إسلام ويب

حقوق ولاة الأمرللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا الدرس تحدث الشيخ عن مسألة التبعية وشرعية الحاكم والنظام في المملكة، مبيناً بعض الحقوق الخاصة بولاة الأمور الذين لم يحدثوا كفراً بواحاً وإنما جاروا وظلموا، وموقف أهل السنة من الخروج على الحكام الظلمة الفجرة.

    1.   

    ضرورة الكلام عن حقوق ولاة الأمر

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أحمد الله سبحانه وتعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله؛ على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، ومن بين هذه النعم العظيمة اجتماعنا في بيت من بيوت الله، نتلو كلام الله، ونتدارس سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

    أحبابنا! موضوعنا اليوم يحتاج إلى العلم أكثر من العاطفة، ويحتاج إلى النقل أكثر من الاجتهاد، ويحتاج إلى الفهم والوعي أكثر من غير ذلك، والكلام عن حقوق ولاة الأمر فرع عن أصل اعتقاد لزوم البيعة وشرعية الحاكم والنظام، وليست هذه المسألة محل شك أو نزاع حتى نطرح تفصيلها، أي أن مسألة استقرار البيعة وشرعية الحاكم والنظام في هذه البلاد مسألة لا تحتاج إلى نصب كثير من الأدلة أو إقامة عدد من الحجج والبراهين، فأراها جلية واضحة لمن سلمه الله من الهوى ونفعه بعلمه وعقله.

    لكننا حينما نقول: إن هذه المسألة فرع عن اعتقاد لزوم البيعة؛ لأنه لا قيمة للحديث عن حقوق ولاة الأمر إلا إذا كنا نرى ونعتقد أن هؤلاء الولاة لهم في أعناقنا بيعة، وحكمهم ونظامهم شرعي يجب الإذعان والسمع والانقياد له ويحرم الخروج عليه، ومن كان يرى غير ذلك؛ فإنا نبرأ إلى الله من قوله، بل نبرأ إلى الله من كل قول ينص أو يفضي إلى عدم القول بشرعية هذا النظام ولزوم طاعته.

    أيها الأحبة! لا أعرف أن من منهج أهل السنة والجماعة أن يمتحن الناس في مسألة البيعة، بمعنى: أن نفترض الشك في آحاد الناس أو أعيانهم أو أفرادهم ثم نأتي لنمتحن كل واحد فنقول له: ما رأيك في هذه القضية وما قولك في هذه المسألة؟ لا أعلم ولا أعرف أن من منهج أهل السنة والجماعة أن يمتحن الناس في مسألة البيعة، خاصة وقد تواطأت مقاصد الشريعة وقول أهل الحل والعقد ومصالح الناس، واستقرت الأحوال على هذه البيعة، بل الذي أرى أن النزاع حول هذه القضية وأن امتحان الناس فيها هو كالتشكيك في نسب الأبناء إلى الآباء؛ لأنها قضية واضحة المعالم في لزومها وثبوتها فلا تحتاج إلى امتحان، وكما قال الشاعر:

    وليس يصح في الأذهان شـيء     إذا احتاج النهار إلى دليل

    أيها الأحبة! ومع ذلك فلا بأس أن يتكلم في هذا الأمر إذا اتهم أحد بالقول بضده دفعاً للريبة، ولا بأس أن يتكلم فيه من يخشى أن يتهمه الناس بضده، والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما، إنها صفية) إذ فيه مشروعية القول والفعل إذا وقعت الريبة في شخص بأمر هو منه بريء، أو خشي أن تحوم حوله ريبة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خشيت أن يقذف الشيطان في قلبيكما أمراً) فحينئذ لا بأس بطرح هذا الأمر لتندفع هذه الريبة.

    وقد يطرح هذا الأمر أيضاً لا من باب دفع الريب القائمة أو المتوقعة وإنما من باب تقرير هذا الأمر والتحذير من الشبهات الواردة حوله، وهو أصل مهم قبل حلولها أو تفاقمها وتناقلها بين الطغام والجهلة والعوام، وليس هذا بغريب، فقد ورد تقرير توحيد الله عز وجل، وورد التحذير من الشرك ودفع الذرائع الموصلة إليه، وأمر التوحيد أهم من هذه القضية، لكن الأمر إذا كان مهماً احتاج أيضاً أن يكرر وأن يقرر وأن يؤكد وأن يبدأ فيه ويعاد، فدل على أن الأصول المهمة حتى مع القول بالتسليم بها وعدم قبول النزاع فيها إلا أن ورود التأكيد عليها والتحذير مما يعارضها أمر مشروع، ولأجل ذلك نطرح هذه القضية ولهذا السبب: وهو أهمية هذه القضية وضرورة التأكيد عليها.

    أسباب الهروب من الكلام عن حقوق ولاة الأمر

    ليس من الصواب أن نطرح القضايا والأمور الصغيرة بكل وضوح وحماس وجرأة، ثم نغفل أو ننسى الحديث عن هذه القضية الكبيرة والمهمة والخطيرة، فهذا الموضوع نادر ما يطرح، والسبب في نظري: لا يعود إلى نزاع فيه أو تشكيك، فهو مسألة محسومة بل هي من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة ، وإنما السبب هو الهيبة من طرح هذا الأمر، والنظر إلى كبار العلماء أن يطرحوه وحدهم دون غيرهم؛ ليؤكدوا على أهميته حتى لا تصبح هذه القضية على لسان كل مرشد أو واعظ قد لا يحسن عرضها أو دفع الشبهات الواردة حولها، ولكن لما انتقلت عدوى مناهج التكفير والخوارج بات لزاماً على كل داعية يأنس في نفسه القدرة والبيان أن يطرح هذا الأمر حسبة وقربة وعبادة لله، مع عدم اتهام الآخرين بالسوء لأنهم لم يطرحوه؛ لأن العبرة في طرحه بالقدرة عليه؛ ولأنه ليس من الأصل أن يمتحن الناس فيه كما قلت آنفاً.

    أما الذين يتهمون إخوانهم ممن يطرحون هذا الأمر بالرجعية أو المداهنة أو النفاق والتزلف، فنقول لهؤلاء: إن كنتم تجهلون هذا الأمر ومنزلته من الدين فتعلّموا، وإن كنتم ترون ضد ذلك؛ فإلى الله نبرأ مما تقولون، وإن كنتم ترون هذا الأمر لكن لا تحبون الحديث فيه؛ فهذا هو الهوى فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50] وإلا فبمَ نفسر كراهية الحديث عن هذا الأمر مع الإيمان والإقرار به؟ لا نفسر كراهية الحديث حول هذا الموضوع إلا بالهوى، وصاحب الهوى في مثل هذه الحال لا يرد النصوص الثابتة في هذا الأمر حتى نقول: إنه من المكفرين الذين لا يرون هذه المسألة، لكنه لا يستجيب لمقتضى هذه النصوص ولا يحب الحديث حولها، فهو كمن لا يشك في نسبته إلى والده لكن لا يريد أن يلتزم بحقوق والده عليه، فلم يبق لهذا تفسير إلا الهوى الذي حذر الله عز وجل منه.

    1.   

    أثر الهوى في الموقف من ولاة الأمر

    والهوى -أيها الأحبة- مستحكم في هذا الزمان، وأضرب لذلك أمثلة رأيتها رأي العيان وناظرت وحاورت وجادلت وناقشت فيها كثيراً من أهل الهوى، وسأضرب مثالاً أو اثنين على ثبوت الهوى والأعراض عن العقل والدليل حينما ترد بعض المسائل الخطيرة والكبيرة.

