إسلام ويب

سفينة المجتمعللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المجتمع كالسفينة، تحتاج إلى ربان ماهر يقودها إلى برِّ الأمان، فكيف إذا كان هذا المجتمع هو أمة الإسلام؟! وقد تحدث الشيخ عن المجتمع الإسلامي وعن الأخطار التي تعترضه، وكيف يمكن له أن يتجنبها وينجو منها، وعماد ذلك كله هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    1.   

    حاجة السفينة إلى ربان ماهر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أسأل الله جل وعلا أن يثيبكم خير الثواب، وأن يجزيكم أطيب الجزاء على حضوركم واستماعكم، ونسأله جل وعلا في مستهل هذا اللقاء أن يسددنا في القول، وأن يخلص لنا ولكم العمل.

    عنوان هذه الكلمة التي اختار الإخوان عنوانها: (سفينة المجتمع) وهذا عنوان حَمَّال ذو وجوه، فلك أن تتكلم عن سفينة المجتمع وما يتعلق بالأمن والأمان في هذا المجتمع، والمخاطر التي تخترم الأمن وتهدد الطمأنينة، ولك أن تتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الذي جاء فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة..) الحديث. ولك أن تستنبط من هذا العنوان معاني عديدة، وحسبنا أن نشير إلى ما أشار إليه الحديث الشريف؛ فهو أقربها إلى الأذهان، وهو من درجات الإيمان، ومن أهمها ومن أحوج ما تحتاج إليه الأمة في هذا الزمان.

    أيها الأحبة في الله: إن المتأمل في حال البشر تماماً يراهم مثل أقوام ركبوا السفن:

    فمنهم من ركب سفينة متينة، وأبحر باتجاه أمواج متلاطمة لا توصله إلى بر الأمان، بل سرعان ما تنكسر خشبته وتتحطم ألواحه ويتيه الربان ويضيع الركب، ولا تسأل عن هَلَكَة القوم بعدئذ؛ فالسفينة لا تغني قوتها ولا صلابتها عن أن يبحر بها ربان ماهر قادر يبحر بها ويتجافى ويتحاشى أمواجاً لا يطيقها، ويأخذها ذات اليمين تارة وذات الشمال تارة، يمشي بها الهوينا حينما يتعثر السير، ويجدُّ بها إذا وجد طريقاً ميسراً، ونصَّ وأسرع في سيره حتى يبلغ بأهلها.

    وقوم ركبوا سفينة ضعيفة فلم تقاوم أدنى موج من أمواج البحر فانكسرت بأصحابها.

    وأقوام ركبوا سفينة متينة وسار بهم ربان ماهر قادر خرِّيت مجرب، وسار وأبحر بهم إلى بر الأمان بإذن الله، فأولئك هم الذين أنعم الله عليهم من أهل الصراط المستقيم: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].

    وإن تشبيه الناس في هذا المجتمع كقوم على سفينة لتشبيهٌ بليغ وجميل جداً؛ إذ أن الناس قد أبحرت بهم سفنهم من أول يوم وُجِدوا وخُلِقوا ونزلوا على وجه هذه الأرض، وكلنا أيها الأحبة قد ركب هذه السفينة، فهي تمخر بنا عباب السنين والأعوام.

    والليل فاعلم والنهـار كلاهما     أرواحنا فيها تعدُّ وتحسبُ

    إن الجديدين إذا ما استوليا          على جديدٍ أسلماه للبلى

    منع البقاءَ تقلبُ الشمس     وخروجُها من حيث لا تمسي

    وبزوغُها صفراءَ صافيةً     ومغيبُها حمراء كالوَرْسِِ

    نحن قد أبحرت بنا السفن: فمنا من قطع من الرحلة عشرين أو ثلاثين أو أربعين، ومنا من هو الآن على شاطئ النهاية، وبعد النهاية -نهاية الدنيا- يستمر ويمضي في برزخ إلى أن يبعث يوم القيامة.

    فنحن في سفينة ماخرة بنا إلى الدار الآخرة؛ فيا ليت شعري أين يكون الشاطئ وأين يكون بر الأمان؟! وأين الجودي الذي تستوي عليه هذه السفينة؟! قال صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة -أي: ضربوا القرعة بينهم، والسهمان أو ضرب القرعة من الأمور التي يُلْجَأ إليها عند تساوي الأمور- فكان لبعضهم أعلاها وكان لبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء -أي: طلبوا السقيا وأرادوا الماء- مروا بالذين من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا هذا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) هذا الحديث عند البخاري رحمه الله، وهو حديث عظيم وفيه من الفوائد المستنبطة الجليلة العظيمة الكثير:

    فمنها: جواز ضرب الأمثلة.

    ومنها: البيان والتوضيح.

    ومنها: جواز القرعة.

    إلى غير ذلك.

    مجتمعات تقاذفتها أمواج البحر

    أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نعلم تماماً أن سفينة مجتمعنا هي ماضية بنا وكل واحد منا عضو في هذا المجتمع، ومجموعنا نكون مجتمعاً واحداً وكلنا سائرون في هذه الدنيا إلى دار أخرى؛ ولكن من المهم تماماً أن نعلم أن كثيراً من الناس ربما تحطمت بهم السفينة قبل أن يبلغوا شيئاً من عمق البحر أو قبل أن تمخر بهم السفن في عرضه وطوله.

    أعني بذلك: مجتمعات نشبت فيها الفتن وكثر فيها القيل والقال، وضاعت فيها المناهج، واختلطت المبادئ، وضيَّع القومُ صراطاً مستقيماً مبيناً قويماً، وأصبح الدليل حيران.

    تاه الدليل فلا تعجب إذا تاهوا     أو ضيَّع الركبَ أذنابٌ وأشباهُ

    أيها الأحبة: إننا يوم أن ننظر إلى سفنٍ اجتماعية عبارة عن مدن أو مجتمعات أو دول:

    فمنها: مَن يتخبط ذات اليمين وذات الشمال.

    ومنها: مَن هم ضاربون في أعماق الرذيلة والفساد والضلالة والانحراف وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104].

    ومنهم: مَن تحطمت بهم السفن، وتكسرت بهم الألواح، وكثر الغرقى، ولم يُسمع لصائحهم صيحة، ولم يَستجب لمناديهم أحد.

    فهذه مجتمعات:

    منها: مَن ضلَّ وتحطم وانتهى وانكسر.

    ومنها: مَن ما يزال قائماً.

    ومنها: مَن ينازع سكرات النهاية يوشك أن يفارق هذه الدنيا.

    تأملوا مثلاً فلسطين التي هي مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى: إنك يوم أن تتأمل أحوال إخواننا المسلمين في فلسطين وقد مضوا ستين عاماً قد انكسرت سفينة مجتمعهم، ولسنا بصدد البحث عن أسباب كسر هذه السفينة؛ لكنك تجد قوماً لا سفينة لهم؛ بمعنى لا مجتمع أو لا كيان يحميهم ويجمعهم ويوحدهم ويمثلهم إلا ما كان من أمرٍ تعلموا حكم الإسلام فيه قبل أشهر أو أسابيع معدودة.

    وعلى سبيل المثال أيضاً: تطاولت يد الشيوعية على مجتمع المسلمين في أفغانستان فحطمت، وتصارعت أمواج الشيوعية مع سفينة ضعيفة في المجتمع الأفغاني، وما زال الناس يرون لوحاً منكسراً يتعلقون به، أو شراعاً يُمَدُّ ليدفع هذه السفينة شيئاً ما، وما زالوا يصارعون وينازعون الأمواج حتى بلغوا إلى قريب من شاطئ الأمان وبر النهاية، وليست هذه هي النهاية إنما النهاية أن يُحَكَّم كتابُ الله وأن تُطَبَّق سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يعلو التوحيد ولا يعلو شرك عليه بأي حال من الأحوال.

    ولك أن تتأمل مجتمع أو سفينة إخواننا في البوسنة والهرسك وهي قد تحطمت على يد الصرب وما بقي إلا أقل من ألواح؛ بل أدنى من عيدان هشة تعلق بها من تعلق، فالقوم في محنة لا يعلمها إلا الله، نسأل الله أن يفرج كربتهم، وأن يعجل نصرهم، وأن يكسر أعداءنا وأعداءهم.

    وخذوا أيضاً الصومال وكيف انهار ذلك المجتمع، وكيف تحطمت تلك السفينة، فالناس الآن إما في سفينة يبحرون بها على خطر ووجل، وإما أقوام صارعوا أمواجاً عنيفة متلاطمة عنيدة فكسَّرت سفنهم، وبقي البقية منهم ينازعون البقاء، ويعالجون السباحة لبلوغ بر الأمان على ألواح هشة.

    ونحن في هذه البلاد وفي هذا المجتمع نعيش على سفينة حسبنا من الخطر أن اسمها سفينة، وحسبنا من الخطر أننا في بحر تتلاطم أمواجه، وحسبنا من الخطر أننا نعالج ونواجه قوىً تتربص بنا في داخل أرضنا ومن خارجها.

    وإني أقف وقفة يسيرة أمام بعض أحبابنا الذين ينـزعجون عند مثل هذا الكلام، حينما نتكلم عن الأعداء وعن الشر، وعن المتربصين والعلمانيين، وعن الفجرة وعن الذين يتمنون البلاء والفتنة والشر بهذا المجتمع، إني أقول لأولئك: لا تزعجكم هذه العبارات فإنها موجودة مذ وجد أفضل الخلق وأفضل المجتمعات وأفضل الأجيال، بل إن من تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم في مستهل خطبته: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) فالنفس فيها شر فكيف ينكر أحد وجود شر في بيته أو في مجتمعه، أو وجود خطر من شر يحوم حوله.

