتزوج بأم زوجة أبيه؟ أقول: لو أن أباك تزوج واحدة عمرها -مثلاً- ثلاثون سنة، وأمها عمرها خمسون سنة، فهل ستتزوج بأم زوجة أبيك؟ من ناحية الجواز يجوز؛ لكن من ناحية أنه يحصل أو لا، هذا راجع إليك.

    السؤال الذي يليه: هل يجوز لك التزوج من أم زوجة ابنك؟

    ابنك متزوج وعنده حماة، فهل يجوز لك أن تتزوج من حماة ولدك؟

    الجواب: نعم. يجوز لك أن تتزوج من أم زوجة ابنك.

    هذه معقولة، ومن ناحية الواقع ممكنة.

    وهنا سيأتي السؤال الذي يوضح ما سبق: لو تزوج رجل امرأة، فهل يجوز أن يتزوج ابنه بنتها؛ فيكون الأب أخذ الأم، والابن أخذ البنت؟

    الجواب: نعم يجوز ذلك.. لماذا؟ لأنها ربيبة أبيه، ولذلك لا تحرم عليه، فسواء الابن تزوج امرأة وأبوه تزوج بنتها، أو الأب تزوجها وابنه تزوج بنتها، كل ذلك جائز.

    السؤال الذي يليه: زوجة ولدك بالرضاع، هل تحرم عليك أم لا؟

    عندك ولد رضع من لبنك، وليس ولدك من صلبك، لكنه رضع من لبن أنت السبب فيه، وهذا الولد تزوج ثم مات أو طلق، أو تزوجها ثم أرادت أن تكشف عليك، فهل تسمح لها أن تدخل عليك أم لا تسمح لها أن تدخل عليك؟

    الجواب: يجوز أن تكشف عليك؛ لأنها محرمة عليك و(يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ [النساء:23].

    سؤال آخر: رجل متزوج اثنتين، إحداهما أرضعتك، والأخرى مات عنها.. مات وترك اثنتين، واحدة أرضعتك والثانية لم ترضعك، فهل يجوز لك أن تتزوج بالتي لم ترضعك أم لا؟ أي: هل يجوز لك أن تتزوج بزوجة أبيك من الرضاعة؟

    الجواب: لا يجوز أن تتزوج زوجة أبيك من الرضاعة. لأنها حرام عليك؛ فيجوز أن تكشف عليها؛ لأن زوجة أبيك من الرضاعة مثل زوجة أبيك من النسب.

    السؤال الذي يليه: عمة الزوجة مَحْرَمٌ لك أم لا؟ وهل تكشف عليها؟

    الجواب: لا يجوز ذلك، وكذلك خالة زوجتك لا يجوز أن تكشف عليها، وزوجتك لا يجوز أن تكشف على خالك، ولا يجوز أن تكشف على عمك.

    وهذا من المصائب التي وقعت في هذا الزمان؛ أن الزوج صار يترك زوجته تكشف على عمه، وعلى خاله، مع أنه ليس بينها وبينه علاقة نسب ولا سبب من رضاع أو مصاهرة ولا شيء، فهو أجنبي عنها، لو مات الزوج يجوز لعمه أن يتزوج الزوجة، ومع الأسف صار الرجل يكشف على عمة زوجته وخالة زوجته، ويقول: هذه مثل عمتي! ليست مثل عمتك، ويقول: خالة زوجتي مثل خالتي! هذا غلط، ليست مثل خالتك، وكذلك زوجتك لا تكشف على عمك ولا على خالك، ولا يقوم مقام خالها، ولا مقام عمها، وإن دجل الدجالون، وكذب الكاذبون والمفترون فإنها محرمة.

