إسلام ويب

حسنات تجري بعد الموتللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من رحمة الله بنا أن جعل لنا أعمالاً نكتسب منها الأجر في حياتنا وبعد موتنا، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل، وهي أعمال حددتها الشريعة، وحثت العباد عليها، لعظم أجرها وضرورة القيام بها. حول هذه الأعمال تتحدث هذه المادة القيمة.

    1.   

    أقسام الناس في تحصيل الحسنات

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد..

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    أيها الأحبة في الله: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له).

    هذه -أيها الأحبة- رسالة إلى الذين يؤرقهم القدوم على الله عز وجل، ويشغل بالهم ويشغل أنفسهم كيف تستمر حسناتهم بعد موتهم؟ وكيف يتضاعف أجرهم بعد فراق الدنيا؟ وكيف يمضي لهم من الثواب ما يتنامى ويرجونه ذخراً يتعاظم عند الله عز وجل؟ إن الناس في هذه الدنيا على أحوال، فأغلبهم من يموت ويختم على عمله فلا حسنات ولا سيئات بعد موته، ويقدم على ما قدم إبان حياته، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة:102].

    وصنفٌ من أولئك قد اجتهدوا في مضاعفة حسناتهم في حياتهم، وتسابقوا إلى اغتنام كل فرصة ولحظة وساعة في هذه الدنيا ليملئوا خزائن الأوقات بالأعمال الصالحات، فإذا حانت منية أحدهم وعاد به شريط الذاكرة إلى شبابه وشيبته، إلى صباه وكهولته، تذكر اجتهاداً وعلماً وعملاً وجهاداً وعنايةً بالعمل الصالح، فمثل ذلك -بعد رحمة الله عز وجل- يطمئن أن قدم عملاً صالحاً، ويسعده أكثر من ذلك أن يكون قد أعد لما بعد موته عملاً تجري عليه حسناته ولو كان صاحبه في أطباق الثرى أو بين جنبات اللحود.

    وآخرون -والعياذ بالله- قد ملأوا حياتهم بالباطل والدعوة إليه، وأشغلوا أنفسهم بالمنكرات وتصديرها، وزخرفوا حياتهم بالمعاصي وتزيينها وتقريبها إلى الناس، فمثل أولئك يحملون أوزارهم ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، فالعاقل -أيها الأحبة- يحرص على أن يعمل عملاً صالحاً في هذه الدنيا ويجتهد بعد موته أن تمضي له الصالحات مضاعفة والدرجات عالية، والحسنات متزايدة لكي يلقى الله عز وجل بأعمالٍ عملها في حياته، وبنتائج عملٍ عملها في حياته، فتعاظمت بعد موته، فلقيها عند الله رحمة وحبوراً وسروراً.

    1.   

    العلم النافع حسنة تجري بعد الموت

    أيها الأحبة! هذا الحديث يبين لنا أن من مات انقطع عمله إلا واحد من ثلاثة: فأولهم: من مات وترك علماً نافعاً، والعلم -يا عباد الله- شأنه عظيم، وحقٌ لمن ورث هذا العلم برحمة الله أن يجري عمله، وذلك بأن تتأمل: كم الذين يترحمون عليه؟ وكم الذين يتعلمون في كتبه؟ وكم الذين يدعون له؟ ويدعى له في عداد من لهم أثر على الأمة: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] وهذه الرفعة في الدنيا والآخرة، وحسبكم بكرامات أهل العلم أن الله عز وجل سخر لهم الملائكة (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن الحيتان في البحر لتستغفر لطالب العلم).

    أيها الأحبة: إن طلب العلم شرفٌ ما بعده شرف، ووظيفةٌ لا تعادلها وظيفة، إذ أن من سلك هذا الطريق، هُدي إلى الصراط المستقيم بإذن رب العالمين، فالله عز وجل يعبد بعلم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] إن سلامة الشباب المسلم من الزلل.. إن عصمة الشباب المسلم من الاستدراج، لا تكون إلا بقدر حظهم من العلوم الشرعية، ومن رام في هذه الدنيا سيراً يسلم معه من التخبط في الزلل وفي فخاخ الاستدارج على غير علم أو بعاطفة عاصفة وحدها، فيا صعب ما طلب! ويا عز ما أراد! لأن العلم هو -بإذن الله- عصمة من الوقوع في المزلات والمذلات.