    وأيضاً كما جاء في السنة: (أنه من بنى بامرأة فله أن يضع يده على ناصيتها ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جُبِلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جُبِلت عليه) فأنفسنا فيها شرور نسأل الله أن يعيذنا منها، وزوجاتنا فيهن شرور نسأل الله أن يدفع شرهن عن أنفسهن وعنا، وأموالنا وأولادنا: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ففي أموالنا أعداء، ومن أولادنا أعداء، ومن بيننا أعداء؛ فكيف ينزعج البعض حينما يسمع كلمة الشر والعداوة، والتخطيط والمكيدة، والمنافق والمتربص وكلها موجودة؛ ولو خلا منها مجتمع لخلا منها أفضل مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم.

    علاج العطب الحاصل في السفينة

    أيها الأحبة: إذا تأملنا هذا وأدركناه فإننا نعالج هذه القضية بأمور، أهمها: شعورنا أننا على خطر.

    إن من استعرض الوسادة، وغَطَّ في النوم، وأشغله السبات، وعلا شخيره، وعاش في أحلام خيالية، وظن أنه بمأمن من العوادي والغوادي والمتربصين وغيرهم؛ فإنه يوشك أن يهلك لا محالة.

    أما الذين يعملون وينكرون ويجاهدون، ويستعينون ويناصحون؛ فأولئك نسأل الله أن يسددهم وأن يكونوا على خير عظيم.

    أقول: إننا في سفينة تربص بها الأعداء في الداخل والخارج فلننتبه لها، وإن كان في السفينة شيء من سوس نَخَرَ في بعض ألواحها .. إن كان في السفينة مَن يحاول أن يخرقها لتغرق بأهلها .. إن كان في السفينة شيء من الخطأ والخلل؛ فإن ذلك لا يعني أن نرضى بخرقها، أو أن نستسلم لمن أراد فسادها، أو أن نخضع لمن أراد أن يضيع ربانها وهم قادتها وولاة أمرها وعلماؤها.

    أيها الأحبة: ينبغي أن نستشعر هذا المعنى، أنت يوم أن تتأمل أحوال المسلمين: إما أن تجدهم مسلمين بلا بلد .. بلا دولة .. بلا سفينة .. بلا كيان .. بلا مجتمع.

    أو تجدهم مسلمين تحت ضغط وقهر واستبداد وأحكام مؤبدة، وأعمال شاقة، وأغلال وزنازين وسجون وشرور وآثام لا يعلم حدها وحصرها إلا الله جل وعلا.

    أو أن تجد مجتمعاً كمجتمعنا هذا فيه خير كثير وفيه شر أيضاً نسأل الله أن يدفعه عنا، ولكن من المهم أن نعلم وأن نحقق هذا: أننا من أقل بلاد الله شراً، ومن أكثر بلاد الله خيراً.

    إذاً فسفينتنا من أفضل السفن ولا يعني أنها سلمت من العوادي، ولا أنها في مأمن ومنجى من الخطر فكل عاقل ينتبه ويحذر.

    أيها الأحبة: ما دمنا في هذه السفينة التي ننعم في ظلها وأمنها ووارف خيراتها ونعيمها، وما يُجْبَى إليها من الثمرات من المشرق والمغرب، وما فيها من النعم والأمن والطمأنينة، وما فيها من أمور تسهلت لكثير بل لجل الناس إن لم يكونوا كلهم؛ فنحن من المهم أن نحافظ على هذه السفينة؛ لما فيها من الخير الكثير؛ والفضل الوفير، وأفضل الخير فيها أنك لا تجد قبراً يُعبد من دون الله، ولا تجد ضريحاً يُطاف به، أو ولياً يُعتقد بأنه يدفع شراً أو يجلب نفعاً.

    أعني بذلك أن من أعظم حسنات هذه السفينة التي نحن فيها سلامة المعتقد والتوحيد، وهذا خير عظيم، كما أن فيها من المصائب وأنواع البلاء والكبائر والمنكرات ما ربما يَرِد الحديث عنه.

    أيها الأحبة: ما هي الأمور التي تكدر على هذه السفينة هادئ إبحارها؟

    ما هي الأمور التي هي نذر شر بأمواج قد تواجه هذه السفينة وربانها؟

    ما هي الأمور التي ربما كانت سبباً في أن يتصارع الناس وسط السفينة ويتنازعون فيها.

    إن الشر والشرور التي تحيط بالسفن الماخرة على بحار المحيطات المتلاطمة بأمواجها العاتية ليست شروراً بالضرورة، قد تكون من حولها، أو من حيتان تقلبها من أسفلها من أعماق البحار، أومن قرصان أو قناصة أو قطاع طرق، بل قد يكون الشر من أبناء السفينة في وسطها لو تعاركوا وتصارعوا وتنازعوا واختلفوا، ثم دب الفشل فحينئذ ينشغل الربان عن سفينته ويشتغل القوم بعضهم ببعض، وحينئذ:

    ومن رعى غنماً في أرض مسبعة     ونام عنها تولى رعيَها الأسدُ

    حينئذ لا يدري الربان بم يشتغل! أهو بأن يهدي سير السفينة إلى بر أمانها، أم يعالج أوضاع أهلها من داخلها وهذه إشارة:

    تكفي اللبيب إشارة مرمـوزة     وسواه يُدعى بالنداء العالي

    أيها الأحبة: أتحدث عن مجتمعنا هنا لأنه ليس من الحكمة أن نجتمع مثلاً هنا في ظهرة البديعة في الرياض ، ثم نتكلم عن أوضاع الصين ، أو كمبوديا ، أو السلفادور والبوريساريو ، إن حاجة الناس أن يتحدثوا وأن يجتمعوا للحديث عن أوضاعهم وعن مجتمعهم وحاجاتهم وما يهمهم من الأخطار التي تحيط بهم، وليس من الحكمة أن نتحدث عن أخطار في مجتمعات بعيدة، ونحن نعالج ونرى ونجاهد ونصارع أخطاراً ومنكرات تحيط بنا، وحاجة الناس أن يسمعوا ما يتحاجون إليه لا ما يشتهيه متحدث وغيره.

    1.   

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    هذه سفينتا فما الذي يهددها وما الذي يكدرها؟

    إنها المنكرات والمعاصي؛ إن كل جنوح أو ميل أو انحراف أو بُعد خاصة حينما يكون عمداً -ومعاذ الله أن يوجد هذا- أو ميل عن صراط الله المستقيم عن الشريعة القويمة والمحجة المستقيمة؛ عن هذا الدين الذي أتمه الله وأكمله؛ إنما هو بُعد بهذه السفينة عن سيرها الهادئ إلى شعاب مرجانية وصخور شرسة تحطم هذه السفينة وتُفني وتكسر ألواحها، فالمنكرات بأنواعها من أخطر الأمور على هذه السفينة.

    وعلاج هذا كله هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حاجة السفينة وحاجة أهلها أن تُهْدَى وأن تسلك سبيل المعروف، وأن تقاوم وتجانب وتجافي طريق المنكر، فما هو المعروف؟ وما هو المنكر؟

    المعروف والمنكر

    هل المعروف ما تعارفنا عليه؟ وهل المنكر ما اتفقنا على إنكاره؟

    هل المعروف ما رآه فلان وعلان؟ وهل المنكر ما أنكره فلان وعلان؟

    كلا ولا وألف لا، إنما المعروف ما كان معروفاً في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، والمنكر ما كان منكراً في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا من جميل خصال وسمات منهج أهل السنة والجماعة الذي يقرر فيه أئمة السلف وعلماء الملة والشريعة: أن التحسين والتقبيح ما هو إلا من جهة الشرع لا من جهة العقل، أما المعتزلة والمناطقة والفلاسفة والمتكلمون فإنهم يقولون بالتقبيح والتحسين العقليين، يعني: ما كان في العقول حسناً فهو حسن، وما كان في العقول قبيحاً فهو قبيح، وهذا قد جعلهم يضلون ضلالاً بعيداً، وقادهم إلى التعطيل والتشبيه والضلال في باب الأسماء والصفات، بل قاد كثيراً من متقدميهم ومتأخريهم إلى إنكار صريح السنة بحجة أنه خبر آحاد، وقاد بعضهم إلى نفي المتواتر من الدين بتأويلٍ لا مسوِّغ له ولا قرينة تصرف إليه، وكلكم تعلمون هذه المسائل.

    إذاً: فالمعروف ما كان معروفاً في كلام الله ورسوله، والمنكر ما كان منكراً في كلام الله ورسوله؛ إذ لو أن الأمر اعتبر فيه ما اجتمع عليه الناس لكان اجتماع الناس في زمن أو في مكان على منكر من المنكرات واعتباره معروفاً يحوِّل الحرام حلالاً والحلال حراماً.

    انظر إلى بعض مجتمعات المسلمين فضلاً عن مجتمعات الكفار كيف ينظرون إلى أن فعل المرأة بتبرجها وكونها حاسرة عن شعرها، مُبْدِية صدرها، حتى أبانت ذراعيها وشيئاً من ساقيها، يرونه مما تعارف عليه الناس بل وربما أُنْكر على مسلمة تحجبت وغطت وجهها وسترت يدها وساقها ونحو ذلك.

    هل اجتماع الناس في بلد من البلدان ولو سميت إسلامية نسبة إلى تعداد المسلمين وإن كانت أنظمتها ضالة ظالمة، هل اجتماع الناس على أمر كهذا يغير مسألة التبرج من كونها حراماً ومنكراً إلى المعروف والحلال؟!

    لا وألف لا، بل في كثير من المجتمعات يُعَد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاته تدخلاً وعدوانية وفضولية، بل وربما عوقب الإنسان لأنه أمر أو نهى، وربما تعارف الناس على مثل هذا، فكون الناس تعارفوا على ترك الأمر بالمعروف، واعتبار القيام به فضولية وتدخلاً في شئون الآخرين فإن ذلك لا يغير حقيقته.

    إذاً: فالمعروف معروف بكلام الله وكلام رسوله، والمنكر منكر بكلام الله وكلام رسوله في كل زمان وفي كل مكان؛ إذ أن الذي خلق العباد هو الذي أنزل الكتاب، وهو الذي شرع الشرائع، وهو الذي سن الأحكام، وهو الذي أحل الحلال وحرم الحرام: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    إن ربنا جل وعلا يوم أن شرع في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم صنوف وألوان وأحكام الحلال والحرام شرعها للبشر في كل زمان ومكان؛ فلا يتغير المنكر بل يبقى منكراً إلى يوم القيامة، ولا يتغير بل يبقى المعروف إلى يوم القيامة، وقد ضل وجهل وسقم من ظن أن الأمور يمكن أن تتحول من كونها معروفاً إلى منكراً ومن كونها منكرةً إلى المعروف، بل إنما الذي يتغير أنواع من المباحات ربما تكون في بعض الأحيان لمصلحة العباد أن يُمْنَعوا من شيء منها، ولمصلحة العباد أن يؤمروا أو يجبروا على شيء منها؛ مما يقدره العلماء ومما تقتضيه المصالح المرسَلَة والمصالح الشرعية المرعية.

    إذاً: فأول قاعدة في هداية هذه السفينة وسيرها المطمئن إلى بر الأمان أن نعرف أن حاجتها إلى إقرار المعروف والعمل به ومعرفة المنكر والحذر منه، والمعروف ما كان معروفاً في الكتاب والسنة، والمنكر ما كان منكراً في الكتاب والسنة، حتى ولو أجمع الناس وأطبقوا على خلافه.

    أمثلة للمعروف والمنكر

    على سبيل المثال: خذ بلية من البلايا، ومصيبة من المصائب، وفتنة من الفتن التي ابتُلينا بها في مجتمعنا هذا، نسأل الله أن يدفع عنا شرورها وغوائلها ومغبتها ألا وهي: قضية الربا؛ إن كثيراً من الناس قد وقعوا في الربا بحجة أنه قد انتشر، أو بحجة أنه لا سلامة منه، أو بحجة أي مقولة تقال، المهم ينبغي أن نعرف أن الربا خطر وأنه من أخطر معاول الهدم والكسر لهذه السفينة، كيف لا والله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279] ؟!

    فالربا كبيرة وخطر: (لعن الله آكل الربا ومُوْكِلَه وكاتبه وشاهديه) لا أحد ينازع في هذه القضية حتى لو تعامل بها مَن تعامل، أو ضل بها مَن ضل، أو تأول مَن تأول؛ إذ أن مصيبتنا في هذا الزمان أن أقواماً أخذوا يلتوون ويسلكون أذناب الثعالب في الدخول إلى عقول السُّذَّج والبسطاء والغوغاء يقولون لهم: إن الربا الحرام ليس هو الربا الذي يتعاطاه بعض الناس في هذا الزمان، ولو سُلِّم هذا الأمر وانطلت مثل هذه الحيل لجاء اليوم الذي يقال فيه إن الزنا الذي يوجد في بلاد الغرب ليس الزنا المحرم، وإن الشرك الذي يُعبد فيه أصحاب القبور، ويعتقد فيه بنفع ودفع الأولياء وضرهم ليس هو الشرك المقصود، ولا تستقر حينئذ للأمة أحكام، ولا تُفْهَم شريعة على مثل هذا التأويل أو سوق هذه الحيل والأباطيل.

    وجوب التسليم لأمر الله وأمر رسوله

    أيها الأحبة في الله: ما دمنا قد علمنا أن المعروف معروفاً والمنكر منكراً بكلام الله وكلام رسوله، فإن أول ما يتعلق بنا ونحن من ركاب سفينة المجتمع هذه؛ أن نعلم أن من واجبنا الإذعان والانقياد؛ فالأصل في كل مسلم أن يقبل الحق وأن يعمل به؛ والأصل في كل مسلم أن يرد المنكر وأن يزجر عنه دون عناد أو جدال، حتى إن علم الحكمة أو جهلها، إن فهم المقصد أو غاب عنه؛ فواقع المسلم وأصل المسلم أن يقبل الحق وأن يقول فيه: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    الأصل في المسلم أن يكون مستجيباً منقاداً مخبتاً لأمر الله وأمر رسوله وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] أين نحن من: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] أين نحن من (ليس لنا الخيرة في أمرنا هذا) ما دام الأمر قد ورد من عند الله، والنهي قد جاء من وحي يُوْحَى مثل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ينبغي لنا إلا الاستجابة.

    إنك تعجب من مسلم تقرر له القاعدة في أن الربا محرم، أو أن هذا الأمر لا يجوز، أو أن هذه المسالة لا تجوز ثم يقول: ولكنهم في الغرب اكتشفوا، ولكنهم في الشرق علموا، ولكنهم وصلوا ودخلوا وقرروا!

    بل وأعجب من هذا أن تجد مسلماً يسلِّم.. بل يعتقد.. بل يؤمن.. بل يوقن أن شجرةً بعرض هذا العمود قد كتب عليها أحد علماء الآثار أن هذه الشجرة عمرها ثلاثة آلاف سنة، فيصدق وينقل هذا الخبر للناس مع أن المكتشف ليس عنده سند متصل ممن غرس هذه الشجرة إلى هذا الزمان حتى يُعْرَف أن عمرها ثلاثة آلاف سنة أو ألف أو خمسمائة سنة!

    وربما أخرجت أحفورة من الأحافير أو قطعة أثرية من الآثار ويَكتب باحثُها: مائة سنة، أو ثمانمائة سنة، فيسلِّم بعقله مستجيباً، ولو ناقشه أحد لقال: ألا تسلِّم لأهل العلوم في علومهم؟! ألا تسلِّم لأهل الفنون في فنونهم؟! ألا تسلِّم لأهل الطب في طبهم؟! لماذا لا تسلِّم لذوي الاختصاص؟! فإذا قيل له: قال الله وقال رسوله، قال: لماذا؟ وكيف؟ ولعلل! ويمكن! وربما! وأين؟ وأتى لك بجميع أدوات الاستفهام والحذف والجر والإضافة غير مستجيب لأمر الله وأمر رسوله! فأين استجابته بالتصديق الموقن فيما يتعلق بشجرة عمرها ثلاثة آلاف سنة؟! وأين استجابته لقطة أو لاكتشاف أثري بيد واحد من علماء الآثار من استجابته لكلام الله وكلام رسوله؟! شتان ما بين هذا وهذا!

    إن من المصائب في هذه السفينة التي نبحر بها ونمخر عباب البحر المتلاطم بالأمواج فيها، أن تجد من أبنائنا من لا يزال ينخر بل يخرق في لوح السفينة، وإذا قيل له: إن مضيك في هذا الخرق يحدث فجوة تغرق هذه السفينة؛ فتجده ينازع ويجادل ويناطح ولا يستجيب أبداً ويستجيب لأمور لا دليل عليها من عقل.

    إن القضية تتعلق تعلقاً أصلياً بمسألة العقيدة، وكيف يكون تعلقها؟

    انظر أخي الكريم إلى مريض من المرضى يشكو علة من العلل وسقماً من الأسقام وداءًَ من الأدواء، ثم يُذكر له طبيب ماهر بارع خبير بأمراض الأبدان، فتجده يذهب إليه ويبوح بأسراره، ويكشف علته، ويصف أعراضها وحالها وأوصافها فيقول الطبيب: افتح فمك، مد يدك، ارفع رجلك، انزع ثيابك، خذا هذا الشراب، وخذ هذا الدواء، وامتنع من الطعام، وكُلْ هذا الطعام، فتجده مستجيباً حتى لو جُعِل الحديد والإبر في بدنه لقال: هذا من حكمة هذا الطبيب الذي عرف هذا الدواء لذلك الداء في ذلك الموضع في تلك الساعة في ذلك المكان، استجابة لا ينازعها تردد أبداً، لماذا استجاب؟!

    لأنه أيقن وعلم علماً لا جهل فيه، ويقيناً لا شك يخالطه؛ أنه ذاهب إلى طبيب ماهر قد سلَّم لعلمه وحكمته فكان نتيجة تسليمه استجابة لا تردد فيها بأي حال من الأحوال، فإذا قيل له: هذا أمر الله وأمر رسوله ربما وجدت تردداً وعناداً، واختلافاً وإصراراً، وتعليلاً وتأويلاً وغير ذلك! أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    وجوب تقدير الله حق قدره

    أتظنون أن الله حرَّم الحرام عبثاً؟! أو أمر بالواجب عبثاً؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً [المؤمنون:115]، أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36].

    إن الإنسان ما خُلِق عبثاً، وما أُمِر عبثاً، وما نُهِي عبثاً، ما أُمِر بالشرع عبثاً، وما نُهِي عن أمر عبثاً، بل كل أمر فيه حكمة، وكل ندب فيه حكمة، وكل زجر فيه حكمة، فمن سلَّم لحكمة الله أورثه ذلك وقاراً وهيبةً وإجلالاً لله، ولأجل ذا قال نوح عليه السلام لقومه لما وجد عنادهم وإصرارهم، ووجدهم يستغشون ثيابهم، ويضعون أصابعهم في آذانهم، ويصرون إصراراً، ويستكبرون استكباراً، جعل المعول في هذا كله أنهم لا يعرفون لله قدراً ووقاراً، فقال: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:13] لو كنتم تعظمون الرب حق التعظيم، وتجلونه حق الجلالة، وتخشونه حق الخشية، وتهابونه تمام الهيبة، وتراقبونه حق المراقبة، لأورث ذلك استجابة لأنبيائه ودعاته ورسله؛ ولكن لما غاب التعظيم والوقار فلا تسل عن ألوان المعاصي، ولأجل ذلك كان العلم الخشية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    كفى بخشية الله علماً: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] مَن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ولما جاء الثلاثة النفر إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته وكأنهم تقالُّوها، قال أحدهم: (وأين نحن من رسول الله وقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فلا آكل لحماً، وقال الآخر، لا أستظل ظلاً، وقال الآخر: لا أطأ فراشاً ولا ألتذ بنوم، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم غضب واحمر وجهه وخطب الناس وقال: ما بال أقوام يرغبون عن سنتي... إلى أن قال: أما إني لأَعْلَمُكُم بالله وأخشاكم له) فترتب الخشية على العلم.

    لذا حاجتنا أن نعلم لله عظيم وقاره وعظيم قدره: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67] .

    إننا بحاجة قبل أن ننذر العصاة وأن نذكرهم أن نعرفهم من هو الرب الذي عصوه! ومن هو الرب الذي خالفوا أمره! إذ أن من عصاك ولا يعرف قدرك لا يبالي بما استمر عليه من المعصية، فالحاجة ماسة إلى إنكار المنكر مع بيان عظمة الرب جل وعلا لهؤلاء الخلق جميعاً.

    نقول: إن الأصل في كل مسلم أن يقبل الحق مستجيباً له على أية حال.

    من نأى عن الكتاب لم يزدد إلا ضلالاً

    العجب أيها الأحبة! أنه يوجد من -ولعلهم أقل من البعض- من يعتقد أن المجتمع كافر، وأن النظام كافر، وأن الدولة كافرة، بحجة وجود بعض المعاصي والمنكرات والكبائر، وسيأتي الكلام على هذه المسألة.

    وقد وجدت شيئاً من هذا الضلال المبين لما كنت في سفر قبل شهر تقريباً في أمريكا ، فوجدت أناساً قد تخبطت بهم المناهج وضاعت بهم السبل؛ ولا غرابة! فمن طلب الحق بغير منهج أهل السنة والجماعة فقد ضل ضلالاً بعيداً مهما أعمل عقله وأجال فكره:

    نهاية إقدام العقول عقال     وآخر سعي العالمين ضلالُ

    وأرواحنا في وحشة من جسومنا     وغاية مسعانا أذىً ووبالُ

    ولم نستفِد من بحثنا طول عمرنا     سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

    وجدنا أقواماً ما قادهم طول البحث والحوار والجدال على منهج غير قويم إلىصراط مستقيم، بل قادهم إلى مزيد ضلال وبعد، ولا حول ولا وقوة إلا بالله!

    الأمر الآخر أيها الأحبة: نحن يا من نعيش في هذه السفينة ويهمنا شأنها، ونعلم أن هذه السفينة بحُكَّامها ودُعاتها وعلمائها وقادتها ونحن معهم فيها إن غرقت غرقنا جميعاً وإن نجت نجونا جميعاً، فالعاقل ينتبه إلى مثل هذه المسائل حتى يكون الإصلاح بطريقة تصلح لوحاً ولا تخرق أمراً، بطريقة ترد المنكر وتدفعه بغير أن يضطرب الطريق أو يتصارع الناس داخل السفينة.

    المنكر في كل زمان والمعروف كذلك

    هذه السفينة؛ ألا وهي مجتمعنا لا نتصوره مجتمعاً ملائكياً يخلو من الخطيئة والمعصية، إن من أراد مجتمعاً إسلامياً لا معصية فيه قد طلب مجتمعاً أفضل من مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا محال بكل حال، يقول صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فلا يمكن أن يأتي أحد ليجعل أو ليصنع من مجتمع خيرية تحاكي -فضلاً أن تكون أفضل- أو تضاهي مجتمع النبوة أو مجتمع الخلافة الراشدة، أو القرن الأول والثاني والثالث، ينبغي أن نفهم هذا تماماً، ولكن إذا علمنا أن صلاح المجتمع وصلاح أهل السفينة لا يعني بالضرورة سلامة أهلها من وقوع وحصول بعض المعاصي والمنكرات؛ إذ لو تأملت مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم لوجدت فيه من زنا فرجم، ومن زنا فجلد، ومن سرق فقطع، ومن زنت فرجمت، بل ومن خان خيانة عظمى، ومع ذلك فإن المنهج القرآني والمنهج الإسلامي الشرعي جاء ليحفظ لكلٍ حسناته؛ إذ أن السيئة لا تلغي الحسنات ولكن الحسنات تمحو السيئات، هذا أمر ينبغي أن نفهمه تماماً.

    على سبيل المثال: حاطب بن أبي بلتعة لما بعث بكتاب في قرن امرأة إلى قريش ليخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يصبِّحهم ويمسِّيهم، هذا في المصطلح السياسي المعاصر يسمى الخيانة الكبرى، إفشاء أسرار الجيش والدولة، حاطب بن أبي بلتعة قد أرسل مع ضعينة إلى أهل مكة رسالة تخبرهم أن النبي سيغزوهم، فجاء الوحي وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث علياً وآخر من الصحابة وقال: ستجدون الضعينة في مكان كذا خذوا منها الكتاب، فلما أسرعوا وجدُّوا في السير وبلغوها حيث وصف وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا لها: [أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتاب، فقالوا: لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لننزعن الثياب] فقامت فأخرجت كتاباً من ضفائرها، ثم جيء بـحاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن الخطاب شهيد المحراب، الإمام الأواب، الفاروق الذي يهابه الشيطان؛ يتطاير غيظاً وحنقاً على من فعل هذه الفعلة، فقال عمر رضي الله عنه: نافق يا رسول الله، فدعني أقطع رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا عمر ! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني قد غفرت لكم).

    انظروا إلى هذا العدل النبوي؛ تذكر حسنة عظيمة أمام سيئة عظيمة، حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وأرضاه من صحابة رسول الله أفشى أسرار الدولة، أفشى أسرار المصطفى صلى الله عليه وسلم، فجاء من يظن أن عقابه أن يقطع رأسه، ولكن من يتكلم بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى يتكلم بهدي مبين وشرع من عند رب العالمين، يذكر حسنته عند سيئته هذه، هذا هو المنطق وهذا هو الواجب، إذا أردنا أن نعاقب فعلينا أن نذكر الحسنات والسيئات، إذا أردنا أن نجازي فلنذكر الحسنات والسيئات، لا أن ننظر بعين مغضية عن السيئات أو بعين مسرفة في الحسنات أو العكس، لابد أن ننظر بعين متوازنة إلى مجتمعنا وإلى أفرادنا وأئمتنا وعلمائنا وقادتنا وحكامنا حتى نعرف مقدار الخير الذي نملكه وحجم الشر الذي نخشاه على ولاة أمرنا ومجتمعنا وأنفسنا.

    حاجتنا إلى المنهج القرآني العادل

    هذا العدل الرباني العظيم وإن كان هذا نوع استطراد عن موضوع المحاضرة لكن لا بأس؛ لأننا أيها الأحبة ربما أسرفنا شيئاً ما في بعض المواضيع فأسهبنا وتعمقنا في ذكر منكرات وسيئات ومعاصٍ ونسينا أن في مجتمعنا حسنات، وربما ابتلينا ببعض المنافقين والمداهنين الذين أخذوا يزيدون ويبالغون ويذكرون الحسنات حتى ظن بعض الناس أنه لا يوجد ولا يتصور أن يوجد على وجه الأرض مجتمع أفضل منا، أو يظن البعض أن صورة مجتمعنا هذه هي صورة شرعية مطابقة للكتاب والسنة عـلى درجة (100%) وهذا أمر لا يجوز، حاجتنا أن ننظر بعين العدل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135]، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

    حاجتنا أن ننظر بالمنهـج القـرآني، اقرأ مـن أول سورة آل عمران: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران:71].. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران:99].. هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ [آل عمران:66] خطاب وعتاب وكلام شديد على أهل الكتاب، ثم بعد ذلك يأتي قول الله: لَيْسُو سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران:113] انظر إلى هذا العدل القرآني حتى مع الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73] وقالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] وقالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] وانظر نفس العـدل وذات العدل من رب العالمين: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40].. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً [يونس:44]، وكمـا يقول ربنا عز وجل في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً) انظر هذا العدل حتى مع الذين قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] وحتى مع الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران:181] قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ أي: جبل من الذهب وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً [آل عمران:75] .

    نحن بحاجة إلى الوسطية والاعتدال في منهج الدعوة .. في الأمر .. في النهي .. في الإنكار .. في النصيحة .. في الموقف .. في كل شئوننا، وحينئذ نضمن بإذن الله سلامة سفينتنا، ومضي إبحارها على طريقة متواترة توصلها بإذن الله جل وعلا إلى بر الأمان وشاطئ السلامة.

    أيها الأحبة: أعود إلى أصل الموضوع لأقول: إن من يعتقد أن أهل السفينة ومجتمع السفينة ينبغي أن يكون مجتمعاً لا معصية فيه، أو لا يتصور أن توجد فيه الخطيئة فقد ضل ضلالاً بعيداً، ولو كان المقصود في الناس والحال التي عليها ولأجلها خلقوا أن يوجدوا على وتيرة لا معصية فيها ولا ذنب لَمَا كانت ثم فائدة عظيمة أو حاجة بليغة إلى آيات التوبة والاستغفار.

    الصحابي الذي جاءته امرأة وكان تماراً في المدينة وقد أعجب بجمالها فقالت المرأة وهي قد قدمت لشراء التمر: هل عندك تمر أجود من هذا؟ قال: نعم. في البيت أجود منه، فلما خلا بها في داره أو أغلق الباب وأوصده دونها كأنه مَسَّ شيئاً من جسدها، ولم يبلغ معها ما يوجب حداً، قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان الذي فسره في الحرم المدني، ولستُ أدري هل هذا مذكور في الأضواء أم لا، قال: لعله كان بينه وبينها شيء من الضمِّ أو التقبيل أو نحوه وأمر لا يوجب الحد، فلما حصل ما حصل ندم الرجل وعاد نادماً آيباً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم بذلك، فما لبث النبي حتى تغشاه الوحي وأنزل الله جل وعلا آية مدنية في سورة مكية في سورة هود: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    إن ذلك الصحابي يوم أن أذنب ذلك الذنب لم يُنْفَ من المجتمع، ولم يُصَنَّف مذنباً، ولاحظوا هذه المسألة الخطيرة التي بلي الناس بها في هذا الزمان عند أدنى ذنب أو خطيئة أو زلل أو خطل ونحوه فإنه سرعان ما يصنَّف ولا يُلْتَمَس له عذر، ما صُنِّف مذنب في عصر الصحابة ولا عصر النبي صلى الله عليه وسلم بل يقال: مخطئ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] .

    الناس واحد من ثلاثة:

    إما سابق بالخيرات.

    وإما مقتصد.

    وإما ظالم لنفسه.

    هكذا ينبغي أن ننظر في تعاملنا مع بعضنا ونحن في وسط هذه السفينة التي تمخر بنا عباب بحار مليئة بأمواج خطيرة ومتلاطمة.

    1.   

    حاجتنا إلى الحفاظ على أمن الأمة

    أيها الأحبة! وما دمنا قلنا إن هذه السفينة تعالج أخطاراً في داخلها، وتواجه أعاصير وأمواجاً من خارجها فإن سلامتها وأمانها واطمئنانها يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلكم سبب خيريتها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ [آل عمران:110].

    هذه الصفة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي سبيل الأمان للسفينة، هي سبيل دفع الأمواج عنها وحفظ أهل السفينة وإصلاح شأنهم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبيل اكتسابها الخيرية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من دلائل بل من أوضح سمات أهلها: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ [التوبة:71].

    إذاً: نحن بحاجة إلى أن نشعر بالمسئولية، المدرس بحاجة إلى أن يشعر بها، المعلمة بحاجة إلى أن تشعر بهذه المسئولية وأن تتحملها، وأن تنظر وتتأمل حجم الخطر، ولك أن تتأمل الشيء عند فقده، وإذا أردت أن تعرف قيمة نعمة الأمن التي أنت فيها، فتخيل أنك ذات ليلة تبيت بلا أمن فهل تجد طريقاً سابلة؟ هل تطمئن على دار؟ هل تطمئن على مال؟ هل تخرج من بيتك آمناً على أهلك؟ هل تظن مصالحك ماضية؟ هل وهل وهل ...؟ انظر كل أمر من أمورك منذ أن تبدأ الصباح إلى أن تنتهي، نريد أن نشعر بحجم المخاطر التي تكتنف هذه السفينة؛ إذ أن شعور الإنسان فرع عن تصوره، إن الذي لا يتصور شيئاً لا يشعر تجاهه بقليل ولا بكثير، لكن تصور الأمر حق التصور هو الذي يجعلك تقدره.

    خذ على سبيل المثال: أنك في انعدام أمن وخلل اقتصادي وسياسي، يؤذن للفجر فهل ستسمع الأذان أم لا؟! هل ستخرج إلى المسجد لتصلي مع الجماعة أم لا؟! وإذا خرجت هل ستأمن على أهل بيتك أم لا؟! وهل ستبيت متوسداً سلاحك أم لا؟! وهل ستجد من الذخيرة ما تكفي هذا السلاح أم لا؟!

    تخيل أنك خرجت من البيت معك سيارتك لو اختل الأمن ربما وجدت الوقود يوماً ويومين وثلاثة ثم تصبح سيارتك كقطعة من الأحجار، هل ستجد أن مصالح الناس في وظيفتك ووظائفهم مستمرة أم لا؟! هل ستجد أن الأرزاق التي تُجْلَب إلى بلادك ستصل أم لا؟! هل ستجد ما تطبخ وتنضج به هذه الأمور أم لا؟!

    يا إخوان! لما فوجئنا بانقطاع التيار الكهربائي قبل شهر تقريباً أو شهر ونصف، الناس ضاعت حيلهم، الطيب منهم من وجد شمعة يستضيء بها في دهاليز بيته المظلمة.

    إذاً ينبغي أن تعلم حجم المخاطر التي تكتنفك من كل جانب، وهذا يحملك مسئولية أن تحفظ بيضة الأمة، إن هناك مسئولية يشترك فيها الحاكم والأمراء والجنود والشرط والعسكر والعلماء والدعاة والعوام والرجال والنساء ألا وهي: مسئولية الوعي الأمني .. المحافظة على استراتيجية الأمن البعيدة حتى يستمر للناس استقرار دينهم وعبادتهم وصلاتهم وأذانهم وكثير من أحوالهم، فلو اختل على الناس شيء من هذا -لا حول ولا قوة إلا بالله، ومعاذ الله أن يكون ذلك- فلا تسَل عن هَلَكَة القوم وضيق أمورهم ومعاشهم وأرزاقهم.

    أقول: إذا شعرنا بحجم هذه المسألة وتصورنا حجم حاجتنا إلى ما نحن نرفل فيه وحاجتنا إلى استمراره، فإن ذلك يحملنا المسئولية إلى أن نتحمس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأجله، من دخل سوق خضار فوجد ألوان الأرزاق والخيرات والناقلات من جميع ثمار البلدان تُجبَى إلى بلدنا هذا فليعلم أن من أهم الأمور التي تضمن استمرار هذه الناقلات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أكبر أمر وأصغر أمر: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] لم يلبسوا إيمانهم بالشرك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ولا يمتنع أن يندرج في معنى الآية: الظلم بأنواعه، الظلم العظيم الكبير الذي جاء في معنى قول العبد الصالح: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] وظلم العباد بعضهم بعضاً بما ينالون من أعراض وأموال ودماء بعضهم البعض وظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات والكبائر والمنكرات.

    إذا أردنا مزيداً من الأمن والطمأنينة فعلينا بمزيد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    إذا أردنا مزيداً من تفجر الخيرات من وسط الأرض من بترول وذهب ومعادن: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ [الأعراف:96] فمزيد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    إذاً سلامة السفينة من فتنة في داخلها ومن أمواج تتلاطم حولها تكون بالعناية بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر.

    كيف تتحطم سفن مجتمعات تحطمت أو هي في سبيلها إلى التدهور والانهيار؟!

    أيها الأحبة إذا ترك الأمر والنهي تحطمت وضاعت السفن بل حلت اللعنة:

    لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78-79] لأجل أنهم تركوا صمام الأمان، وضيعوا مقود الهداية لهذه السفينة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حل بهم ما حل مما سمعناه وقرأناه.

    وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13].

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر:6-12] كثر الفساد، ولم يوجد الإنكار، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:13].

    وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل:112] قد يكون هذا من كفر الجحود وعدم شكر النعم، وربما استخدمت النعم في المعاصي فماذا كان؟ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    قال بعض العلماء: ذُكِر الجوع والخوف في معنى اللباس أي: فُصِّل عليهم الخوف كما تفصَّل الأكمام على الأيدي، والسراويلات على الأرجل، والثياب على الأبدان، فُصِّل الخوف تفصيلاً وفُصِّل الجوع تفصيلاً لما ترك أمان الأمة ونجاة السفينة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ولما عجبت عائشة رضي الله عنها كما في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يجر إزاره، وقد احمر وجه غضباً، قال: الله أكبر! ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ... إلخ الحديث، فقالت عائشة: يا رسول الله! أنَهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم. إذا كثر الخبث).

    والخبث هو: الزنا ودواعيه، الأفلام، المسلسلات، الأمور التي تجر إلى الاختلاط، الأمور التي تدعو إلى الفواحش، الأمور التي تدعو إلى المعاصي، كل هذه من الأمور الخطرة التي هي سبب هلاك الأمة.. سبب تحطم السفينة .. سبب قوة الأمواج التي تكسر هذه السفينة .. سبب اشتعال الفتن بين أهل السفينة في داخلها، وكما قلت لا يشترط أن تُكْسَر السفينة بموج أو عاصفة تجاه شعاب مرجانية تحطمها، بل ربما تحطمت السفينة وهي على بحر قد ركدت أمواجه؛ نتيجة فتنة وخلاف وشر مستطير بين أهلها ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    ويؤيد هذا المعنى قول الله جل وعلا: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [الأنعام:65].

    حينما تُغْرِق الأمة في المنكرات والمعاصي والضلالة فربما عُذِّبت وعوقبت بأن يضرب بعضها ببعض ويُلْبسوا شيعاً وفرقاً وجماعات شتى، ثم يضلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله ضلالاً بعيداً.