    أثر الهوى في إطراء الجماعات الإسلامية

    فأول ذلك خذ على سبيل المثال: ماذا يقول أهل الهوى عن الجماعات الإسلامية المباركة الصالحة الموفقة التي عندها خير كثير؟ فلا نلغي جهودها ولا ندعي لها العصمة والصواب في كل أفعالها، ماذا يقول أهل الهوى عن الجماعات الإسلامية في الخارج؟ لو استطاعوا أن يحكموا بلدانهم ليحولوا أوضاعها إلى ما نحن فيه وعليه اليوم في هذه البلاد، ماذا سيقول أهل الأهواء عن إنجاز الجماعات الإسلامية هذه؟ يوشكوا أن يقولوا: إنها خلافة راشدة عادت من جديد، ولن يقبلوا من أحد صرفاً ولا عدلاً إلا بالقول بشرعية نظامهم وكيانهم هذا، لكن أهل الأهواء لا يرون هذا الإنجاز في هذه البلاد خيراً كثيراً ينبغي المحافظة عليه، وحكماً شرعياً ينبغي الطاعة له في طاعة الله ورسوله، بل ترى أهل الأهواء تارة يكرهون الحديث عن هذه القضية وتارة يعدونه نظاماً لا ينتسب إلى الإسلام، وبعضهم يكفر ولاته مع أنه يعده خلافة لو كان الذي يحكمه واحد أو آحاد ممن ينتمي إليهم.

    بعبارة أخرى: لو استطاعت بعض الجماعات الإسلامية في بعض الدول المجاورة أن تصل إلى الحكم -وأسأل الله أن يمكن لهم في بلدانهم- فقلبوا وغيروا أوضاع بلدانهم مما هي عليه إلى ما نحن عليه اليوم فهل ترون ذلك أمراً يسيراً؟ وهل تظنون أنهم سيعدون هذا الإنجاز قليلاً؟ لا والله، لقد طبل وزمر وصفق وعظم وضخم إنجاز هو أقل من هذا بكثير ولا ينسب إلى هذا إطلاقاً، وقال بعض أهل الهوى: تجب الهجرة إلى تلك البلاد على رغم مما فيها من الخلل والنقائص الخطيرة والكبيرة في مسائل العقيدة، فأولئك إذا أنجزوا خيراً قريباً مما نحن فيه قالوا: هذا انتصار وفتح، وبعضهم يقول: خلافة، وبعضهم يقول: تجب الهجرة، أما الخير الذي نحن فيه فيرون أننا في مداهنة، وأننا في ولاء للكفار، وأننا في ضلال، وأننا أبعد ما نكون عن الإسلام، وهذه القضية أيها الأحبة دلائل الهوى فيها أن بعض الذين يسمعونها لا يطيقون الحديث أو لا يطيقون تمام الحديث عنها.

    بعض الذين يستمعون إلى هذه القضايا أو يناقشون فيها لا يستطيعون استمرار الحديث فيها إطلاقاً، والسبب أنك تحجه بالدليل، وتحجه بالواقع، وتحجه بالمنطق، فلا يستطيع أن يرفض الأدلة، وليس عنده من الاستجابة ما يذعن لها فلا يبقى إلا الهوى الذي يصرفه عن الاستجابة لها، وإن شئتم مثالاً فسأعطيكم مثالاً آخر.

    أثر الهوى في التماس الأعذار لأربكان

    ماذا قال أصحاب الهوى عن نجم الدين أربكان ؟ هذا زعيم حزب الرفاة الإسلامي ، وأنا واحد ممن فرحوا فرحاً عظيماً كبيراً لما استطاع هذا الرجل الوصول إلى سدة الحكم في تركيا ، ولكن حصلت له مواقف منها: أنه وقف عند قبر أتاتورك ، وأقسم أنه لن يحيد ولن يخرج بـتركيا عن العلمانية ، وماذا قال أهل الهوى؟ قالوا: إنه مضطر لهذا أمام الغرب، ولم يطعنوا في دينه، ولم يطعنوا في اعتقاده، ولم يطعنوا في نسبته إلى الإسلام، وأنا كما قلت فرحت بوصوله إلى سدة الحكم، ولست بصدد التصريح عن موقفي أو رأيي بالتفصيل تجاهه، لكن لو وأقول لو ولو مراراً: لو فعل أدنى من ذلك بكثير في بلادنا تحت ظروف حرجة مما لا يصل إلى درجة ما فعله أربكان -هداه الله إلى الحق- لعده أهل الهوى نصاً صريحاً في التكفير وإسقاط الشرعية ونقض البيعة، وما أزمة الخليج عنا ببعيد، ماذا قيل عنا وعن بلادنا وحكامنا وعلمائنا لما استدعينا قوات أجنبية لضرورة نحن أدرى بها، لكن أحكام الضرورة حلال لغيرنا حرام علينا، لكن أحكام الضرورة حلال عند أهل الأهواء ولغيرنا ولكنها حرام علينا!

    والأمثلة على تعامل كثير ممن ينتسبون اليوم إلى الإسلام بالهوى كثيرة، ولست بهذا أقف خصماً لجماعات أو دعاة أو أحباب، بل أسأل الله أن يسدد الجميع وأن يوفقهم لكننا نقول مع حبنا لهم نحن أدرى بما يصلح لنا وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والحق أحب إلينا منهم.

    1.   

    الرد على مواقف الاستهزاء والسخرية بالعلماء وطلبة العلم

    أما الذين موقفهم الاستهزاء والسخرية بالعلماء وطلبة العلم الذين يطرحون هذه القضية بنصوصها وضوابطها الشرعية فإنني أذكرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود بسند صحيح عن ابن عمر : (من قال في مؤمن ما ليس فيه؛ أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج) فإن تذكر وانزجر وارعوى بهذا الحديث، وخاف الله واتقاه في أعراض العلماء والدعاة الذين يطرحون هذه القضية نصيحة للأمة وبراءة للذمة؛ وإلا فله قول القائل:

    إذا الكلب لم يؤذيك إلا بنبحه     فدعه إلى يوم القيامة ينبح

    ويا سبحان الله! كيف ينظر طائفة إلى آراء المكفرين وأذناب المعتزلة والخوارج بأنها اجتهاد أقل ما فيه أن يعد وجهة نظر لابد من احترامها وسماعها، فإذا ورد قول الذين وفقهم الله في هذا الأمر إلى الصواب وموافقة السنة والكتاب وجمهور العلماء وأولوا العقول والألباب؛ عد قولهم هذا نفاقاً وتزلفاً ومداهنة، وهذه المسألة المهمة وهي أن كثيراً ممن لا يرون تكفير الولاة والحكام لكن لا يرغبون في طرح هذه القضية ولا الحديث عنها، بل وربما انتقدوا واغتابوا من يطرحها ويتناولها فإلى هؤلاء نقول: إن القول بوضوح المبادئ والمواقف في الدعوة من أسباب استمرار الدعوة ونجاحها بإذن الله، فإذا كنت تؤمن بحقوق ولاة الأمر المتفرعة عن أصل الشرعية ولزوم البيعة؛ فبادر بقبول الحق بدليله، ثم إن هذا لا يمنعك أن تنكر المنكر الذي تراه بالسبل الشرعية، سواءً كان المرتكب للخطأ سلطاناً أو حاكماً أو وزيراً أو أميراً أو محكوماً، ولكن سبيل الإنكار عليه وطريقه ليس من العقل فيه أن يسوى فيه بين المختلفات، بل أنزلوا الناس منازلهم تحقيقاً للمصالح ودرءاً للمفاسد.

    وهنا مسألة مهمة وهي أن كثيراً ممن يجدون في صدورهم حرجاً من طرح هذا الأمر أو لا يحبون سماع الحديث فيه يظنون أن الكلام عن حقوق ولاة الأمر يعني بالضرورة عدم الكلام عن حقوق الرعية.. لا، فكما أنه ينبغي أن تفصل وأن تشرح وأن يفهم وأن يوضح حقوق ولاة الأمر؛ فكذلك لابد أن تبين حقوق الرعية على ولاة الأمر، ولابد أن يبين عظم الأمانة التي سيسأل الله عنها الحكام يوم القيامة تجاه شعوبهم ومن ولاهم الله أمرهم.

    1.   

    من حقوق ولاة الأمر: السمع والطاعة

    أيها الأحبة! إن هذه القضية حينما نتكلم عنها فلا تعني أننا لا نتكلم عن غيرها، فإن هذا من الفهم القاصر الذي أتي من جهته كثير من الناس، ولا أريد أن أطيل بهذه المقدمة، لكن أقول هذا أوان الشروع بالمقصود فالقول بعون الله: إن أهل السنة وسط عدول بين طوائف الرافضة وطوائف المعتزلة والخوارج.