    سؤال آخر: عقدتَ على امرأة ولم تدخل بها، وهذه المرأة لها بنت، ورغبت في البنت، فطلَّقتَ الأم من أجل أن تتزوج البنت، فهل يجوز لك ذلك أو لا يجوز؟

    تزوجت امرأة، ولها بنت من رجل آخر، فلما علمت بالبنت ودينها وجمالها وصغر سنها بالنسبة لأمها، قلتَ: ليس لي حاجة بأمها، أريد البنت، وأنا الآن ما دخلت بالأم، فأطلق الأم هذه، وأتزوج بنتها.. فهل يجوز ذلك أم لا يجوز؟

    الجواب: لو أنه عقد على امرأة لها بنت، ثم قيل له: يا فلان، ماذا تريد بهذه؟ عندها بنت دَيِّنَة وجميلة، وأصغر من أمها بطبيعة الحال، فطلِّق هذه الأم وتزوج البنت، فيجوز له ذك، لكن إذا رضيت أمها!

    هنا سؤال ستكون جائزته كتاباً بعنوان العقيدة في الله لـعمر الأشقر.

    والسؤال: متى يقول الشخص: أختي من النسب تزوجت أخي من النسب؟ وليس من الرضاع.

    أو متى يقول الشخص: أخي تزوج أختي؟

    الجواب: إذا كان عندك أخت من أم وأخ من أب، فهذا يأخذ هذه.. الجواب صحيحٌ ولذلك يأخذ الكتاب جائزة.

    فإذا كان عندك أخ من أب وأخت من أم، الأخ من الأب أخوك من النسب، والأخت التي من الأم أخت من النسب أيضاً؛ لكن هل بينهما علاقة؟ أخوك من أبيك هل له علاقة بأختك من أمك، نسب أو رضاع أو مصاهرة؟ لا يوجد في الأحوال العادية، بدون أن نفترض دخول أي شيء آخر من رضاع أو مصاهرة، أو غير ذلك، ففي هذه الحالة تقول: أخي -أي: من أبي- تزوج أختي -أي: من أمي- ويجوز ذلك.

    سؤال آخر: ما هي الحالة التي يكون فيها الشخص خالاً وعماً في نفس الوقت؟

    الجواب: نفس الحالة السابقة التي قبل قليل، إذا حصلت هذه الحالة، فعند ذلك يكون الشخص خالاً وعماً في نفس الوقت، إذا تزوج أخوه من أبيه أخته من أمه، فأنجبا ولداً، ولنفترض أن رجلاً اسمه: محمد، وله أخ من أمه اسمه: عبد الله، وله أخت من أبيه اسمها: فاطمة، فتزوج عبد الله فاطمة، فأنجبا ولداً، ولنقل اسمه: سعيد؛ فإن محمداً سيكون خالاً وعماً لسعيد في نفس الوقت.

    لماذا يكون خالاً؟ لأنه أخو أمه.

    ولماذا يكون عماً؟ لأنه أخو أبيه.

    فيكون خالاً وعماً في نفس الوقت.

    أظن أننا بهذا نكون قد أتينا على مُعظم الأحكام المتعلقة بالمحارم، ونرجو أن تكون الفائدة قد حصلت في هذا الدرس من هذا الموضوع والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    المربي لابد أن يكون عفيفاً

    السؤال: هل من الضروري أن يكون المربي متزوجاً؟

    الجواب: لا يُشترط ذلك، ولكن لا شك أن الزواج من أسباب العفة، فإذا كان الرجل لا يَشعر بالعفة إلا بالزواج، فلا بد أن يتزوج، إذ كيف يشتغل بالتربية وهو واقع في المعاصي، ولا نقول: إنه لا يمكن، بل يمكن أن يشتغل بالتربية وعنده معاصٍ، لكن حتى يكون كاملاً في تربيته، ينبغي أن يكون عفيفاً.

    الفرق بين القدوة والرياء

    السؤال: كيف نفرق بين القدوة والرياء؟

    بمعنى: إنسان قام يعمل عملاً من الأعمال الصالحة ليُقتدَى به، فكيف نفرق بينه وبين أن يكون الشخص مرائياً؟

    الجواب: يكون ذلك بالنية، فإذا نوى الشخص بعمله أن يهتدي الآخرون ويقلدونه فيه، فإنه يكون قدوة، وأما إذا قام رياءً، ليس من أجل أن ينشط الآخرون ويعملوا بعمله، فإنه يكون مرائياً، ولذلك النية هي التي تفصل بينهما.