    إذاً: فانتشار المنكر، وشيوع الفاحشة وانحصار الخير، من أخطر الأمور التي تهدد الأمة، ليس فقط وجود المنكرات بل إذا وجدت في الأمة ضعفاً في الخير والدعوة والحماس للخير والبذل له فاعلم أنها على خطر؛ لأن القضية لا تقف عند حد معين: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:37] لا يوجد مرحلة بين المرحلتين ومنزلة بين المنزلتين كما عند المعتزلة ، لا. إما أن نتقدم في خير وربما إن لم نحقق التقدم في الخير ربما وقع الإنسان في تراجع إلى المنكر، ولا حول ولا قوة إلا بالله: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:37].

    1.   

    انتشار الخير وانحصار الشر دليل على البقاء

    أيها الأحبة: إن الخطر على سفينة المجتمع قد لا يكون بكثرة الشر، بل إن انحصار الخير أيضاً من المخاطر التي ربما كانت سبباً في حلول مزيد من الشرور والآثام، ولا تقف الأمور عند حد معين، فينبغي أن نعلم تماماً أن حاجة الأمة إلى المزيد والبذل والمواصلة والعطاء الدائم المستمر حتى وإن انخفض منحنى بذل الأمة ودعمها شيئاً لا بد أن يستمر، المهم ألا يتوقف الخير بأي حال من الأحوال، وهذا يعني أن الخير لا بد أن يظهر وأن يفشو.

    ومن علامات ظهور الخير وفشوه: نشاط جلي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وَجَدْتَ في الأمة نشاطاً جلياً واضحاً في الدعوة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاعلم أنها دلالة خير، وإن وَجَدْتَ الخير يخبو والإنكار ينتهي أو يقل أو يضمحل فاعلم أنها قرينة شر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    لذلك يقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في هذا المعنى في رسالته إلى واليه على المدينة، قال: [وليفشُ العلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً] إذا قَلَّ الخير واضمحل حتى أصبح رجل خير أو داعية خير لا يمكن أن يعلم أو يتعلم أو ينفع إلا سراً فهي دلالة شر، أما إذا كان الخير ظاهراً والعلم منتشراً وظاهراً فهي دلالة خير، وهذا مما يحمِّل الأمة مسئولية الإعلان بالخير في كل مكان، حتى ولو لم يجتمع لك إلا واحد أو اثنان أو ثلاثة، المهم أن تعلم أن الخير ممكن وميسَّر ومستمر.

    وعند هذه النقطة اسمحوا لي أن أعاتب بعض الذين قد نسجت العناكب على عيونهم وعقولهم خيوطاً، وكبَّلتهم عن التفكير، وقعدت بهم عن المضي في الدعوة إلى الله جل وعلا بحجة أنهم يخافون، إني أعلم أن أناساً يخافون من الدعوة إلى الله، والانتماء إليها، والانخراط في سلك الدعوة والعلماء والدعاة، ومناصحة الناس، ومخالطة الولاة، ومناصحة كل بقدر ما يحتاج، والثناء على كل بقدر ما يستحق، أناس يخشون من هذا ويهابونه هيبة عظيمة؛ لماذا؟ بحجة أنه خائف، ما الذي عندك؟ الله أعلم!

    إني أعجب من أناس ربما بعضهم لم يكتفِ بأن ينأى بل نهى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [الأنعام:26].في منطقة من المناطق شكى عدد من الشباب أن آباءهم يمنعونهم من الدعوة إلى الله والمشاركة فيها، والاشتراك في بذل الخير؛ سواء كان توزيع شريط أو طباعة كتاب أو اشتغال بأمر من أمور الدعوة، فإذا خاطب الشباب آباءهم وقالوا: لماذا تمنعوننا؟ قالوا: نخاف عليكم.

    مم تخافون عليهم؟! هل في مراقدهم طائرات؟! وهل في وسائدهم متفجرات؟! وهل في مطابخهم بارجات ومدمرات؟! أمر عجيب جداً من أناس يخافون من الخير وهم لم يفعلوا للخير خطوة واحدة، يا أخي! مم تخشَ منه؟! هل قيل لك: وزع شريطاً ممنوعاً؟! إن الذي يتبنى توزيع الأشرطة الممنوعة لَهُوَ على خطأ كبير جداً، لكن عندك آلاف الأشرطة المسموحة، اشتغل وانشط، وامضِ وصِلْ، وأعطِ ووزع وانشر منها ما استطعت من خير فهذا من ضمانات وروافد استمرار الدعوة إلى الله جل وعلا، الكتاب الذي توزعه هل طبع في مطبعة يهودية أو مطبعة بعثية أو ضالة، طبع في بلاد مسلمة تحت رقم وتصريح من وزارة الإعلام، هل تتصور أن يوجد تناقض بأن الوزارة تسمح بطبعه ثم يُمْنَع من توزيعه، لا يمكن أن يُتَصَوَّر مثل هذا التناقض.

    إذاً: فمن واجبك أن تنشط في الدعوة إلى الله، ولا تخشَ شيئاً، ولا تهب من قليل ولا كثير، إنك تعجب من بعض الشباب إذا كلمته قال: أنا مراقَب، وقلتُ هذا مراراً في أكثر من محاضرة، يا فلان ادعُ إلى الله، يا فلان أعطِ جارك شريطاً، يا فلان أعطِ طلابك شيئاً ينتفعون به، يا فلان إذا جاءك أقاربك وزع عليهم من الكتيبات والأشرطة، قال: أنا أخشى أن أراقَب، وممن تراقَب؟ ثم ماذا يعني؟ افترض أن ما تَوَهَّمْتَه صحيح:

    إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه     وصدَّق ما يعتاده من توهُّمِ

    هب أنك مراقَب، ثم ماذا؟ الحمد لله أنك مراقب، وأن صفحتك بيضاء.

    يا أخي الكريم، ويا إخوتي الأفاضل، ينبغي أن نمارس الدعوة كما نشرب الماء يوم (1) شوال، هل يجوز لأحد أن يصوم يوم العيد؟ لا. ينبغي أن تمارس العمل الدعوي كما تمارس شرب الماء في نهار (1) شوال، في نهار يوم العيد لا بد أن نلغي عن أنفسنا عقدة الخوف من الدعوة إلى الله جل وعلا، وإن كثيراً يملكون قدرة على الخطابة، ومواهب شعرية، وأقلاماً نثرية، وكلمات جيدة، وأساليب نافعة، وحوارات مقنعة، وخيراً كثيراً ينفع في الهداية والدعوة، ولكن تبقى العقدة: أخاف وأخشى و.. و.. إلى آخره.

    يا أخي! مِمَّ تخش، اتقِ الله وتحرك وانفع هذه الأمة التي هي بحاجة إليك في الداخل وفي الخارج.

    كذلك أيها الأحبة حينما تترك الأمةُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها على خطر عظيم، ولأجل ذا تتضح مثل هذه المعاني في قوله تعالى: فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116] إلى أن قال ربنا جل وعلا: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] نريد السلامة والأمن والطمأنينة والنعم والخيرات والنجاة من الهلكات والدركات؟ الأمر بالمعروف، الإصلاح، الدعوة بأساليبها وضوابطها.

    1.   

    المنكرات التي تعيشها المجتمعات

    ثم إن المجتمعات في هذه السفينة:

    فيها منكر خفي.

    وفيها منكر جلي.

    فأما المنكرات الخفية :-

    فهي ما يفعله الناس سراً، فلا يجوز لأحد أن يتلصص على أحد، بل لو علمتَ وأنت من سائر الناس رجلاً يستتر بمعصية من المعاصي فإن المشروع لك أن تناصحه ما استطعت في ذلك سراً، إلا إذا جاهر أو جعل من بيته وكراً ومركزاً لتصدير الفساد وتجميعه فحينئذ أصبح من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فالواجب إبلاغ المسئولين أو الهيئات عنه.

    المنكرات الخفية شيء والمنكرات الظاهرة شيء.

    أخطر ما يواجه السفينة المنكرات العلنية الظاهرة، إذ أن فعل أصحابها لها دون خوف من الله ولا حياء من خلقه وسكوت الباقين عنها أمر خطير، قال ربنا جل وعلا: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] في الظلم الجلي، في المنكرات الواضحة، إلا إذا كان في الأمة من يناصح، فحينئذ يدفع الله البلاء عن الأمة بفضل منه ومِنَّة، ثم بغيرة وإنكار أهل الغيرة.

    بوب الإمام مالك رحمه الله في الموطأ : باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، وذكر أثراً عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قال فيه: [إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمِل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم] ويؤيد ذلك بل دليله حديث النبي صلى الله عليه وسلم الـذي هو عند الترمذي ، والإمام أحمد، عن حذيفة بن اليمان قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).

    أيها الأحبة: هذه من المصائب الخطيرة التي تنذر بهلاك السفينة حينما يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإننا في هذا المقام لنسجل بكل فخر واعتزاز أن بلادنا هذه هي البلاد الوحيدة التي بها جهاز مسئول رئيسه برتبة وزير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحاجتنا أن ندعمه وأن نؤيده بالتسديد والنصيحة والرأي والفكرة، ولا يعني ذلك حينما يوجد جهاز أن المنكر انتهى، لا. يوجد جهاز فيه خير كثير، ويوجد منكر نخشى منه شراً مستطيراً، ولكن واجبنا أن نثني على هذا وأن ندعمه ونؤيده ونسدده، ونجتهد في مناصحة أهل المنكر حتى تسلم الأمة من غوائل هذه المنكرات وسوء مغبة أمورها.

    أود أن أختصر هذه البقية حتى يكود باقي الوقت للأسئلة.