    فـالرافضة يقدسون الأئمة والولاة إلى درجة الغلو والعصمة، فلا يرون في فعل الأئمة منكراً فضلاً عن الإنكار عليه، وأما الخوارج والمعتزلة فإنهم يرون الأمر والنهي مع الولاة بالسيف، والخروج عليهم بالشوكة وكسر البيضة مع القول بتكفيرهم وتخليدهم في النار، ويرون ذلك من صميم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. طرف يغلو ويقدس الولاة، وطرف يسل السيف على الولاة، فجاء أهل السنة وسطاً عدولاً في هذا الأمر، لا يعتقدون للولاة عصمة من الخطايا والكبائر والصغائر، ولا يغلون فيهم، بل يتصورون وقوع الأخطاء والكبائر والصغائر منهم، ويرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاههم، لكن يحفظون حقهم ومنزلتهم في تحقيق الحكمة حال الأمر والنهي وهي: فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي دون الخروج والتأليب أو التحريش بهم.

    ويمكن أن نجمل حقوق ولاة الأمر في العناصر الآتية:

    أولها: السمع والطاعة في المعروف.

    ثانيها: النصح ومنه الدعاء والإعانة على الحق.

    ثالثها: توقيرهم في النفوس وعدم الاستهانة بشأنهم لما في ذلك من المفاسد العظيمة.

    رابعها: تأليف الشاردين عنهم إليهم لما في ذلك من درء الفتنة وجمع الكلمة.

    وهذا هو موجز الحقوق وإليكم الإيضاح بالتفصيل ما أسعف الوقت بذلك..

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: والظاهر والله أعلم أن هذه الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء.

    وأخرج البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) وهذا الحديث: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) لذلك الذين يريدون الانقلاب ويريدون الخروج على الأئمة، ويريدون القيل والقال في علمائنا وفي ولاة أمرنا حينما يريدون أن يحدثوا الفتنة في هذا المجتمع الذي نعيشه لا يبدءون بمسألة قبل مسألة، إقامة أدلة، بل لوي أعناق نصوص، وتكلف أدلة، وتمحل أدلة حتى يقولوا بأن هذه البلاد التي نحن فيها كافرة، فإذا كانت بلادنا كافرة؛ إذاً لا قيمة للحكام ولا قيمة للولاة ولا قيمة لهؤلاء العلماء الكبار ولا مكانة ولا منـزلة لهم؛ ولأجل ذلك رأينا أن الذين شقوا العصا وخرجوا وكفروا، بدءوا بالاستهانة بالعلماء وبالتقليل من شأن كبار العلماء، تكلموا في شأن الشيخ/ ابن باز وقالوا: هذا الإنسان لا يفقه ولا يفهم، وتكلموا في الشيخ/ ابن عثيمين وقالوا: هذا إنسان ليس له رأي بين، وتكلموا في كبار العلماء وقالوا فيهم ما قالوا؛ هل بينهم وبين ابن باز عداوة؟ لا، هل بينهم وبين ابن عثيمين عداوة؟ لا، إنما أرادوا أن يكسروا السفينة حتى يغرق من فيها، أردوا أن يكسروا هيبة العلماء حتى إذا انتهت مكانة العلماء تلفت الناس يميناً ويساراً يريدون أحداً يقتدى بقوله ويتأسى بفعله، فلا يجدون إلا هؤلاء الخوارج ولا يجدون إلا هؤلاء المكفرين الذين يستهينون بالعلماء، ويسقطون قدرهم ومنزلتهم، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان على ما يصفون ويقولون.

    ومن أدلة لزوم الطاعة والجماعة ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمرني بالجماعة، وإنه من خرج من الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) ومن ذلك ما أخرجه الإمام أبو داود وأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة شبراً خلع ربقة الإسلام من عنقه) ولله در عبد الله بن المبارك المجاهد التاجر الغني الثري العالم المحدث الفقيه قال:

    إن الجماعة حبل الله فاعتصموا     منه بعروته الوثقى لمن دانا

    كم يرفع الله بالسلطان مظلمة     في ديننا رحمة منه ودنيانا

    لولا الخلافة لم تأمن لنا سبـل     وكان أضعفنا نهباً لأقوانا

    حادثة الحرة في عهد يزيد بن معاوية

    جاء في صحيح مسلم : أن عبد الله بن عمر جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان، زمن يزيد بن معاوية ، يزيد بن معاوية لما تولى كان والياً فاسقاً، كان يشرب الخمر ويترك الصلاة، ويفعل محرمات عظيمة وكبيرة، حتى أنكر عليه علماء وأنكر عليه أئمة كبار هذه الأفعال، وكان من بين من أنكر عليه عبد الله بن مطيع.

    لما كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد جاء عبد الله بن عمر زائراً لـعبد الله بن مطيع ، فقال عبد الله بن مطيع: اطرحوا لـأبي عبد الرحمن وسادة. فقال ابن عمر رضي الله عنه: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة؛ لقي الله لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).

    عبد الله بن مطيع بن حارثة أحد كبار التابعين، وقيل له صحبة، نزع بيعة يزيد بن معاوية من عنقه لما كان من يزيد من المعاصي والكبائر، وكان عبد الله بن مطيع وعبد الله بن حنظلة هما المتزعمان لفكرة الانقلاب أو الخروج على يزيد بن معاوية في المدينة ، وكان سبب الخروج عليه كما قلت: إسرافه في المعاصي، بل قال عبد الله بن حنظلة: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة.

    فلما كان منهم الخروج جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع، وأخبره بهذا الحديث؛ ليكون رادعاً له عن الاستمرار في معصية الخروج، فلم يستجب عبد الله بن مطيع، وظن أن ما هو عليه سوف يزيل المنكرات، حتى أرسل يزيد بن معاوية سنة 63 للهجرة جيشاً لحرب عبد الله بن مطيع بقيادة مسلم بن عقبة المري، ويسميه أهل السنة مسرف بن عقبة فكانت وقعة الحرة المشهورة التي جرت فيها الدماء كأنها في يوم عيد الأضحى، وهرب عبد الله بن مطيع فكانت النتيجة أن قتل العشرات من القراء والحفظة والتابعين والعلماء بسبب هذه الفتنة وهي الخروج على هذا الحاكم الغاشم الظالم يزيد بن معاوية.

    ولذا كان من مواقف عبد الله بن عمر في هذه الفتنة -فتنة الحرة- كما جاء في الصحيحين وغيرها عن نافع أنه قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر أولاده وأهله ثم تشهد وقال: أما بعد.. فإنا بايعنا هذا الرجل -يقول: نحن بايعنا يزيد - بايعناه على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال: هذا غدرة فلان وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله- أن يبايع الرجل رجلاً على بيعة الله ورسوله ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون الفيصل بيني وبينه).

    طاعة الإمام المتغلب على الناس بسيفه

    يقول الإمام أحمد رحمه الله في شأن لزوم الطاعة حتى ولو للإمام الذي قهر الناس بسيفه، ولو للإمام المتغلب، يقول: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً، كان أو فاجراً.

    وقد جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حين اجتمع الناس على عبد الملك -والمراد: اجتماع الكلمة عليه- وكانت الكلمة قبل ذلك متفرقة بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان كل ينادى بأمير المؤمنين، يقول عبد الله بن دينار: شهدت عبد الله بن عمر حين اجتمع الناس على عبد الملك فكتب ابن عمر -بعد الاجتماع-: [إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك].

    يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله معلقاً على هذا الأثر في الفتح : وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء.. وهذا الكلام كما تلاحظون هو في الإمام المتغلب، وهو الذي تسمى بيعته بيعة الإجبار، وفي ذلك يقول الشوكاني رحمه الله أيضاً: لا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أو تنفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل ذلك المنازع إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته.

    ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله ما معناه: إن الحاكم والسلطان المتغلب إذا لم يستجمع شروط الإمامة لكن تم له التمكين واستتب له الأمر؛ وجبت طاعته وحرمت معصيته، حتى لو جاء إمام آخر مستجمع للشروط، فلا يطاع ولا يستجاب للإمام الأخير، ويسمع للإمام المتغلب الأول الذي انعقد له الأمر واجتمع الناس إليه.