    نصيحة لأصحاب القنوات الفضائية

    السؤال: هناك مخططات لإفساد وسلب الهوية الإسلامية من نفوس الشباب، خصوصاً في هذه المنطقة عن طريق القنوات الخليعة التي بدأت تصل تباعاً، فما هي النصيحة في هذا؟

    الجواب: أقول: أيها الإخوة: هناك حملات صليبية جديدة؛ ولكنها من نوع مختلف عن الحملات الصليبية القديمة، وهذه الحملات الصليبية -الأمريكية والإنجليزية والفرنسية- في طريقها في الوصول في أول السنة القادمة، في مطلع يناير القادم، لتبث إلينا السموم بأنواعها، سواءً أكان ذلك هدماً في العقيدة، أو دعوة إلى التبشير، أو إدخال التشويش على عقيدة المسلمين، أو تخريب الأخلاق بالمناظر الخليعة، أو الدعوة إلى الأشياء الهدامة.

    لقد حدثني أحد الإخوة قائلاً: في أحد البرامج في قناة الـ(cnn)، مقابلات -وبعض الذين يقابلون يهود مشهورون- يقول: وكانت المقابلة مع رجل وزوجته، والرجل هذا لا يُشبع زوجته جنسياً، فيقول: ما هو الحل الذي أنت تعمله الآن؟ قال: أنا آتي برجل آخر لزوجتي، وأتركه معها في الفراش لكي يقوم بإشباعها، قال: وأنت؟ قال: أنا أصورهم بالفيديو وأنبسط! وكأنه هو الذي يعمل! وهذا البرنامج يُعرض على الهواء مباشرة، ثم تأتي المكالمات من أنحاء العالم ليقول فلان: أنا أؤيد، ويقول فلان: وأنا أيضاً أريد واحداً لزوجتي، وذاك يقول: وأنا مستعد أن أقوم بدور كذا وكذا.

    فانظروا -أيها الإخوة- إلى أي درجة وصلت حياة هؤلاء البهائم، ثم هذا يكون على مرأى ومسمعٍ مِن أبناء وبنات المسلمين، هذه دعوة واضحة وصريحة للانحلال، هذا مثال واحد مما وصل إلى علمنا، والله أعلم بالأمثلة الكثيرة الموجودة في مثل هذه الأشياء، ناهيك عما في دعاياتهم من الإباحية، وعما يعملونه من الترويج لأماكن الفسق والدعارة الموجودة في العالم، ولو جلست تتذكَّر وتذكِّر ما هي المحرمات والمنكرات الموجودة في هذا البث المباشر، لطال بك الكلام.

    ولذلك فإنني أهيب بكل عاقل ألَّا يترك هذا الجهاز في بيته أبداً، وألَّا يفتحه لأقربائه؛ لأنك يا أخي مسئول عنهم أمام الله سبحانه وتعالى، وإذا كنا من زمان كان الواحد يقول: ممكن أن نراقب، ونعمل عليه مراقبة، إذا كان فيه فقرات جيدة، وإذا كان كذا.. لكن الآن لا يمكن ولا تستطيع أن تعمل هذه المراقبة، وأنت تضحك على نفسك فعلاً، وما سيأتي فهو أعظم، وهذا الخطر قد نُبِّه عليه، ونَبَّه عليه أهل العلم والفضل، ولكن أين الاستجابة؟ سواءً من جهة إزالة هذه الأشياء من البيوت، أو من جهة تحذير الناس عنها، وهذا أمر خطير جداً، وهذه مسئولية في رقابنا جمعياً، كل واحد في رقبته مسئولية التبليغ، هذا غزو من نوع جديد، غزو من نوع لا يمكن التحكم فيه، وكيف يتحكم فيه؟!