    أيها الأحبة: إن التساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطير جداً جداً، ويورث في الأمة البطالة والفساد والانحراف، وانتشار أمراض اجتماعية، وأحقاد وحسد وتباغض وتنابذ، وأمور لا تُحمد عاقبتها، لماذا؟

    لأن الناس إذا تركوا إنكار المنكر، معنى ذلك أنهم قد رضوا بواقعهم، إذا رأيت من لا يرضى أن يُنْكَر منكراً ولا يتكلم عن منكر؛ فاعلم أنه قد رضي بواقعه رضىً لا يَوَدُّ أن يغير من حاله، نعم كونك ترضى عن نفسك وترجو المزيد هذا شيء؛ لكن الرضا الذي ليس بعده شيء ولا تتوقع أنه يمكن أن تحقق شيئاً أفضل منه هذا هو الخطر.

    إذاً: فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطر، أو نذير شؤم أن يرضى الناس وأن يطمئنوا بما عندهم، وأن يسكتوا عن إنكار منكرات مختلفة.

    أما بقية المسائل فلعلها لمحاضرة قادمة، ألا وهي فيما يتعلق بمراتب الإنكار، ووسائل الإنكار، ومقاصد الإنكار، وحقوق المنكرين، أو حقوق المحتسبة القائمين على مثل هذا، ومعوقات في هذا الطريق، لعل أن يكون نصيبها في محاضرة أخرى بإذن الله تعالى.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    بيان لابن باز بشأن البدع

    عفواً! فضيلة الشيخ/ محمد بن إبراهيم الشعلان طلب مني قراءة هذه الرسالة من سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارات البحوث العلمية والإفتاء سماحة الوالد الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز متع الله به على طاعته.

    الحمد لله رب العالمين.

    والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد اطلعتُ على نشرة مصدَّرة بما نصه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي ! لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء، وهي:

    قراءة القرآن كله.

    والتصدق بأربعة آلاف درهم.

    وزيارة الكعبة.

    -هذه وصية مكذوبة وخرافة من الخرافات التي يرددها ويروجها بعض الضلال والجهلة والمساكين والسذج والبسطاء، فأرسل سماحة الشيخ رسالة للتحذير من هذا وهي: يا علي ! لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء:

    قراءة القرآن.

    والتصدق بأربعة آلاف درهم.

    وزيارة الكعبة.

    وحفظ مكانك في الجنة.

    وإرضاء الخصوم.

    إلى آخر ما تضمنته النشرة.

    يقول سماحة الشيخ: ولكون ما تضمنته هذه النشرة لم يرد في كتاب من كتب الحديث المعتمدة بل هو من الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص بعض أهل العلم رحمهم الله على أن الوصايا المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى بها علياً وكل ما صدر بياء النداء من الرسول لـعلي كلها موضوعة، ما عدا قوله صلى الله عليه وسلم: (يا علي ! أنت مني بمنـزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي).

    وممن نصَّ على ذلك الشيخ/ ملا علي القاري في كتاب الأسرار المرفوعة بالأخبار الموضوعة المعروف بـالموضوعات الكبرى، والشيخ/ إسماعيل العجلوني في كتابه كشف الخفاء ومزيل الإلباس.

    ولذلك فإني أحذر إخواني المسلمين من الاغترار بهذا الحديث وأمثاله من الأخبار الموضوعة، أو العمل على طبعها، أو نشرها بين المسلمين؛ لما في ذلك من تضليل العامة والتلبيس عليهم، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وُعِدَ المتعمد له بالوعيد العظيم، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على غيري، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

    وقال: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).

    وفي الأخبار الصحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمدونة في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح، والسنن، والمسانيد غنية لمن وفقه الله إلى الخير عن اللجوء إلى أخبار الكذابين والوضاعين -يعني: فيما صح من السنة غنية عن الأحاديث الموضوعة وغيرها-.

    أسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع والعلم الصالح، ويجنب الجميع طرق الضلال والانحراف إنه سميع قريب.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مفتي عام المملكة العربية السعودية.

    1.   

    الأسئلة

    طلب تسجيل النونية على شريط

    السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخبرك أني أحبك في الله. أما بعد:

    فقد سمعت لك محاضرة بعنوان: (دار المتقين) وذكرت أبياتاً من نونية ابن القيم رحمه الله وكانت مؤثرة جداً فحبذا لو كانت النونية كاملة بصوتك يا شيخ، وأسأل الله أن ينفعنا وإياك بها وجزاك الله خيراً؟

    الجواب: لعل الله يسهل اختيار شيءٍ من أبيات النونية وتُسَجَّل في شريط، أسأل الله أن ينفع بها قائلها وسامعها.

    علاج إطلاق البصر

    السؤال: إيماني ينقص، وذلك أنني أطلق بصري في النظر إلى النساء، رغم أنني متزوج فما هو الحل؟

    الجواب: الحل جلي وهو أن تكف عن هذا المنكر: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30]، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] غض البصر أمر مطلوب من الرجال والنساء على حد سواء:

    وكنتَ متى أرسلت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعَبَتْكَ المناظرُ

    رأيتَ الذي لا كله أنت قـادر     عليه ولا عن بعضه أنتَ صابرُ

    إطلاق البصر أمر يمرض القلب ويجعل الإنسان في وحشة وقسوة، حتى إذا صلى لم يجد لذة لآية، ولذلك قال ابن المبارك : [واترك فضول النظر توفق إلى الخشوع].

    الصلاح والفساد في كل زمان ومكان

    السؤال: يؤسفني أن أقول: إنني خرجت من المحاضرة بشعور أن مجتمعنا جيد وأنه أفضل الموجود، ووقوع المعاصي فيه أمر طبيعي، فالمحاضرة شدَّدَت كثيراً على وجود الصلاح، ولم تبيِّن مثل ذلك عند الفساد، فأين العدل في المحاضرة؟

    الجواب: أظن أن هذا الشعور لا يولد الإنكار والأمر بالمعروف، وكما أظن أنه من الأفضل أن نوازن في ذلك كما طلبتَ، ولو أن صاحبنا انتظر حتى تنتهي المحاضرة لسمع العدل الذي يرجوه.

    لا تعجلن بـرد شيء     لم تحط علماً به

    هذه من المشكلات التي ربما واجهتنا من بعض أحبابنا وإخواننا، وإني أدعوكم أن تؤمنوا: أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، وأن يوفقه، وأن يصلح قلبي وقلبه، من واجبنا أن لا نحمل في قلوبنا على أحد؛ لكن عند بعض الشباب مشكلة، إن لم تبدأ (بشرشحة) المجتمع على الطريقة التفصيلية وإلا فلن يطرب لنغمة أنت تعزف عليها، لا، إن حاجة الأمة أن تنظر بميزان عدل كما قلنا، ولو خرج كل مَن في المحاضرة ولم يبقَ إلا واحدٌ فإن هذا المنهج أُدِيْنُ لله جل وعلا به، وأتعبد الله به، وعرفته من سماحة الشيخ ابن باز ولن يغيره أن يخرج واحد.

    والحمد لله أنه لم يخرج من المحاضرة إلا واحدٌ وبقية أهل المسجد جالسون مستمعون فهي شهادة ممن بقي، وأسأل الله أن يرد من خرج ثانية.

    دعم أهل الباطل لباطلهم وتقاعس المسلمين عن حقهم

    السؤال: إن الدعم المستمر من أصحاب المصانع والشركات في أمريكا وأوروبا لليهود، وإن أحدهم يقوم بشراء قطعة أرض لإقامة كنيسة وغير ذلك، لكن هنا مع الأسف أصحاب الشركات والمصانع لا يقدمون إلا القليل، وفي مناسبات معينة؟

    الجواب: على أية حال: البذل في سبيل الدعوة ونشر الخير من الأمور المهمة ومن واجبات المسلمين، وليس هذا تفضلاً منهم بل هو مما أوجب الله عليهم، لكن من حُرِمَ ولا حول ولا قوة إلا بالله فإنما يجمع أرقماً في رصيده.

    أنت حينما تناقش رجلاً من الأثرياء يملك عشرة ملايين، أو عشرين مليوناً، أظن لو نقصت مليون ما غيَّرَتْ من ملابسه ولا من سيارته ولا من طعامه ولا من شرابه، القضية هو اختلاف الأرقام في الرصيد، وطباعة كشف الحساب الدوري بصيغة جديدة لا أقل ولا أكثر، كما قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268].

    إننا بحاجة إلى أن نواصل الزيارة والمقابلة لأصحاب الأموال والمؤسسات والشركات لنقول لهم: إن الريالات التي تملكونها لو أنفقتم الكثير منها أو شيئاً منها ليس بالكثير لغيرتم، بل إن بعض المسلمين لو أنفق زكاته لأحدثت انقلابات في دول مختلفة.

    أنا أعلم أن بعض البلدان التي يؤذى فيها المسلمون لو صُرِف إليها زكاة واحد من التجار الذين يعدُّون لغيرت الأحوال بإذن الله فيها، لا أقول الأمور كلها؛ إذ الأموال ليست كل شيء، الرجال هم العملة النادرة الصعبة التي نحتاج إليها في كل مكان.

    لأجل ذلك حينما يدبر بعض أصحاب المؤسسات إلى شراء القصور وشراء الاستراحات أو إلى أماكن مختلفة في أوروبا وغيرها ويعرضون عن المشاركة في الجهاد أو الدعم فليس هذا يعني أن ننتقدهم بل ننتقد هذا الفعل؛ الإعراض عن البذل في الخير منتقد، ولكن الخطوة التي هي أهم أن نواصلهم بالزيارة والعطاء.