    السمع والطاعة في غير معصية الله

    أيها الأحبة! مسألة الطاعة ليست من مسائل الفروع، بل هي من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة ، يقول الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية : ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، وتأملوا كلمة "ولا ندعو عليهم" فما أكثر الجهلة والأغبياء الذين يدعون على السلاطين اليوم.

    ومعلوم أن الطاعة إنما تكون لسلطان له شوكة ومنعة، فمن لم تكن له شوكة ولا منعة فهذا لا سمع له ولا طاعة، إن السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين في غير معصية مجمع على وجوبها عند أهل السنة والجماعة، وهي كما قلت من أصولهم التي تميزوا بها عن أهل البدع والأهواء، وقل أن ترى في مؤلفاتهم وفي عقائدهم إلا وتجد النصوص المتواترة الكثيرة على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وإن ظلموا، وإن فسقوا، وإن فجروا.. وهذا الإجماع ليس اجتهاداً بل هو مبني على الأدلة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تواترت الأدلة في ذلك.

    أخرج البخاري في صحيحه في باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ورواه مسلم أيضاً كذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) وقوله "فيما أحب وكره" أي: فيما وافق غرضه وهواه أو خالف ما يشتهيه أو يهواه.

    يقول بعض أهل العلم: إن طاعة الحاكم واجبة على كل مسلم بما يوافق طبعه أم لم يوافق بشرط ألا يأمره بمعصية، فإن أمره بمعصية؛ فلا تجوز طاعته، ولا يجوز له محاربة الإمام أبداً.

    السمع والطاعة وإن منعوا الحقوق

    ومن الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الإمام ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك) وقوله "في منشطك" يعني حالة نشاطك، وقوله "في مكرهك" أي حالة ما تكرهه من الأمور، ومعنى الأثرة الواردة في الحديث: أي الاختصاص بأمور الدنيا، أي: حتى لو أن الحكام استأثروا بالأموال واستأثروا بالدنيا واختصوا بها عن سائر الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اسمعوا وأطيعوا ولو رأيتم أثرة في هذا الأمر، والمعنى: اسمعوا وأطيعوا ولو اختص ولاة الأمور بالدنيا، ولو لم يصلكم حقكم مما عندهم.. فهذا هو معنى الحديث.

    ومما أخرجه مسلم في صحيحه وبوب عليه النووي فقال: باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سلمة: (يا نبي الله! أرأيت إن قام علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فماذا تأمرنا؟ فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فسأل سلمة ثانية، فأعرض عنه، فلما كانت الثالثة جذبه الأشعث بن قيس فالتفت صلى الله عليه وسلم وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)وفي رواية لـمسلم أيضاً (فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) والمعنى: أن الله تعالى حمل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس، فإذا لم يقيموا العدل أثموا، والله حمل الرعية السمع والطاعة للولاة، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإن لم يقوموا بذلك أثموا. والمعنى: أن الله عز وجل أمر الولاة بالعدل وأمر الرعية بالطاعة، فإذا خرج الولاة عن العدل؛ فليس هذا بمبرر أن تخرج الرعية عن الطاعة.

    السمع والطاعة مع الصبر على الأذى

    ومن الأدلة ما أخرجه مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! إنا كنا في شر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم. قلت: وهل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم. قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: يا رسول الله! كيف أصنع إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع).

    أنا أعلم أن هذه الأحاديث قد لا تعجب كثيراً من الذين لا يشتهون الكلام عن هذه القضية، لكن هذه مسألة دين، وهذه مسألة عقيدة، فكما أن الله عز وجل شرع أن صلاة الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات والفجر ركعتان، فكذلك شرع لنا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسمع وأن نطيع ولو جلد ظهر مظلوم، ولو أخذ مال مظلوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بذلك، وهنا تكون الاستجابة لله ورسوله، أن تستجيب لله ورسوله فيما تشتهيه وما لا تشتهيه، فيما تحبه وما لا تحبه، نعم لا يوجد أحد يشتهي أن يضرب ظهره، وأن يؤخذ ماله ثم يقول: أنا أريد أن أسمع وأطيع، لكن إذا ورد الدليل وفقهنا؛ فحينئذ يكون التزامنا وإقدامنا وقبولنا بهذا الأمر طاعة لله وطاعة لرسوله وليس حباً في ظلم وليس حباً في مظلمة تكون على مسلم.

    وتأملوا هذا الحديث أيها الأحبة فهو من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه سيأتي أئمة لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك أمر عظيم في الضلال والفساد والزيغ والعناد، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم، أي أنه حتى لو كان حال الحكام وحال الأمراء على هذه الصفة؛ فإن المسلم مأمور بالطاعة في غير معصية الله، كما جاء ذلك مقيداً في أحاديث أخر حتى ولو بلغ الأمر ما علمتم من ضرب الظهور وأخذ الأموال؛ فإن هذا لا يحمل على ترك الطاعة أو عدم سماع الأمر، ولا يحمل على شق الجماعة والخروج على ذلك، فإن هذا الجرم عليهم سيحاسبون ويجازون به يوم القيامة، فإن قادك الهوى إلى مخالفة هذا الأمر الحكيم والشرع المستقيم، فلم تسمع ولم تطع لأميرك؛ فقد لحقك الإثم ووقعت في المحذور.

    وهذا الأمر النبوي هو من تمام العدل الذي جاء به الإسلام، فإن هذا المضرور إذا لم يسمع ويطع وذاك المضرور إذا لم يسمع ويطع، والآخر الذي أخذ ماله لم يسمع ويطع؛ ماذا تكون النتيجة؟ يفضي هذا إلى تعطيل المصالح الدينية والدنيوية، فيقع الظلم على جميع الرعية أو على أكثر الرعية، وبذلك يرتفع العدل عن العباد والبلاد، فتتحقق المفسدة وتلحق بالجميع ولا تكون مقصورة على واحد أو اثنين أو عشرة أو مائة أو مائتين، بينما لو ظلم هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج وسمع وأطاع، وكذلك الآخر إذا أخذ ماله فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج وسمع وأطاع؛ لقامت المصالح ولم تتعطل ولم يضع حقه عند الله سبحانه وتعالى، بل ربما عوضه الله خيراً منه وربما ادخره الله له في الآخرة، وهذا من محاسن الشريعة؛ فإنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر في ذلك لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً.

    ومن الأدلة أيضاً ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم -فسماهم أئمة- الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل: يا رسول الله.. أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة) وفي لفظ آخر لـمسلم أيضاً: (ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينـزعن يداً من طاعة).

    ومن النصوص أيضاً ما أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).

    ومن النصوص الواردة في لزوم السمع والطاعة والصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليهم وعدم النزاع حتى لو كان منهم ما كان، ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث في الصحيحين - فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) هذا لفظ الإمام مسلم رحمه الله.

    كلام الشيخ ابن باز في وجوب طاعة ولاة الأمر

    يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز متع الله به على طاعته: الواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة السمع والطاعة.

    وهنا مسألة: سماحة الشيخ يقول: الواجب على المسلمين في هذه المملكة؛ حتى لا يقول قائل: إن الكلام في السمع والطاعة عن ولاة الأمور، لكن نحن ما حددنا ولاة الأمور أو أننا نضمر في أنفسنا ولاة أمور آخرين غير ولاة الأمور الموجودين، فهذا أمر مهم: أننا حينما نتكلم عن السمع والطاعة لولاة الأمور، فنقصد بذلك السمع والطاعة لحكامنا هؤلاء الذين يحكمون البلاد .. المسئولين .. الحكام .. الأمراء، فالمقصود بولي الأمر هؤلاء الحكام، وليس كما يقوله آخرون: نحن نقول: ولاة الأمور، لكن نقصد ولاة أمورنا الذين في لندن ! أو نقصد ولاة أمورنا الذين في مكان آخر.. لا، الصلاة على الميت الحاضر، حينما نتكلم عن ولاة الأمور فالكلام عن ولاة أمورنا في هذه البلاد كما يصرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.