    وكثير من المخلصين يقولون: لا حول ولا وقوة إلا بالله! وفقط، وبعض الناس قد يزين لهم الشيطان ويقول: تَفَرَّج عليها من باب نصح الناس، تَفَرَّج على البرامج حتى تنصح الناس، وهذا الشاب قد يكون ملتزماً بالإسلام، وقد يكون داعية، وإذا به يتأثر بهذه البرامج، وهذه المناظر، فلا حول ولا وقوة إلا بالله!

    هذه مسألة -أيها الإخوة- علاجها التوعية، ومع الأسف الأمة الإسلامية الآن ما عندها قناة تبث منها، ما هناك قناة إسلامية في العالم تبث برامج تلفزيونية كاملة على مدار الساعة -مثلاً- وتغطي أهل الكرة الأرضية ببرامج إسلامية، حتى الآن ما وجد، وأهل الكفر ملة ملة، ودولة دولة ينشرون باطلهم وإلحادهم، والمسلمون يغطون في نوم عميق، ما فكروا حتى في إيجاد قناة تبث هذه التعاليم الإسلامية إلى أهل الأرض، ما وُجد -للأسف- حتى الآن، هذه الكثرة الكاثرة من أبناء الأمة الإسلامية لم يستطيعوا إلى الآن ولو إقامة قناة واحدة تبث إلى العالم شرح الإسلام، وأحكام الإسلام، ومحاسن دين الإسلام، والدعوة إلى الإسلام أبداً، وإنما يعمله أعداء الإسلام في المقابلات، وأنواع البرامج حرام.

    وليت المسلمين يقومون بشيء من الجهد الواجب عليهم في نشر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، في طريق خالٍ من المنكرات والشبهات.

    الميزان في الزواج هو الالتزام بالإسلام

    السؤال: يوجد عندنا بعض الإخوان الملتزمون في منهج الزواج، وإذا أراد الشخص أن يتزوج يسألونه عن منهجه: هل هو طالب علم، هل هو من أهل الخروج، هل من أهل الجهاد، هل هو من كذا، فما تعليقكم؟

    الجواب: يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).

    فمسألة الاستفسار هي من أجل معرفة دين الرجل وخلقه، وهذا هو الذي يجب أن يؤكَّد عليه، أما تفريق الناس شيعاً وأحزاباً، فليس من ملة الإسلام، وكون الرجل مجتهداً باجتهاد معين أمر صحيحٌ وسائغٌ.

    مثلاً: واحد يركز على التربية، وواحد يركز على الجهاد، وواحد يركز على الدعوة في أقطار الأرض بشكل صحيح موافق للسنة، مع الأخذ -بعين الاعتبار- بالأشياء الأخرى؛ لأنه كيف يكون داعية وهو جاهل؟! كيف يكون مجاهداً وهو جاهل؟! فإذا كان آخذاً بالأشياء الأخرى؛ فإنه في هذه الحالة على خير وعلى صواب.

    قد يكون رجلاً مهتماً بمسائل تتعلق باقتصاد المسلمين، يقدم فيها دراسات وأبحاثاً، ويكوِّن هو ومن معه بعض المنشآت أو الشركات البعيدة عن الحرام، لكي يستثمر الناس فيها أموالهم، فهو على خير وعلى دين.

    فإذاً: هذا الرجل إذا كان ذا خلق واستقامة، يُزَوَّج مهما كان نشاطه، فإذا كان النشاط مشروعاً، ويركز عليه؛ لأن له إبداعاً فيه، وعنده استقامة في دينه، وليس عنده بدع، ولا منكرات، ولا صاحب أهواء، وخلقه سوي، فإنه يزوَّج.

    قتال اليهود بقيادة عيسى أو المهدي

    السؤال: هل نحن المسلمين سوف نقاتل اليهود بقيادة عيسى ابن مريم أو المهدي، أو أنه سيكون هناك قائد مسلم؟

    الجواب: ليس هناك في الأحاديث -بحسب ما أعلم- ما يشترط أن يكون كل قتال لليهود بقيادة المهدي أو عيسى، بل ربما يكون هناك قتال لليهود بغير قيادة المهدي أو عيسى، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك قريباً.

