إسلام ويب

ماذا نستفيد من الجيل الفريدللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصحابة هم الجيل الفريد الذي لم يأت مثله قبله، ولن يأتي مثله بعده، ومجالات الاستفادة منهم كثيرة جداً، وقد قام الشيخ بذكر مقدمة عن هذا الجيل، فتحدث عن تعريف الصحابة، ووضح عدد الرواة والمفتين من الصحابة، بالإضافة إلى نبذة عن فضلهم في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما بين عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأقوال العلماء فيهم رضي الله عنهم. أما بالنسبة للمجالات التي يتم الاستفادة فيها من هذا الجيل فهي كثيرة جداً.

    1.   

    مقدمة عن الصحابة رضوان الله عليهم

    الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه، أشهد أن لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحان الله والحمد لله، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والسراج المنير، والبشير والنذير؛ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    إخواني في الله: هذه تحيةٌ في هذه الليلة في هذا البيت من بيوت الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشملنا برحمته، وأن ينزل علينا سكينةً من عنده، وأن يجعل ملائكته تغشانا، وأن يجعل دار الخلد مثوانا إنه سميعٌ مجيبٌ.

    أيها الإخوة: عنوان هذا الدرس" ماذا نستفيد من الجيل الفريد؟"

    والمقصود بالجيل الفريد هم: صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. والله تعالى لما جعل النبي محمداً عليه الصلاة والسلام أفضل الأنبياء، جعل حواريه أفضل الصحابة، وأفضل الحواريين من بين صحابة الأنبياء جميعاً. فاختارهم عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وحمل دينه وشرعه، والجهاد مع رسوله، فنشروا الإسلام في الآفاق.

    هذا الجيل الفريد، وقلت (الفريد)؛ لأنه لن يتكرر في البشرية مثله على الإطلاق، ولم يأتِ قبله مثله، ولم يأتِ بعده مثله أبداً.

    إنه جيلٌ فريدٌ اصطفاهم الله تعالى، وهذه معلوماتٌ عن الصحابة في سطور قبل أن نشرع في تبيان العنوان والشروع في المقصود.

    الصحابة في الفتوى

    أكثر الصحابة فتوى مطلقاً سبعة: عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وعائشة رضوان الله عليهم. ورد ذلك عن ابن حزم ، وقال: يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلدٌ ضخم، ويليهم عشرون في الفتوى هم: أبو بكر ، وعثمان ، وأبو موسى ، ومعاذ ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو هريرة ، وأنس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وسلمان ، وجابر ، وأبو سعيد ، وطلحة ، والزبير ، وأم سلمة ، يمكن جمع من فتيا كل واحدٍ منهم جزءاً صغيراً. قال: وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفساً مقلون في الفتيا جداً، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث، يمكن أن يجمع من فتوى جميعهم جزءٌ صغيرٌ بعد البحث؛ كـأبي بن كعب ، وأبي الدرداء ، وأبي طلحة ، والمقداد ، وغيرهم.

    تعريف الصحابي

    الصحابي: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه ولو ساعةً من نهار، فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال علي بن المديني: الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل في ذلك من لقيه ممن طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يروِ، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤيةً ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض العمى وكان مؤمناً به، يدخل فيها كل مكلفٍ من الجن والإنس، ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرةً أخرى، أم لم يجتمع، وهذا هو الصحيح المعتمد عند الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني رحمه الله.

    قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، وجملة الصحابة يبلغون مائة وعشرين ألفاً. قال ذلك: أبو زرعة الرازي .

    مات في المدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرق في البلدان. نقل ذلك عن مالك بن أنس الأصبحي .

    نزل في الكوفة من الصحابة ألفٌ وخمسون منهم أربعة وعشرون بدريون، وقدم حمص من الصحابة خمسمائة رجل. وهذا القول لـقتادة بن دعامة السدوسي .

    عدد الرواة من الصحابة

    الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم ألفٌ وخمسمائة. هذا قول الحافظ الذهبي .

    والذين روى عنهم الإمام أحمد مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته من الصحابة تسعمائةٍ وسبعة وثلاثون نفساً، ووضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك ما يقارب من ثلاثمائة صحابي أيضاً. الحافظ إسماعيل أبي الفداء ابن كثير رحمه الله تعالى.

    1.   

    فضل الصحابة في الكتاب والسنة

    ما هو فضلهم في الكتاب والسنة، حتى نعرف قيمة الصحابة؟

    فضل الصحابة في القرآن

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:72] تتكلم هذه الآية عن قسمين.

    من هم؟

    إنهم المهاجرون والأنصار الموصوفون في الآية الأولى من هذه الآيات في الصفات الثلاث وهي: الإيمان، والهجرة، والجهاد: هم المهاجرون الأولون الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأولادهم إيثاراً لله ولرسوله من أجل إعلاء كلمة الله، وإظهار دين الإسلام على سائر الأديان.

    والموصوفون في الآية نفسها بالإيواء والنصرة هم الأنصار الذين هم الأوس والخزرج، فإنهم آووا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرين في منازلهم، ونصروا نبي الله صلى الله عليه وسلم بمقاتلة أعداء الدين، ثم بين الله تعالى الولاء والتلاحم الثابت بين المهاجرين والأنصار بقوله: أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:72] في النصرة والمساعدة، وهذا مما يؤكد قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، وقال عز وجل عن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [التوبة:100] رغماً عن أنوف الحاقدين: وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100] فهذه الآية اشتملت على أبلغ الثناء من الله رب العالمين على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، حيث أخبر الله تعالى أنه رضي عنهم، ويكفيهم فخراً وأجراً أن الله رضي عنهم.

    وقال عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] وهذه تشمل الإيمان، والعمل الصالح، والخلافة، وإقامة الدعوة؛ والإيمان والعمل الصالح في الآية يشمل الخلافة وإقامة الدعوة، ويقول ابن تيمية رحمه الله: ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة في زمن أبي بكر وعمر وعثمان ، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين بعد الخوف، لما قهروا فارس والروم، وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وأفريقيا ... إلى آخر كلامه رحمه الله.

    وصفهم الله بوصفٍ جميلٍ في آخر سورة الفتح، فقال عز وجل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] فقوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] هي التي استدل بها الإمام مالك رحمه الله على أن الذين يبغضون الصحابة لا حظ لهم في الفيء، وأن من أبغضهم كافر، ومن غاظه الصحابة فهو كافر: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29].

    هذه الصورة العظيمة التي تبين العلاقة بينهم: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ُ الفتح:29] وتبين عبادتهم، والعلاقة، والتربية، وكيف نشئوا نشأةً قويةً، وأنهم باستمرار الزمن زادت عبادتهم وأعمالهم مثل: النبتة الصغيرة مع الزمن وتعاهدها بالسقيا تصبح شجرة كبيرة متجذرة في الأرض، وافرة الظلال، كثيرة الأغصان، متشابكة الجذوع: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [الفتح:29] وكل واحد يهديه الله إلى الدين، فيتعاهد نفسه بالإيمان، والعمل الصالح، ومجالس الذكر، وأصحاب الخير؛ فإن إيمانه يزداد ويقوى حتى يصبح شجرة قوية، ومرور الوقت في صالحه، وعمره خيرٌ له.

    وصف الصحابة في السنة النبوية

    قال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: (صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء) -مثلما أنتم الآن جالسون أيها الإخوة، فلا تنسوا النية بانتظار الصلاة القادمة؛ لأن من قعد ينتظر الصلاة، فهو في صلاة- فالصحابة صلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة المغرب- (ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: ما زلتم هاهنا -من المغرب- قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم -أو أصبتم- فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) رواه مسلم.

    قال النووي رحمه الله: معنى الحديث: أن النجوم ما دامت باقية في السماء، فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت يوم القيامة وهنت السماء، فانفطرت وانشقت وذهبت، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون) أي: من الفتن والحروب، وارتداد الأعراب، واختلاف القلوب ونحو ذلك، وقوله عليه الصلاة والسلام: (وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) معناه: ما يوعدون من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم، وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك، وهذه كلها من معجزاته صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً: الآن انظروا ماذا حصل من النقص لما ذهب الصحابة، والأمة في نقصٍ بعد ذهابهم ولا تزال يزداد نقصها.

    هؤلاء الصحابة هم الأمة الوسط: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143] وهم على رأس الشهود الذين يشهدون لكل نبي على أمته، هل جاءكم نذير؟ يقولون: لا. ما جاءنا النذير: (يقال للنبي: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال: من شهودك؟ -يا نوح من شهودك؟! يا شعيب من شهودك؟! يا إبراهيم! يا عيسى! يا موسى؟! فيقول: محمدٌ وأمته، فيجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143] ) اعدلوا لتكونوا شهداء على الناس والحديث في صحيح البخاري .

    كل الصحابة عدول وأثبات: ولذلك ما بحث أهل الجرح والتعديل في حال الصحابة، ولا يوجد في كتب الجرح والتعديل الصحابي هذا ثقة، وهذا ثقةٌ ثبتٌ، أو هذا صدوق، أو هذا لا بأس به، أو هذا ضعيف، فكلهم ثقات لا مجال للبحث فيهم في مسألة الجرح والتعديل، لأن الله عدلهم، وما دام الله عدلهم، فمن بعد ذلك يبحث في تعديلهم؟! المسألة منتهية، لكن النظر فيمن بعدهم، فالذين مات النبي عليه الصلاة والسلام وهم باقون على العهد وماتوا على العهد هؤلاء كلهم أخيار.

    ولذلك لما جاء في الحديث أن عائد بن عمر وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عبيد الله بن زياد الأمير، فقال: (أي بني -ينصحه- إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة. فإياك أن تكون منهم) -تقسوا على الرعية، وتشتد على الرعية، وتحطم الرعية، وتكلف الرعية ما لا يطيقون، إياك أن تكون من الرعاء هؤلاء الحطمة الذين يحطمون الرعية- (فقال له: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابي: وهل كانت لهم نخالة، إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم) كلهم أخيار لا يوجد فيهم نخالة، فالنخالة بعدهم، والحديث في الصحيح.

    1.   

    العلماء الجهابذة وعقيدتهم في الصحابة

    ماذا قال العلماء في شأن الصحابة؟

    نحن نعلم أن الكلام في الصحابة حدث، وأن الطعون عليهم من أعداء الله قام سوقها، وأن التشكيك فيهم قد حصل، فنحن نحتاج إلى أن نقاوم بكلام مضاد نثبت به فضلهم ومكانتهم في الدين.

    الحسن البصري يصف الصحابة

    أيوب السختياني وعقيدته في الصحابة

    وقال أيوب السختياني رحمه الله: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق.

    قول الطحاوي في الصحابة

    وقال الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ.

    أما شارح الطحاوية فقد قال: فمن أضل ممن يكون في قلبه غلٌ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين، بل قد فَضَلهم اليهود والنصارى بخصلة -الذي يسب الصحابة كان اليهود والنصارى أفضل منهم بخصلة- قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى. وقيل لأهل الرفض: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يستثنوا منهم إلا القليل.

    قول الإمام أحمد بن حنبل في الصحابة

    وقال الإمام أحمد رحمه الله: ومن السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أحداً منهم، أو تنقصهم، أو طعن فيهم، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحداً منهم، فهو مبتدعٌ خبيثٌ مخالفٌ لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة، وخير هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ، وعمر بعد أبي بكر ، وعثمان بعد عمر ، وعلي بعد عثمان ، وهم خلفاء راشدون مهديون، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، ومن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يرجع، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف، فهم فيه مجتهدون، إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، لكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى أخطاء غيرهم، ولهم من الله المغفرة والرضوان رضي الله عنهم.

    قول أبي زرعة في الصحابة

    قال أبو زرعة الرازي : إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة .

    ابن القيم ووصفه للصحابة

    وقال ابن القيم رحمه الله في وصفهم: أفقه الأمة، وأبرها وأعمقهم علماً، وأقلهم تكلفاً، وأصحهم قصوداً، وأكملهم فطرةً، وأتمهم إدراكاً، وأصفاهم أذهاناً، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول، وإن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم؟ وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته؟ عمر وافق ربه في مواضع، وأبو أيوب الأنصاري ذكر كلمة فنزلت كما هي في القرآن.

    قال عمر : [عسى ربه يبدله خيراً منكن] فنزل قوله تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [التحريم:5] فنزلت بنصها في القرآن.

    و أبو أيوب قال: [سبحانك هذا بهتان عظيم] فنزلت كما هي في القرآن، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته، وحقيقٌ لمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيراً من رأينا لأنفسنا. ا هـ

    1.   

    الصحابة وسبب قوة إيمانهم

    من أسباب عظم إيمان الصحابة: أنهم رأوا المعجزات، فهم عايشوا نزول الوحي، فتحدث القضية هنا وينزل الوحي هنا مباشرة وبالتفاصيل، بل إن واحداً من الصحابة اشتهى أن ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام عند نزول الوحي، فسأل عمر ، فلما نزل الوحي، دعاه عمر ، وقال له: تعال، وكشف الغطاء، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم له غطيط كغطيط البَكر -أي: صوت مثل صوت الإبل، مثل: صوت النائم- تعلوه الرحضاء، يحمر وجهه صلى الله عليه وسلم، ويعرق حتى في الشتاء، أراه صفة النبي عليه الصلاة والسلام عند نزول الوحي. وكادت فخذ بعضهم أن ترض، كان الصحابي يحس بثقل الوحي، كانت فخذ الصحابي تحت فخذ النبي عليه الصلاة والسلام، وينزل الوحي والوحي ثقيل، وتكاد فخذ الصحابي أن ترض.

    سمعوا خبر الجن بالبشارة به قبل بعثته، وأهل الكتاب، وسمعوا كلام الذئب عنه، وعاينوا نزول الوحي عليه، ورأوا خاتم النبوة بين كتفيه، وأخبرهم بأمور من الغيب، فرأوا تحققها عياناً، ورأوا استجابة دعائه، وشموا رائحة الطيب من عرقه، وعاينوا مس يده الشريفة ليناً وبرودةً، وشربوا من مكان شربته في الإناء شراباً أحلى من العسل، وأطيب من المسك، وشاهدوا تكثير الطعام، وسمعوا تسبيحه وهو يأكله بين يديه، ورأوا الماء ينبع من بين كفيه، وحنين الجذع إليه، والتئام الشجر عليه، وشكوى البعير دامعةً عينه إليه، وتسابق نوق الهدي إليه للنحر، وإخبار الذراع بما فيه من السم، كل هذا رأوه، فلماذا لا يكون إيمانهم في المرتبة العالية؟ ولماذا لا يكون فضلهم في المنزلة العليا والعظمى؟ ولماذا لا يكون قولهم حجة من الحجج الظاهرة؟ وتكون استنباطاتهم آية من آيات الله الباهرة؟ فهم كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس: (ولو أن أحداً أنفق مثل أحدٍ ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

    1.   

    الصحابة فتحت لهم الأمصار

    فتحت لأجلهم البلدان، وسلم أهل الأمصار مفاتيح أمصارهم إليهم بفضلهم وإيمانهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتي زمانٌ يغزو فئام من الناس، فيقال: فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح عليه، ثم يأتي زمانٌ، فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح، ثم يأتي زمانٌ، فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح) رواه البخاري.

    ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لا تزالون بخيرٍ ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخيرٍ مادام فيكم من رأى من رآني وصاحبني) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه في الفتح ، هذا معنى حديث: (خير الناس قرني... الحديث).

    فتحت الأمصار، وكانت تسلم إليهم؛ لأنهم صحابة، بعض الأمصار سلمت إليهم بالمفتاح؛ لأنهم صحابة، مكانتهم عند الله عظيمة جماعات وفرادى، وقد عرفنا بعض ما نزل في القرآن بشأنهم.

    1.   

    فضائل لبعض الصحابة دون غيرهم

    وأما عن أفرادهم، فنأخذ مثالين من فضلهم عند الله.

    منزلة عبد الله بن حرام

    قال طلحة بن خراش : سمعت جابر بن عبد الله يقول: (لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا جابر ! ما لي أراك منكسراً؟ قلت: يا رسول الله! استشهد أبي، قتل يوم أحد وترك عيالاً وديناً، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً، فقال: يا عبدي! تمنَّ عليَّ أعطك، قال: يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية، فقال عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، وأنزلت هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [آل عمران:169-171]) فهذا والد جابر أحياه الله، وقام أمام الله عز وجل وكلمه كفاحاً، وقال: يا عبدي! تمنَّ عليَّ أعطك. كرامة، والحديث رواه الترمذي وحسنه وهو في صحيح البخاري.

    أبي بن كعب سيد القراء

    مثال آخر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي -لاحظوا يا إخوة، وفكروا بالحديث- ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك ) والنبي عليه الصلاة والسلام يقول عن أبي : (أقرؤهم أبي ) (إن الله أمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة:1] قال أبي : وسماني؟ قال: نعم. فبكى رضي الله عنه) .

    وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بن كعب : (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: آلله سماني لك؟ قال: نعم. قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه) قوله: سماني، يعني: هل نص عليَّ باسمي، أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك فاخترتني أنا، قال: الله سماك، الله قال: أبي ، فبكى فرحاً وسروراً وخشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة، والحديث في الصحيح وهؤلاء الصحابة نماذج.

    1.   

    الصحابة والخلافة

    ومن جوانب العظمة أن النبي عليه الصلاة والسلام توفي عن عدد من الصحابة كلهم يصلح للخلافة، فالرسول صلى الله عليه وسلم ربى أعداداً من الصحابة كل واحد يصلح أن يكون خليفة، تخرج من مدرسته صلى الله عليه وسلم ذهب نقي، كُمَّل في أنفسهم، ويكمل بعضهم بعضاً، وتخصصوا في الجوانب، وهذا نستفيد منه في الواقع.

    عن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياءً عثمان ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، ألا وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

    وقال: (ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر) رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وهو في صحيح الجامع .

    وعن علقمة ، قال: [قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً، فجلست إليهم، فإذا شيخٌ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ فقالوا: أبو الدرداء ، فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فيسرك لي، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة . قال: أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين -لأنه كان يحمل نعلي النبي صلى الله عليه وسلم ويتعاهد ذلك باستمرار- والوساد؟] وذكر ابن حجر في الشرح، فقال: وورد برواية: (السواد) وهي أوجه، والسواد يعني: السرب، ميزة لـابن مسعود ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام له: (إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي) ارفعه في أي وقت شئت، ميزة لـابن مسعود . [أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والسواد والمطهرة؟ وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم] من المقصود بالذي أجاره الله من الشيطان؟ الحديث في الصحيح من أحاديث الصحيح في صحيح البخاري، أبو الدرداء يسأل الرجل الذي جاء من الكوفة ، يقول: أتأتي تطلب العلم وعندك ابن مسعود وعندك فلان وفلان؟ قال: [وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم] من هو؟

    الصحابي هو: عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه: [أوليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه أحدٌ غيره؟] من هو؟

    إنه حذيفة رضي الله عنه وأرضاه، والمقصود بالسر أسماء المنافقين.

    1.   

    حرص التابعين على الاستفادة من الصحابة

    فالتابعون لما رأوا الصحابة بهذه المنزلة، أقبلوا عليهم، واتجهت النفوس إليهم، واحترموهم، وصانوهم، وحرصوا على لقياهم، والأخذ عنهم، وسؤالهم واستفتائهم، فجمعوا علمهم وبلغوه لمن بعدهم.

    يزيد بن حيان يذهب إلى زيد بن أرقم

    وهذه نماذج: عن يزيد بن حيان قال: [انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم ، فلما جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيت -يا زيد - خيراً كثيراً، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت -يا زيد - خيراً كثيراً، حدثنا -يا زيد - ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا بن أخي! والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما نافى فلا تكلفونيه. ثم ذكر حديثاً] وهذا في صحيح مسلم، فكان التابعون يقولون للصحابة: رأيتم خيراً كثيراً، وأدركتم خيراً كثيراً، حدثونا وأعطونا أخباراً من التي رأيتموها.

    عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ورؤية أبي اليسر

    معاوية بن قرة ولقاؤه بمعقل المزني

    لقاء التابعين بالصحابة لم يكن لقاء تضييع أوقات، معاذ الله! بل كان لقاء انتفاع واستفادة، ولقاء أخذٍ وتربية، وانظروا إلى هذه القصة: عن معاوية بن قرة ، قال: [كنت مع معقل المزني -صحابي ومعاوية بن قرة تابعي- يقول: ألازمه وأستفيد منه -ينظر إلى حركاته وتصرفاته، يقتبس منه- فأماط أذىً عن الطريق، وبعد برهة قال التابعي: فرأيت شيئاً فبادرته وأمطته عن الطريق، فقال الصحابي للتابعي: ما حملك على ما صنعت يا بن أخي؟ قال: رأيتك تصنع شيئاً فصنعت] هنا التلقي والتربية بالقدوة، وهذه اسمها: التربية بالقدوة، التابعي رأى الصحابي يفعل شيئاً، ففعل مثله وسأله الصحابي ثم علمه، [ فقال: أحسنت يا بن أخي، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أماط أذىً عن طريق المسلمين، كتبت له حسنة، ومن تقبلت له حسنة، دخل الجنة) ] رواه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة .

    فإذاً: الناحية التربوية هنا يا أيها الإخوة! أن التشبه والاقتداء يسري في الأجيال، ولذلك لما ترى علم ابن مسعود مثلاً انتقل إلى من؟ فمن؟ فمن؟ وعلم ابن عباس انتقل مِن مَن؟ إلى من؟ فمن؟ وهكذا، ثم الانتقال ما كان انتقال روايات فقط، بل كان انتقال تأثر بالشخصية، ولذلك قال قبيصة : (كان ابن مسعود أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: في هديه وسمته.

    وكان علقمة يشبه ابن مسعود ، ويشبه بـعلقمة إبراهيم ، وبـإبراهيم منصور، وبـمنصور سفيان، وبـسفيان وكيع، في التلقي عبر الأجيال؛ وكيع يأخذ عن سفيان ، وسفيان أخذ عن منصور، ومنصور عن إبراهيم ، وإبراهيم عن علقمة ، وعلقمة صاحب ابن مسعود.

    1.   

    الصحابة وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم مدرسة في الفضائل والأعمال، فنحن نريد أن نتبين كيف نستفيد منهم؟

    ماذا علمنا الصحابة؟

    لقد علمونا -أيها الإخوة- محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وضربوا لنا الأمثلة الرائعة في محبته عليه الصلاة والسلام حباً شديداً يقول الكافر لما رجع إلى قومه: (والله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم -يعني: من أصحابه- فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم، ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له) هكذا وصف، والحديث في صحيح مسلم .

    عمرو بن العاص وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    حب غلمان الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    حتى الغلمان الصغار من الصحابة: كان عبد الرحمن بن عوف واقفاً يوم بدر بين غلامين حديثي السن، فتمنى أن يكون بين أقوى وأضرع منهما، وإذا بأحدهما يميل عليه ويقول: يا عم! هل تعرف أبا جهل ؟ قلت: نعم. وما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قلت: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده! لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، وهذا بدون اتفاق، وكل واحد يريد أن يخفي عن صاحبه بالغمز لـعبد الرحمن بن عوف ، هؤلاء صغار الصحابة، من حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام لما سمعوا أن أبا جهل كان يسبه، يريدون الانتقام منه بأية طريقة، وقد جعل الله مقتله على يديهما.

    الصحابة وفداؤهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسهم

    من حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام أنهم كانوا يفدونه بأنفسهم. عن الزبير بن العوام قال: (كان على النبي صلى الله عليه وسلم درعان يوم أحد ، فنهض إلى الصخرة، فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم عليه حتى استوى على الصخرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوجب طلحة) حديث حسن في الترمذي ، ((أوجب طلحة) أي: الجنة، فأثبتها لنفسه بهذا العمل؛ لأنه خاطر بنفسه يوم أحد ، وفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وقايةً له حتى طعن ببدنه، وجرح جميع جسده حتى شلت يمينه وقطعت أصابعه، طلحة كانت يده شلاء رضي الله عنه. وأبو طلحة لما أشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم ليرى نتائج المعركة وماذا في الساحة، جعل أبو طلحة يقول ((يا نبي الله! بأبي أنت وأمي لا تشرف فيصيبك سهمٌ من سهام القوم، نحري دون نحرك) رواه البخاري.

    وفي غزوة أحد وقف سبعة من الأنصار، واثنان من قريش عند النبي عليه الصلاة والسلام حماية، فلما رهقوه -أي: المشركون رهقوا النبي عليه الصلاة والسلام- قال: (من يردهم عنا وله الجنة؟ -أو هو رفيقي في الجنة- فتقدم رجلٌ من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضاً، فقال: من يردهم عنا وله الجنة؟ -أو هو رفيقي في الجنة- فتقدم رجلٌ من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ما أنصفنا أصحابنا) قال لصاحبيه الباقيين من قريش -وهم مهاجرون- الحديث رواه مسلم .

    1.   

    سرعة استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله

    نتعلم من الصحابة -أيها الإخوة- سرعة استجابتهم لأوامر النبي عليه الصلاة والسلام، وسرعة التفاعل مع النص، وسرعة التنفيذ، فالتلقي للتنفيذ، لم يكن تلقياً بارداً، ولم يكن تخزين معلومات، كان أخذاً للعمل، وتعلماً للعمل، ولو كان ضد هواه أو ضد مشاعره.

    معقل بن يسار وسرعة استجابته لأمر الله

    هذا معقل بن يسار رضي الله عنه زوج أخته رجلاً من المسلمين، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت عنده مدة من الزمن، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة، ورجعت إلى أخيها -أخوها زوَّجها لهذا الرجل وأكرمه بها وأعطاه إياها، فإذا به يطلقها ولا يراجعها في العدة- فرجعت إلى بيت أخيها الذي خرجت منه، وهذا الزوج بعد فترة هويها، وهويته، يعني: أراد كل واحد منهم الرجوع إلى الآخر، فخطبها مع الخطاب، وفي القديم ما كانت المطلقة كما يقولون اليوم سوقها بائرة، فلا أحد يتقدم إلى المطلقة، لا. قال: فخطبها مع الخطاب، فالمطلقات تمشي أمورهن بسرعة، فقال له معقل : [يا لكع! أكرمتك بها وزوجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبداً آخر ما علي] وفي رواية البخاري قال: [زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعودك أبداً] وعودة إلى رواية الترمذي ، قال: [فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله تبارك وتعالى في هذه القصة آية وهي قوله سبحانه وتعالى: (( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ))[البقرة:232]] لما سمعها معقل ، ماذا قال؟ والآن تصور أن واحداً منا زوج رجلاً من الشباب الطيبين أخته وسهل له الأمور، والمهر لا يكاد يذكر، كأنه أعطاه عطية، والمهر يسير، وأكرمه بها، وربما تكون أخته الوحيدة المدللة المعززة المكرمة في البيت، وإذا بهذا بعد فترة من الزمن يطلقها ويرميها، ثم يأتي بعد ذلك يريد أن يخطبها مرة أخرى، ما راجعها في العدة، تركها حتى تخرج من عصمته، كيف يكون شعورك؟ وماذا عساه أن يفعل بهذا الرجل الذي جاء يطلبها مرة ثانية؟ فهذا معقل بن يسار الصحابي رضي الله عنه شعوره معروف، نفسه مشحونة الآن، لما نزلت الآية، ماذا قال؟ لقد قال: [[سمعاً لربي وطاعةً، ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك، فزوجها إيا] .

    ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة؟

    الفرق سرعة الامتثال: سمعاً لربي وطاعة، التسليم مباشر، وفي رواية: [فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه] حلف ألا يعطيها إياه مرة ثانية، فكفر عن يمينه، وفي رواية: [فقلت: الآن أقبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعاً لربي وطاعة، فدعا زوجها، فزوجها إياه].

    أبو بكر وسرعة تنفيذه لأمر الله

    وكذلك أبو بكر الصديق لما حلف بعدما وقع بعض الناس في ابنته عائشة حتى ذاقت المر، وبكت حتى انقطع بكاؤها، وجف الدمع وانتهى وما بقي منه قطرة، فهي في كرب شديد. وكان من ضمن الذين تورطوا في القضية مسطح، وهو رجل فقير كان الصديق ينفق عليه وهو من قرابته، فلما فعل هكذا بابنته، منع عنه النفقة معاقبة له على ما فعل، فلما أنزل الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى [النور:22] إلى أن قال: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22] قال أبو بكر : [بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه] الحديث في صحيح البخاري فرجع بسرعة.

    1.   

    نتعلم من الصحابة الصدق

    نتعلم مع الصحابة -أيها الإخوة- الصدق مع الله عز وجل، لا كذب، ولا إخلاف عهد مع الله، بل الصدق مع الله تعالى.

    عن شداد بن الهاد : أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن به واتبعه -اسمعوا يا أيها الإخوان! إلى هذا الحديث- ثم قال: (أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن يعلموه) فالذي أسلم حديثاً يلتقي بالقديم، الجديد مع القديم يأخذ معه ويتربى عنه، هناك تعليم واهتمام بالأفراد، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يهتم بأصحابه: (فلما كانت غزوةٌ، غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبياً، فقسم وقسم له -لهذا الأعرابي- أعطى أصحابه ما قسم له -يعني: أمرهم أن يوصلوا نصيبه إليه- فجاءوا به إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسمٌ قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما هذا؟ قال: قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى بسهم هاهنا -وأشار إلى حلقه- فأموت وأدخل الجنة -لا غنائم، ولا أموال- فقال: إن تصدق الله؛ يصدقك، فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحمل وقد أصابه سهمٌ حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم إن هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك، فقتل شهيداً أنا شهيدٌ على ذلك) رواه النسائي وهو حديث صحيح.

    فالصحابة عرفوا الالتزام، وعرفوا التدين، وعرفوا التطوع، وقل: هذا متدين، أوهذا مطوع، أوهذا ملتزم، قل ما شئت، لكن المسألة -والله العظيم- في النهاية شيء واحد، الصدق مع الله فقط، لو يعمل أحدنا في حياته فقط لهذه القضية الصدق مع الله، فهذا أعرابي صدق مع الله في موقف واحد ودخل الجنة.

    1.   

    نتعلم من الصحابة اليقين بصدق كلام رسول الله

    كيف كان يقينهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم؟

    اليقين درجة عالية، (عندما يرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً والزبير وأبا مرثد ليأتوا بالخطاب الذي أرسله حاطب مع المرأة، ويفتشوها التفتيش الأولي، فلا يجدون شيئاً، ويقولون لـعلي : ما وجدنا شيئاً -فماذا قالوا للمرأة؟- قالوا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد، أهوت إلى حجزتها وأخرجت الكتاب) والقصة في الصحيح، ذهبوا متيقنين بصدق النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكثير من الأحاديث وردت سواء في علاج الأمراض، أو في أشياء، فما دام النبي عليه الصلاة والسلام قالها، يعني: قطعاً أنها حق، وبعض الناس ينقصهم اليقين بكلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذه قصة لطيفة عن عائشة رضي الله عنها: (دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة بأسير -أي: لتبقيه عندها ولا يهرب- قالت عائشة : فلهوت عنه) -لعلها كانت حديثة السن- (فذهب، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما فعل الأسير؟ قالت: لهوت عنه مع النسوة فخرج، فقال: ما لك قطع الله يدك -أو يديك؟- فخرج، فآذن به الناس، فطلبوه، فجاءوا به) -ألقي القبض عليه- (فدخل عليَّ -تقول عائشة- وأنا أقلب يدي، فقال: ما لك أجننت؟ قلت: دعوت عليَّ فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطع ) -من يقين عائشة تقول: هذه أو هذه متى ستسقط- (فحمد الله وأثنى عليه، ورفع يديه، وقال: اللهم إني بشرٌ أغضب كما يغضب البشر، فأيما مؤمنٍ أو مؤمنة دعوت عليه، فاجعله له زكاةً وطهوراً) رواه أحمد ، وهو حديثٌ صحيحٌ.

    فإذاً: النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعا على أحَدَ من المؤمنين، فدعوته هذه خصوصية، دعوته عليه تكون بركة ورحمة وخيراً لهذا الرجل المسلم، ولو قال: ثكلتك أمك، أو تربت يداك أو أي دعوة، وهي في الأصل من كلام العرب لا يقصدون بها حقيقتها بالتصديق بكلامه عليه الصلاة والسلام، والالتزام بكلامه كان قائماً بين الصحابة، وليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى المجتمع.

    وقصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن الكلام مع الثلاثة لما تخلفوا، قال كعب : [فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف] كل المجتمع قاطع بلا استثناء.

    وقال له المقداد يوم بدر : (يا رسول الله! إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] لكن امض ونحن معك، امض نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك حتى تهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم) .

    إذاً: الالتزام جماعي، الالتزام قائم، ولذلك انتصروا، والحديث في صحيح البخاري وأحمد.

    1.   

    تحمل الصحابة للغربة والعذاب في سبيل الله

    لقد تحمل الصحابة الغربة في سبيل الله، تقول أسماء بنت عميس التي هاجرت إلى الحبشة : [وكنا في دار، أو في أرض البعداء، أو البغضاء في الحبشة ، وذلك في الله وفي رسول الله -لأجل الله ورسوله، تحملوا الغربة- ونحن كنا نؤذى ونخاف] الحديث رواه مسلم .

    تحملوا الأذى والعذاب في سبيل الله.

    يقول خباب وقد اكتوى يومئذٍ سبع كيات في البطن لمعالجة أذى مولاته، حيث كانت تطرحه على الأسياخ المحماة، فلا يطفئها إلا شحم ظهره إذا سال عليها، يقول: [لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت بالموت] رواه البخاري .

    وهذا بلال معروفة قصته، وكان الواحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يُضرب حتى إنه لا يقدر أن يستوي قاعداً من الضرب، حفروا الخندق بأيديهم، وبذلوا في سبيل الله، بأيديهم عملوا ، ما كان لهم عبيد، حفروا الخندق بأيديهم، في غداة باردة يقول أنس : وهم يقولون:

    نحن الذين بايعوا محمداً      على الجهاد ما بقينا أبداً

    كم طول الخندق؟ كم عرضه؟ كم عمقه؟ من أجم الشيخين طرف بني حارثة شرقاً حتى المذاب غرباً، وكان طول الخندق خمسة آلاف ذراع، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، وكان على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعاً، وقد تولى المهاجرون الحفر من ناحية حصن راتج في الشرق إلى حصن ذباب ، والأنصار من حصن ذباب إلى جبل عبيد في الغرب. وتم الحفر بسرعة وفي الجو البارد والمجاعة، فحفروه في أسبوع، وكان الخندق منتهياً، طعامهم شعير مخلوط بدهن متغير الرائحة، لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً، لكن بحرارة الإيمان حفروه.

    لما أرادوا اليوم حفر مائة متر في شارع الخندق، تكسرت حفارات، واستسلم مقاولون، وحفره آخرون في شهر مائة متر، في شهر الآن في هذا الزمان في نفس المنطقة، وكل القضية هي تسوية شارع!! وأولئك الصحابة حفروه بأيديهم بأدوات بدائية، هذا عمقه وهذا عرضه وهذا طوله.

    فهم جاهدوا على القلة، وأكلوا ورق الشجر كما قال سعد في صحيح البخاري. وفي حديث سرية الخبط، أكلوا أوراق الشجر حتى تقرحت أشداقهم، وكان أبو عبيدة يعطيهم تمرة تمرة، يقول التابعي: [كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل] جهاد على تمرة في اليوم!! رواه مسلم.

    1.   

    تحمل الصحابة للفقر في سبيل الله

    تحملوا الفقر في سبيل الله، كان الواحد لا تجد إلا إزاراً يستر به عورته، ويجمعه بيده حتى لا تنكشف العورة، وخرج أبو بكر وعمر -وزيرا النبي عليه الصلاة والسلام، ثاني وثالث أهم رجلين في الأمة- على باب البيت في الشارع، يقول النبي عليه الصلاة والسلام (ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله) رواه مسلم.

    يقول المقداد : [أقبلت أنا وصاحبان لي قد أذهب أسماعنا وأبصارنا الجهد من الجوع] السمع اختل، وكذلك البصر، وقالت عائشة : [جئنا بـعبد الله بن الزبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحنكه، فطلبنا تمرة للتحنيك، فعز علينا طلبها] هذا الحديث والذي قبله في صحيح مسلم .

    1.   

    الصحابة تركوا الدنيا لطلب العلم

    كانت قراءتهم للقرآن مؤثرة؛ فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما ابتنى مسجداً بفناء داره يقرأ القرآن، جعل نساء المشركين وأطفاله يتقصفون عليه -يجتمعون- حتى خشيت قريش على نسائها وأطفالها من بكاء الصديق. وتلك مدينة النبي عليه الصلاة والسلام هل فتحت بالسيف؟ ما فتحت إلا بالقرآن، فقد فتح مصعب بن عمير وابن أم مكتوم المدينة بالقرآن، بالقرآن اهتدى أهل المدينة ، ولم تفتح بالسيف. والحديث في صحيح البخاري .

    نتعلم من الصحابة ترك الدنيا لطلب العلم، فلا نلهث وراء الدنيا ونترك كتب العلماء، ونترك دروس العلماء.

    أبو هريرة وطلبه للعلم

    يا أيها الإخوة! يقول أبو هريرة رضي الله عنه: [والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير -لا ألبس ثياباً موشاة مخططة- ولا يخدمني فلان، ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع] رضي الله تعالى عنه، وهذا من أجل أي شيء؟ من أجل أن يطلب العلم، ولذلك أثمر الجهد خمسة آلاف حديث في دواوين السنة منتشرة، وكان أول صحابي وأكثر صحابي يصرع بين المنبر وبيت النبي عليه الصلاة والسلام مغشياً عليه، يأتي الآتي يضع رجله على عنقه -لعله للقراءة والرقيا- يظنون به جن فيقول: [ما بي جنون، ما بي إلا الجوع] رواه البخاري.

    هؤلاء الصحابة الفقراء لما انفتحت عليهم الدنيا، وجاءت الغنائم، وجاءت المناصب، ما منهم أحد إلا صار أميراً على مصر من الأمصار، فهل تغيروا أو تبدلت نفوسهم لما جاءت خزائن كسرى وقيصر، وكثرت الأموال، وجاءت (الطفرة) فهل تغيرت نفوسهم؟ يقول عتبة بن غزوان : [ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعامٌ إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك ، فائتزرت بنصفها، وائتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحدٌ إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً] رواه مسلم.

    1.   

    الشجاعة عند الصحابة

    نتعلم منهم الشجاعة: لما تكالب كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ابن أبي معيط يضع الثوب حول عنقه يخنقه به، ويقوم الصديق يدافع، ويقول: [أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!] والحديث في صحيح البخاري .

    حمزة بن عبد المطلب وشجاعته

    وحمزة وشجاعته في أحد لما قام مشرك يقول: [هل من مبارز؟ خرج إليه حمزة بن عبد المطلب يقول: يا سباع! يا بن أم أنمار مقطعة البظور -كانت ختانة للنساء- أتحاد الله ورسوله؟ ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب] رواه البخاري .

    الزبير وشجاعته في اليرموك

    الزبير رضي الله عنه وقف في موقعة اليرموك ، قال له أصحابه: [ألا تشد فنشد معك؟ قال: إني إن شددت كذبتم، فقالوا: لا نفعل. فحمل على الروم حتى شق صفوفهم فجاوزهم] واحد فقط يشق صفوف الروم في معركة اليرموك حتى ينفذ إلى الجانب الآخر، وما معه أحد، ثم رجع مقبلاً مرة ثانية، فضربوه ضربتين على عاتقه رضي الله تعالى عنه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة بن الزبير : كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب بهن وأنا صغير. وهذا عروة ، أخوه عبد الله شجاع كأبيه، عبد الله بن الزبير ابن عشر سنين، أو اثنتي عشرة سنة حمله أبوه على فرس ووكل به رجلاً -والحديث في الصحيح- حتى لا يتجرأ الصغير هذا ويدخل في صفوف المشركين، ولكن مع ذلك ماذا كان يفعل؟ وكان عبد الله بن الزبير وهو صغير يجهز على جرحى المشركين، فبعد المعركة ينظر من بقي فيه رمق من الكفار فينحره ويكمل عليه، فهذا عمره اثنتا عشرة سنة، والآن من عمره اثنتا عشرة سنة لو جاء صرصور صاح من الخوف، يقول خالد بن الوليد : [لقد انقطعت في يدي في مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية] صبرت في يدي صفيحة يمانية. رواه البخاري .

    وجليبيب رضي الله عنه الفقير المسكين وجدوه بعد المعركة، سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم وجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، يعني: قتل من كثرة ما طعن.

    وإذا كان أنس بن النضر به بضعة وثمانون ضربة ورمية في جسده، فكم قاتل حتى مات، ولفظ أنفاسه الأخيرة؟ ليس من أول طعنة، ولا من ثاني طعنة، ولا من عاشر طعنة، ولا من عشرين، بقي يقاتل حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وحُمل جليبيب حمله النبي صلى الله عليه وسلم وعندما وقف عليه، قال: (قتل سبعةً، ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه فوضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ساعدي النبي صلى الله عليه وسلم، فحفر له ووضع في قبره) رواه مسلم .

    1.   

    تسخير الطاقات عند الصحابة لنصرة الدين

    نستفيد من الصحابة -أيها الإخوة- تسخير الطاقات في نصرة الدين.

    زيد بن ثابت يتعلم السريانية لخدمة دين الله

    النبي عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى تعلم السريانية من بعض أصحابه ليقرءوا له خطابات اليهود، ويريد أن يكتب خطابات إلى اليهود، ولا يأمنهم على كتابه، فيطلب من زيد رضي الله تعالى عنه أن يتعلم له لغة جديدة، فتعلمهازيد بن ثابت في كم يوم؟ في سبعة عشر يوماً، رواه أحمد رحمه الله، قال: [تعلمتها له، فلما تعلمتها كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابه] قال الترمذي : حديث حسن صحيح، حذق في سبعة عشر يوماً لغة جديدة لنصرة الدين ولإعلاء كلمة الله.

    الآن الإخوان الذين يعرفون اللغة الإنجليزية، يا ترى هل فكروا في الدعوة إلى الله في وسط الأقوام الذين يتكلمون بهذه اللغة؟ الذين عندهم أي نوع من أنواع الخبرات في الكمبيوتر أو غيره، الذين عندهم خطابة، الذين عندهم حسن خط، الذين عندهم قدرات إنشائية في الكتابة، والذين عندهم قدرات مالية، والذين عندهم خبرات إدارية، هؤلاء ماذا قدموا لهذا الدين؟ لقد كان الصحابة طاقات تفجر ينابيع لخدمة الدين، هذا ما يجب أن نستفيد منهم.

    كان الصحابة رضي الله عنهم يتفاعلون مع النصوص كان الواحد منهم إذا سمع كلاماً طيباً يتمنى أن يكون صاحبه، فـأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه لما سمع حديث: (للعبد المملوك المصلح أجران) قال: [والذي نفس أبي هريرة بيده! لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك] متفق عليه. لأجل ما سمع الأجر يتمنى أنه عبد مملوك لينطبق عليه الحديث.

    والصحابي الجليل عمير بن الحمام الأنصاري لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) هي كلمة واحدة تفاعلت مع الصحابي، فألقى التمرات، وترك الحياة، وذهب ليقاتل حتى قتل. والحديث في صحيح مسلم .

    وأبو طلحة يسمع: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] فكان أحب ماله إليه بستان فتصدق به مباشرة في سبيل الله، وهو أنفس أمواله، لو أن أحداً عنده مزرعة، وقصر منيف، يسمع الآية هل يتصدق بهما مباشرة في سبيل الله؟ هؤلاء الصحابة.

    يقول عوف بن مالك : (قام النبي عليه الصلاة والسلام على جنازة فسمعته يدعو للميت يقول: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو من عذاب النار، قال عوف : حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) لأجل هذا الدعاء وهو يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يستجاب له، والحديث في صحيح مسلم.

    كان الصحابة يبادرون ليس في الواجبات والفروض فقط، بل في المستحبات كانوا ينطلقون، يسمع عبد الله بن عمر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم الرجل عبد اللهلو كان يصلي من الليل) فما ترك قيام الليل بعدها.

    وعمر بن أبي سلمة لما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل بيمينك) كان يقول بعدها: [ما زالت تلك طعمتي بعد] وآخر لما سب وعاتبه النبي عليه الصلاة والسلام: [ما ساببت بعده أحداً] وهكذا، شعورهم مشاركة، تفاعل بالمشاعر وليس فقط بالمجهودات العضلية.

    1.   

    استشعار المسئولية عند الصحابة

    شعورهم لما شاع أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساءه، ماذا فعل الصحابة؟ قعدوا عند المنبر يبكون، والحديث في صحيح البخاري من حديث عمر ، قعد الصحابة يبكون وجاء معهم عمر وجلس معهم وهم يبكون.

    مشاعر تعاطف مع النبي عليه الصلاة والسلام وحزناً على ما حصل لأهله.

    إنهم الصحابة الذين علمونا الشعور بالمسئولية، ما كانوا لعابين أو مهملين، فـأبو بكر الصديق عندما كلف زيداً أن يجمع القرآن ويكتبه قال له: [إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن تجمعه، يقول: والله لو كلفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن] رواه البخاري .

    وعبد الرحمن بن عوف يستشير الناس بعد مقتل عمر : بقي الآن علي وعثمان ، من الخليفة؟ يستشير الناس، ويجمع رأي المسلمين جماعات وأشتاتاً، ومثنى وفرادى، وسراً وجهراً حتى خلص إلى النساء واستشار العجائز، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل الركبان والأعراب ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نومٍ إلا صلاةً ودعاءً واستخارةً، تحمل مسئولية اختيار الخليفة، يحس الإنسان أن هناك شيئاً ثقيلاً يلقى عليه، يتحمل ويقوم ويمشي.

    اليوم عدد من الشباب وعدد من الناس إما أن يهرب من المسئولية فلا يريدون مسئوليات، لا أقصد مناصب، إنما أقصد تحمل الأعباء، والشيء الثقيل، وإذا حملها قال: تشريف، وعمله يدل على أنه تشريف وتفاخر بها، ولا تعطى حقها، لماذا أيها الإخوة؟

    1.   

    أمور أخرى نتعلمها من الصحابة

    الإيثار

    الصحابة يعلموننا الإيثار، إيثار الأخوة، إيثار الأنصار، لقد أعطوا نصف الثمرة للمهاجرين. والحديث في صحيح البخاري. فهذا جعفر بن أبي طالب أبو المساكين: [ينقلب بنا، فيطعمنا ما في بيته حتى يخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء، فنشقها، فنلعق ما فيها] .

    يقول أبو هريرة : والحديث في صحيح البخاري : (والجود بالموجود، خير الناس للمساكين جعفر ، يخرج لهم يؤثرون ضيف النبي عليه الصلاة والسلام بطعام الأولاد) والقصة مشهورة عن الذي آثر ضيفه بطعام صبيانه ونوَّمهم -أي: الصبيان- وأطفئوا السراج حتى لا يحرج الرجل، ونزلت آيات من القرآن، وضحك الله منهما وعجب منهما عز وجل من إخلاصهما، وإذا ضحك ربك إلى عبد فلا عذاب عليه.

    التراحم بينهم

    الرحمة بين الإخوان: لو أصيب الواحد منهم بمصيبة، كيف يكون شعور الآخر؟ إنهم مؤمنون كالجسد الواحد، تقول عائشة رضي الله عنها: [لما حكم سعد في بني قريظة، ماذا قال بعد ذلك؟ قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريشٍ شيئاً، فأبقني له، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك] لكي لا يفوته أجر الشهادة من الجرح، فانفجر كله، وكان الجرح قد قارب على أن يبرأ ولكن عندما انفجر الجرح، قالت عائشة ((فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم ووأبو بكر وعمر ، قالت: فوالذي نفس محمد بيده! إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر ، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عز وجل: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29]) رواه أحمد ، قال ابن كثير : وإسناده جيد.

    مشاركاتهم الأخوية بينهم وبين بعض: إلى كل أخوين بينهما مصارمة! إلى كل أخوين بينهما عداوة! إلى كل أخوين بينهما شحناء وبغضاء! يا إخوان! هذا كعب بن مالك لما تاب الله عليه، كيف كان تفاعل إخوانه المسلمين معه؟ يقول: [فجعل الناس يتلقوني فوجاً فوجاً، يهنئوني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إليَّ رجلٌ غيره من المهاجرين] قام إليه والناس يتلقونه أفواجاً ويهنئونه إنهم الصحابة الذين أخذوا زمام المبادرة لصالح المسلمين.

    وخالد بن الوليد رضي الله عنه الذي تأمر لمصلحة المسلمين مع أن المسألة كانت على وشك الضياع لأجل إنقاذ الموقف.

    و جرير بن عبد الله لما مات أمير الكوفة من الصحابة المغيرة بن شعبة ، وقف جرير على المنبر، وأثنى على الله وحمد الله، وقال: [عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: استعفوا لأميركم -اطلبوا له العفو- فإنه كان يحب العفو] ثم ذكر الحديث.

    وإذا جئت إلى أشياء كثيرة، لن يكون هناك وقت لأن نسرد بقيتها، لكن أيها الإخوة! الصحابة مدرسة، ويجب علينا أن نهتم بسير الصحابة، وأن نجمع أخبار الصحابة، وندرس أخبار الصحابة، ونقتدي بأفعال الصحابة، والله إنا نشهد الله على حبهم.

    اللهم اجعلنا ممن أحبهم، اللهم ارزقنا شفاعتهم يوم الدين، فإن أولياء الله لهم شفاعة يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (شفع الأنبياء، وشفع الصديقون، وشفعت الملائكة) الجميع لهم شفاعة، ونحن نسأل الله تعالى أن يرزقنا شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وشفاعة أصحابه، وأن يحشرنا معهم، وأن يجعلنا في زمرتهم، وأن يوردنا معهم حوض نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا معهم في الجنة؟

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب) فالصحابة حبهم إيمان كلما سمعت بصحابي، فأحبه، وإذا سمعت بـأبي هريرة وأمه، فاستغفر لهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن يستغفر لـأبي هريرة وأمه، وقال: [ما رآني أحد إلا أحبني] لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، ونحن نحبه ونشهد الله على محبة أبي هريرة رغم أنوف الحاقدين، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بسيرهم، وأن يرزقنا الاقتداء بهم إنه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ، وصلى الله على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    كتب في فضائل الصحابة

    السؤال: ما هي بعض الكتب النافعة في سير الصحابة؟

    الجواب: الصحيح المسند من فضائل الصحابة كتاب جيد، الإصابة في تمييز الصحابة القسم الأول منه بالذات في كل حرف من الحروف، سير أعلام النبلاء المجلدات الأولى، والكتب كثيرة في سير الصحابة، وبعضها مبسط ومنها صور من حياة الصحابة ، ومجلد صدر حديثاً أيضاً حول هذا العنوان.

    السؤال عن الفتن التي جرت بين الصحابة

    السؤال: ما رأيكم في الفتن التي جرت بين الصحابة؟

    الجواب: علينا أن نمسك فهي فتنة عصم الله منها دماءنا، فنحن نعصم ألسنتنا منها ولا نتكلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أوصانا وقال: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) وما دام أنه أوصانا فنحن ننفذ، والذين تكلموا من العلماء إنما تكلموا لما تكلم أهل البدع، ولا يصح أن نأتي إلى مكان نظيف ما أثيرت فيه قضية ما دار بين الصحابة فنثيرها نحن، لا نحتاج إثارة الشبهة، ثم نرد عليها، لماذا؟ لأن هذا مخالفة صريحة لحديث: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) فالله الله في الصحابة، لكن لو أتاك واحد، فقال: أنا سمعت كذا، وقرأت كذا، ووصل إلى علمي كذا، تقول: خذ هذا الكتاب، أو هذا الشريط حول الموضوع، أما أن تنشر القضية فهذا خطأ وإجرام، ولا يجوز هذا النشر أبداً.

    أما بالنسبة للمنافقين فهم لا يعدون من الصحابة طبعاً، والحمد لله لم يتمكن منافق واحد أن يروي حديثاً، ولا يوجد من رواة الأحاديث منافق واحد، ما تجرءوا، وعصم الله حديث نبيه صلى الله عليه وسلم من المنافقين.

    حكم التسمي بأسماء الصحابة

    السؤال: ما حكم تسمية الأبناء بأسماء الصحابة؟

    الجواب: نعم. طبعاً نحن أيضاً ينبغي أن نقدر مسألة الصحابة الذين سموا في الجاهلية بأسماء سماهم بها آباؤهم الكفار، فبعضها طيبة، وبعضها هناك ما هو أفضل منها، ولذلك فربما يكون الأدق أن نسمي بأسماء أبناء الصحابة، وكذلك أسماء التابعين؛ لأن هذا الجيل سمي في الإسلام، فلنا أن نقتدي بهم في هذه المسألة.

    عوامل تساعد على الاستيقاظ لصلاة الفجر

    السؤال: ما هي الطرق التي تساعد على الاستيقاظ لصلاة الفجر؟

    الجواب: الطرق التي تساعد على الاستيقاظ لصلاة الفجر كثيرة، وعلى رأسها: الوضوء والنوم المبكر والأذكار والصدق مع الله، فلا يقل: ليت الساعة ما تدق، وليت ما أحد يضرب عليَّ الجرس، وليت أني أواصل النوم، وبعض الآباء يقول: اترك الولد في حاله، عندما يكتفي من النوم يقوم لوحده، فأين يذهب قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ [طه:132]؟

    حكم فتح القرآن

    السؤال: ما حكم فتح القرآن؟

    الجواب : إذا كان المقصود بالفتح أن الإنسان إذا أراد أن يقدم على عمل أو شيء فتح القرآن، فإذا رأى آيات الجنة استبشر، وإذا رأى آيات النار رجع وتراجع، فهذه بدعة ما أنزل الله بها من سلطان.

    حكم الحلف بالقرآن

    السؤال: ما حكم الحلف بالقرآن؟

    الجواب: الحلف بالقرآن جائز؛ لأنه كلام الله، ليس بالمصحف، ولا بالورق والحبر أنه يقسم بآيات الله، وآيات الله كلامه، كلامه صفة من صفاته، فيجوز أن يحلف به، ولكن بعض أهل العلم أشار إلى بدعية وضع اليد على المصحف للحلف؛ لأن بعض الناس إذا أراد أن يغلو اليمين، جاءوا بالمصحف، قال: احلف عليه وضع يدك واحلف عليه، فأشار الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين إلى أن هذا العمل لا أصل له وهو وضع اليد على المصحف والحلف فيه.

    مسألة في الحج

    السؤال: رجل اعتمر في الحج، فهل الأفضل أن يحج متمتعاً أم يحج مفرداً؟

    الجواب: مسألة التمتع في الحج، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الرجل إذا اعتمر في الحج أن الأفضل له الإفراد، وجمهور أهل العلم يرون أن التمتع أفضل الأنساك قاطبةً.

    مسألة في العقيقة

    السؤال: رجل له ثلاثة أولاد ماتوا في الشهر السابع، ولم يعق عنهم؟

    الجواب: يعق عنهم الآن ولا بأس، ما دام أن الأولاد قد نفخت فيهم الروح، فتشرع له العقيقة، فإذا سقط بعد نفخ الروح تشرع له العقيقة، ولا يشترط أن يجمع لها الناس، بل يذبحها ويفرقها ويأكل منها.

    حكم تطليق المرأة وهي حامل

    السؤال: ما حكم تطليق المرأة وهي حامل؟

    الجواب: طلاق الحامل يقع بإجماع العلماء، وحصل خلاف في طلاق الحائض، وحصل خلاف في طلاق النفساء، وحصل خلاف في طلاق من طلقها في طهر جامعها فيه، لكن طلاق الحامل يقع بإجماع العلماء، والعلماء يسمون الحامل: أم العدد، لأنها إذا وضعت حملها خرجت سواء كانت مطلقة، أو توفي عنها زوجها، وأي وضع كانت فيه إذا وضعت حملها خرجت من عدتها.

    استئجار السيارات المنتهي بالتمليك

    السؤال: ما هو حكم استئجار السيارات الاستئجار المنتهي بالتمليك؟

    الجواب: هذا السؤال تكرر كثيراً، والذي خرجت فيه من النقاش مع بعض أهل العلم أن الاستئجار المنتهي بالتمليك والبيع عقدان في عقد واحد، وأن هذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، وهي تعني: أن يشمل أبيعك على أن تؤجرني، أو أؤجرك على أن تقرضني، أو أزوجك على أن تبيعني، فهذا كله لا يجوز، ربط العقدين مع بعض، لا بد أن تفرق حتى يكون أبعد عن الجهالة والغرر، ولذلك إذا قلت: يا وكالة السيارات نريد أن نفصل عقد الإيجار عن عقد البيع، أنا أستأجر منكم السيارة بإيجار شهري، أو سنوي بمبلغ كذا وكذا، وإذا أردت أن أشتريها منكم، ننهي عقد الإجارة ونوقفه ونعقد عقد بيع جديد، ونتفق فيه على سعر معين، أنتم تقولون: بقي لك ألف خذها بألف، المهم نتفق على سعر، لكن يكون عقد الإجارة منفصلاً عن عقد البيع.

    أمين هذه الأمة

    السؤال: من هو أمين هذه الأمة؟

    الجواب: أمين هذه الأمة هو أبو عبيدة بن الجراح ، وقد كان أبو عبيدة من أعظم الصحابة حفظاً للأمانة، والأمانة تشمل: أمانة العبادات وأمانات الناس، وكان كثيراً ما يؤمِّره النبي عليه الصلاة والسلام لأمانته، من الذي أتى بمال البحرين ؟ أبو عبيدة .

    حكم استخدام الطبل

    السؤال: هل يجوز استخدام الطبل في الأعراس؟

    الجواب: الطبل لا يجوز استخدامه لحديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكوبة) والحديث صحيح، والكوبة هي: الطبل، والذي يجوز هو الدف للنساء في الأعراس والأعياد.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي بالخير جميع الحاضرين، وأن يغفر ذنوبنا أجمعين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.