    يقول: فالواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف كما دلت على ذلك الأحاديث -والسمع والطاعة بالمعروف- الصحيحة والثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحد أن ينزع يداً من طاعة بل يجب على الجميع السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من خرج على الطاعة، وخرج على الجماعة ومات؛ مات ميتة جاهلية) فالواجب على المؤمن السمع والطاعة بالمعروف، وألا يخرج عن السمع والطاعة بل يجب عليه الإذعان والتسليم لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول سماحته: وهذه الدولة السعودية دولة إسلامية والحمد الله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتأمر بتحكيم الشرع، وتحكمه بين المسلمين، فالواجب على جميع الرعية السمع والطاعة لها بالمعروف، والحذر من الخروج عليها، والحذر من معصيتها في المعروف، أما من أمر بمعصية فالمعصية لا يطاع أحد فيها لا من الملوك ولا غير الملوك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فإذا أمر ملك أو رئيس جمهورية أو وزير أو والد أو والدة أو غيرهم بمعصية كشرب خمر أو أكل الربا لم يجز الطاعة في ذلك، بل يجب ترك المعصية، وألا يسمع لأحد فيها، فطاعة الله مقدمة (إنما الطاعة في المعروف) هكذا جاءت السنة الصحيحة.

    اللهم إنا نشهدك على ما في أنفسنا أننا ندين ونعتقد بما سمعتموه وبما قلناه من كلام سماحة الإمام الشيخ/ عبد العزيز بن باز.

    ويقول سماحته -متع الله به على طاعته-: ننصح الجميع بلزوم السمع والطاعة كما تقدم، والحذر الحذر من شق العصا، والخروج على ولاة الأمور فهذا من المنكرات العظيمة، بل هذا دين الخوارج والمعتزلة -الخروج على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم إذا وجدت معصية- وهذا غلط خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسمع والطاعة بالمعروف وقال: (من رأى من أميره شيئاً من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينـزعن يداً من طاعة) وقال صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم؛ فاضربوا عنقه) أي أنه إذا أتى أحد يريد أن يشق العصا ويفرق الجماعة؛ فاضربوا عنقه، فلا يجوز لأحد أن يشق العصا أو يخرج عن بيعة ولاة الأمور أو يدعو إلى ذلك؛ فإن هذا من أعظم المنكرات ومن أعظم أسباب الفتنة والشحناء، والذي يدعو إلى ذلك يقتل.

    يقول سماحة الشيخ: الذي يدعو إلى الخروج يقتل؛ لأنه يفرق الجماعة ويشق العصا، فالواجب الحذر من هذا غاية الحذر، والواجب على ولاة الأمور إذا عرفوا من يدعو إلى هذا؛ أن يأخذوا على يديه بالقوة حتى لا تقع بين المسلمين فتنة.

    وسئل سماحته عمن يقول: أنا لم أبايع الوالي، ولهذا لا تلزمني بيعة، وليس في عنقي بيعة. فأجاب سماحته: إذا اجتمع المسلمون على أمير وجبت الطاعة على الجميع ولو لم يبايع بنفسه، فالصحابة والمسلمون ما بايعوا أبا بكر كلهم، إنما بايعهم من بـالمدينة، بايع بعضهم ولزمت البيعة على الجميع، إذا بايع أهل الحل والعقد ولي الأمر وجبت الطاعة على الجميع وإن لم يباشر البيعة كل واحد من الرعية بل تلزمه البيعة وإن لم يصافح وإن لم يتول البيعة بنفسه.

    هذه -أيها الأحبة- من النصوص المهمة العظيمة في شأن لزوم السمع والطاعة.

    1.   

    النصيحة لولاة الأمور وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر

    الثاني من حقوق ولاة الأمور: النصيحة لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة؟ قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم) ويدخل في هذه النصيحة: تنبيه الولاة والحكام على ما يقع في البلاد من مخالفات شرعية أو كبائر ومعاصٍ تكون سبباً لحلول النقم والبأس بالعباد والبلاد، والله سبحانه وتعالى يقول: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110] وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط لعامة الناس، بل حتى الحكام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن من ترك ذلك؛ فقد تشبه ببني إسرائيل الذين تركوا هذا الأمر، قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    وحديث أبي سعيد رضي الله عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) إذاً مناصحة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أمرهم بالمعروف بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بغير منكر؛ من الحقوق التي تجب علينا تجاههم، وما أحسن ما قاله العلامة ابن رجب رحمه الله: والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.

    وأخرج الإمام أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من وراءهم).

    لكن هذه المناصحة وهذا الحق الذي يجب علينا تجاه ولاة أمورنا وهو نصيحتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لابد لها من ضوابط شرعية، لما يترتب عليها من قبول أو رد يفضي إلى فتنة أو إصلاح.

    إن السكوت عن مناصحة الحكام خيانة للحكام، إن السكوت عن أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر، إن السكوت عن بيان الأخطار التي تحل في العباد والبلاد خيانة للحكام هؤلاء الذين نحن نقول: يجب السمع والطاعة لهم.

    حسن الأسلوب في مناصحة الحكام

    وإن من تمام الولاء لهم ومن تمام البيعة ومن تمام الإخلاص والنصيحة لهم، أن تبين لهم الأخطار وأن يرفع إليهم بشأن المنكرات، وأن يتابع معهم في هذا الأمر، روى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه وهذا الحديث نص في ضرورة مراعاة الكيفية التي يناصح بها الحاكم.

    يا أحبابي! لو أن واحداً من الآباء جاءه واحد من أولاده فقال: يا أبت.. أنت فاسق، في بيتنا دش. يا أبت.. أنت ديوث، أنت تفعل كذا وأنت تفعل كذا وأنت تفعل كذا، ما ظنك بالأب وهو يسمع من ولده هذه النصائح التي يقول فيها بعلم وبجهل وبحق وبباطل؟ والله يوشك أن يتخلص من حياته، إذا كانت نصيحة الولد للوالد تحتاج إلى مراعاة وأسلوب وكيفية؛ فكذلك مناصحة الحاكم لابد لها من كيفية تناسب المقصود وهو إيصال الخطر والمنكر وبيانه لهم وتحذيرهم من مغبته، وإيصال ما نقص من المعروف لهم حتى يأمروا بتمامه وإكماله.

    روى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه عن عياض بن غنم قال: قال صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبذله علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه) وهذا حديث عظيم وحجة قوية في مناصحة الحاكم، ما تأتي تناصح الحاكم أمام الناس فربما جعلته يستشيط غضباً ويتحداك عناداً وإصراراً، لكن كما في الحديث: (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبذله علانية -أي: لا تنصحه أمام خلق الله- ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه).

    وأخرج مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان بن عفان لتكلمه؟ أي: يقولون: يا أسامة .. لماذا لا تنكر بعض الأمور على عثمان بن عفان الخليفة الثالث الراشد؟ فقال أسامة : أترون أني لا أكلم عثمان إلا أن أسمعكم؟! أي: أتريدونني أن أنصحه وأنتم تسمعون؟ تريدون أن أكلمه وأنتم تنظرون؟! والله لقد كلمته فيما بيني وبينه دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه. أي: لا أريد أن أسن سنة في الجرأة على السلاطين والكلام عليهم في مجامع الناس العامة.

    يقول سماحة الشيخ ابن باز : ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة بالمعروف، ويفضي إلى الخوف الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها لا حاكم ولا غيره، ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه -كل هذا من كلام الشيخ ابن باز- قال بعض الناس لـأسامة بن زيد: ألا تنكر على عثمان. قال: أنكر عليه عند الناس؟ لا، لكن أنكر عليه بيني وبينه، لا أفتح باب شر على الناس، ولما فتح باب الشر في زمن عثمان، وأصبحوا ينكرون على عثمان جهرة، ويتكلمون في عرض الوالي والخليفة الراشد في المجالس؛ تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال آثاره إلى اليوم حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي بسبب ذلك، وقتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علناً حتى أبغض الناس ولي أمرهم، وحتى قتلوه.. نسأل الله السلامة والعافية.