    غربة الإسلام

    السؤال: أنا سأضرب لك مثلاً بما يحصل الآن في هذه الأيام: مجموعة من الناس أرادوا أن يبيعوا بيتاً، وهذا البيت وقف، وهؤلاء الناس يساومون على هذا البيت، ولا يوجد في هذا البلد من يحكمهم من المسلمين..

    صار هذا الآن مثل اللغز، يقول: مجموعة من الناس أرادوا أن يبيعوا بيتاً، وهذا البيت وقف لله تعالى، ليس لأحد حق التصرف فيه، وهؤلاء يساومون عليه أعداء الله، ولا يوجد في هذا البيت من يحكمهم بشريعة الله.

    الجواب: هذا -أيها الإخوة- أوان غربة الإسلام، ولكن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، ولا يمكن أن يتركنا هملاً، ولا أن يتركنا بغير نصر، ونحن نتخذ أسباب النصر، الله عز وجل يقول: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21].. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    والله سبحانه وتعالى يقول: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:15].

    فلا يجوز لمسلم أن يجزم بأن الله لن ينصر المسلمين، مهما عملوا، ويقول هذا النصر في الآخرة فقط، وإنما كتب على المسلمين الذل والخزي في الدنيا والابتلاءات الدائمة، لا.. لقد حكمنا معظم أقطار المعمورة المشهورة قرابة ألف سنة، والآن عندما تغلب إخوان القردة والخنازير من اليهود والنصارى وغيرهم على الأرض في هذا الزمان، نسينا الحقبة الماضية!

    كم حكم المسلمون الأقطار المشهورة في الأرض؟!

    كم حكم المسلمون العالم المعمور الحي الحيوي؟!

    الأجزاء الحيوية من العالم التي حكمها المسلمون كانت هي مقر الحضارات، والنبوغ العلمي، والتقدم، والسعادة التي حصلت بتطبيق الشريعة..

    كم حكم المسلمون العالم سابقاً؟! كثيراً جداً، مئات السنوات..

    متى سقطت الخلافة؟ سقطت قريباً ولم تسقط منذ زمن بعيد، الخلافة العثمانية التي كان جيوشها على أبواب فينيا ، وقريباً من روما وغيرها، ما سقطت منذ فترة بعيدة جداً، وإنما سقطت منذ فترة قريبة.

    فإذاً: لقد كان أجدادنا يحكمون العالم، فمن أجل مائة أو مائتين سنة من الوقت يُسْقَط في أيدينا! وننسى تاريخنا! وننسى أننا كنا أمة تهيمن على سائر الأمم وتُخشى ويُحسب لها حسابُها!

    فكر في تاريخ الدول المعاصرة من الدول الكافرة التي قامت.. كيف قامت؟! ومتى قامت؟! وكم حكمت؟! قام البرتغاليون في البرتغال ، وحكموا استعمروا، أين هم الآن؟! دولة شبه متخلفة في أشياء كثيرة، أسبانيا كانت تحكم كثيراً، والله سبحانه وتعالى يقول: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] هذا قدر الله، يرفع ناساً ويخفض ناساً كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29].

    فإذاً: لا يمكن أن تستمر الهيمنة لأمة معينة وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] هذه سنة الله في خلقه، وسنة الله في عباده.

    ولا شك أنه سيكون هناك ظهور للإسلام، كما بشرت بذلك النصوص، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فرج المسلمين قريباً.

    تربية الآخرين وإهمال النفس

    السؤال: إنني أحس بنفسي أنها كالشمعة تحرق نفسها، وتنير لغيرها، فأقوم بالدعوة إلى الله؛ ولكن أهمل تربية نفسي، فماذا أفعل؟

    الجواب: لقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن رجل هذا حاله، فقال الناس: مثل الذي يعلم الناس وينسى نفسه، كالشمعة، تحرق نفسها وتضيء للآخرين.

    فإذاً: ينبغي على الداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يهتم بنفسه، ولا يجعل كل الوقت للآخرين، (إن لنفسك عليك حقاً) فمن أين تدعو؟! تدعو لأي شيء وأنت لا تتعلم المنهج؟! وتربي الناس على أي شيء وأنت ليس عندك علم؟! وكيف تكون مؤثراً وقلبك خاوٍِ من أنواع الإيمانيات الناتجة عن العبادات؛ لأنه ليس عندك وقت تعبد الله فيه؟! كيف؟! (إن لنفسك عليك حقاً) في تربيتها، ودعوة نفسك إلى الالتزام بالأحكام الشرعية، والقيام بالعبادات، والتعلم، حتى تستطيع أن تمارس الأدوار الأخرى.

    فلا بد أن يكون هناك توزان؛ لأن بعض الناس يقول: أنا أعتزل الناس عشرين سنة أقرأ وأقرأ وأعبد الله حتى أتقوى ثم أخرج إلى الناس، نقول: ما عندك وقت، ربما تموت قبل هذا.

    فلا بد أن يكون عندك نصيب دائم من طلب العلم، ومن الدعوة إلى الله، ومن القيام بالعبادات، ومن تربية الآخرين، عمليات مزدوجة، وعمليات آنيَّة مع بعض، تقوم في وقت واحد، فيمكن أن الإنسان قد يهتم ببعض الجوانب أحياناً في وقت معين، مثلاً يذهب إلى مكة في العشر الأواخر، يقوم بالعمرة ويعتكف، فهو الآن بعيد عن الناس من أجل الاعتكاف، هذا أمر طَيِّبٌ! ليس فيه إشكال، ما اعتكف الدهر، ولا اعتكف سنين وترك الأمة، وترك المجتمع في المستنقع، وإنما هو يعطي نفسه ويكوِّن لها محطات يتزود بها من الوقود الإيماني والعلمي، ويمكن أن يتفرغ -أحياناً- لطلب العلم، مثلاً في إجازة من الإجازات، يأخذ له أسبوعاً -مثلاً- يرحل إلى أحد العلماء، ويجلس عنده، ولكنه لم ينسَ المجتمع، ولم ينسَ أهله ولا أقرباءه ولا جيرانه ولا جماعة مسجده، وأهل حيه، ولا طلابه، ولا قرناءه وزملاءه في الوظيفة والدراسة، بل إنه على اتصال، وإذا انقطع أياماً من أجل اعتكاف أو رحلة لعالِم، فهو لا زال يزاول عمله بعدها مباشرة، وهو في يومه يعبد الله، ويقرأ، ويدعو، ويربي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتنا؛ فقد كان قائداً للدولة، وزوجاً، وكان أباً حنوناً، تذرف عينه من الدمع على ولده إبراهيم لما مات، وكان معلماً، يشاهد رجلاً يقول في الصلاة: ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ ما لكم تنظرون إلي؟ فيعلمه، فيكون أحسن معلم، لم يُرَ مثل تعليمه قط، وقائداً عسكرياً يخوض غمار الحروب، ورجلاً محنكاً سياسياً في صلح الحديبية وفي غيرها، وفي كتابته للأقوام الأخرى ولكسرى ولهرقل، يكتب إليهم الرسائل يدعوهم إلى الله، ويخطِّط للدعوة، ويرسل ناساً إلى الحبشة ، ويرسل ناساً من الذين أسلموا في مكة إلى قبائلهم، يعيدهم إلى قبائلهم صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يلاطف الصغير، ويقول: (يا أبا عمير! ما فعل النُّغَيْر) ويرحم الكبير، ولما جاء أبو قحافة وقد علاه الشيب، أراد عليه الصلاة والسلام أن يوقره، وأمرهم بتغيير شيبه، حتى يكون على وضع أحسن وأمثل، وكان قدوة عليه الصلاة والسلام، وكان إماماً في المسجد، ويخطب الجمعة بالناس.

    إذاً: المسلم يقتفي أثر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأغلب الانحرافات عند الشباب تنشأ من نزعات مثل هذا، يقول: أنا أريد أطلب العلم، وما لي علاقة بالناس، أو أنا داعية، نذرت نفسي للدعوة، ما عندي وقت أعبد الله، ولا نوافل، أنا أقوم بأشياء، ومن هنا تنشأ الانحرافات من هذه النزاعات.

    يقول: لا شك أن الدعاة والعلماء هم قادة هذه الأمة، وعليهم مسئولية عظيمة، ولا شك أن ما أصاب هذه الأمة حالياً بسبب بعدها عن الله سبحانه وتعالى، وانعدام التربية بين أفرادها، وفي هذه الأيام تحدُث أمورٌ عظيمة، تُذْهِب عِزَّ هذه الأمة، فلا بد من تبيين هذا للناس واستغلال الفرص، ولا شك في ذلك، وكل واحد منا عليه واجب في هذا الأمر.

    التحزب الدعوي وحكمه

    يقول: ما رأيك في قضية التحزب الدعوي؛ لأنها قد أصبحت تشكل مشكلة في أوساط الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؟

    الجواب: نعم -أيها الإخوة- هذا حق وصدق، وظاهرة -مع الأسف- موجودة، ومن أسباب تخلف المسلمين: تفرقهم شيعاً وأحزاباً حتى في مجال الدعوة إلى الله، ولو أنهم تخصصوا في تخصصات، وكل مجموعة منهم تعمل دون أن تصادم الأخرى؛ لأن في ميدان الدعوة إلى الله مُتَّسَعاً للجميع، مهما رَمَيْتَ دعاةً في الساحة؛ فالساحة تستوعب، مهما ألقيت جماعات للدعوة إلى الله عز وجل في الساحة؛ فالساحة تستوعب، لكن مع ذلك يحصل -مع الأسف- أن يتصادم بعض هؤلاء مع بعضهم، فماذا نفعل؟

    أولاً: لا بد من تنظيم الأعمال، لا بأس أن تتخصص مجموعة من الناس للأيتام، وبعض الناس لنشر العلم، وبعض الناس للدعوة في القرى والهِجَر، وبعض الناس في التركيز على القطاعات النسائية، وبعض الناس للدعوة في أوساط المتعلمين، والمثقفين، والعسكريين، والموظفين، وغيرهم، وبعض الناس يتفرغون للتأليف والنشر.

    فإذاً: مجالات العمل الإسلامي كثيرة جداً جداً، ومتسعة، فبدلاً من التصادم لابد من التنسيق، وإذا رأيت غيرك في مجال يعمل فلا بأس، وأنا لو رأيتُ داعية يدعو إلى الله، يدعو شخصاً، وهو على منهج صحيح، وهذا هو المهم: (أن يكون على منهج صحيح) وأنت أتيت لتدعو، فعليك أن تدعو غيره، هناك في الساحة من غيره من الأشخاص الكثر الذين يحتاجون إلى هداية، يحتاجون إلى أن يدخلوا في عالم الالتزام بالإسلام، فلماذا تتقاتلون على رجل واحد، وفي المجتمع كثير من الرجال الذين يحتاجون إلى دعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟!

    وهذا هو الذي يثير العجب بالمرء المسلم، وهو يتفرج على مثل هذه الظواهر.

    ولذلك فينبغي -أيها الإخوة- أن يكون هناك حكمة ووعي، وإذا كان أعداء الإسلام قد اتحدوا على حرب الإسلام، فما أولى بأمة الإسلام، وأهل الإسلام، ودعاة الإسلام أن يتحدوا لمواجهة هذه الهجمة التي تشتد يوماً بعد يوم؟!

    وسبحان الله! لا يشتد الشر إلا ويزيد الخير، فإنه لم يكن هناك بث مباشر في الستينات مثلاً، لكن لما صار الآن هناك بث مباشر؛ أصبح عدد الواعين وعدد المستقيمين والملتزمين يزداد، وتزداد طرق الدعوة إلى الله، وتُنْشَر الأشرطة والكتب، وتنشر المحاضرات القيمة النافعة، وتصل إلى أناس ما كانت تصل إليهم بنفس السهولة والسرعة من قبل، وهذا يؤكد وجود الخير في الأمة، وأنهم مهما طغى أعداء الإسلام وحاولوا، فإن الخير مزروع في هذه الأمة، لا يمكن استئصاله، وجذوره ضاربة لا يمكن إزالتها.

    طلب دعاء

    السؤال: يقول: لا أسألك سؤالاً؛ لكن أطلب منك ومن الحاضرين أن تدعوا لي دعوة أن يرزقني الله طفلاً ينير حياتي الزوجية؟

    الجواب: نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى أن يرزق أخانا طفلاً، وأن يجعله ولداً صالحاً، تقر به عينه. آمين.

    الفتور في العبادة وعلاجه

    السؤال: إنني أحب كل ما يقربني إلى الله من عبادات وقراءة القرآن وأداء الصدقة والزكاة والصوم وغير ذلك؛ لكن أتكاسل عن صلاة الفجر أحياناً، والقرآن أهجره طويلاً، كل ذلك يحدُث وقلبي يؤنبني ويتقطع حسرات، وتسمَعُني إذا تُلِيَت بعضُ الآيات أُخْرِجُ زفرات من أعماق قلبي، قليل الحفظ سريع النسيان، فأرشدني وأنقذني بحل سريع..

    الجواب: معرفة المرض -أيها الإخوة- نصف العلاج، وكثير من قساة القلوب لا يعرفون أنهم قساة القلوب ولا يسلِّمون ولا يقولون: نحن نحتاج إلى تربية إيمانية، ونحتاج إلى اهتمام بالعبادات، وإنما يظنون أنهم في حالة صحية جيدة، ولذلك فهم لا يتورعون عن أكل الحرام، أو الوقوع في الشبهات، أو النظر إلى امرأة أجنبية، ونحو ذلك.

    فنقول: إن الله سبحانه وتعالى قد فتح مسألة التربية الإيمانية متركبة من عدة أشياء:

    أولاً: هناك تنوع في العبادات، هناك صلوات، هناك صيام، هناك صدقة، هناك حج وعمرة، واعتكاف، هناك سجدة الشكر، وغيرها، وحتى الصلوات متنوعة.. هناك سنن رواتب، وهناك قيام الليل، وهناك صلاة التوبة، وهناك صلاة الضحى.

    فإذاً: العبادة نفسها متنوعة، فنوِّع في العبادات حتى لا تمل نفسك من عبادة معينة.

    ثانياً: حذارِ مِن تحوُّل العبادات إلى عادات.. بعض الشباب لا يعرفون معنى التشهد بالتحيات، تجده يقرأ: (التحيات لله...) في الصلاة ولا يعرف معناها من كثرة ما يرددها، تحولت التحيات إلى عادة، ولم تعد عبادة لها معنى يسْتَشْعر، تأمل عندما تقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، يقول عليه الصلاة والسلام في الذي يقولها: (أصاب كل عبد صالح بين السماء والأرض) تصور لو أنك كلما تقول التحيات في ذهنك أنت مستحضِر في قلبك، أنك إذا قلت: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) أنك تصيب بدعوتك هذه كل عبد صالح بين السماء والأرض، من الملائكة وغيرهم، كل عبد صالح بين السماء والأرض تصيبه دعوتك.

    فإذاً: لا بد من تنويع العبادات، ولا بد من الإخلاص في العبادات، ولا بد من تحاشي تحوُّل العبادات إلى عادات، حتى تشعر بلذةٍ وطعمٍ لهذه العبادة، ثم ينبغي مع ذلك أن تداوم على العبادة، كما أخبر عليه الصلاة والسلام: (خير الأعمال أدْوَمُها وإن قل) (أحب الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإن قل) فعليك بالقليل الدائم أفضل من الكثير المفاجئ المنقطع، الذي تصعد به فجأة، ثم تهوي وتتركه نهائياً بعد حين.

    نحن لا نود أن نستمر أكثر من هذا؛ حيث أن الوقت قد تأخر.

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وإياكم في دينه، وأن يرزقنا وإياكم اتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.