إسلام ويب

عذاب أهل الكبائر في البرزخللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرع الله سبحانه وتعالى لعباده شرائع، وحد لهم حدوداً، وبيَّن لهذه الأمة الحلال والحرام في كتابه، وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فمن ضعفت نفسه، واستهواه إبليس، ولم يتب عُذب في قبره حتى تقوم الساعة، ثم هو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وقد بين الشيخ في هذا الدرس أنواعاً من عذاب البرزخ لأهل الكبائر والعصاة.

    1.   

    حديث سمرة في عذاب البرزخ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فموضوعنا اليوم حول حديث الرقائق من سلسلة هذه الدروس، التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها حجة لنا، وأن يعلمنا منها ما نستفيد به موعظة في حياتنا، وزاداً لنا في آخرتنا.

    روى البخاري -رحمه الله تعالى- عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ قال: فيقص عليه من شاء الله ما شاء الله أن يقصه) كثيراً ما كان عليه الصلاة والسلام يسأل: هل رأى أحدٌ رؤيا؟ فمن رأى رؤيا يقصها على النبي صلى الله عليه وسلم (وإنه قال ذات غداة: إني أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، فأتينا على رجلٍ مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ بها رأسه) أي: يكسره ويشدخه (فيتدهده) أي: ينحط وينحدر (فيتدهده الحجر هاهنا) أي: من هذه الجهة (فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه) القائم الذي التقط الحجر لا يرجع إلى الرجل المضطجع (حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه، فيفعل به مثلما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟

    قالا لي: انطلق .. انطلق.

    قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلقٍ لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوبٍ من حديد) أي: الحديدة المعوجة الرأس التي ينزع بها اللحمة من القدر مثل الخطاف (وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه) وجه هذا الرجل المستلقي (فيشرشر شدقه) أي: يشق طرف الفم ويقطعه (إلى قفاه) من الخلف (ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثلما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب، حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود إليه فيفعل به مثلما فعل المرة الأولى.

    قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟

    قالا لي: انطلق .. انطلق.

    فانطلقنا فأتينا على مثل التنور -الفرن- قال: فأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا -أي: صاحوا وضجوا- قال: فقلت لهما: ما هؤلاء؟

    فقالا لي: انطلق .. انطلق.

    قال: فانطلقنا فأتينا على نهرٍ حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجلٌ سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر -أي: الرجل السابح- له فاه فيلقمه حجراً، فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، وكلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً.

    قال: قلت لهما: ما هذان؟

    قالا لي: انطلق .. انطلق.

    قال: فانطلقنا فأتينا على رجلٍ كريه المرآه، كأكره ما أنت راءٍ رجل مرآة، وإذا عنده نارٌ يحشها -يزيدها إشعالاً- ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟

    قال: قالا لي: انطلق .. انطلق.

    فانطلقنا فأتينا على روضةٍ معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويلٌ لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط.

    قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟

    قال: قالا لي: انطلق.. انطلق.

    قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجالٌ شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ.

    قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض -أي: الخالص- في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا وقد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة.

    قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صُعُداً، فإذا قصرٌ مثل الربابة البيضاء -أي: السحابة البيضاء المنفردة المجتمع بعضها فوق بعض- قال: قالا لي: هذاك منزلك.

    قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله.

    قالا: أمَّا الآن فلا، وأنت داخله.

    قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجباً! فما هذا الذي رأيت؟

    قال: قالا لي: أما إنَّا سنخبرك.

    أمَّا الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.

    وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.

    وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر، فإنه آكل الربا.

    وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم.

    وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة.

    فقال بعض المسلمين: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين.

    وأما القوم الذين كان شطرٌ منهم حسناً وشطرٌ قبيحاً، فإنهم قومٌ خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم).

    1.   

    اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤى الصالحة

    هذا الحديث العجيب الصحيح قد رواه الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله في صحيحه ، في مواضع: في كتاب الجنائز، وفي كتاب التعبير .. وغير ذلك، وأخرج قطعة منه الإمام مسلم رحمه الله، وكذلك الإمام أحمد ، فهو حديث صحيح في غاية الصحة.

    يقول فيه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا؟) وهذا سؤال منه صلى الله عليه وسلم عن الرؤيا واهتمامه بها، لأن الرؤيا جزء من النبوة، والرؤيا قد يكون فيها إخبار عن غيب مستقبلي، أو تحذير من شيء، وإذا كانت من رجل مؤمن صادق، فإنها تكون من أصدق ما يكون، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أن أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، فتأتي رؤياه مثل فلق الصبح، وربما تقع كما رآها بالضبط.

    وكان صلى الله عليه وسلم يؤول لأصحابه الرؤى ويفسرها لهم، وربما كان من أصحابه من يفسر أيضاً، وقد طلب أبو بكر الصديق مرةً أن يفسر رؤيا، فلما أذن له عليه الصلاة والسلام، قال له بعد تفسيرها: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً).