    نعم أيها الأحبة! هذه أجوبة مسددة من إمام عالم مسدد قد شابت لحيته في الإسلام، وشهد له القاصي والداني بالحب، نحسبه من أولياء الله ولا نزكي على الله أحداً.

    قال ابن مفلح رحمه الله: وقال ابن الجوزي: الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم.. يا من لا يخاف الله؛ فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شررها أو ضررها إلى الغير؛ لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه؛ فهو جائز عند جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك.. انتهى كلامه رحمه الله.

    نعم .. هنا حديث صريح صحيح وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه، فقتله) لكن هذا رجل دخل على السلطان وقام إليه وقال له كيت وكيت وكيت، اتق الله، يوجد كذا، لا يوجد كذا، يحصل كذا، وقع كذا، فحينئذ إن سمع منه وخرج فالحمد الله، وإن دحرج رأسه على الأرض فهذا المناصح شهيد بإذن الله عز وجل، وهذا أمر ينبغي أن نفقهه؛ لأن بعض الناس يقول: هؤلاء الذين يتكلمون عن حقوق ولاة الأمر لا يحبون أن يأتي أحد لينصح ولاة الأمور.. لا والله، بل نحن نحرص ونعلم أن هذا من صميم حقوق ولاة أمرنا علينا، أن ينتخب لمناصحة ولاة الأمور العقلاء، العلماء، أهل التجربة، أهل الكلام الحسن، أهل المداخل الطيبة، الذين يحسنون الحديث ويعرفون الحسنات ويقدرونها، ويعرفون الأخطاء والسيئات ويقدرونها قدرها، ثم يأتون ليناصحون (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله) نعم .. انظروا إلى كلمة (إمام) وكلمة (عند سلطان) من كان شجاعاً أو قوياً أو على درجة من العلم ويريد أن ينصح؛ فجزاه الله خيراً بالضوابط الشرعية والآداب المرعية.

    وإننا نرى ولله الحمد والمنة أن هذا لن يحصل، أعني: لو قام أحد في بلادنا ودخل على الحاكم أو على أمير وقال له: اتق الله .. يوجد كذا أو لا يوجد كذا يسلم رأسه من الآن بإذن الله عز وجل، لن يقطع رأسه، يطمئن من ذلك، لكن الشاهد من الحديث أنه يكون هذا النصح مشروعاً إذا كنت في وجه الحاكم وجهاً لوجه، إلى إمام أو عند سلطان أما أن تجلس في أربعة جدران أو في جلسة خلوية وتجلس وتقول: الحاكم فيه والحاكم فيه والحاكم قال والحاكم فعل والحاكم صلح والحاكم زين.. ماذا ينفع الكلام مع الناس؟ بعض الناس لو ينقطع عليه الماء لا يستطيع أن يوصل ماء؟ بعض الناس لو انقطعت عليه الكهرباء لا يستطيع أن يصلح الكهرباء، تأتي وتكلم مساكين فقراء ضعفاء ليس لديهم خبرة ولا سالفة ولا حيلة وتكلمهم عن أخطاء الحكام؟! لا، هذا ليس من العقل وليس من المنطق بأي حال من الأحوال.

    يقول ابن النحاس : ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رءوس الأشهاد بل لو كلمه سراً ونصحه خفية من غير ثالث لهما. أي: كلما كانت النصيحة ما بينه وبين الحاكم سراً كلما كان هذا أفضل، والنصيحة يراد بها إبراء الذمة، ويراد بها إصلاح الأحوال، فأما إبراء الذمة فيقع بإبلاغ النصيحة، أي أنك تقول: والله أنا أريد أن أبرئ ذمتي، لا، لا تبرئ ذمتك أمام العامة أو أمام الناس، تريد أن تبرئ ذمتك ترفع برقية .. تذهب وتبلغ هذه الرسالة إلى من يصل إلى السلطان أو يدخل على السلطان، فتبرأ ذمتك بإذن الله عز وجل.

    وأما الأمر الثاني من النصيحة فهو التحويل من حال إلى حال، أي إصلاح الأوضاع وإصلاح الأحوال من حال رديئة إلى حال جيدة، فأنت في هذا ما عليك إلا إبلاغ النصيحة وأما تغير الأحوال فبيد الله عز وجل: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] .. فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20] .. إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7].

    التفريق في النصيحة بين حال الأمن وحال الخوف والحرب

    وهنا أيضاً في النصيحة يجب التفريق بين حالين: بين حال الأمن والرخاء والاستتباب، وبين حال الخوف والحرب والفتن التي تقع في البلاد، فلنضرب مثلاً أن بلادنا في حالة حرب وفي حالة معركة فهل من المنطق أن نأتي ونتكلم: أصلحوا .. زينوا .. بدلوا .. عدلوا .. غيروا.. لا، ليس هذا وقته، وليس هذا من الحكمة أبداً، بل ننتظر حتى تنتهي الحرب وينصرنا الله على من عادانا، ويبتعد العدو عن بلادنا، ويبتعدون عن حدود أرضنا، فإذا استقرت أوضاعنا؛ عدنا إلى حكامنا وقلنا: اتقوا الله، غيروا وبدلوا وعدلوا وأصلحوا، أما في هذه اللحظة الخطيرة، في لحظة الدبابات على حدودنا والطائرات تقصف والصواريخ ترمي ثم تأتي وتقول: الآن هي الفرصة المناسبة حتى يجتمع الناس على الحاكم فأضغط عليه ضغط إجبار يغير الأوضاع.. هذا ليس من الحكمة وليس من الدين بأي حال من الأحوال، إنما يجب أن يتحين لهذه النصيحة وقت الرخاء ووقت الطمأنينة، أما في حالة الخوف والحرب والخطر والفتن فحينئذ الخطر علينا جميعاً، يمكن أن يأتي العدو ويستبيح أرضنا من جهة شمالية وجنوبية وشرقية وغربية، ويطأ الأعداء هذه البلاد، فيقتلون الحاكم والعالم والداعي والآمر والناهي والغيور والفاسق والفاجر يقتلون جميعاً.

    فليس من الحكمة أن يغيب عن ذهن المغير أو الناصح أن يعرف أو أن يقدر للزمن وللظرف والمناسبة قدرها ومكانها.

    التفريق بين الإصلاح وبين تكوين معارضة أو إثارة فتنة

    وكذلك أيها الأحبة هنا مسألة مهمة لا يميزها كثير من الناس أو كثير من الشباب خاصة: تكوين معارضة شيء وإصلاح الأحوال شيء آخر، مثلاً يوجد بلاد أو في أي مجال في أي جانب يوجد فساد أو يوجد خلل أو يوجد انحراف فتغيير هذه الأمور وإصلاح هذه الأحوال شيء، أما تأليب الناس وتهييج الناس شيء آخر، ولذلك في حديث أو حوار ساخن حول ذلك المارق الماجن الذي يسمى " محمد المسعري " صاحب لجنة الحقوق في لندن ، أتحدث مع أحد الإخوة وكان يتحدث عن الفاكسات التي أصبحت الآن أثراً بعد عين، ولا يوجد من يسمع بها، ولا من يقرأها ولا من يلتفت لها، بل أصبح الناس إذا ابتلوا بها يأخذها فوراً دون أن يقرأها ويرميها في الزبالة، وربما يجر عليها السيفون، هذا يكون معارضة ويريد أن يثير فتنة، يريد أن يؤلب فريقاً من الناس في هذا المجتمع، فتأليب الناس، تكوين معارضة، إثارة فريق من الناس.. هذا عمل، لكن الإصلاح عمل آخر، لا علاقة لهذا بهذا أبداً، ولا يمكن وباستقراء التاريخ ما عرف أن التأليب والفتن والخروج وهذه الأمور كونت إصلاحاً، بل الإصلاح شأن آخر، لكن بعض الأغيار وبعض الأبرار وبعض المساكين انطلت عليه الحيلة حتى أصبح أحدهم ينافح عن هذا المارق بكل ما أوتي.