    وهذا الحديث -أيها الأحبة- ونخص بذلك طلبة العلم والناشئة، هذا الحديث فيه حضٌ على الجد والمثابرة والصبر والمصابرة على الطلب والتعليم والتحصيل والتصنيف والتأليف أيضاً، فما يدريك ما الذي يبقى وينفع بعدك؟

    علوم انتشرت بعد وفاة أصحابها

    قيل للإمام مالك بن أنس رحمه الله قيل له لما صنف الموطأ: كم من عالمٍ ألف توطئة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما كان لله بقي، فإذا نال طالب العلم توفيقاً بإخلاص واجتهاد، وأراد بعلمه وتأليفه وجه الله، نفع الله بعلمه وبارك في أثره من بعده، حتى أننا في هذه الدنيا لا يكاد يمر يوم إلا وكثير من الخلق لا يحصيهم إلا الله، في عصرنا هذا، في أيامنا هذه يقلبون كتباً -ونحن في القرن الخامس عشر- يقلبون كتباً لأقوام ماتوا في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس، كم بيننا وبينهم من مئات السنين؟! وما الذي جعل هذه الآثار من مؤلفات وكتب وغيرها تقفز على حواجز الزمن، وتتخطى حواجز التاريخ، لتصل من قرونهم إلى قروننا؟ فنستفتح الحديث بعد حمد الله والصلاة والسلام على نبيه بالدعاء لهم بالرحمة والمغفرة في أول مطالعاتنا وآخرها، في أول بحوثنا وختامها، ما ذاك إلا لفضل العلم.

    هل سمعتم أقواماً في المساجد أو في المجامع يقولون: قال التاجر الفلاني رحمه الله، قال الثري الفلان رحمه الله، قال ذلك الذي نال منصباً رحمه الله؟ ما أندر ما يذكر أولئك! مع ما كانوا عليه من الأموال والثروات والمناصب والرئاسات إلا من حكم فعدل، وملك فأعطى، وعلم فعمل، وجاهد فثبت، وتعبد فكابد الليل والنهار.

    فحسبك خمسةٌ يبكى عليهـم     وباقي الناس تخفيفٌ ورحمة

    أقول يا عباد الله: إننا لنلحظ ونرى أننا في كل صباح ومساء، وكل غدو ورواح ندعو لأولئك العلماء مع أنه لا صلة في القرابة بيننا وبينهم بقرابة النسب أو العصبة إلا قرابة التقوى ومحبة الدين والأخوة في الله عز وجل.

    فيا أيها العقلاء! اجتهدوا في أن تبقى لكم أعمال بعد موتكم ألا وإن خيرها -كما قال صلى الله عليه وسلم- أن يترك العبد علماً نافعاً، علماً ينتفع به.

    وفي المقابل أولئك الذين تركوا مؤلفات ضلوا بها وأضلوا عن سواء السبيل، الذين دعوا إلى البعث والعلمانية، الذين دعوا إلى إبعاد الدين عن الحياة، الذين دعوا إلى الربا يحللونه بمختلف الأساليب والوسائل، الذين دعوا إلى الوقوع في المنكرات، الذين دعوا إلى غشيان المحرمات يسمونها بغير اسمها، يحللونها، يتمحلون الأقوال، ويبحثون عن غرائب الشواذ من الآراء، أولئك -أيضاً- عليهم وزر ما كتبوا ومن أوزار الذين يضلونهم بسبب ما تركوه من هذه المؤلفات، فالعاقل يترك بعده علماً ينفعه بإذن الله عز وجل.

    وكم كنت أردد ما رأيته بأم عيني ونحن ذات مرة في الصين الكبرى التي يبلغ سكانها من الوثنيين والشيوعيين ما يزيد على المليار نسمة، إذ بنا نجد في طريق من الطرقات في شارع من الشوارع بيتاً صغيراً يسكنه عالم من علماء المسلمين صيني عجوز وهو يدرس في مكانه المتواضع، وقد أسدل سترة بين مقدمة هذا المكان ومؤخرته ليكون حاجزاً بين البنين والبنات، إذ به يدرس الأصول الثلاثة وكشف الشبهات للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، إن الشيخ قد توفي عام (1206هـ) وذلك المشهد الذي رأيناه من ذلك العالم الصيني الشيخ الكبير يدرس عام (1413هـ) كم بين تاريخ وفاته رحمه الله وبين هذا المشهد الغريب العجيب؟ لا قرابة ولا معرفة ولا نسب إلا بالتقوى والمحبة في الله، وما خطر على قلب الشيخ/ محمد وهو في زمن لم تعرف فيه المطابع بتطورها ولا أجهزة الفاكس ولا الرسائل الهاتفية ولا البريد السريع ولا وسائل النقل السريعة، هل خطر بباله وهو يؤلف هذا في الدرعية أنه سيقرأ ويدرس بعد مائتي سنة أو بعد ثلاثمائة سنة في الصين؟! في بلاد الشيوعية؟! في البلاد التي تقول: لا إله والحياة مادة؟! نعم، رحم الله الإمام مالك حين قال: ما كان لله بقي.

    كم بارك الله لقلبٍ فانتفع     والله إن بارك في شيءٍ نفع

    لقد بارك الله في تلك الرسائل الصغيرة في حجمها، الجليلة في قدرها، فشرقت وغربت، لتنقذ الأمة من ظلمات الوثنية، ومن تخبطات الشرك وما ينافي التوحيد.

    ضرورة الصبر لتحصيل العلم

    الأمر الآخر يا عباد الله: ينبغي أن نعلم حاجتنا إلى هذا العلم والصبر على تحصيله، فإن العلم والتأليف بعده لا ينال بالتمني ولا بالتسويف، وإنما ينال بالصبر والمجاهدة، فهذا أبو إسحاق الألبيري الغرناطي رحمه الله يكتب رسالة شعرية طويلة يوصي فيها ولده بطلب العلم فيقول له:

    تفت فؤادك الأيام فتا     وتنحت جسمك الساعات نحتا

    وتدعوك المنون دعاء صـدقٍ     ألا يا صاح أنت أريد أنت

    فكم ذا أنت مخدوعٌ وحتـى     متى لا ترعوي عنها وحتى

    ثم يقول عما يدعو ولده إليه:

    إلى علمٍ تكون به إماماً     مطاعاً إن نهيت وإن أمرتا

    ينالك نفعه ما دمت حياً     ويبقى ذكره لك إن ذهبتا

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددتا

    فقوت الروح أرواح المعاني     وليس بأن طعمت ولا شربتا

    إذا ما لم يفدك العلم خيراً     فخير منه أن لو قد جهلتا

    وإن ألقاك علمك في مهاوٍ     فليتك ثم ليتك ما فهمتا

    وليس لجاهلٍ في الناس فضـلٌ     ولو ملك العراق له تأتى

    وما يغنيك تشييد المباني     إذا بالجهل نفسك قد هدمتا

    لئن رفع الغني لواء مالٍ     لأنت لواء علمك قد رفعتا

    أهمية المساهمة في نشر العلم

    نعم، إذا مات ابن آدم انقطع أثره، وانقطع عمله، وانقطع ذكره، وانقطع ما بعده إلا إن ترك علماً ينفعه بإذن الله، فإن لم نكن علماء ولم نستطع أن نؤلف علوماً نافعة، فلن نعجز عن نشر علوم قد ألفها علماؤنا وأسلافنا، كم من المسلمين في أفريقيا بمختلف اللغات المحلية في بلدانهم يحتاجون إلى ترجمة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ويحتاجون إلى ترجمة كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ويحتاجون إلى رسائل علمائنا كالشيخ ابن باز وابن عثيمين وهم لا يجدون مالاً يشترون به هذه الكتب، ولا يجدون مالاً ينفقونه على ترجمتها.

    نعم ولله الحمد والمنة لقد وفقت مكاتب دعوة الجاليات في بلادنا هذه إلى ترجمة كثير من الكتب النافعة في باب العقائد والعبادات الصحيحة، ولكن أين من ينفق عليها؟ وأين من يتصدق لأجل تصديرها إلى شرق آسيا وإلى الهند وإلى أفريقيا وإلى بلدان أوروبا؟ إن الحاجة إلى مثل هذا العلم ماسة، فلو أن غنياً من الأغنياء قال: لست بعالم ولست بمؤلف فأدع ما تذكرون فضله في هذا الحديث، نقول: لن تعجز أن تجعل في أموالك في كل سنة أو في كل نصف سنة وأن تجعل في وصيتك مبلغاً طيباً لتجعله وقفاً على طباعة كتب العقيدة والعبادة الصحيحة بمختلف اللغات حتى ينتشر العلم والعبادة في شتى أقطار الأرض.

    إن أعداء الإسلام يوم أن أسقطوا الخلافة الإسلامية، أول ما ذهبوا يكسرون ويهدمون أخذوا يهدمون الأوقاف، أخذوا يهدمون تلك الثروات الطائلة التي كانت موقوفة على كفالة طلبة العلم، وكانت موقفة على طباعة الكتب وعلى كفالة الدعاة وعلى ضمان نفقات المعلمين والعلماء ليشتغل من اشتغل بالعلم غير مهتم بأمر الدنيا، فمن كُفي أمر دنياه اشتغل بأمر دينه، لما أرادوا أن يعطلوا هذه الأعمال الدعوية والعلمية وغيرها بدءوا بمصادرها التي تدر عليها وتنفق عليها، فصادروا مليارات الأوقاف من أموال المسلمين، وهذا مما ينبئك بالإعجاز الإلهي في أسرار التشريع الذي شرع لأمة الإسلام الوصية والوقف حتى تبقى الأمة على ضمانة في الإنفاق والتمويل لمشاريع العلم والدعوة.

    فيا أيها الأحبة: حينما نتكلم عن العلم النافع لا يقولن أحدٌ: إني عاجز، إنك لن تعجز أن تطبع كتباً ولو في كل شهر عشرة من الكتب، ولو في كل سنة مائة كتاب، لو أننا أشغلنا هم الإسلام وأرقنا هم الإسلام وشاغل قلوبنا الدعوة إلى الله للمسلمين في كل مكان، لو وجدت هذه الدعوة نصيباً وافراً وحظاً متصدراً من دخولنا ومرتباتنا وأقواتنا، ولكن كل منا يدعي اهتمامه بالدعوة وشتان بين الاهتمام والحقيقة.

    والكل عنك بنفسه متشاغـلٌ     ويرى بأن سبيله إذناك

    وكلاً يدعي وصلاً بليلى     وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا

    ما أكثر الذين يدعون اهتماماً بالدعوة وحظ الدعوة من عملهم قليل! وإنا والله على خوف أن نكون من أولئك حتى لا يغتر واحد بنفسه، فإن من أراد أن يعطي الدعوة حقها، لم يكن له في الدنيا مأرباً ونصيباً، وإنما تشغله الدعوة في ليلها ونهارها، أما نحن فقد خلطنا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، واختلطت عندنا أمور الدين بالدنيا، فنسأل الله أن تكون دنيانا عوناً لنا في ديننا ودعوتنا.

    1.   

    الصدقة الجارية بعد الموت

    الأمر الثاني -أيها الأحبة- لمن أراد أن يبقى أجره وثوابه وحسناته مضاعفة بعد موته: عليه بأن يجتهد في الصدقة الجارية.. بناء مسجد.. حفر بئر.. كفالة داعية.. ترجمة كتاب.. إنشاء دار لتعليم القرآن.. تأسيس دار لكفالة الأيتام واليتامى والأيامى من المسلمين والمسلمات، كل هذه من الصدقات الجارية التي ما تربى فيها مسلم أو مسلمة، فسلم من شر التنصير، ووفق إلى فضل التوحيد بسببها، إلا وكان لمن سبلها أو حبسها أجرٌ عظيم بإذن الله عز وجل، فالعاقل -أيها الأحبة- يجتهد في هذه الصدقات الجارية.

    وإني لأعجب خاصة عندنا في هذه البلاد أو في هذه المنطقة كثيراً ما يمر علينا وصية رجل من الرجال حياً أو ميتاً، فتراه قد خلف مالاً كثيراً، وقال في نص وصيته بعد أن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة والنار حق، وأن الله يبعث من في القبور أوصى بثلث ماله في أضحية له وأضحية أخرى لوالديه. وإذا قلبت ثلث ماله وجدت ثلث هذا المال قد بلغ مئات الألوف أو بلغ الملايين، فكيف يرضى أن يحجر الخير عن نفسه وأن يحرم نفسه فضلاً عظيماً، فيجعل الثلث كله في هذه الأضحية وربما البقية الباقية من هذا أخذها أولاده يقتسمونها أو وجد فيهم من يعود بصرفها إلى أبواب البر بعد نزاع وشقاق طويل مع الورثة؟

    أيها الأحبة! عجباً لرجل عنده مصنع يستطيع أن يشغله الليلة، ثم يقول: إذا مت فشغلوا هذا المصنع، عجباً لرجل عنده مورد يدر عليه الحسنات من هذه الليلة، فيقول: إذا مت فابدءوا بتوريد الحسنات علي. هذا من الجهل والغفلة، إذا كان عندك ما توصي به أليس من الخير لك أن ترى ثمرات عملك وأنت حي؟ بعضهم يريد أن يوصي بثلث ماله، وثلث ماله يساوي مسجداً صغيراً أو كبيراً، جامعاً هنا أو في بلدة إسلامية أخرى، ثم يقول: إذا مت فاجعلوا في ثلثي كذا وكذا، ما الذي يضيرك وأنت صحيح شحيح غني حفي تخشى الفقر وترجو الغنى أن تنتصر على نفسك من الساعة، وأن تخرج ثلث مالك، وأن تذهب لترى موقعاً من البلدان في هذه البلاد أو في غيرها يحتاج إلى بناء مسجد أو مسجداً فيه كثافة من السكان فتؤسس بجواره مدرسة لتحفيظ القرآن، وتؤسس فيها منزلاً لهذا المدرس وزوجته، واعلم بعد ذلك أنه ما حفظ القرآن حافظ، وما تعلمه متعلم إلا ولك أجره، إذ أنك السبب في إنشاء هذه المدرسة وإنشاء بيت يسكنه هذا المعلم.

    ما الذي يجعلك تؤخر الأجر إلى ما بعد موتك؟ هل أنت بخيل على نفسك بالحسنات أم تسوف؟ وإن التسويف آفة الأعمال؛ لأن كثيراً من الناس يقول: سوف أجعل داراً للأيتام.. سوف أبني مدرسةً للقرآن.. سوف أبني مسجداً.. سوف أكفل داعية.. سوف أكفل يتيماً.. سوف أجهز غازياً، سوف أطبع كتباً، وبعد ذلك تأتيه المنية في ساعة ما خطر على باله أن توافيه المنية بها، ثم يموت وقد ترك آلافاً من التسويف وما ترك أمراً ينفعه.

    العاقل من يبادر من هذه اللحظة، لئن كانت وصيتك قد كتبتها وحررتها في أمور الخير بعد موتك، فحررها من الآن واشتغل بشيءٍ واجعلها في عمل ينفعك من الآن، ما الذي يضيرك أن تجلس في حلقة في مدرسة قرآن لا يعرفك الناس وأنت الذي بنيتها، وأنت ترى هؤلاء الطلاب يترنمون ويغردون، أصواتهم كأصوات البلابل في تغريدها، وألحانهم طيبة بالقرآن الكريم؟ أنت في هذه الحلقات تلتفت يمنة فإذا بالصغار يحفظون، ويسرة فإذا بالكبار يتعلمون، وأمامك فإذا بالمعلم والمعلمين يعلمون، وفي قرارة نفسك، والناس لا يعرفونك تقول: الحمد الله الذي أراني، الحمد لله الذي نصرني على شهواتي وشيطاني وشر نفسي فجعلني أرى هذا الخير الذي هو من خالص مالي ولا يعلم به أحد.

    خير لكم -يا عباد الله- أن يكون للعبد سر بينه وبين الله من الأعمال الصالحة، إن أناساً لهم من الأعمال الصالحة ما لا تعلمه زوجاتهم ولا يعلمه أولادهم، يمشي مع الأحفياء الأخفياء الأتقياء فيسمع بمسجد يبنى أو بدار للقرآن تشيد أو بمعهد لكفالة الأيتام وتعليمهم العلم الشرعي فيأتي ويقول: هذه أمانة من فاعل خير وهو صاحب خير بعد الله عز وجل، وهو صاحب المال، لكن يريد ألا يعرف بأي حال من الأحوال، لا تعلم زوجته ولا أولاده ولا أهله (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) عساه أن يكون منهم: الذي أنفق نفقة وتصدق صدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.

    الواقع -يا عباد الله- يدعونا إلى أن نبادر، فإن أمة الإسلام بحاجة إلى نفقاتنا، وإن الشيطان كما قال الله عز وجل: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268] في هذه الأيام وقبلها وبعدها تسمع كثيراً من الناس يقول: إن النقدية عزيزة، وإن النفقة بسخاء صعبة المنال، وإن الناس لا تكاد تجد منهم من يبذل بسخاء بسهولة، وإن .. وإن .. وإن .. حتى إذا دعي إلى بناء ونفقة وصدقة وكفالة؛ تقهقر ونكص على عقبيه بسبب هذه الأقاويل، وما تنفعك كثرة الأموال إن دفنت؟ وما تنفعك إن كفنت؟ وما تنفعك إن جعلت في القبر هذه الليلة أو بعدها؟ فبادر بهذا المال إنفاقاً لله عز وجل (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) ومنها هذه الصدقة الجارية.