    والشيء بالشيء يُذكر: حدثني أحد الإخوة عن رجل ممن يسمونهم مِلْتِيْمِلْيونير، قال: إنه ذهب إلى مدير أعماله وقال: إنك تعلم أن فلاناً قد جاوز السبعين، وأعمار الأمة بين الستين إلى السبعين فانصح فلاناً أن يجعل ربع أو ثلث ماله في مكافحة التنصير، فهذا ينفعه، أما إن مات فيقتسمه أربعة أو خمسة من الورثة، وقد جمع مالاً يحاسب عليه ولم يوصِ بشيء منه لله ورسوله، فضحك مدير أعماله وقال: عساه أن يقوم بأدنى الواجبات فضلاً عن أن يقبل بهذا كله.

    على أية حال: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:3] لعل الله أن يهديه، لعل الله سبحانه وتعالى يمنُّ عليه في آخر حياته -والأعمال بالخواتيم- فيوصي بشيء من هذه الأموال في سبيل الله جل وعلا.

    إذا أردت يا أخي الحبيب أن تعرف أهمية وخطورة أموال المسلمين وأثرها في مجتمعات لو سُخِّرت الأموال فيها لنفعت خذ الدليل الإحصائي السنوي لمؤسسة النقد العربي السعودي، اجمع ودائع البنوك، واضربها في اثنين ونصف في الزكاة، وانظر كم يطلع عندك من مليار، لو صُرِفَت المليارات على الفقراء في الداخل والخارج لما بقي في الداخل فقيراً ولا محتاجاً.

    صرف بطاقات فورية من بنوك ربوية

    السؤال: فضيلة الشيخ: أشهد الله على محبتكم فيه، ما رأيكم في من فتح حساباً في شركة الراجحي المصرفية، وأخذ بطاقة صرف فورية، فهل في صرفه من أي بنك آخر إثمٌ أم لا؟ والله يحفظكم.

    الجواب: الذي يظهر إن شاء الله أن ليس في هذا حرج.

    فشو الشرك في العالم الإسلامي

    السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحياناً يا فضيلة الشيخ! تتكلم عن الدول الإسلامية غير المملكة وكأنها لا يوجد فيها توحيد، وأن التوحيد تفرد به أهل هذه البلاد، وهذا يغضب بعض الإخوة الأفاضل من البلاد الأخرى، وأدعو الله تعالى أن لا تفهم كلامي فهماً خاطئاً، فإني والله أحبك في الله، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هناك بلاداً فيها صحوة طيبة ودعوة إلى التوحيد والإسلام؟

    الجواب: يا أخي الكريم! لو لم نعتقد ونتيقن ونعلم أن في كثير من البلدان صحوة سلفية صحيحة مسدَّدة راشدة لما سافرنا وقابلنا وزرنا وتعاونا مع أحبابنا.

    نحن نعلم في كثير من البلدان مثلما تقول من الخير والصواب والهدى؛ لكن نحن ننتقد ما يوجد من الشرك الواضح الصراح فيها؛ لكن حينما نذكر شركاً موجوداً أو كفراً بواحاً هل يعني ذلك أن ننكر وجود طائفة على منهج سليم وصراط مستقيم؟! لا وألف لا، بل نعلم أن في كثير من البلدان من العلماء والدعاة والأبرار والأخيار من نحسبهم ولا نزكي على الله أحداً من ذوي الخير وأهل الخير والدعاة إليه.

    حكم من يرغم زوجته على التبرج

    السؤال: رجل تزوج منذ زمن من امرأة تخاف الله وملتزمة بأوامره، وما كان منه إلا أن أمرها بصفات منها: أن تظهر بعض جمالها! أرجو التوجيه وشكراً!

    الجواب: كان عليه أن يخوفها بالله جل وعلا، وأن يكثر من ذلك وأن يبين لها أن ما كانت سبباً فيه بفتنة شاب من الشباب أو ضلالته أو وقوعه في الفاحشة فربما لَحِقَها إثم ووزر بسبب ذلك و(من دعا إلى ضلالة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).

    هيئة الحجاب الشرعي

    السؤال: وهذا يسأل عن النقاب الذي انتشر بين بعض النساء هداهن الله؟

    الجواب: بالنسبة لمسألة النقاب فالمسألة مرتبطة بالمقاصد: إذا كان مقصد المرأة أن تبصر بوضوح فلها أن تفتح شيئاً يسيراً بقدر بؤبؤ العين أو حدقتها، لا بقدر ما يبين رمشاً وجفناً وحاجباً وشيئاً من الخد والأنف والجبين فهذا ليس بنقاب بل هذا فتنة والعياذ بالله، تحدٍّ، بل استفزاز -بالعبارة الصريحة- لبعض الضعفاء والمساكين.

    وربما يكفي في النقاب أن تخرج عيناً واحدة، لا يلزم أن تخرج الثنتين جميعاً، أما ما يفعله كثير من النساء الآن وللأسف أنك تجد بعضهن مع زوج فيه خير وصلاح، لكن قد بدا من أعلى الحاجب إلى أدنى الخد شيء كثير، فهذا فتنة وعليها وعلى زوجها أن يتقيا الله جل وعلا.

    سفينة بدشوش تغرق

    السؤال: ما رأيكم في السفينة التي فيها دشوش؟

    الجواب: يبدو أن أصحاب السفينة يتفرجون يا أخي، إذا كانت هذه السفينة فيها دشوش!

    على أية حال: الله المستعان!

    يا أخي الكريم: هناك مخاطر، لا شك أن هذا الدش خطر عظيم، لن نمر عليه مرور الكرام حتى نتساهل به أو نظن أنه يسير؛ بل منذ يومين فقط جاءني شاب وأخبرني بقصة آلمتني وهي: أن شاباً وقع على أخته بسبب مثل هذه الدشوش، وطلب مني أن أفصلها في خطبة جمعة، قلت: اعذرني من مثل هذا الكلام، فإنه لا يقال بالتفصيل على منبر جمعة؛ لكن يذكر مغبة مثل هذا الأمر.

    آخر يذكر عن أخت صغيرة له، أنها تعمل حركات خليعة، فلما سئلت إذ بها لا تعلم ما تفعل، وإنما قالت: رأيت في القناة الفلانية.

    نعم، هذه الدشوش قد فتحت الشر على الناس من أبوابه.

    فنسأل الله أن يجنبنا شرها، وعلينا أن نناصح من رأيناه قد ركبها، وإن احتج بالأخبار فهناك أجهزة الإذاعة والراديو تأتي بالأخبار، ثم ماذا إذا علمت الأخبار؟!

    بعض الناس يقول: أنا والله ما عندي وما لي حاجة في الصور، لو سلمنا أنك صادق فيما تدعي وتزعم؛ ماذا وراء الأخبار؟! هل تخرج قوات الأمم المتحدة من الصومال؟! هل تتدخل في مفاوضات السلام في البوسنة؟! هل تغير شيئاً من الأوضاع في كمبوديا ؟! تسمع من الأخبار ثم تعود إلى فراشك كالفرخ المضروب، ما عندك أي حس، ما عندك أي قدرة أن تفعل شيئاً.

    فإذاً الأخبار التي تهمك أخبار المسلمين، ينبغي عليك أن تدعو لهم، وأن تبذل لهم، أما هذا الهراء الذي يدعيه بعض الناس، نعم قد أستثني أناساً ربما في دوائر عسكرية وسياسية في مركز العمل نفسه، ضرورة العمل الأمني تستدعي أن يعرفوا ماذا عند الدول الأخرى، ماذا تقول أخبار الدول الأخرى، ماذا تقول إذاعات الدول الأخرى، استراتيجيات وأعمال أمنية للمختصين أن يفعلوا بهذا؛ لكن أن يوجد هذا عند الناس جميعاً، بل ويتباهى بعضهم بدشين وثلاثة وأربعة، وبعضهم إذا قلت له، قال: يا أخي! أنت تفكر بعقلية العصر المتخلف، لماذا لا تقنعنا بأن نأتي بالبديل الذي نقنع به الغرب ويسلمون، ما هذا الكلام الفارغ، أنت ما استطعت أن تعبئ الإعلام تعبئة كاملة في دول إسلامية فضلاً عن أن تجادل الغرب بأمور تصرفهم عن خطوات بل عن سنين تقدموا فيها هناك، نحن بحاجة أن نكون موضوعيين في مثل هذه القضية، والسفينة فيها دشوش، وفيها ما هو شر من الدشوش، وفيها خير كثير، نسأل الله أن يكثر الخير وأن يزيده وأن يمحو الشر وأن يبعده.

    هجران من يمتلك دشاً

    السؤال: لي قريب قد ركب على سطح داره دشاً، ولقد حاولت نصحه ولكن دون فائدة، فقررت قطعه من الزيارة، وأنا منذ ركبه لم أزره، فما رأي فضيلتكم جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذا يرتبط بالمصلحة، إذا رأيت أن قطيعته تجدي وتنفع بإذن الله فأنت محق، محمودٌ فعلُك في قطيعته، وإذا رأيت أن قطيعته ربما أحدثت له زيادة دشوش أخرى بل ترويج أو نشر أو زيادة فعليك أن تنكر ما ترى من فعله وأن تستمر في مناصحته بالخير الذي تستطيعه: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20] ، إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7].

    وفضيلة الشيخ يؤشر أن الوقت انتهى. فنكتفي بهذا.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر الشرك والمشركين، وأن يؤمِّنَنا في دورنا، وأن يصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأن يجمع شملنا وحكامنا ودعاتنا وعلماءنا، وألا يفرح علينا عدواً، ولا يشمت بنا حاسداً.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.