    أذكر مرة بعد صلاة التراويح وقف لي شاب وقال: لماذا أنت تعرضت لما قاله المسعري في الفاكس الفلاني. قلت: أولاً: يا أخي الحبيب .. هذا الرجل نعم هو كذب علي مراراً، ودينه الكذب، يكذب كذبات كالشمس في رابعة النهار، وأنا ممن كذب علي، لكن يا أخي الحبيب.. ما حاجتك في هذا الكلام وما حاجتك في هذه القضايا التي يطرحها؟ قال: لا، هو سبق أن عرفته وسبق أن وثقت فيه. قلت: أردت أن تضعه إماماً يقتدى، هذا بينك وبينه، الله يصلحك، لكن يا أخي الحبيب.. اعلم أن ما يفعله هذا المسكين هو تكوين معارضة، وقد حصل من قبله ما حصل، الذين يعرفون التاريخ السياسي للمملكة العربية السعودية وجد من حاول أن يفعل مثل ما فعله المسعري، بل وملك من قبله أموراً ما ملكها المسعري، وأوتي قوة ما أوتيها المسعري، وأوتي أساليب ما أوتيها المسعري، ومع ذلك أخمده الله وقتله في فتنته، وشتت شمله، ووأد حركته وفتنته في مهدها، فمن باب أولى هذا المسكين.

    لذا أقول أيها الأحبة: فرق، وهذا الكلام قاس وجاف وصعب، وبعض النفوس لا تتحمله، لكن الحق لا بد أن نتحمله وإلا كنا أصحاب هوى، إذا جاء ما يعجبنا نشطنا له، وإذا جاءت النصوص عن رسول الله في أمر لا نحبه؛ نعرض عنها ونتجافى ولا نقبلها، حينئذ يكون هذا هو الهوى، فأقول: شتان بين تكوين المعارضة وبين إصلاح الأحوال.

    يقول حنبل: اجتمع فقهاء بغداد بولاية الواثق إلى الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقالوا: إن الأمر تفاقم وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن- يقولون: ولا نرضى إمارته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة ولا تشقوا عصاً من طاعة، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر، وقال: ليس هذا صواباً، هذا خلاف الآثار.

    المأمون والواثق حملوا الناس وامتحنوهم وجروهم إلى القول بخلق القرآن، يمسكون الواحد تلو الواحد يقولون: ماذا تقول؟ القرآن كلام الله منزل أم مخلوق؟ إن قلت منـزل؛ جلدوك وضربوك وآذوك، وإن قلت مخلوق؛ تركوك، مع أن القول بخلق القرآن فرية شنيعة وأمر خطير، كفر أو يفضي إلى الكفر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومع ذلك يقول الإمام أحمد: لا. يحاور فيه الفقهاء ويقول: لا، أنكروا في قلوبكم، ولا تنزعوا يداً من طاعة ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم.

    1.   

    من الحقوق: توقير الأمراء والنهي عن سبهم

    أيها الأحبة! ومن حقوق ولاة الأمر توقير الأمراء والنهي عن سبهم، فذلك أمر عظيم يقول عبد الله بن المبارك : من استهان بالعامة ضيع مروءته، ومن استهان بالعلماء ضيع دينه، ومن استهان بالحكام ضيع دنياه. وروى الترمذي وأحمد عن زياد العدوي قال: كنت مع أبي بكرة عند منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق، فقال أبو بلال : انظروا إلى أميرنا يلبس لباس الفساق. فقال أبو بكرة رضي الله عنه: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله).

    ثم أنا أسألكم يا أحبابي! لو أن الواحد أغلق لسانه، وأغلق فمه، وما تكلم في السلطان بخير ولا شر، هل سيحاسبه الله يوم القيامة؟ لا، ولو دعا للسلطان دعوة صالحة فهذا هو الأوفق والأقرب والموافق لمنهج أهل السنة والجماعة ، لكن الذين يتكلمون في السلاطين بالشر ويسبون ويتهكمون ويستهزئون ويسخرون هؤلاء والله يهدون أعمالهم إلى هؤلاء الحكام والسلاطين، لا تظن أنك حينما تستهزئ بملك أو أمير أو مسئول أو سلطان أنك بهذا تزداد رفعة وإن أعجب بك بعض من حولك من أصدقائك وزملائك، لكن ثق أنهم يعجبون بك ولكنك أنت تتصدق بحسنات أعمالك على هذا الحاكم الذي تسخر به أو تستهزئ به أو تتكلم عنه.

    وأخرج ابن عبد البر في التمهيد وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: [كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهون عن سب الأمراء -وفي لفظ- نهانا أمراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسبوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تعصوهم، واصبروا واتقوا لله عز وجل، فإن فرج الله قريب].

    وأخرج ابن سعد في الطبقات عن هلال بن أبي حميد قال: سمعت عبد الله بن عكيم يقول: لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان . فقالوا: يا أبا معبد .. أو أعنت على دم عثمان ؟ هل أنت ممن أعان على دم عثمان ؟ فقال: إني أعد ذكر مساوئه عوناً على دمه. أي: كأن عبد الله بن عكيم قد عدد أو تكلم في عثمان وذكر أن من مساوئ عثمان كذا وكذا وكذا، ثم بعد ذلك ابن عكيم رضي الله عنه يستغفر ويقول: لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان . قالوا: هل أعنت على عثمان؟ قال: إني أعد ذكر مساوئه إعانة على دمه.

    ومعلوم -أيها الأحبة- أن هذا هو الحق والصواب، ومعلوم أن منهج أهل السنة في هذه القضية لا يصلح للطائشين ولا أصحاب الأهواء والمطامع؛ لما ينطوي عليه من اعتقاد الصبر والعمل به، لأننا أمرنا بالصبر مهما رأينا من أثرة أو رأينا من أحد أخذ ماله أو ضرب ظهره، أو رأى مسلم ما يكرهه، فإن الأمر مطلوب من المسلم أن يصبر على هذا الأمر، ومطلوب منا أن نناصح ولاة أمورنا بالحسنى.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة، ولا يرون قتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفساد من القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أدنى الفسادين بالتزام أعظمهما، ولعله لا تكاد تعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته.

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً: وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد في المدينة، وكـابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك في العراق .. إلى أن قال: وغاية هؤلاء إما أن يغلِبوا وإما أن يغلَبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقاً كثيراً، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم فلا أبقوا ديناً ولا أبقوا دنيا، والله لا يأمر بأمر لا يحصل فيه صلاح الدين ولا صلاح الدنيا.

    وإن كان فاعل ذلك من عباد الله المتقين ومن أهل الجنة فليسوا أفضل من علي وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم، ومع ذلك لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدراً عند الله وأحسن نية من غيرهم.

    يقول ابن تيمية أيضاً: وكذلك أهل الحرة كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم، والله يقدر لهم كلهم، وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر:

    عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى     وصوَّت إنسان فكدت أطير

    أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء.

    وكان الحسن البصري يقول: [إن الحجاج عذاب الله فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون:76]].

    نكتفي بهذا القدر أيها الأحبة من حقوق الولاة وضوابط أهل السنة والجماعة في هذه الحقوق، أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا، وأن يجمع شملنا، وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، وألا يفرح علينا عدواً، وألا يشمت بنا حاسداً، ونسأله أن يكون كلامنا وطرحنا لهذا الموضوع خالصاً لوجهه الكريم، لا نريد به غير وجهه عز وجل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    الدعاء على الإمام الظالم

    السؤال: بالنسبة لذكركم قول الطحاوي رحمه الله ومما جاء فيه أنه لا يشرع الدعاء على الإمام الظالم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن دعوة المظلوم مستجابة وأنه ليس بينها وبين الله حجاب) نرجو من فضيلتكم توضيح ما أشكل.

    الجواب: معلوم أن الله عز وجل يقول: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] والكلام هو في سياق عموم مواقف أهل السنة تجاه الأئمة حينما يرون من الأئمة خللاً أو نقصاً أو رضاً بالكبائر أو عدم إنكار لها، فهل يشرع لهم ذلك؟ فالواجب: أنه لا يشرع الدعاء عليهم بل يدعى لهم، ومعلوم الكلام عن أهل العلم كالإمام أحمد والفضيل قوله: لو علمت لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان.