    تعريف الرؤيا وحكم تعبيرها بدون علم

    إذاً: الرؤيا علم، تفسيره من الله تعالى، لا يعلم تأويله إلا الله، ومن يُعلِّمه الله تأويل الرؤيا، وليس كل أحد يعلم تفسير الرؤى، وإنما ذلك علم يهبه الله من يشاء، وقد كان يوسف الصديق عليه السلام من أعلم الناس بتفسير الرؤى، واتجهت أنظار السجينين إليه مما كان عليه من الإحسان، ولذلك قالا: نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] فكان من المجيدين في تعبير الرؤى وهذا من البيان.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله: أن تعبير الرؤى من الفتوى، فلا يجوز أن يُعبِّر الرؤيا من لا يُحسن التعبير، ومن عبَّر رؤيا وهو لا يُجيد التعبير فكأنما أفتى بغير علم، كما نبه على ذلك الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله وغيره من أهل العلم، فلا يجوز الدخول في التأويل والتعبير لمن لا يحسنه.

    أقسام الرؤى

    والرؤيا على ثلاثة أقسام: كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم:

    أولاً: الرؤيا الحسنة من الله.

    ثانياً: الحلم السيئ من الشيطان ليحزن المؤمنين.

    ثالثاً: الشيء يهتم به الرجل في يومه فيراه في ليلته، فلا هو حسن ولا هو سيئ، بل بحسب الهم النفسي الذي يكون عليه فيراه في الليل.

    آداب من رأى ما يزعجه

    وإذا كانت الرؤيا سيئة فالإنسان عليه عدة أمور:

    أولاً: إذا استيقظ عليه أن يتعوذ بالله من الشيطان، ويتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شر ما رآه ثلاثاً ثلاثاً ثلاثاً.

    ثانياً: أن يغير جنبه الذي كان نائماً عليه، وليس بشرط إذا كان على الجنب الأيمن أن ينقلب على الأيسر، وإنما ينقلب على ظهره مثلاً، وإذا كان على الأيسر يغير إلى الجنب الأيمن.

    ثالثاً: ورد في سنن الترمذي -أيضاً- صلاة ركعتين إذا رأى ما يُزعجه، ولا يخبر بها أحداً من الناس، وكثيراً ما يتلاعب الشيطان بالشخص في المنام، كما جاء في صحيح مسلم عن رجلٍ رأى أنه قد قطع رأسه وذبح وأنه يتدحرج، فلامه النبي عليه الصلاة والسلام على إخباره بها، وقال: (علام يخبر أحدكم بتلاعب الشيطان به في المنام؟!) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    آداب من رأى ما يسره

    وإذا كانت الرؤيا حسنة، فإن الإنسان يُخبر بها من يُحب، ولا يقصها على عدو أو حاسد، وإنما يخبر بها العالم والناصح، وكثير من الأحيان يكون ما يراه الإنسان على نفسه مثل الجبل في الثقل، ولكن إذا استعاذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأى، فإنه لا يهمه ذلك إن شاء الله.

    قال: (فيقص عليه من شاء الله ما شاء الله أن يقص). "من" تعود على الرائي الذي رأى الرؤية، و"ما" تعود على الرؤية نفسها.

    1.   

    روايات أخرى لحديث سمرة

    في بعض روايات هذا الحديث (فسأل يوماً: هل رأى أحدٌ رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكن رأيت الليلة وذكره) فكأنه قال لهم لما قالوا له: ما رأينا شيئاً، قال: أنتم ما رأيتم شيئاً لكني رأيت.

    وفي رواية عن سمرة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد يوماً، فقال: من رأى منكم رؤيا فليحدث بها؟ فلم يحدث أحد بشيء، فقال: إني رأيت رؤيا، فاسمعوا مني).

    وفي حديث البخاري هذا قال: (وإنه قال لنا ذات غداة) وفي رواية: (كان إذا صلَّى صلاةً أقبل علينا بوجهه) وفي رواية: (إذا صلَّى صلاة الغداة) أي: صلاة الصبح كما جاء في روايةٍ أخرى، فهو بعد صلاة الصبح يلتفت إليهم؛ لأن الصبح بعد النوم، فيقول: (هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟) فإذا كان الشخص يجيد تفسير المنام، فلا بأس أن يقول: هل رأى أحدٌ رؤيا فأعبرها له؟

    وأخرج الطبراني بسندٍ جيد عن أبي أمامة قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح، فقال: إني رأيت الليلة رؤيا هي حق فاعقلوها) فذكر حديثاً يُشبه حديث سمرة ، لكن الذي يظهر من سياق الحديث أنه حديثٌ آخر، فإن في أوله: (أتاني رجل فأخذ بيدي، فاستتبعني حتى أتى جبلاً طويلاً وعراً، فقال لي: ارقه، فقلت: لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك ...) فهذا الحديث فيه أن الآتي واحد، وحديث سمرة قال: إنهما اثنان؛ وأنهما: (ابتعثاني وقالا لي: انطلق) وهذا الحديث قال: (أنه أتى بي جبلاً وعراً، فجعلت كلما وضعت قدمي وضعتها على درجةٍ حتى استويت على سواء الجبل -أي: وسط الجبل- ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يقولون ما لا يعلمون).

    وفي بعض الطرق: (أنه رأى ناساً تسيل أشداقهم دماً، معلقون من عراقيبهم -العرقوب في القدم- تسيل أشداقهم دماً -بالعكس، مثل حال التعذيب- فسأل عنهم؟ فقيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) ولذلك ينبغي للصائم الانتباه إلى عدم الإفطار قبل الوقت الشرعي.

    1.   

    شرح ألفاظ حديث سمرة في عذاب البرزخ

    قال: (إنه أتاني الليلة آتيان) هذان الآتيان هما ملكان، وهذان الملكان هما: جبريل وميكائيل كما جاء تفسيره، ) وإنهما ابتعثاني ) أي: أرسلاني، ويحتمل أنه رأى في المنام أنه كان نائماً، فأخذ من قبل الملكين وابتعثاه من النوم وأخذ به، فحدث ما حدث، فلما استيقظ استيقاظاً حقيقياً خبَّر بما سمعنا.

    عقوبة من نام عن الصلاة المكتوبة

    قال: (وإني انطلقت معهما) وفي رواية: (إلى الأرض المقدسة) وفي رواية: (إلى أرض مستوية) قال: (وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة ..) وفي رواية قال: (فمررت على ملك وأمامه آدمي وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي).

    إذاً من هو الذي يتولى التعذيب؟

    إنه ملك: (يهوي بالصخرة فيثلغ -أي: يشدخ- بها رأس هذا المضطجع) فإذاً الذي يتولى الشدخ هو ملك يحمل صخرة ويضرب بها رأس المضطجع فيشدخه والحجر يتدهده ويذهب هاهنا وهاهنا، فالملك يتبع الحجر ويأخذها، ويعود للرجل فلا يعود إليه إلا وقد عاد الرجل كما كان، ويصح رأسه فيضربه مرة أخرى، فالعذاب متكرر ومتوالٍ، فالرأس يعود كما كان ليعذب مرةً أُخرى.

    وفي رواية: (عاد رأسه كما كان)، وفي رواية: (فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً) يشدخه بالصخرة فيقع الدماغ على طرف، والصخرة تتدحرج من الطرف الآخر.

    وهذا الرجل هو الذي أُوتي القرآن فرفضه، ونام عن الصلاة المكتوبة، قال ابن العربي رحمه الله: "جعلت العقوبة في رأس هذا الشخص؛ لأن النوم موضعه في الرأس، فجعلت العقوبة في محل الإثم" وهذا الرجل بالتأكيد لا ينام لغلبة النوم لأنه معذور، وإنما يتعمد النوم عن الصلاة المكتوبة.

    وهنا ننبه الإخوان وخصوصاً أصحاب النوبات في الأعمال، فبعضهم يتعمد أن يقول لزوجته: لا توقظيني فأنا سوف أستيقظ؛ لأنه لا يريد أن يتقطع نومه، ويتعمد بعضهم ألاَّ يضع ساعة، فبدلاً من أن يُوصي زوجته بإيقاظه، يوصيها بعدم إيقاظه.

    إذاً فهذا تعمد النوم عن الصلاة المكتوبة، وفي رمضان يتعمد بعض الناس السهر حتى ينامون عن الصلاة المكتوبة.

    سألت ذات مرة عن شخص، فقلت لمن يعرفه: متى يكون فلان في بيته؟

    قال: إنه يرجع من العمل الساعة الثالثة، لكنك لا تجده لأنه ينام. وقلت له: كيف ينام؟

    قال: ينام من الساعة الثالثة عصراً إلى الساعة العاشرة ليلاً، ويسهر من العاشرة ليلاً إلى السادسة والنصف صباحاً، ويذهب إلى العمل ويرجع في الساعة الثالثة، وينام من الثالثة إلى العاشرة ليلاً، فينام من قبل العصر إلى بعد العشاء، فيفوت صلاة العصر والمغرب.

    لكن الجريمة العظيمة هي: كيف يكون هذا النظام في النوم؟

    بكون النظام بتعمده النوم عن الصلاة المكتوبة حيث وأن ذلك واضح من كيفية نومه.

    إذاً أين يكون موضع هذا العذاب؟

    هذا عذاب برزخي لهؤلاء الأشخاص يكون في القبر، فالذي يتعمد النوم عن الصلاة المكتوبة يُعاقب بأن يشدخ رأسه في القبر، ويعود رأسه ويشدخ، ويعود رأسه ويشدخ.. إلى قيام الساعة، هذا عقاب البرزخ، ولذلك يجب على الإنسان أن يعد العدة اللازمة للاستيقاظ سواء كان بالمنبه والساعة، أو أن يُوصي شخصاً أو بالهاتف ... أو غير ذلك كطارق يطرق، أو بالماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي فأيقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يُرشد إلى الإيقاظ بنضح الماء، لأن الماء منشط، وطارد للنوم وموقظ، وجرب تجد النتيجة، والإيقاظ بالماء من أحسن وسائل الإيقاظ للنائم.

    وإن كان بعضهم لا يعجبه هذا أبداً، فنقول: لا بأس فنأخذ الأسهل فالأسهل، لكن إذا لم يُوجد طريق لقيامك من النوم إلا بهذا فليكن، لأن القيام إلى الصلاة أهم من كل شيء.

    عقوبة صاحب الكذبة تبلغ الآفاق

    وبالنسبة للرجل الثاني: (فانطلقنا فأتينا على رجلٍ مستلقٍ لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد) وجاء في رواية: (فإذا أنا بملك وأمامه آدمي، وبيد الملك كلوب من حديد، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه من اليمين إلى القفا، والعين من اليمين إلى القفا، والمنخر من اليمين إلى القفا) فالذي يتولى التعذيب هو ملك، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ذلك، ويلتئم الشق الأول -الذي في الشق الأيمن- ويعود ليشقه ويشرشره مرة أخرى.

    فهذا هو الكذَّاب الذي يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، والآن مع وجود البث الفضائي، أصبح انتشار الكذبة في الآفاق من أسهل ما يكون، فخذ العبرة، ولذلك قال ابن العربي رحمه الله: "شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة في محل المعصية، وعلى هذا تجري العقوبات في الآخرة بخلاف الدنيا".

    والاختلاف في حال هذا الرجل بحسب اختلاف حاله، فقد جاء في رواية: أنه مضطجع، وفي رواية: أنه جالس، وفي رواية: أنه قائم.

    فهذا عذاب الكذابين الذين يكذبون الكذبات التي تبلغ الآفاق وتنتشر في العالم.

    والأفق هو: الناحية في السماء، والآفاق هي: النواحي.

    ولذلك فإن على الإنسان أن يحذر الكذب وكذا نشره في أي وسيلةٍ ينتشر فيها الكذب، وكلما كانت الوسيلة أشد انتشاراً كان العذاب أشد عليه.

    وكذلك فإن من أعظم الكذب: الكذب في المنام، بأن يري الرجل عينيه ما لم تريا، فهذا يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل لأن العقد بين الشعيرتين أمر محال، فيكلف بمحال، فيكون عليه عذاب نفسي وجسدي، لماذا ادعى أنه رأى الرؤيا الفلانية وهو لم يرها؟ وبعض الناس ربما يفعلها من باب الدعوة بزعمه! يقول: هذا لا يفيد إلا أن أخترع له رؤيا؟! أقول: رأيتك في القبر وكذا .. وكذا .. وكذا! فهذا حرام ولا يجوز، والغاية لا تبرر الوسيلة، يجب أن تكون الوسيلة شرعية، كما أن الغاية شرعية، أما أن نسلك وسيلة غير شرعية لتحقيق غاية شرعية، فليس هذا من هدي الإسلام.

    وهنا يأتي سؤال وهو: انظر إلى التقنية الحديثة ماذا تفعل؟ من الأبواب العظيمة التي فُتحت في هذا الزمان باب أتى به هذا الحاسوب في العالم وهو شبكة الإنترنت، فأحد الناس إذا قذف شخصاً على الشبكة كأن أرسل باتهامه وقذفه ربما إلى آلاف الأشخاص، الآن هذا الرجل كيف تكون عقوبته؟

    لنا أن نتصور أن الكذبة التي تبلغ الآفاق بالوسائل العصرية من عدة جهات وبعدة صور وأشكال، فبعضهم ربما يستخدم هذه التقنية الحديثة في نشر الشر، والكذب، وظلم الأبرياء، وقذف المسلمين والمسلمات .. ونحو ذلك، ثم بعد ذلك إذا تاب يقول: ماذا أفعل؟

    عقوبة الزناة والزواني

    قال في الشخص الثالث: (فأتينا على مثل التنور -في رواية- أعلاه ضيق، وأسفله واسع يوقد تحته نارٌ) إذاً هذا فرن أعلاه ضيق وأسفله واسع، قال: (فإذا فيه لغط وأصوات، وفيه رجالٌ ونساء، وإذا هم يأتيهم اللهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا) أي: صرخوا، وفي رواية: (فإذا اقتربت ألسنة اللهب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت -أي: ألسنة اللهب- رجعوا).

    هذا عقوبة الزناة والزواني، يجمعهم الله عز وجل في تنورٍ من نار، فهذا عذاب البرزخ للزناة والزواني.

    لو قال أحد من الناس: ما عقوبة الزناة والزواني؟ لإننا لم نجد أشياءً في القرآن تُخبر عن عقوبة الزناة والزواني، فكيف تكون عقوبة هذا الزنا الذي انتشر الآن، هذه المواعدات بين الفتيان والفتيات التي تنتهي بالفاحشة في كثيرٍ من الأحيان، وهذه بيوت الدعارة، والأفلام التي تدعو إلى الفاحشة فيقع الناس فيها، وهؤلاء الناس الذين يُسافرون إلى أماكن الخنى والفجور ليقعوا في الفواحش، أو أولئك الذين يذهبون إلى الفنادق أو يحضرون الحفلات ليقعوا في الفواحش، ويركبون في سفن كالفنادق، ويقعون في الفواحش، والذين يذهبون شرقاً وغرباً، هؤلاء الزناة والزواني ما عقوبتهم؟

    الآن إذا كانت هذه العقوبة في البرزخ، تنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، ويأتي اللهب من الأسفل ويرتفع هؤلاء الزناة والزواني في صياح من الألم، ثم ينزل اللهب فينهارون معه، ثم تصعد الألسنة فيصعدون، وكُلمَّا أوشكوا على الاقتراب من فوهته رجعوا مرة أخرى .. وهكذا إلى قيام الساعة، وهذا الفرن ورد أن رائحته موخمة منتنة، وأن من شراب أهل النار ما يخرج من القيح والصديد من فروج الزناة والزواني.

    إذاً هذه الفاحشة العظيمة لما حرَّمها الله، وقال: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].

    معناها: أن العقوبة عليها شديدة، وإذا كان هذا في البرزخ المؤقت الذي ينتهي، فيكف يكون في نار جهنم؟ لا شك أنه سيكون أشد، لأن عذاب البرزخ أهون من عذاب النار، في البرزخ يُعرضون على النار عرضاً، لكن إذا قامت القيامة يدخلونها دخولاً؛ ولذلك قال الله تعالى عن قوم فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا [غافر:46] هذا عرض يفتح له باب من النار، ويأتيه من سمومها وحميمها، هذا فقط في البرزخ ثم بعد ذلك يوم القيامة: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    عقوبة آكل الربا

    وبعد ذلك قال: فأتينا على نهرٍ أحمر مثل الدم -وفي رواية على نهر من دم- ثم فيه سابح يسبح، ثم يأتي ذلك السابح إلى الشاطئ، فيفغر ويفتح فاه، وعلى الشاطئ يوجد رجل معه صخور، فيفتح هذا فاه فيرمي الواقف على الشاطئ الصخرة في فمه، ويفتح فاه مرغماً فيلقمه إياها، هذا المنظر الكريه والمؤلم يسبح بالصخور في نهر الدم، سباحة بصخور عظيمة في البطن في نهر الدم، وتزداد الصخور وكلما زاد الربا والفوائد المركبة زاد العذاب بنسب مركبة، وهذه الصخور تزداد في بطن هذا السابح في نهر الدم .. وهكذا لازال يثقل، ولازال يسبح في الدم متألماً بهذه الصخور العظيمة المتراكمة جزاءً له، كما كان في الدنيا يأكل الربا، والربا يتضاعف أضعافاً مضاعفة، وهو لا يزال يأكله، وبحسب الربا الذي أكل بحسب العذاب يكون عليه، مثلاً بمثل سواءً بسواء: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].

    ذكر الرجل الكريه المنظر

    ثم ذكر الرجل كريه المرآة -المنظر- كأكره ما أنت راءٍ رجلاً، وعنده نارٌ يحشها، وأخبر أنه مالك خازن النار، هذا الملك يُعذَّب أهل النار بمنظره.

    إذاً الملائكة الغلاظ الشداد الذين هم أعوان (مالك) خازن النار، يكون عذاب أهل النار بمنظرهم أيضاً، لأن المنظر المفزع لوحده عذاب ورعب، والرعب عذاب، ولذلك يكون عذاب أهل النار -غير الحرق بالنار- المنظر المفجع والمفزع لملائكة العذاب الذين في النار، وعلى رأسهم مالك خازنها.

    ذكر الروضة المعتمة

    ثم ذكر الروضة المعتمة -أو المعتّمة- وهي: البستان العظيم الشديد الخضرة، حتى أنه كاد يسود من شدة الخضرة، كما قال الله تعالى في وصف الجنتين: مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64] أي: شديدتا الخضرة، حتى ربما كانتا في اللون كالسوداوين من شدة الخضرة، فالخضرة إذا ازدادت أصبح اللون غامقاً. فيها من كل زهر ونبت الربيع، أي: من أجمل ما يكون، وبين ظهري الروضة يوجد رجلٌ طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً وحوله ولدان، ثم بيَّن أن هذا إبراهيم الخليل عليه السلام، رآه جميلاً طويلاً وحوله هؤلاء الولدان.

    أما أولاد المسلمين فإن البشارة بموتهم لآبائهم أنهم في كفالة إبراهيم وسارة، يكفلانهم لآبائهم وأمهاتهم إلى أن تقوم الساعة، فلو أردت أن تعزي شخصاً في وفاة ولده، فقل له: أيهما أحب إليك: أن يكون ولدك حياً فتكفله أنت أو يكون عند إبراهيم وسارة ؟

    لأنه قد ثبت في الحديث أن إبراهيم وسارة يكفلان أولاد المسلمين الصغار لآبائهم حتى يعودوا إليهم يوم القيامة، فلاشك أن بقاء الولد في كفالة إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة أفضل وأحسن وأعلى بكثير وبما لا يقارن من بقائه في كفالة أبويه في الدنيا، وربما أجرم أبواه في حقه، أما إذا صار في كفالة الخليل وزوجته فإنه يكون في أحسن ما يكون، فهذه من البشرى لمن مات له ولد صغير.

    وأمَّا بالنسبة لأولاد المشركين فقد تفاوتت أقوال أهل العلم فيهم، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فقال: (وأولاد المشركين) وقال في حديث آخر: (الله أعلم بما كانوا عاملين) فيحتمل أنه كان لم يوحَ إليه شيء بشأنهم، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) ثم أوحي إليه بشأنهم، وفي رواية حسَّنها بعض أهل العلم: (أنهم خدم أهل الجنة) وقال بعض أهل العلم: أنهم يُمتحنون، وقد ذكر هذه المسألة الكبيرة الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب: شفاء العليل وتوسع فيها، ونحن لا يضرنا ماذا يكون مصيرهم لو لم نعرف ذلك؛ لأن الله عز وجل عادل لا يظلم أحداً، فمن صفاته سبحانه وتعالى العدل، وهو العدل.

    عقوبة خلط العمل الصالح بالسيئ

    قال: (فانتهينا إلى مدينةٍ مبنية بلبن ذهب ولبن فضة) ولاشك أن هذه صفة الجنة، وأنهما أدخلا النبي صلى الله عليه وسلم داراً فيها شيوخ وشباب ونساء وفتيان، وأنه عليه الصلاة والسلام لقي رجالاً شطر من خلقهم حسن وشطر قبيح.

    الآن هل نصف هؤلاء الناس حسن ونصفهم قبيح؟ أو أن كل واحد من هذه المجموعة نصفه حسن ونصفه الآخر قبيح؟

    اللفظ يحتمل كلا الأمرين، لكن أحدهما يرجحه باقي النص، فما هو الراجح؟

    كل شخص نصفه قبيح ونصفه حسن، والذي يدل على هذا التأويل هو أنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فكان الجزاء من جنس العمل، لما خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، صار نصفهم قبيحاً ونصفهم حسناً.

    فقيل لهم: قعوا في النهر المعترض، الذي يجري بالعرض، كأن ماءه المحض -مثل اللبن الخالص- في البياض، وقيل: يحتمل أن يُراد به الماء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد) فهذا مُنقي ومطهر ومنظف، فيذهب السوء عنهم، ويصبح القبيح كالشطر الحسن، وهذا يدل على عظم رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه.

    فأهل الأعراف الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم مصيرهم في النهاية إلى الجنة؛ لأن رحمة الله تسبق غضبه، لكن هذا الوقوف بين الجنة والنار مفزع بحد ذاته، لا يدري الإنسان إلى أين يتجه به، لذلك قال الله عز وجل: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].

    منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وقصره في الجنة

    رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام جنة عدن وسما بصره صعداً وارتفع، ثم رفع إلى قصر مثل الربابة، وهي السحابة البيضاء المنفردة دون السحاب، التي ركب بعضها على بعض، شبه القصر بهذا المنظر الجميل جداً، سحابة بيضاء متراكمة بعضها فوق بعض، فهذا قصره صلى الله عليه وسلم.

    قال: (ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله) بالتأكيد ستدخله، وفي رواية: (فقلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، ولو استكملته أتيت منزلك).

    ثم أخبر الملكان -وهما جبريل وميكائيل- رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه.

    1.   

    فوائد مأخوذة من حديث سمرة

    في هذا الحديث خطورة رفض القرآن بعد حفظه، رجل أُوتي القرآن -حفظه- ثم رفضه، وهذه صورة للمرتد والمنتكس والمنقلب على عقبيه والمتولي عن الحق، الذي رزقه الله نعمة عظيمة وهي حفظ كتاب الله عز وجل، ثم هو بعد ذلك أعرض عنها وتركها، وينام عن الصلاة المكتوبة، فالعقوبة على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل، وعلى ترك الصلاة المكتوبة.

    وهذا الرجل الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق، ليس رجلاً متأولاً، ولا مكرهاً، لأن الإنسان يجوز له الكذب إذا أكره، فهذا الكاذب ليس بمكره، ولما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه لسانه على الكذب في ترويج الباطل، وقعت المشاركة بين هذه الأعضاء في العقوبة.

    فإن قيل: الزناة والزواني ما هي مناسبة العذاب لجريمتهم؟

    هناك شيء في العذاب يُناسب جريمتهم وهو أن النار تأتيهم من تحتهم، لأن جنايتهم من أعضائهم السفلى.

    وآكل الربا الذي يسبح في نهر الدم قيل: إن الدم أحمر وأعظم نقد موجود هو الذهب وهو أحمر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض)، فقيل: وجه المشابهة هو أن الربا يقع في النقد وأعظم النقد الذهب، وما يقوم مقامه من العملات الورقية، ويزاد له العذاب إشارة إلى أنه يتخيل أن ماله يزداد لكنه في الحقيقة يزداد عذاباً.

    عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر؛ لأن أصل الربا يجري في الذهب، وكذلك الملك يلقمه الحجر وراء الحجر، إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئاً، وكذلك الربا ممحوق ثم العذاب فيه متوالٍ.

    ما هي المناسبة في وجود أطفال المسلمين عند إبراهيم عليه السلام؟

    لأنه ما من مولود إلا ويولد على الفطرة -التوحيد- وكان إبراهيم الخليل حنيفاً، وقد ابتلاه الله بسنن الفطرة، فإبراهيم الخليل عليه السلام هو أبونا إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمران:68] والولدان الذين حوله هم كل مولود ولد على الفطرة، فلذلك يكونون معه.

    وأما بالنسبة لهؤلاء القوم الذين شطر منهم قبيح وشطر منهم حسن، فهذا فيه عظة وعبرة في أن المسلم يحذر أن يخلط عمله الصالح بعمل سيئ؛ لأن فيه نوعاً من العقوبة، وهو تشويه منظرة، وربما يئول بعد ذلك إلى عفو الله عز وجل، لكن بعد ماذا؟!

    وفي هذا الحديث: أن القصر الذي في الجنة لا يقيم الإنسان فيه إلا إذا مات حتى النبي والشهيد، وأن هناك قصوراً للأنبياء والشهداء والأولياء (ومن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة).

    وفي هذا الحديث: الحث على طلب العلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كلما تعرض لموقف عجيب سأل عنه لمعرفة الحقيقة وطلبها والتماسها.

    وفي هذا الحديث: فضل الشهداء وأن منازلهم في الجنة أرفع المنازل.

    كذلك في هذا الحديث: أن من استوت حسناته وسيئاته فإن الله يتجاوز عنه، ونسأل الله تعالى أن يتجاوز عنا برحمته، إنه هو أرحم الراحمين!

    ثم في هذا الحديث: أن العقوبات تناسب الجرائم والجنايات، ولما كان الزنا يتم عادة بالخفية فضحهم الله في البرزخ وصاروا عراة، والعاري مفضوح، والزاني من شأنه طلب الخلوة، كما كان يزني في خلوة صار في تنور، وكما كان في خفاء فضح بالعري، ويأتيه النار من أسفل مناسبة لأداة الجريمة.

    وقد ذُكر في هذا الحديث أنواع من الجرائم، وهناك أنواع كثيرة من الجرائم لم تذكر، فهذا يغني عما لم يذكر، ثم كل الجرائم الأخرى لها عذاب، لكن لم نخبر عنه.

    فعلى كل شخص أن يتعظ ويتذكر بأن الجريمة التي يعملها لها عذاب وإن لم يخبر به، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    المدة التي يعتبر فيها الإجهاض نفاساً

    السؤال: إذا أجهضت المرأة بعد شهرين من حملها بسبب موت الجنين، وصار ينزل منها دم، فما هو الحكم؟

    الجواب: الجنين يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم يكون بعد ذلك التخليق بعد الثمانين، ولذلك قد ذكر ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في المغني: أن الحامل إذا أسقطت بعد ثمانين يوماً تكون نفساء؛ لأن الجنين تخلق، وبدأ يظهر فيه تخطيط اليد والرأس ونحو ذلك، أما قبل الثمانين يوماً فلم يتخلق بعد.

    إذاً بعد الثمانين يوماً إذا أسقطت المرأة تكون نفساء، وقبل ثمانين يوماً تكون مستحاضة، وبناءً على هذا يكون صومها وصلاتها.

    كيفية قضاء الفوائت من الصلوات

    السؤال: رجل نام قبل صلاة الظهر، ولم يستيقظ إلا عند إقامة صلاة العصر، فكيف يصلي هذا الرجل؟

    الجواب: هذا الرجل عليه أن يرتب الفوائت، فيصلي الظهر أولاً ثم العصر، ولا حرج عليه أن يُصلي الظهر وراء الإمام الذي يصلي العصر، وتكون صلاته بنية الظهر، وكذلك من فاتته عدة صلوات، كالمستيقظ من عملية جراحية، فيرتب الصلوات بعضها وراء بعض؛ لأن بعض الناس يظن أن الفوائت تقضى مثلاً: الظهر مع الظهر في اليوم التالي، والعصر مع العصر في اليوم التالي، ولكن الصحيح أنها تُقضى متوالية. فأول ما يستطيع القضاء عليه أن يصلي، ولو كانت كثيرة فإنه يصلي ويرتاح ويصلي ويرتاح، ويصلي الصلوات مرتبة.

    حكم مسح الوجه بعد الدعاء

    السؤال: ما حكم مسح الوجه بعد الدعاء في صلاة التراويح؟

    الجواب: هذا لا أصل له، ولا يجوز لأنه بدعة، أما المسح عموماً بعد الدعاء في خارج الصلاة، فقد وردت فيه أحاديث ضعيفة، بعضهم قال: إنها تصل إلى درجة الحديث الحسن لغيره، كما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

    حكم قول: "سيدنا" في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: قال شخص في حديثه: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فأنكر عليه آخر، وقال: الصحيح أن تقول: اللهم صلِّ على محمد، فهل هذا الإنكار صحيح؟

    الجواب: هذا يعتمد على مكان ورود هذه العبارة، فإن قال: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد" في الصلاة فنقول له: لقد زدت على تشهد النبي عليه الصلاة والسلام وعلى ما علمنا؛ لأنه لم يعلمنا لفظ "سيدنا"، فإذاً نحن لا نقولها في هذا الموطن. لكن لو قالها الإنسان خارج الصلاة فهذا شيء صحيح، ولا يمكن إنكاره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم).

    فإذاً الإنكار في لفظة "سيدنا" إذا كانت في مكان معين بألفاظ معينة وليست هي فيها كأن يتلفظ بها في الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأخير، فإضافتها بدعة، وإلا فيجوز أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو نقرأ آية الدين ونقول: هذا قرآن فيجوز! فنقول: لا، المسألة ليست أن نقول: هذا كلام صحيح أو غير صحيح؟ ولكن هل ورد هذا الكلام في هذا الحال أو في هذه المناسبة أو لم يرد؟ فلا نبتدع من عندنا ولا نضيف، ولما عطس رجل عند ابن عمر فقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال ابن عمر : وأنا أقول: صلى الله على محمد، لكن ما هكذا علمنا محمد صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً: الزيادة في الأذكار الواردة المحددة من البدع، أما الكلام العادي المفتوح، كأن يقول خطبة، أو يتكلم كلمة ما ويقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وقال: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا لا بأس به.

    حكم أخذ إجازة اضطرارية للعمرة

    السؤال: هل يجوز أخذ إجازة اضطرارية للعمرة؟

    الجواب: لا يجوز؛ لأن الإجازة الاضطرارية تُعطى في حالات معينة ليست العمرة منها، فمن قدم إجازة اضطرارية لعمرة فمعنى ذلك أنه قد كذب في دعواه.

    وقت صلاة الضحى

    السؤال: أريد أن أجلس في المسجد إلى وقت شروق الشمس لأصلي ركعتين، فما هو وقت صلاة الضحى؟

    الجواب: إذا ارتفعت الشمس قدر رمح، أي: بعد الإشراق بعشر دقائق أو ربع ساعة، بحيث تكون الشمس قد ارتفعت.