    فاجتهدوا، ومن كتب وصيةً ولو ختمت وصدر بها صك شرعي، فاعلموا أنه بوسعك شرعاً أن تذهب إلى القاضي وتقول: هذه وصيتي بختمك وخطك، إني غيرت فيها كذا وكذا وكذا، إذ أن بعض الناس يقول: ما أجمل ما سمعنا! ولكن قد جفت الأقلام وطويت الصحف، وكتبت الوصايا وختمت بالأختام، فلا نستطيع أن نغيرها، الوصية تبرع مضاف لما بعد الموت، وهذا يعني أنك قبل الموت تستطيع أن تغير وأن تتصرف فيها، أما إذا مات الرجل، فإن من بعده لا يجوز لهم أن يغيروا في وصيته شيئاً، وعلى الذين يبدلون هذه الوصية بعد موت الموصي بها عليهم من الله إثم عظيم.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الولد الصالح ووصول خيره إلى الميت

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد..

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة! وتتمة هذا الحديث الذي هو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم بأن العبد إذا مات انقطع عمله، تتمته أن العبد لا ينقطع عمله ولا ينقطع ثوابه ولا تقف حسناته، بل تتعاظم درجاته إذا خلف ولداً صالحاً يدعو له، والولد الصالح لا يكون بالتمني ولا بالتحلي، وإنما يكون بالتربية والصبر والمعاناة في سبيل تحقيق هذه التربية، ما أكثر الذين يخلفون الأولاد والذرية والبنات! ولكنهم عن التربية في غفلة، وعن الترشاد والتوجيه في شغل شاغل.

    ليس اليتيم من انتهى أبواه من     هم الحياة وخلفاه عليلا

    إن اليتيم هو الذي تلقى له     أماً تخلت أو أباً مشغولا

    ما أكثر الأيتام من أبنائنا! مع أن آباءهم موجودون وأمهاتهم موجودات، ما أكثر اليتيمات من بناتنا! مع وجود الآباء والأمهات؛ والسبب أن الأب مشغول صباح مساء، والأم مشغولة بالوظيفة، ولا يعلم الأطفال إلا الشاشة، ولا يوجههم إلا الأغنية، ولا يرفه عنهم إلا الملهاة التي لا تجوز، فكيف نريد ولداً صالحاً ونحن قد أسلمنا أبناءنا لخادمة تربي أو لسائق يوجه بعيداً عن توجيهنا وعنايتنا؟!

    أيها الأحبة! كم نعتني ببيوتنا وسياراتنا؟ كم نعتني بهذا الزجاج لكي نلمعه وبهذه الأبواب بصيانتها، وبهذه الدهانات على جدران بيوتنا وأسقفها لنغيرها فترة بعد أخرى؟ أما العناية بأولادنا فما أقل ذلك! ما أقل من يغري ولده بالمئات أو بالآلاف على حفظ القرآن الكريم! هل يوجد منا من يغري ولده بالمئات أو بالعشرات على حفظ الأحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل ربما تجد الرجل الغني الثري عنده عشرة من الخدم ما بين سائق ومزارع وحارس... الخ ولا يوجد عنده معلم من طلبة العلوم الشرعية الذين يوثق بعلمهم وتقواهم، ليعلم أولاده بعد العصر إلى أذان العشاء.

    لقد أسكنت في بيتك أنواعاً من الجنسيات وعدداً من الشخصيات، أما بيتك فقد خلا من معلم ليعلم أولادك في حال غيبتك إذا كنت مشغولاً أو لست بقادر على أن تقوم بالعملية التعليمية! كيف كان أولاد الخلفاء؟ يجيدون الشعر والكلام والفقه والتفسير والحديث؟ كان الخلفاء إذا ولد لأحدهم ولد، دعوا المربين والمعلمين فأسلموا الولد إلى هذا المربي ليربيه في صباحه وعشيته وغدوه ورواحه، يعلمه الفروسية والرماية وركوب الخيل والرجولة ومعاملة الناس والحوار والمنطق والكلام والمناظرة وحسن الأدب والتاريخ واللغة، يعلمه كل فن حتى إذا شب عن الطوق وناهز الاحتلام وبات شاباً، يجالس الرجال كأكبر عقل في المجالس التي يجلسها.

    أما نحن فأنتم ترون بعض أبنائنا، الواحد منهم في العشرين لا يحسن محادثة الرجال، وبعضهم قد تجاوزها ولا يعرف كيف يتحلى بمكارم الأخلاق في المروءات والآداب والمعاملات، من أين جاءنا هذا؟ الجواب سهل: الشاشة تربيهم، والخادمة تلاحظهم، والسائق هو وليهم، والأب مشغول عنهم، والأم بصويحباتها وذهابها وإيابها مشغولة، إنك لا تجني من الشوك العنب

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها     إن السفينة لا تجري على اليبس

    إننا نعلم عدداً كثيراً من طلبة العلم من أهل العقيدة والسنة والجماعة في مختلف البلدان المجاورة الذين يوثق بدينهم ما ضرَّ الواحد منا لو استقدم إن كان قادراً، واستوفد إن كان متمكناً واحداً أو اثنين لتربية أولاده إن كان مشغولاً بأمور عن ذلك؟

    اليوم -أيها الأحبة- الشاشة تأخذ من أولادنا أكثر مما يأخذون منا، الشاشة تخاطب أولادنا أكثر مما نخاطبهم، ناهيك عن جلساء السوء وعن الجيران في الشوارع، وعما يحدث في المدارس وعن، وعن...، إن التربية هذا اليوم أصبحت مسألة عظيمة خطيرة عزيزة المنال، إذا ذكر أن عند فلان ولداً قد أحسن تربيته، يتحدث الناس به وذلك لقلة عناية القوم بالتربية، لا تكاد تجد بيتاً إلا وفيه خادم وسائق ويدفع على ذلك آلافاً، أما أن يدفع آلافاً على تربية الأولاد إن كان الأب قادراً ومشغولاً عن التربية فهذا بعيد المنال!

    والله تعظيماً لو أنفق الواحد نصف ماله في تربية أولاده لكان خيراً، أوليس ولدك إذا حفظ القرآن، تدعى يوم القيامة كما في الحديث على رءوس الخلائق فتكسى ويوضع على رأسك تاج الوقار، فتقول: يا ربي! بأي شيء هذا؟ فيقال: بتعليمك ولدك القرآن، إنها منقبة عظيمة ومنزلة جليلة لكننا غفلناها، أما الملابس، فلا تسل عن أفضل الموضات وأحدث الأزياء وأرقى النوعيات وأغلى الأسعار في لباسهم، وأما الأطعمة فحدث ولا حرج عن ألوانها وأعدادها، وأما وسائل الترفيه عند كثير من الناس فإن كان في البيت دش -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يقلب لهم أنواع الشاشات والموجات والمحطات، مع الأغاني، والملاهي، ولا تجد لهذا الطفل من يربيه على الصلاة مع الجماعة، وعلى آداب الدخول والخروج، وعلى مصافحة الرجال والحديث معهم، وآداب النوم والاستيقاظ، وسلامة اللسان من السب والشتيمة، والكلام الفاحش واللعن البذيء، تجد أطفالاً صغاراً يسبون سباباً ويشتمون شتائم يقف شعر رأسك من هولها وهم لا يزالون أطفالاً! من أين تعلموا هذا؟ من الشارع، يأتون بكلمات عجيبة، من أين جاءت؟ من هذه الشاشة وهذه الأفلام وهذه المسلسلات.

    فيا أحبابنا! من سره أن يموت وتمضي حسناته، فعليه بذريته، وكم من رجل وأعرف بعضهم تمنى أن لو كان عقيماً ولم يبتلَ بولد عاق مجرم يؤذيه ويؤذي إخوانه! وكم من رجل تمنى أن لو كان عقيماً ولم يبتلَ بولد سود سمعته وشوه صفحته بين الناس.

    فإذا سرك أن تتشرف بولدك، فعليك بالتربية، وعليك بالعناية، وإن كنت عاجزاً عن أن توفر له معلماً ومدرساً، فلن تعجز أن تبحث له عن ثلة طيبة صالحة، قد يقول قائل: ومن لي بمال حتى أستوفد به معلماً يعلم أولادي، يراجع كتبهم، يحل واجباتهم، يذكرهم ويذاكرهم، يعلمهم القرآن؟ من أين لي هذا المال؟ أنا بالكاد أجد مصاريف الكهرباء والماء والقوت فمن أين أجد هذا؟ أقول له: إذا عجزت عن ذلك، فلن تعجز أن تجد ثلة من الشباب من البراعم الصغيرة، تجدهم في مكتبات المساجد، وفي الجمعيات الإسلامية وفي المعاهد والثانويات والمدارس، اعتنِ بزيارة هذه المكتبة وخذ ولدك وعرفه عليهم، اعتنِ بزيارة المدرسة واسأل عن جمعية التربية الإسلامية، وعرف ولدك بهذه الجمعية ورائدها ومشرفها واجعله يعمل معهم، إذا عجزت عن ذلك، فلن تعجز أن يكون ولدك مع ثلة طيبة صالحة بإذن الله عز وجل.

    المهم ألا ندع هؤلاء الأولاد تربيهم الشاشات وأبناء الشوارع، وجلساء السوء، وقرناء الذهاب والإياب، بل نحن نربي أولادنا كما نريد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6] إن ولدك فتنة، إن ولدك عدو: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15].. إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ [التغابن:14] فكيف يكون هذا الولد رحمةً بدلاً من الفتنة، وبراً بدلاً من أن يكون عدواً؟ يكون بالعناية وبالتربية، فلا تستكثرن أخي الكريم ما تنفقه على ولدك بأي حال من الأحوال.

    أيها الأحبة! إن من حاجتنا أن ننتبه لما يراد بأبنائنا، إن حاجتنا أن نلتفت إلى أن من عناصر إصلاح مجتمعنا وواقعنا هو إصلاح هذا الجيل وهذا النشء الذي بين أيدينا، وعملية التربية في نصف عقد من الزمن، الجيل الذين أعمارهم عشر سنوات بعد ثمان سنوات أو عشر سنوات هم رجال، ويمثلون واجهة الأمة وصورة الأمة، فإذا كل واحد في هذا المسجد اعتنى بولده، لئن قلنا في هذا المسجد ألفي رجل، فحينما نعتني بألفي شاب، بألفي طفل، ويكونون شباباً صالحين، يكونون دعاةً منتجين، يكونون قادةً مصلحين، فإن الأمة تصلح بإذن الله عز و0جل، إن إصلاح القاعدة -إصلاح البيوت، إصلاح الذرية- من أهم الأمور بإذن الله عز وجل.

    أيها الأحبة: هذا نقوله لإصلاح واقعنا، ونقوله لحسنات نرجوها ونحن في اللحود، لثواب نرجوه ونحن في عداد الأموات، لثواب نرجوه ونحن في أطباق الثرى، والله إن العاقل إذا فاتت عليه ساعة لم يذكر الله فيها ولم يقم فيها بعمل صالح، عض على أصابع الندم كيف مضت ساعة لم يجعلها في طاعة الله أو فيها شيء من طاعة الله عز وجل، فما بالك وأنت ستبقى تحت التراب ساعات؟ لا. أيام؟ لا. أسابيع؟ لا. بل ربما سنوات وعقود وأطول وأطول، تخيل نفسك الآن أنك في المقبرة بجوار أهل القبور، تخيل نفسك أنك في اللحد، تخيل نفسك أنك في القبر وأنت رهين أسير في هذا القبر، لا تجري عليك حسنة واحدة، وأهل القبور لو تكلموا، وقيل لهم: تمنوا، لقالوا: نتمنى أن نخرج إلى الدنيا، فنقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لعظم أثرها وثوابها، فما بالك إذا ذكر الله وأجر الذكر لك؟ فما بالك إذا حفظ القرآن وأجر الحفظ لك؟ ما بالك إذا عمر المساجد وأجر عمارتها بالصلاة والتراويح والاعتكاف لك؟ ما بالك إذا شهد في سبيل الله وأجر الجهاد لك؟ ما بالك إذا تعلم الناس الخير وأجر هذا لك ولو كنت في قبرك؟ حينئذ -والله- لا يهمك أن تكون حياً أو ميتاً مادامت حسناتك جارية بإذن الله وسيئاتك قد كفرت بحسناتك: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا، اللهم أصلح إمامنا، اللهم اهد ولي أمرنا، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت به شراً له ولأمته، اللهم هيئ له بطانة صالحة تذكره بالحق إذا نسي وتعينه عليه إذا ذكر، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا وعامة المسلمين فينا والمسلمين أجمعين على طاعتك، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً.

    اللهم قنا شر الربا، وادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، والفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم اختم بالشهادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم ارحم المسلمين في فلسطين، اللهم مكن للمستضعفين في كل بلاد يا رب العالمين، اللهم عليك بالصرب واليهود، اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم اكفنا شر البعث ومن عاونهم، اللهم اكفناهم بما شئت، إنك أنت السميع العليم.

    اللهم لا تسلطهم علينا بذنوبنا، اللهم لا تسلطهم علينا بذنوبنا، اللهم لا تسلطهم علينا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تسلطهم علينا بذنوبنا يا رب العالمين.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    إن الله يأمر بالعدل في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وفي الغضب والرضا إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.