    كيفية المبايعة للإمام

    السؤال: كلنا يعلم أن الناس في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم كانوا يقومون بالبيعة للخليفة كلهم أو غالبيتهم، ولصعوبة هذا الأمر في هذه الأيام فمن ينوب عن المسلمين في مسألة بيعة الإمام؟ أرجو التوضيح.

    الجواب: أولاً: ليس بصحيح أنه في زمن الخلفاء الراشدين أن جميع الناس أو أغلبهم يبايعون.. لا، بل يبايع عدد من الأشياخ والأكابر وأهل الحل والعقد، وكذلك في هذا الزمن إذا مات الحاكم، قام الحاكم الذي بعده، وقد استقر له الحكم أصلاً، أي أنه انتقل إليه مباشرة بالنص عليه بولاية العهد؛ فتنتقل عليه ويبايعه كبار العلماء .. كبار القضاة .. وجهاء الناس .. رؤساء العشائر .. أهل الحل والعقد، ولا يلزم أن يأتي كل فرد وكل نفر أن يصفق بيده على يد الحاكم ليقول: بايعتك على كتاب الله وسنة رسوله.

    ومعلوم أن البيعة تستقر إما بأن ينتخبه أهل الحل والعقد، أي قوم أو أناس وإن شئت أن تطبق على بلدنا هذا في المملكة: الحاكم إذا بايعه أهل الحل والعقد انعقدت له البيعة، أو أن يكون الحاكم الذي قبله حاكماً مقطوعاً بشرعية بيعته، فأوصى الحاكم السابق بولاية العهد لحاكم لاحق، فلما زال السابق انتقلت الإمامة إلى هذا الذي نص عليه بالولاية فصار إماماً ثم بايعه أهل الحل والعقد وانتهى الأمر.

    وقد تتحقق شرعية الحاكم إذا استطاع أن يقهرهم بسيفه، وأن يجمعهم تحت سلطان واحد، فمثلاً لو كان الناس قبائل وفوضى ومشتتين ومشردين وهؤلاء يغيرون على هؤلاء، ويسلبون هؤلاء، ويغزون هؤلاء، ويسرقون من هؤلاء.. المهم حياة فوضى، كل قبيلة تعدو على القبيلة الأخرى فجاء حاكم وأخضع جميع القبائل بسيفه، وأخضعهم بسلطانه، وقال لهم: إنه يحكم فيهم كتاب الله وسنة نبيه؛ فهذا بيعة شرعية يجب فيها السمع والطاعة.

    أما ما يسمونها الديمقراطية والله لا تصير عندنا ديمقراطية، الديمقراطية تعطي الممثل صوتاً، وتعطي الفنان صوتاً، وتعطي المهرج صوتاً، وتعطي الساحر صوتاً، وتعطي للماجن صوتاً، وتعطي للداعرة صوتاً، وكل إنسان له صوت سواءً كان عاقلاً أو فاسقاً أو كبيراً أو صغيراً أو جاهلاً أو متعلماً أو خبيثاً أو طيباً أو صالحاً أو طالحاً كلهم يعطى صوتاً بالانتخاب والترشيح، وهذا ليس بصحيح، إنما الذي يرشح ويعطي صوتاً هم أهل الحل والعقد من العلماء الأبرار ومن وجهاء الناس وسادات القبائل وكبار العشائر .. هؤلاء هم أهل الحل والعقد، فإذا اجتمعوا على إمام عقدت له البيعة، أما قضية ما عندنا ديمقراطية .. حسناً انظر إلى الديمقراطية الآن ماذا تفعل في الجزائر، ماذا تفعل الديمقراطية الآن في كثير من البلدان، مذابح طاحنة، والذين يكرهون مجتمعنا اليوم، والذين يكرهون واقعنا اليوم، والذين يتمنون تغير أحوالنا اليوم؛ هم كأناس يعيشون في بيت يتمنون أن يهدم حتى يعيشوا في العراء فيفترشون الأرض ويلتحفون السماء.

    إذا كان بيتك ينقصه باب، تنقصه نافذة، بعض الإضاءات غير صالحة، الماء أحياناً ينقطع، الكهرباء أحياناً تنقطع.. هذا ليس بمبرر أنك تأتي بجرافة وتهد البيت، إذا كنت تلاحظ في مجتمعك أو في بلادك بعض النواقص هذا ليس بمبرر لأن تدعو أو تتمنى أو تتسلط أو تروج أو تحب أو تشيع الفكر الذي يدعو إلى إسقاط هذا النظام بالكامل .. لا، بل تحرص أن تحافظ على هذا النظام، وينبغي أن نفهم هذه القضية فهماً دعوياً علمياً شرعياً أننا لا نستطيع أن ندعو إلا مادام هذا النظام قائماً، لو اختل هذا النظام -لا قدر الله- لا تستطيع أن تقوم بأي عمل خيري، لا تستطيع أن تقوم بدعوة أو طباعة كتب أو كفالة دعاة أو كفالة أيتام أو أعمال خيرية أو محاضرات ... كل هذه الأعمال في ظل النظام القائم، فلو اختل النظام تريد أن يسقط النظام ثم تأتي تدعو بمحاضراتك وأفلامك وكتبك وخطبك وأشرطتك .. هذا من الحماقة وقلة العقل، وهذا من السفه ونقص العلم، ولكن أصحاب العقول كما يقول القائل:

    ذو العقل يشقى في النعيم بعقلـه     وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم

    الجاهل مرتاح، أكلف ما عليه أن يصدق إشاعة، يتبع صيحة، يتبع ناعقاً، لكن العاقل من الصعوبة أن يقبل، ومن الصعوبة أن يصيح إذا صاح الناس، ومن الصعوبة أن يتابع الناس فيما يقولون؛ لأنه ينظر في أمور لا ينظر إليها الصغار أو لا ينظر إليها الطغام والعوام والجهلة.

    كيفية نصرة المظلوم إذا كان خصمه الوالي

    السؤال: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) فكيف أقف مع آخر إذا كان على حق وخصمه الوالي وهو على باطل؟

    الجواب: والله يا أخي الحبيب نحن مر بنا أن الولاة ليسوا معصومين من الأخطاء أو الكبائر أو الصغائر.. هذا أولاً، الأمر الثاني: تستطيع أن تنصره إذا استطعت أن تصل إلى الوالي وتبلغه هذه النصيحة إما بلسانك أو ببرقيتك أو برسالتك، وإن لم تستطع اذهب إلى أحد العلماء الأجلاء الذين يسمع لهم وبلغ له هذه المظلمة.

    وافرض أن هذا لم يستطع أحد أن ينصفه من هذه المظلمة، لا استطعت أنت لا ببرقية ولا برسالة ولا دخلت على الوالي ولا استطاع العالم أن يغير شيئاً، وبقي أخوك المسلم هذا مظلوماً.. صبراً على قدر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون .. نصبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلى أن تنجلي الغمة وتصلح الأحوال.

    إذا لم تتعدل الأحوال فلابد أن نطلق النار من الزناد! ونرفع السيف! ونرى الخروج ونعلن التكفير؟! هذا هو بيت القصيد، بيت القصيد هو أنك إذا أتيت للوالي أو الحاكم وقلت: هذا ظلم .. هذا مسكين .. هذا مظلوم، وهذا لا يجوز، فرضاً قال الوالي: لا، ليس عندي استعداد، ولن أقبل قولك ولن أقبل كلامك. تقول: نعم، لست بقابل كلامي بالحسنى أو بالرشاشات..! هذا ليس منطقاً، قيمة المحاضرة كلها أنه حينما يصيبك هذا تقول: سمعاً وطاعة لكم في طاعة الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون في هذه المظلمة التي ما أنصفتم صاحبها، وعملاً بمقتضى معتقد أهل السنة والجماعة المؤيد بالأدلة من الكتاب والسنة من كلام الله وكلام رسوله أننا نصبر على جور الحكام، ونصبر على جور الأئمة، إلى أن تنجلي الغمة.. هذا معنى التفصيل في مسألة حقوق ولاة الأمر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيراً.