إسلام ويب

قصة المستهزئ الذي هداه اللهللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاستهزاء بالدين قضية خطيرة، ترمي بصاحبها في مكان من النار سحيق، واللسان من أكثر ما يقع في ذلك، ولكن قد يهدي الله مستهزئاً بفضله، ليعود من خير الناس ديناً، وفي هذه المحاضرة شرح لحديث إسلام أبي محذورة ، ومعه بيان لخطر الاستهزاء بالدين وبعض صور الاستهزاء.

    1.   

    هداية أبي محذورة بعد استهزائه بالدين

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    ففي هذه الليلة أيها الإخوة موعدنا مع قصة المستهزئ الذي هداه الله تعالى، وهذه قصة عظيمة في مجال الهداية، هداية الله تعالى للإنسان إذا أراد أن يهديه.

    وهذه القصة روى أصلها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه ، ورواها مطوَّلة الإمام أحمد ، وابن ماجة .

    وهذه القصة من مسند الإمام أحمد رحمه الله يرويها عبد الله بن محيريز ، وكان يتيماً في حجر أبي محذورة .

    قال روح بن معير حين جهزه إلى الشام : قلت لـأبي محذورة : يا عمِّ! إني خارج الشام ، وأخشى أن أُسأل عن تأذينك، فأخْبَرَني أن أبا محذورة قال له: (خرجتُ في نفرٍ فكنا ببعض طريق حنين -أبو محذورة رضي الله عنه يروي له ويعلمه الأذان قبل أن يخرج إلى الشام - يقول له أبو محذورة : خرجتُ في نفرٍ -يعني: مع المشركين بعد فتح مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم- خرجتُ في نفرٍ فكنا ببعض طريق حنين ، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين، فلَقِيَناه ببعض الطريق، فأذَّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متَنَكِّبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم الذي سمعتُ صوتَه قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليَّ وصَدَقوا، فأرسل كلهم -أطلقهم- وحبسني، فقال: قم فأذن للصلاة، فقمتُ ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله -منخفضاً- ثم قال لي: ارْجِع فامدد من صوتك، فقل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أَمَرَّها -أي: مر بيده الشريفة- على وجهه مرتين، ثم مرتين على يديه، ثم على كبده، ثم بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله فيك فقلت: يا رسول الله! مُرْني بالتأذين بـمكة فقال: قد أمرتك به، وذَهَب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقَدِمت على عتاب بن أسيد ، عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة ، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم). انتهى كلام أبي محذورة رضي الله عنه.

    شرح حديث أبي محذورة في قصة هدايته

    كانت هذه القصة مرجع النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة حنين ، لما نَكَبَ عن الطريق وعَدَلَ عنه وتَنَحَّى، وكان هؤلاء يصرخون بالأذان استهزاءً لأنهم كفار، والنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤذن، وأن يخفض صوته بـ(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) ثم يرفع بها صوته.

    و أبو محذورة اسمه: أوس بن مِعْيَر ، وولاه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان يوم الفتح، وكان أحسن الناس أذاناً، وأنداهم صوتاً.

    وقد جاء مروياً عند الدارمي بإسناد متصل بـأبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بنحو عشرين رجلاً فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان.

    وجاء لبعض شعراء قريش في مدح أذان أبي محذورة :

    أما ورب الكعبة المستورةْ      وما تلا محمدٌ من سورةْ

    والنغمات من أبي محذورةْ      لأفعلن فعلة مذكورةْ

    السنة في الأذان من الترجيع وغيره

    وهذا الحديث يحتوي على التكبير مرتين، والروايات المشهورة بأن التكبير في أول الأذان مربع، أي: أربع تكبيرات، والشهادتان المشهور في الأذان كل واحدة مرتان، وحسب أذان أبي محذورة كل واحدة أربع، أشهد أن لا إله إلا الله أربع مرات، وأشهد أن محمداً رسول الله أربع مرات؛ ولكن المرتين الأولَيَتَين من كل واحدة سراً أو بصوت منخفض، والمرتين الأخرَيَتَين بصوت مرتفع، وهذا هو الترجيع المذكور عند الفقهاء، وهو أن المؤذن إذا قام إلى الصلاة فإن السنة أن يجهر بالتكبيرات الأربع، ثم يقول بصوت منخفض: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك يعود فيرفع صوته بهذه الشهادات.

    وقد توفي أبو محذورة رضي الله تعالى عنه بـمكة سنة تسعٍ وخمسين، وقيل: سبعٍ وسبعين، ولم يزل مقيماً بـمكة ، وتوارثت ذريته الأذان رضي الله تعالى عنهم.

    والأذان له أكثر من كيفية، وكذلك الإقامة لها أكثر من كيفية.

    والمشهور من أذان عبد الله بن زيد الذي رأى الرؤيا: التربيع في التكبير.

    وكذلك قال بالتربيع الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء، أن المؤذن يقول في بداية الأذان: الله أكبر أربع مرات.

    وذهب مالك رحمه الله إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين، واحتج بأذان أبي محذورة .

    وبالتربيع عَمَلُ أهلِ مكة ، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغير المواسم.

    المهم: أن أذان أبي محذورة يؤخذ منه سنة الترجيع وهي ثابتة ومشروعة، وصفتها كما سبق.

    وبعض العلماء قالوا بحديث عبد الله بن زيد الذي ليس فيه ترجيع؛ ولكن جمهور العلماء على هذا الحديث الصحيح ولا تَعارُض!

    وأيهما متقدم، وأيهما متأخر، حديث أبي محذورة أم حديث عبد الله بن زيد ؟

    حديث عبد الله بن زيد متقدم، وحديث أبي محذورة متأخر.

    ولا تَعارُض بين حديث أبي محذورة مع حديث عبد الله بن زيد ، فحديث أبي محذورة يتضمن الترجيع، وحديث عبد الله بن زيد لا يتضمن الترجيع.

    فيمكن أن نقول للمؤذن: إذا أردت التزام السنة والحرص عليها فطبق سنة الترجيع.

    فإذا رأيت مؤذناً بعدما يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، يسكت فترة وبعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فاعلم بأنه يطبق سنة، ألا وهي سنة الترجيع.

    وسنة الترجيع هي للمؤذن فقط، أما المستمع فيردد ما جهر به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) .

    1.   

    من فوائد حديث إسلام أبي محذورة

    تغير حال الإنسان لمؤثر ما

    أولاً: أن الإنسان قد ينقلب من كافر إلى مسلم في لحظة:

    و أبو محذورة رضي الله عنه كان كافراً فلما أسلم ولقَّنَه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان، ومَسَح وجهه، ومسح على كبده، ودعا له بالبركة، انقلب الكُرْه إلى محبة، وانقلب الكفر إلى إيمان، وانقلب بُغْض الأذان إلى محبة الأذان، بل وطلب أن يصبح مؤذناً، وانقلب الاستهزاء بالأذان إلى الجِدِّيَّة في إقامة هذه الشعيرة: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي [الأعراف:178].. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].. فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125] ويجعل الله تعالى النور في قلبه، والهداية ربانية من الله عز وجل، كم حاول النبي صلى الله عليه وسلم هداية أبي طالب ، ولم يُسلِم أبو طالب ، وأما أبو محذورة فقد مَسَحَ عليه ودعا له فهداه الله عز وجل، مع أن أبا طالب أقرب إلى النبي عليه الصلاة والسلام من أبي محذورة ، ذاك عمُّه؛ ولكن الله عز وجل هو الذي بيده الهداية.

    فإذاً يؤخذ من الحديث: أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان مهما كان حريصاً على هداية شخص، فلا يمكن أن يهديه إذا كتب الله عليه الضلالة، وكذلك إذا كان الشخص مهتدياً، وقدر الله له أن يستمر على الهداية، فلا يمكن أن يضل مهما اجتمع عليه من شياطين الإنس والجن.

    فوائد حول الأذان والمؤذنين وانتقائهم وأجرة الأذان

    وكذلك يؤخذ من الحديث: أن الإنسان قد يُوْلَع بالشيء حتى يصبح له عادة يطلبه ويحرص عليه:

    فهذا أبو محذورة رضي الله عنه صار مؤذناً.

    وفي هذا الحديث: انتقاء صاحب الصوت الندي لأجل الأذان:

    لأن صاحب الصوت الندي يُسمع له، وينجذب الناس لأذانه، وبالتالي للصلاة في المسجد أكثر من صاحب الصوت غير الندي، ولأن المؤذن وظيفته خطيرة؛ لأنه يدعو الناس إلى الصلاة، بل ربما بعض الناس لا يأتي إلى المسجد إلا من أذان المؤذن، فإذا كان المؤذن نَدِيَّاً تجد أن النفوس تنشرح وتُقْبِل على المسجد، والمؤذن داعٍ يدعو يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فيقول لهم: أقبلوا تعالوا إلى الصلاة، يدعوهم إلى الصلاة.

    وبما أنه لا يمكن أن يقوم العبد إلى شيء من الطاعات إلا بقَدَر الله وتوفيقه وإعانته، فإنا نقول إذا سمعنا حيَّ على الصلاة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لو لا أن أعطانا الله قوة وأعطانا حولاً نَقْدِرُ به على الإتيان إلى الصلاة؛ لما أمكن أن نأتي ولا أن نستطيع، ولذلك لما يقول: الله أكبر، الله أكبر، نقول: الله أكبر، الله أكبر، ينطق بالشهادتين، فننطق بالشهادتين، عندما يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، تريد أن تقول عبارة معناها: استعنا بالله، وهذه العبارة التي معناها استعنا بالله هي: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومعنى (لا حول ولا قوة إلا بالله) لا طاقة لنا ولا قدرة، ولا إمكان لنا أن نأتي إلى المسجد أو نقوم إلى الصلاة إلا إذا وفقنا الله لذلك، وأعاننا عليه ويسره لنا، وأعطانا الحول والقوة؛ لأنه هو صاحب الحول والقوة، ومنه نستمد الحول والقوة سبحانه وتعالى.

    وأقول: إن وظيفة المؤذن في المجتمع وظيفة خطيرة، ولذلك لابد أن ينتقى من الناس المخلصون أصحاب الأمانة، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن المؤذنين (أمناء الناس، على أذانهم يفطرون، وعلى أذانهم يمسكون) فهم مؤتَمَنُون، فينبغي أن يكونوا من أصحاب الأمانة، ولذلك أوصى ابن عمر رضي الله عنه رجلاً أن يتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً؛ لأن المؤذن المحتسب يكون إخلاصه أشد ولا شك، ولذلك يستجيب له الناس أكثر من المؤذن الذي يأخذ المال أو يؤذن لأجل المال.

    ولعل من أسباب عدم التوفيق لدى بعض الناس في الصلاة: أن بعض المؤذنين لا يؤذنون إلا من أجل المال، وتجد بعض الناس إذا أراد أن يبحث عن وظيفة ويتزوج أسرع شيء يخطر في باله الأذان، مع أن المؤذن ينبغي أن يكون ذا صفات متفوقة؛ حتى يحصل له القبول عند الناس، وحتى يكون لصوته القبول عند الناس، ولذلك إذا احتسب المؤذن الأجر في الأذان وما أخذ عليه أجرة؛ فإنه من أطول الناس أعناقاً يوم القيامة وفي الحديث: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة) .

    كما أن الجزاء من جنس العمل، فبأذانهم صاروا أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، وكذلك إذا أذن ردَّد معه وشهد له يوم القيامة ما عن يمينه وشماله من شجر وحجر، وجن وإنسٍ.

    وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في مناقب بلال أنه سمع دف نعليه في الجنة، أمامه عليه الصلاة والسلام.

    وحكم أخذ الأجرة على الأذان: أن من أذن لأجل المال، وجعل الأذان وسيلة للمال، فهو آثم وأذانه غير مقبول؛ لأنه اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، ودفع العمل الأخروي الديني لأجل أن ينال الأجرة الدنيوية.

    وبناء على ذلك من جعل الأذان وسيلة للتكسب فليس له عند الله من خلاق.

    لكن إذا لم يوجد مؤذن محتسب، ولا يوجد من الناس من يتفرغ للأذان، فعند ذلك يعطى المؤذنون من بيت المال ما يفرغهم للأذان؛ لأن الناس لا بد لهم من مؤذنين، فإذا لم يوجد مؤذنون محتسبون، فلا بد من تفريغ بعض الناس للأذان، ولكن على هذا الشخص الذي يأخذ من بيت المال ألا يكون هدفه المال، وإنما هدفه الأجر وليس الأجرة، فيأخذ الأجرة للتفرغ للأذان، فهو يأخذ ليؤذن، لا أنه يؤذن ليأخذ، يأخذ ليتفرغ للقيام بهذه الشعيرة العظيمة، وليس أنه يقوم بهذه الشعيرة لكي يأخذ المال.

    وفرق بين من يؤذن ليأخذ ومن يأخذ ليؤذن، كما أن هناك فرقاً عظيماً بين من يحج ليأخذ والذي يأخذ ليحج.

    فإذا قال: أنا أريد رؤية المشاعر، والذهاب إلى بيت الله الحرام، وأن أدعو هناك، وأذكر الله هناك، لكن لا أجد مالاً، وأنا أتمنى وأشتهي، فقال له إنسان: أنا أريدك تحج عن ميتي فخذ هذا المال لتحج به، فهذا هدفه ونيته؛ الحج والذهاب إلى هناك، ورؤية المشاعر، وذكر الله هناك، والدعاء هناك، فهذا يؤجر؛ فهو يأخذ المال ليتمكن من الذهاب، فالمال وسيلة، والحج هي الغاية.

    أما الذي يقول: يا أخي، ابحثوا لنا عن أناس عندهم حجج لأموات لنستفيد، أو يفاوض إمام مسجد لينظر له من يعطيه أجرة حجة عن ميت على أن يكون للإمام من ذلك نصيب، فهذا ليس له عند الله خلاق.

    كما بين شيخ الإسلام رحمه الله الفرق بين من يحج ليأخذ، وبين من يأخذ ليحج، فالذي يحج ليأخذ مأثوم.

    وأما من يأخذ ليحج والحج هو الهدف، والأخذ إنما هو وسيلة، ومن علاماته: أنه إذا بقي مال بعد الحج أعاده إلى أصحابه.

    وأما من يحج ليأخذ فتجده يفاوض ويريد أكثر، وإذا زاد شيء لا يرجعه، ولا يمكن أن يعيده.

    فإذا أذن المرء محتسباً وجُعِل له من بيت المال مبلغ لتفريغه للأذان فإنه يؤجر، أما الذي يبحث عن أذان، ليستفيد من البيت الذي للمسجد، ويستفيد من الأجرة، فهذا ليس غرضه الأذان، ولا الأجر على الأذان، بل غرضه البيت (بيت المؤذن) لأنه مجاني، وغرضه راتب المؤذن.

    ثم من أسوأ الأشياء التي تُفعل: أن يوكل شخصاً آخر، فيأتي بواحد من الخارج؛ من بنغلاديش مثلاً أو من الهند أو من باكستان ، يقول له: تعال يا أخ أنت أذِّن، ولك خمسمائة ريال شهرياً، ثم يضع في جيبه سبعمائة فبأي حق يدخر السبعمائة لنفسه؟! وأيضاً يؤجر الشقة التي للمؤذن ويقول: هذا مصدر دخل، سبحان الله! أنت لا تقوم بالعمل، ثم تأخذ البيت، وتأخذ أكثر من نصف الراتب الذي رُتِّب للمؤذن ثم تقول: هذا مصدر دخل؟! هذا سُحْت، وكسب حرام.

    وهذا من أسباب عزوف الناس عن الصلاة.

    ولو وجد المؤذنون المحتسبون وشاعوا لَوَفَّقهم الله بـ(حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح) بناس كثيرين يأتون، لكن إذا صار هدفه المال هل هو يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح من قلبه، ويرجو بها أن كل واحد يأتي إلى المسجد؟

    إن أجر المؤذن عظيم! وكل واحد يأتي إلى المسجد يؤجر المؤذن مثل أجره، لأنه هو الذي دعاه (الدال على الخير كفاعله) (الداعي إلى الخير له مثل أجور من تبعه) فحين يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، يناديهم، ويأتون له أجر عظيم.

    فانظر كم يضيع على هؤلاء المساكين الذين ينوون الدنيا من الأجر، وكم يكون لهم من الأجر إذا نووا وجه الله تعالى!

    ونفس الكلام على الأئمة والخطباء، والقضاة والمفتين؛ هؤلاء يُرَتَّب لهم من بيت المال ما يفرغهم للقيام بالإمامة، والأذان، والإفتاء، والقضاء، لأن هذه وظائف دينية لا يجوز أخذ المقابل عليها؛ لكن يعطى ما يفرغه، ولا يقال: هذه أجرة الفتوى، هذه أجرة الإمامة، هذه أجرة الصلاة بالناس، هذه أجرة الأذان، هذا ليس عملاً دنيوياً حتى يجوز أخذ الأجرة عليه، فإنه لا يجوز أخذ الأجرة على الأعمال الدينية، ولا يجوز أن يبتغي الإنسان بهذه الأعمال الدينية المال أو الدنيا، لكن يبتغي وجه الله، وما يأخذه من بيت المال إنما هو للحاجة، ولأجل تفرغه وتركه السعي والمشاغل الأخرى، وإلا اضطُرَّ أن يشتغل ويترك الإمامة والأذان.

    تأليف القلوب بالمال والتكفير بالحسنات مكان السيئات

    كذلك في هذا الحديث: استعمال المال لتأليف قلوب الكفار:

    النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه أبو محذورة أعطاه صرة فيها شيء من فضة، وكان عليه الصلاة والسلام يستخدم المال في تأليف قلوب الكفار، ودخل في الدين أناس كثيرون بسبب التأليف بالمادة، ثم بعد ذلك خَلُصت نياتهم وأصبحوا صالحين، وأصبحوا يدفعون المال في سبيل الله.

    فأحياناً الواحد يكون مدخله إلى الدين المادة، ثم يهديه الله فيصير من المنفقين في سبيل هذا الدين ونشره.

    فلا مانع أن يكون المدخل مادياً، مثل سهم المؤلفة قلوبهم، ثم بعد ذلك تتحول النيات وتتغير، ويصبح الشخص هو الذي يعطي من جيبه.

    مثل الداعية إلى الله ربما ينفق على شخص من جيبه، ويدعوه إلى طعام، ويخدمه، وينفق عليه من المال، فإذا اهتدى هذا الشخص صار هو الذي ينفق على الآخرين، وهو الذي يعطي في سبيل الله، ويفعل مثل ما فُعِل معه.

    ولذلك فإن استخدام المال للدعوة ونشر الدين أمر في غاية الحكمة، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما وجدنا في هذه القصة.

    ثم كذلك: أهمية الدعاء بالبركة:

    قال: (بارك الله فيك) .

    ثم إن من فوائد هذه القصة أيضاً: أن الإنسان إذا كان عدواً للدين، مستهزئاً بشعيرة من شعائره، فإن من كفارة ذلك أن يقوم بعمل ديني يخدم به الدين؛ فهذا أبو محذورة لما هداه الله قال: (قلتُ: يا رسول الله! مُرْني بالتأذين بـمكة) أي: الآن أنا مستعد أن أؤذن، وأنا أطلب منك أن تجعلني مؤذناً بـمكة (فقال: قد أمرتك به، وذهب أبو محذورة إلى عتاب بن أسيد ) وعتاب هو أمير مكة من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة ولَّى عليها عتاب بن أسيد، وكان رجلاً شاباً مُبَكراً في السن، لكن عنده قدرات كبيرة، ولاه على قريش في مكة، فصار عتاب الأمير والإمام، وأبو محذورة هو المؤذن، وسبحان الله! كيف ينشأ جيل جديد في الدعوة، فهذه مكة التي كانت تنجب الفجرة الكفرة أعداء الدين، خرج من أصلابهم مَنْ عبد الله، وأذَّن، ونشر التوحيد، بعدما كانوا ينشرون الكفر.

    فوائد في التعلم والتعليم والتأثر والتأثير

    وكذلك في هذا الحديث: الحرص على أخذ العلم من صاحبه الأصلي:

    ولذلك ذهب إلى أبي محذورة وقال له: (علمني الآذان قبل أن أُسْأَل عن تأذينك) إني خارج إلى الشام وأخشى أن أُسْأَل عن تأذينك، إذا علموا أني صاحبك، وأني كنت عندك سيسألونني عن أذانك، فأخبرني عن الأذان وعلمني إياه، حتى إذا سألوني أخبرتهم.

    ففيه الاستعداد بالجواب قبل السؤال، وكذلك الحرص على القصة من صاحب القصة، والحرص على العلم من صاحب العلم، وأعلم واحد بالأذان هو من ألقي عليه الأذان.

    وكذلك فيه: أن رفقه السوء تساعد على الوقوع في الباطل:

    ولذلك يقول: (فسمعنا صوت المؤذن ونحن مُتَنَكِّبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به) هم الذين شجعوه على الاستهزاء بالمؤذن، رفقة السوء هؤلاء الذين كانوا مع أبي محذورة كانوا كفرة، وهم الذين شجعوه على الاستهزاء بالمؤذن، وهذا يبين خطورة رفقة السوء، وأن الإنسان ربما لو ترك لوحده لما استهزأ بالدين، لكن إذا كان معه من الفاسدين من يحوطه، فإنهم يجرئ بعضهم بعضاً على المنكر، وهذه من خطورة رفقة السوء، فبسببهم حصل ما حصل.

    ثم أيضاً من فوائد القصة: أن الشيء السيئ قد ينقلب بأمر الله في مصلحة صاحبه:

    فـأبو محذورة رفع صوته مستهزئاً، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم الصوت واستدعاهم، فشاء الله أن يكون رفع الصوت بالاستهزاء سبباً في هداية الرجل، فسبحان من جعل هذا السوء ينقلب على صاحبه خيراً.

    وفي هذا الحديث طريقة من طرق النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم:

    أن يقول: قل كذا.. قل كذا، وذاك يقول، يلقيه عليه إلقاءً، ولذلك فالإنسان لا ينسى أن يلقن تلقيناً مباشرة، فإنه من طرق التعليم التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، ويُملي عليه الكلام إملاءً.

    وفيه كذلك: أن مشاعر الإنسان يمكن أن تتغير في لحظة:

    الكره ينقلب إلى محبة، والمحبة تنقلب إلى كره، العداوة تنقلب إلى صداقة، والصداقة تنقلب إلى عداوة، الحزن ينقلب إلى سرور، والسرور ربما ينقلب إلى حزن، وذلك في لحظة.

    و فاطمة: (أسَرَّ إليها النبي كلمات، فَبَكَت، ثم أسر إليها كلمات، فضحكت وربَعت) أولاً: أخبرها بدنو أجله، فبَكَت، فقال لها: إنها سيدة نساء العالمين، فضَحِكَت.

    فالإنسان بحسب ما يناله ويحيط به من الظروف تتقلب مشاعره، والقلب يتقلب، وما سُمِّي القلب قلباً إلا أنه يتقلب.

    فهذه البغضاء يقول أبو محذورة: (وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وفيه: أن حسن معاملة المدعو الكافر مِن قِبَل الداعية المسلم هو الذي يغير صورة الداعية وسمعته، والشبهات التي كانت حول الداعية، أو الشكوك، أو العداوات في نفس الشخص الآخر، تتغير بفعل المعاملة الحسنة من الداعية، أعطاه المال، ولان له في الكلام.

    ثم إننا نلاحظ أن من وسائل الدعوة: أن تجعل الشخص يتلبس بالطاعة :-

    فلو أتيتَ بـمُغنٍ كان معك فحضر وقت الصلاة، فقلت له: يا أخي! لماذا لا تؤذن لنا؟! هل من الممكن أن تؤذن لنا؟ فيمكن أن يكون طلبك من المغني أن يؤذن سبباً لهدايته إلى طريق الحق؛ لأن استخدام الطاقة في الشر إذا عُكِس، وطُلِب منه أن يؤديها في الخير يحس بلذة الخير، فتتغير قناعاته، ويتغير مسلكه وطريقه.

    ولذلك ربما شعر أبو محذورة -لما أذن- بطعم الأذان، وذاق شيئاً من طعم الإيمان، وأحس بجمال الأذان.

    فالشخص حين يقوم بالعمل، ويقوم بالطاعة، وعندما توعز إليه أن يقوم بها يكون إيعازك له طريقةً لقلب حاله وهدايته، وهذه حكمة بالغة من النبي عليه الصلاة والسلام، جاءه شخص مستهزئ بالدين فقال له: (قم فأذن للصلاة) .

    ثم لاحظ: أن النبي عليه الصلاة والسلام جرد الشخص من أعوانه الفجرة الكفرة؛ قال: (فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليَّ، وصَدَقُوا، فأرسل كلهم وحبسني) فجرد الشخص عن المحيط السيئ الذي هو فيه، وهنا يمكن التأثير عليه، بخلاف ما لو كان مع هذه الرفقة السيئة، فاستفراد الداعية بالمدعو يجعل التأثير ممكناً أكثر.

    هيبة النبي ومسارعة الصحابة في تنفيذ أوامره

    ثم نلاحظ: هيبة النبي صلى الله عليه وسلم:

    فإنه لما أتى بهؤلاء الكفرة وقال لهم: (أيكم الذي سمعت صوته؟) -ما استطاعوا أن يكذبوا عليه، بل كلهم أشار إلى أبي محذورة .

    ثم نلاحظ: سرعة الصحابة في القبض على هؤلاء :-

    قال: (فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه) جيء بهم بسرعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيه: أن بعض الكفار قد يخرج وراء الدنيا مع المسلمين، فـأبو محذورة ومن كان معه خرجوا من مكة طلباً لغنائم حنين ، فلما لم يستفيدوا عادوا وحصل ما حصل مما كان سبباً في إسلام أبي محذورة .

    1.   

    الاستهزاء بالدين بيانه وأحكامه

    نريد أن نتحدث الآن في ختام هذه القصة عن مسألة مهمة جداً ألا وهي: قضية الاستهزاء بالدين؛ لأن أبا محذورة رضي الله عنه أول ما حصل له هو ومن معه الاستهزاء بالدين.

    والاستهزاء بالدين من الأعمال الشنيعة، والداء الفتاك الذي انتشر بين كثير المسلمين مع الأسف، حتى صارت السخرية ببعض آيات الله، وبعض ما يتعلق بالإيمان، والعقيدة، والعبادات الشرعية موجودةً عند عدد من الناس، يتندرون بها في المجالس، وينشرونها ويتكلمون بها.

    والاستهزاء والسخرية قريبان، الهزء هو السخرية، استهزأ به يعني: سخر منه وضحك، والله سبحانه وتعالى توعد المنافقين قائلاً لهم: قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [التوبة:64] .

    الاستهزاء بالدين من صفات المنافقين

    فالاستهزاء بالدين من صفات المنافقين.

    وفي غزوة تبوك استهزأ بعض الناس بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والرواية قد رواها ابن جرير رحمه الله وغيره، وهو حديث حسن.

    عن عبد الله بن عمر قال: (قال رجل في غزوة تبوك في المجلس قال: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت؛ ولكنك منافق، ولأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر : وأنا رأيته متعلقاً بِحِقْب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تَنْكُبُه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]) وفي رواية: (فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله! إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65] ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]) .

    وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الكفر الذي كفروا به كفر حقيقي، وليس مجرد كفر باللسان، بل هو كفر قلبي، ولذلك ما أظهروه إلا لبعض خواصهم، قال: ( ما رأينا مثل قرائنا ) ونُقل الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا دال على الكفر ولا شك.

    فبيَّنت هذه الرواية أن الاستهزاء بآيات الله كفر، وأن المستهزئ كافر، فلو أن شخصاً استهزأ بشيء من الدين، أو بآية من القرآن مثلاً، ثم قال لك: يا أخي! والله أنا قصدي المزاح فقط، نقول: لا، الاستهزاء بالقرآن كفر، قلتَ مازحاً أو ما قلتَ مازحاً أنت كافر، هذه هي المسألة واضحة.

    أقوال العلماء في الاستهزاء بالدين وذكر بعض صوره

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله: وفيه بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو عمل يعمل به، وأشدها خطراً إرادات القلوب.

    وكذلك قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: فيه مسائل: الأولى وهي العظيمة: أن من هزل بهذا فهو كافر.

    وقال شيخ الإسلام رحمه الله في هذه الآية التي هي: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] قال: وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وآياته وبرسوله كفر. وقال أيضاً: وقد دلت هذه الآية على أن كل من تَنَقَّصَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جاداً أو هازلاً فقد كفر.

    وقال رحمه الله: فهؤلاء لما تَنَقَّصُوا النبي صلى الله عليه وسلم، حيث عابوه والعلماء من أصحابه قالوا: ما رأينا مثل قرائنا، والقراء هم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستهانوا بخبره، أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه استهزاءً، فكيف بما هو أغلظ من ذلك، وإنما لم يُقِمِ الحد عليهم لكون جهاد المنافقين لم يكن قد أُمِر به إذ ذاك، بل كان مأموراً بأن يدع أذاهم؛ ولأنه كان له أن يعفو عمن تَنَقَّصَه وآذاه.

    وعلى ما سبق فإن أي استخفاف أو ازدراء بالدين، أو استهزاء بأي شعيرة من الدين؛ بالله، أو آياته، أو رسوله، أو أركان الإيمان؛ أو الجنة، أو النار، أو الملائكة، أو الأنبياء، مَن استهزأ بشيء من ذلك فقد كفر، والكفر الذي يكفر به كفر أكبر مخرج عن الملة.

    قال العلامة السعدي رحمه الله: إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه ورسوله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة.

    وقال النووي رحمه الله: ولو قال وهو يتعاطى قدح الخمر، أو يقدم على الزنا: باسم الله، استخفافاً باسم الله تعالى كفر. أي: لو أن واحداً أخذ كأس خمر وقال: باسم الله تعالى، ويقصد بذلك الاستهزاء فإنه يكفر بذلك.

    وقال ابن قدامة رحمه الله: من سب الله تعالى كفر؛ سواء كان مازحاً أو جاداً، وكذلك من استهزأ بالله تعالى، أو بآياته، أو برسله، أو كتبه، قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ .. الآية [التوبة:65] .

    وينبغي أن لا يُكْتَفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام، يعني: نقول له: كفرتَ يقول: بسيط! أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، نقول: لا. حتى يؤدب أدباً يزجره عن ذلك، فلا نكتفي بعودته بالدخول في الدين من جديد، ولا بد أن يؤدب؛ يسجن أو يضرب، لا بد أن يؤدب تأديباً يردعه عن العودة إلى ذلك.

    فالاستهزاء بالدين لا يدخله المزح واللعب، ولا يصح العذر بأنه غير قاصد، وأنه ما أراد حقيقة الكلام، نقول: بمجرد النطق بها والإنسان في وعيه وعقله فإنه يكفر مباشرة، سواء قال: أنا قصدي الهزل، أو المزح، أو قال: أنا مؤمن، أنا قلبي فيه إيمان، نقول: حتى لو ..، فإن الله يقول: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا [التوبة:65-66] لا تقولوا: هي كلمات باللسان، هو حديث بيننا، هي مزحة، لم نقصد الحقيقة، نقول: لا. الله يقول: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66].

    وكذلك فإن هذا الوعيد الشديد الذي جاء ينال كل من قام بشيء من ذلك، والاستهزاء قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وبعض الناس يقصد أن يُضْحِك القوم في مجلس من المجالس فيهزأ بالملائكة، أو بالجنة، ويسمون ذلك نُكَتاً، وهي طبعاً ليست نكتاً ولا شيء، إنما هي سخرية واستهزاء بالدين.

    قال بعض العلماء: ومن البدع القولية مزح الإنسان بشيء من كتاب الله تعالى، فهو مما يَكْفُر فاعلُه أو يُذَم، أما الذي يَكْفُر فاعله كمن يصعد في مكان مرتفع والناس تحته، فيتشبه بالواعظ والخطيب، يتلو كلام الحبيب صلى الله عليه وسلم، ثم يأخذ في مد صوته وهز رأسه ويقول: (أيها الناس..) وهم تحته يتضاحكون؛ كفروا كلهم أجمعون.

    وقال رجل لبعض الفقهاء: (إن الملائكة لتضع أجنحتها رِضاً لطالب العلم) فقال واحد في المجلس مازحاً: لأجل ذلك سَمَّرْتُ (قُبْقَابي) لكسر أجنحتهم، فما كان إلا قليلاً حتى وقع في تهمة، فقُطِعَت فيها رجله، أي: قدر الله عليه بشيء تسبب في قطع رجله، لأنه قال: أنا جئت إلى حلقة العلم، ومعي مسامير في القبقاب لكسر أجنحتهم، لاحظ الكلمة!

    وكذلك لو أن إنساناً استهزأ بأي شيء يتعلق بجهنم أو أهل النار، أو طعام أهل النار، وضربوا أمثلة فيما يُكْفَر به من كلام، وهذه الأمثلة منها ما هي سب صريح، أو فيه استهزاء صريح، ومنها ما يحتمل المزاح؛ ولكن مع ذلك عده العلماء من المكفرات.

    وأيضاً فإن اللاعب والجاد في إظهار كلمة الكفر سواء، كما دلت عليه هذه الآية.

    ونلاحظ أن بعض الناس يستخدمون أجزاء من آيات في مجال استهزاء أو سخرية، يأتي بشيء من القرآن في مكان لا يناسب أبداً، فهذا يُخشى عليه من أن يدخل في هذه الآية.

    كما قال أحد المدعوين: ما لي لا أرى الخبز أم كان من الغائبين، فقال صاحب الدعوة: سآتيك به قبل أن تقوم من مقامك، ونحو ذلك من الكلام.. نعوذ بالله.

    وكقول بعضهم: ولكم في العدس أسوة حسنة، فيضحكون ويقهقهون، هؤلاء يُخشى عليهم من الكفر الوارد في هذه الآية صراحةً.

    وكقول بعضهم لما جيء له بالطعام فقال: أفطر عندكم الصائمون، أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة إلا جبريل، قالوا: ولِمَ؟ قال: لأنه لا يأتي إلا مع الشاي. هذا فيه استهزاء بجبريل، أنه لا يأتي إلا مع الشاي، فهذه الكلمة يمكن أن تودي به في مهاوي الكفر والعياذ بالله.

    ويقع من بعض الناس على سبيل المزاح، أن يأتي بمقطع من آية، أو مقطع من حديث مثلاً، يأتي لك به على سبيل الاستهزاء والسخرية، ويتضاحك الناس في المجلس، يأخذونها على أنها طرفة، مع أن القضية في غاية الخطورة.

    وينبغي على الإنسان إذا سمع كلام الله عز وجل أن يعظِّمه، وأن يخشع له، وأن يطرق مفكراً فيه متدبراً، لا أن يستعمله في مجالات الاستهزاء والسخرية والمزاح، فما أُنْزِل القرآن لكي نقطعه مقاطع، ونأتي بها في مناسبات على سبيل السخرية والتنكيت والمزاح وإضحاك الناس، ما أُنْزِل القرآن لهذا مطلقاً!

    وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، بعض الناس ربما يقول عن سنته أشياء، فهذه الأشياء التي تقال في سنته استهزاءً به، ربما تؤدي أيضاً بصاحبها إلى النار.

    وكيف يجعل المسلم أعظم المقدسات عنده في الدين مجالاً للاستهزاء والسخرية!

    وكذلك ما يقع فيه البعض من الاستهزاء بالمتدينين في قضايا دينية، ليست قضايا شخصية، مثلاً يستهزئ بشكله بأنفه، لو استهزأ بذلك يكون مرتكباً لذنب عظيم، مخالفاً لقول الله: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات:11] لكن أحياناً لا يستهزئ بشخصه، وإنما يستهزئ بشعيرة دينية يقوم بها هذا المتدين، كأن يرى أحداً مثلاً يلبس ثوباً وقد جعله حسب السنة فيقول: هذا لابسٌ (شانِيْل) مشبهاً له بفستان المرأة، فإطلاق (الشانِيْل) على الثوب الذي جاء بحسب السنة لا شك أنه يوقع في مهاوي الكفر والعياذ بالله؛ لأن معنى ذلك أنك تستهزئ بالسنة مباشرة؛ بحديث: (إزرة المسلم إلى نصف ساقيه) معناه أنك جعلت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالاً للاستهزاء والسخرية، فهذا إنسان يدخل في الآية، ويُخشى عليه من الكفر الصريح والعياذ بالله تعالى.

    ونحو هذا أمثلة كثيرة توجد عند بعض الناس؛ يعملون نكتاً وأشياء على الجنة والنار، يدخلون جحا في الجنة والنار، يعملون بها طرائف، ويتناقلونها في المجالس، ولا شك أن تقليد المؤذن بصوت يحاكي صوت المؤذن استهزاءً به، أو يقول بعض الناس إذا سمع المؤذن: نهق الحمار، ولاحظ هذه الكلمة! فإنها استهزاءٌ صريح بشعيرة من شعائر الدين وهي الأذان، ولذلك كم يكفر من الناس يومياً!

    وبعض الممثلين قد يضع لحية مستعارة وعمامة، يقلد بها شيخاً صاحبَ دين، أو يعمل كأنه يقلد عالماً أو إماماً ونحو ذلك، يكون أيضاً داخلاً فيمن استهزأ بأهل الدين لدينهم، لأن أهل الدين لهم سمات ولهم علامات، فلو استهزأ بثيابهم وأشكالهم وهيآتهم، ومَثَّل دوراً فيه شخص متدين أو عالم، وجلس يقلد صوت هذا العالم على سبيل الاستهزاء والسخرية، فهذا أيضاً يُخشى عليه من الكفر والعياذ بالله تعالى.

    وكما حدَّث بعضهم قال: ما هو مصير أهل فلسطين ؟ قال: تركنا لهم مخيمات بين الجنة والنار، لاحظ! هذه داخلة في عملية الاستهزاء؛ لأنك الآن دخلت في اليوم الآخر وفي الجنة والنار، وفي القضايا العقدية، وجعلتها مجالاً أو محلاً للاستهزاء والسخرية، وكأنْ يسمع الإنسان شيئاً من نعيم الجنة فيقول: أنا لا أحب هذا، أو الرمان أنا لا أشتهيه ولا كذا، فربما يُخشى عليه أن يُحرم منه.

    وعملية الاستهزاء والتشويه لشخصيات التاريخ الإسلامي، وشخصيات العلماء التي تكون في بعض المسلسلات؛ مثل إخراج دور صحابي يقع في حب فتاة، أو يخاطب امرأة متبرجة، أو يقول كلاماً فيه شيء من الغزل ونحو ذلك، لا شك أنه استهزاء بالصحابة، كذلك يظهرون مثلاً صورة عمر بن عبد العزيز أو شيخ الإسلام ابن تيمية ، أو صلاح الدين الأيوبي ، أو فلان أو فلان من شخصيات المسلمين، يجعلونها مثاراً للحب والغرام وكذا، فيعرضون علماء المسلمين بقالب فيه هذا الشيء، فهؤلاء يكونون قاصدين لتشويه أهل العلم، مثل ما قال المنافق في غزوة تبوك، قال: (ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً... الخ) هذا كذلك يريد أن يجعل علماء المسلمين مثاراً للسخرية، وأنهم أصحاب غزل، وأصحاب حب وغرام ونحو ذلك.

    فكم من كلمة أودت بصاحبها في هاوية، وكم من كلمة تسببت في نقل صاحبها من الإسلام إلى الكفر، والخروج به عن دين الإسلام، والعياذ بالله تعالى.

    فينبغي الحذر من هذا.

    وهذه من أعظم الفوائد التي تؤخذ من حديث أبي محذورة رضي الله عنه، والذي تضمن هذا الأمر، وهو كان رَفَعَ الصوتَ بالأذان سخريةً واستهزاءً.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من كلمة الكفر، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذا هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

    1.   

    الأسئلة

    قراءة السجدة والإنسان في فجر يوم الجمعة

    السؤال: ما حكم قراءة سورتي السجدة والإنسان في فجر الجمعة بعض الأيام؟

    الجواب: لا بأس، وهذه هي السنة، أما إذا كان يشق على المصلين بحيث أنهم ينفرون أو يتركون الصلاة، فيمكن أن يتألف قلوب هؤلاء بأن يقرأ سوراً أقصر منها؛ مع تعليمه للسنة، ويفعلها أحياناً لتعويدهم، ولا يكثر منها حتى لا يهربوا أو ينفروا، ثم إن الإنسان يجب أن يكون حكيماً في نشر السنة بين الجهلة بها.

    أخذ الأجر على تعليم القرآن

    السؤال: ما حكم أخذ الأجرة على تدريس القرآن؟

    الجواب: إذا نواها لله فلا يجوز أن يأخذ أجرة عليها، كما دل عليه حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (لما علم رجلاً من أهل الصفة شيئاً من القرآن، فأحس ذلك الرجل بأن لـعبادة عليه فضلاً، فأهداه قوساً حسن الصنعة، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأنه قوس من نار) وهذا يُحمل على ما إذا قَصَدَ وجه الله وثوابه، فلا يجوز بعد ذلك أن يأخذ شيئاً لئلا يعتاض عن ثواب الله بشيء من الدنيا.

    أما لو أن الإنسان احتاج إلى أخذ شيء على تعليم القرآن، وإذا لم يعلم فقد لا يوجد من يعلِّم غيرَه من المتبرعين، فاحتاج أن يأخذ أجرة لكي يتفرغ للتعليم فلا بأس بذلك، مثل ما يأخذ القارئ الذي يرقِي أجرة مقابل القراءة، كما جاء في قصة أبي سعيد مع اللديغ، حيث اشترطوا عليهم جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فأخذوه مقابل تلك الرقية، وهو لا يأخذ مقابل العبادة، وإنما يأخذ مقابل العمل.

    تقديم الأذان قبل وقت الإفطار بدقائق

    السؤال: إذا تقدم المؤذن بالأذان قبل دخول الوقت بدقائق، فما الحكم؟

    الجواب: لا نفطر حتى يأتي الوقت الصحيح، ثم إن الاعتماد على التقويم، المؤذن يعتمد على التقويم، وأنت عندك التقويم، فإذا قدم المؤذن فلا يكون هذا عذراً في الإفطار، وإذا علم أن المؤذن ثقة فيجوز للإنسان أن يفطر على أذانه.

    الترجيع في الأذان

    السؤال: هل الترجيع في الأذان عند كل أذان؟

    الجواب: نعم، عند كل أذان السنة أن يرجع في الأذان.

    من أذن ثنتي عشرة سنة فله الجنة

    السؤال: (من أذن ثنتَي عشرة سنة محتسباً الأجر عند الله وجبت له الجنة) هل يصح هذا؟

    الجواب: نعم. هذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    استغلال العمال

    السؤال: هل يجوز لشخص أن يأتي بعمال ويقول لهم: اذهبوا فاعملوا، ثم يأخذ منهم ثلاثمائة ريال شهرياً؟

    الجواب: هذا أكل مال بالباطل، ولا يجوز، ولا يقال إن ذلك مقابل الكفالة، فإن الكفالة من عقود الإرفاق والإحسان، ولا يجوز أخذ المال عليها.

    من أفطر بأكل قبل الجماع ليسقط الكفارة

    السؤال: رجل أراد أن يجامع زوجته في نهار رمضان، فشرب ماءً حتى يفلت من الكفارة، ثم جامع، هل تسقط الكفارة؟

    الجواب: لا. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: كيف نقول للشخص يستعين على الجماع بالطعام والشراب قبل الجماع ثم نقول: ليس عليك إلا قضاء هذا اليوم، وإذا جامع قبل أن يأكل ويشرب نقول: عليك شهران، وعليك الكفارة المغلظة؟! قال: هذا عبث، لا يمكن أن تأتي بمثله الشريعة، ولذلك إذا أكل أو شرب بقصد الهرب من الكفارة المغلظة، فإنه يعاقَب بنقيض قصده، وتُجعل عليه الكفارة المغلظة.

    حكم صلاة التراويح جماعة في مسجد العمل

    السؤال: أنا إمام في مسجد العمل ولا يوجد من يصلي التراويح إلا شخصين أو ثلاثة علماً أن عددهم عشرة فما الحكم في عدم صلاتي بهم لرغبة الحضور مع الجماعة؟

    الجواب: لا بأس، أن تذهب إلى المسجد وتصلي، إذا كان ذلك لا يخالف وقت العمل، وهم كل واحد مسئول عن نفسه بعد ذلك؛ ولكن إذا صليتَ في المسجد -وهو الواجب عليك- صلاة الفريضة، ثم عدت وصليت بهم التراويح رجاء أن يجتمعوا، فتعتبر هذه دعوة للآخرين، وهذا شيء طيب إن شاء الله.

    تزاحم المؤذن المحتسب والمستأجر

    السؤال: إذا كان هناك مؤذن يؤذن بمقابل، وجاء أحدهم وقال: إنه يريد أن يؤذن مكانه محتسباً، فهل له ذلك؟

    الجواب: يُقَدَّم الذي يؤذن محتسباً، لكن يُقَدَّم بشرط أن يمسك الأذان، لا أن يأتي في كل أذان شخص ليقول: أنا محتسب ويؤذن، ويأتي بعد أسبوع يقول: أنا محتسب، وهكذا.

    كيفية تقصير شعر المرأة في النسك

    السؤال: كيف تقصر المرأة من شعرها بعد العمرة؟

    الجواب: تجمع شعرها ثم تأخذ منه قيد أنملة، وإذا كان شعرها في الأمام والخلف، تجمع الذي من الأمام والذي من الخلف، وتأخذ.

    الإحرام في الطائرة

    السؤال: إذا لبست ملابس الإحرام في المنزل، فهل أستطيع عقد نية العمرة في الطائرة فوق الميقات أو قبله؟

    الجواب: نعم.

    لباس الناس إذا أوهم الشهرة

    السؤال: إذا تشبهنا بالنبي صلى الله عليه وسلم فصارت الأنظار تلتفت إلينا فهل يعتبر هذا من لباس الشهرة؟

    الجواب: لا. هذا دعوة إلى السنة، ثياب الشهرة تفصيل غريب، موديل عجيب، تلبسه امرأة أو رجل ليُلفت أنظار الناس، وليس من لباس البلد، بل فيه غرابة عما حوله من الناس، بعض الموديلات فيها غرابة، تصميم الزي نفسه فيه غرابة، فيلفت أنظار الناس، يلتفتون إليه بمجرد مروره بينهم، يرفعون إليه أبصارهم، يشيرون إليه بأصابعهم، فهذا الذي فعله يريد أن يتميز عن الآخرين بهذا الشيء الدنيوي وليس سنة، فهذا الشيء الدنيوي ثوب شهرة.

    الوسوسة المؤثرة في الخشوع

    السؤال: أثناء الصلاة تراودني أفكار سيئة ورديئة تؤثر في الخشوع؟

    الجواب: اذكر الموت في صلاتك، وفكر في معاني الآيات والأذكار، واستعذ بالله من الشيطان، وانفث عن يسارك ثلاثاً، فإنه يذهب إن شاء الله.

    ترك بعض الراتب للبقاء مع الأم

    السؤال: هل أترك العمل وأذهب إلى عمل بجانب أمي، وأحصل على وظيفة نصف الراتب؟

    الجواب: إذا طلبت أمك ذلك فمن البر أن تفعل إذا كان لا يضرك، بمعنى أنه لا يؤثر على نفقاتك الواجبة، كنفقة الزوجة والأولاد، فإنك تحتسب الأجر في برها، وإذا لم تطلب منك ذلك ولم يكن لديها مانع أن تبقى بعيداً عنها، فإنك تبقى في عملك وتبرها بما ترسل إليها من المال أو الهدايا.

    قراءة الإخلاص في نهاية التراويح

    السؤال: هل لا بد من قراءة سورة الإخلاص في نهاية التراويح؟

    الجواب: لا. لكن السنة أن يقرأ الإمام: (سَبِّحِ) وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] في الشفع، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] في الوتر.

    قول المردد عند الأذان (الصلاة خير من النوم)

    السؤال: ماذا يقال عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم؟

    الجواب: يقال: الصلاة خير النوم؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) وما ورد الاستثناء إلا في حيَّ على الصلاة، وحيَّ على الفلاح فقط، ولذلك إذا قال: الصلاة خير من النوم يقول: الصلاة خير من النوم.

    إذا دخل الوقت ولا مؤذن

    السؤال: عند دخول وقت الأذان ولم يؤذن أحد هل يجوز لشخص أن يؤذن بعد دخول الوقت؟

    الجواب: نعم. لأنه دعوة للصلاة وطرد للشيطان، فالأذان فيه فوائد، فليس مجرد إعلان بدخول الوقت، بل فيه فوائد أخرى: دعوة الناس للصلاة، إظهار الشعيرة في البلد، طرد الشيطان.

    اعتزال الزوجة عن زوجها

    السؤال: ما حكم اعتزال الزوجة زوجها عدة أيام في غرفة لوحدها، وعدم الكلام معه، ولا السلام عليه لسبب ما؟

    الجواب: هذا إذا حدث منها فهو نشوز، خاصةً إذا كان ليس لسبب ديني، فإذا هَجَرَت فراش زوجها لعنتها الملائكة، فالواجب عليها أن تتوب إلى الله، وأن تعود إلى زوجها، أما إذا هجرته لسبب ديني؛ كأن تهجره في وقت سكره ونحو ذلك، أو أنه تارك للصلاة فاعتزلته ولا تستطيع أن تذهب لأهلها، فاعتزلته في البيت، فهذا واجب عليها.

    ترك العمل المحرم والبحث عن مباح

    السؤال: هذا سؤال عن ترك عمل محرم للبحث عن عمل مباح؟

    الجواب: فنقول: اتركه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] فالمسألة تعتمد على أمرين:

    - تقوى الله عز وجل.

    - والأخذ بالأسباب.

    تقوى الله: أن يترك العمل.

    مع الأخذ بالأسباب: البحث الجاد.

    تطييب ملابس الإحرام قبل لبسها

    السؤال: تطييب ملابس الإحرام قبل لبسها، والدخول في نية الإحرام؟

    الجواب: هذا من المحاذير التي يترتب عليها أنه لو خلع الرداء المطيب لسبب ما كمن أراد أن يغتسل، أو أن يتوضأ، فإنه لا يجوز له أن يلبسه؛ لأنه لا يجوز للمحرم أن يلبس شيئاً مطيباً، فبمجرد خلعه لا يجوز له أن يلبسه، ولذلك لا يطيبه حتى لا يقع فيه هذا الإشكال.

    لا يشترط تتابع الطواف والسعي في العمرة

    السؤال: ذهبت لأداء العمرة، وعند وصولنا طفت الأشواط السبعة، ولكن من شدة التعب لم أستطع السعي مباشرة، فذهبت إلى الفندق ونمت واحتلمت ثم اغتسلت، وغسلتُ ملابس الإحرام، ثم ذهبت للسعي، فما حكم عمرتي هذه؟

    الجواب: عمرتك صحيحة، ولا يُشترط أن يكون السعي واقعاً بعد الطواف مباشرة، لو فَصَل بينهما براحة فلا بأس بذلك.

    زينة المسجد

    السؤال: ما حكم الزينة في المساجد؟

    الجواب: الزينة في المساجد لا شك أنها منهي عنها، لا تحمَّر، ولا تصفَّر، ولا تنقش، ولا يجوز أن يكون هذا في مساجد المسلمين؛ لأن المساجد لم تُبْنَ للزخرفة: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) كما جاء في الحديث الحسن، وعلى الإنسان أن يصرف بصره، وينشغل بذكر الله تعالى.

    من توفي أبوه وهو عليه ساخط

    السؤال: إذا توفي أحد الوالدين وهو على ولده غضبان، ماذا يفعل الولد لينال رِضا الله تعالى، علماً بأن رِضا الله للولد في رِضا الوالدَين؟

    الجواب: عليه أولاً: أن يتوب إلى الله، لأن هنا حق لله تعالى أيضاً، وهو أنه عصى الله؛ لأن الله قال له: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [البقرة:83] وهو لم يبر بهما.

    ثانياً: أن يستغفر لأبيه، ويدعو له، ويتصدق عنه، يبر أباه في قبره، يصل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي كما جاء في الحديث: (إن من أبر البر أن يَصِل الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي الأب) يزور أصدقاء أبيه مثلاً، يرسل هدايا إلى صديقات أمه مثلاً، يُشْركه في الأضحية، يحج عنه، يعتمر عنه، يتعهد دَيْنَه والكفارات التي عليه، وهكذا.

    من لحق الإمام في غير قيام الفاتحة لا يقرأ الاستفتاح

    السؤال: إذا جاء الإنسان ليصلي وكان الإمام يرفع من الركوع فهل يقول دعاء الاستفتاح؟

    الجواب: لا. طبعاً، هو ينضم مع الإمام مباشرة.