    وجود الرقى في الجاهلية

    السؤال: هل طلب الكفار للرقية من الصحابة دليل على أن الكفار كانوا يرقون في الجاهلية؟

    الجواب: نعم، ولذلك لما طلب عليه الصلاة والسلام أن يعرضوا عليه الرقى، قال: لا بأس بها ما لم يكن فيها شرك، فدَّل ذلك على أنهم كانوا يعرفونها في الجاهلية، ولكن كان فيها شرك.

    سورة تبارك واقية من عذاب القبر

    السؤال: سمعت أن سورة تبارك تدفع عن حافظها عذاب القبر، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: نعم، تقي صاحبها عذاب القبر، إذا حفظها وراعى معناها، فإنها من أسباب الوقاية من عذاب القبر.

    حكم النظر إلى العورة بعد انفصالها

    السؤال: قرأت عبارة معناها: كل عضو لا يجوز النظر إليه قبل الانفصال لا يجوز النظر إليه بعده.

    الجواب: نعم هذه عبارة مشهورة؛ فمثلاً: عملية فيها استئصال موضع في العورة، فقبل الاستئصال والانفصال لا يجوز النظر إليه، فكذلك لو استئصل هذا الموضع فلا يجوز النظر إليه بعد الاستئصال.

    حكم من جاءتها الدورة وهي صائمة

    السؤال: ما حكم المرأة الصائمة إذا جاءتها الدورة في منتصف النهار؟

    الجواب: بطل صومها، وهي مأجورة إن شاء الله، وعليها أن تفطر، ولكن إذا أخفت هذا عن أعين أولادها الذين لا يفهمون قضيتها، فهو أولى لكي تكون بعيدة عن التهمة.

    حكم من ينام عن صلاة الفجر

    السؤال: لي أخ ينام قبل الفجر بأقل من ساعة ليقوم إلى عمله الساعة التاسعة، وأحياناً يتسحر ثم ينام، ولا يصلي الفجر، وهو أكبر مني؟

    الجواب: لابد أن تنصحه، ومن نصحك له: أن تورد له الأحاديث التي فيها الوعيد لمن أخر الصلاة عن وقتها.

    الجمادات تصيبها العين

    السؤال: هل تعان الجمادات كالسيارة؟

    الجواب: نعم تصيبها العين.

    حكم بيع الماء المقروء عليه

    السؤال: هل يجوز بيع الماء المقروء فيه؟

    الجواب: قد سألت شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز نفع الله بعلمه عن هذه المسألة، فقال: لا يجوز بيع الماء المقروء فيه، وقد حصلت أمور كثيرة من السخافات من بعض هؤلاء الذين يدعون الرقية، فيبيعون الماء ويعملونها تجارة، ويقول: هذا بخمسين، وهذا بمائة، وهذا بخمسمائة، لماذا؟

    يقول: هذا مقروء فيه مرة، وهذا ثلاث مرات، وهذا مقروء فيه سبع مرات، وهذا مقروء فيه ثلاثين مرة، فكلما زاد عدد المرات زاد السعر حسب الجودة في السلعة، فيبيعون كلام الله، وبعضهم ما عنده وقت لينفث في الماء، فيوكل من ينفث، ولذلك فإن بعض هؤلاء لا يتقون الله، يكون رجلاً فاشلاً فيريد باب رزق يدخل فيه ويخدع عباد الله.

    فلا يجوز بيع الماء المرقي فيه، ولا الزيت أيضاً، لكن يباع على أنه ماء، فسعر الماء معروف، ويباع على أنه زيت فسعر الزيت أيضاً معروف، أما أن يرفع سعره لأنه مقروء فيه، فهذا لا يجوز.

    جواز الاغتسال بالماء المرقي فيه في الحمام

    السؤال: هل يجوز الاغتسال بالماء المقروء فيه في الحمام، علماً أنه يختلط مع النجاسات؟

    الجواب: نعم، لا بأس بذلك، لأنه ليس للماء المقروء فيه القرآن حكم القرآن، ولا الشريط المسجل عليه القرآن حكم المصحف، ولذلك يجوز للجنب والحائض أن يمسا شريط القرآن، وكذلك يجوز أن يغتسل بالماء المرقي فيه في الحمام ولو كان ماء زمزم.

    حكم قول: رضي الله عنه للتابعي

    السؤال: هل يُقال للتابعي: رضي الله عنه؟

    الجواب: نعم، من باب الدعاء، ولكن إذا أردنا أن نخص فنخص الصحابة، لقوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] وهكذا كان العلماء يترضون عن الصحابة.

    حكم بلع النخامة والنخاعة في الصوم

    السؤال: النخامة والنخاعة هل تفطر؟

    الجواب: إحداهما: تكون من الأنف فتنزل الحلق، والثانية: تكون في الصدر فتصعد إلى الفم، فلا تبلع لا هذه ولا هذه، لكن إذا بلع شيئاً رغماً عنه فليس عليه شيء.

    كيفية التعامل مع العائن

    السؤال: إذا عُلم أن رجلاً يصيب بالعين، فكيف يتعامل مع هذا الشخص؟

    الجواب: الإنسان يحوط نفسه، ويعوذها بالمعوذات والرقى الشرعية (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) .. (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) .. وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] ثم إن العلماء -رحمهم الله- قد ذكروا في أبواب الفقه في مسائل السجن من عرف أنه دائماً يصيب بالعين، فإن على الإمام أو الحاكم أن يحبسه في بيته ويمنعه من الخروج، ويرتب له من بيت المال رزقاً يجرى عليه ليكفي المسلمين شره.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736298165

    عدد مرات الحفظ

    684483055