إسلام ويب

بيوت اللهللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المساجد لها أهمية عظيمة في دين الإسلام، فهي أحب البقاع إلى الله، وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد، وجعله أول قاعدة تنطلق منها الدعوة إلى الله، وزيادة في أهمية المساجد فقد كرمها الله عز وجل فجعل لها حرمة، ووضع لداخلها آداباً يلتزم بها، وفي هذه المادة تجد الكثير الكثير من ذلك.

    1.   

    المساجد ومكانتها في الإسلام

    إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    فضل الذهاب إلى المساجد

    معاشر المؤمنين: إن المساجد في دين الإسلام لها مكانةٌ عظيمة ودورٌ عظيم لما فضلها الله سبحانه وتعالى، وجعلها بيوت إقامة الشعائر والعبادة، وجعلها مكان اجتماع للمصلين، وجعلها مهابط نزول ملائكته، حيث تشهد العباد، ملائكته النهار تشهد العباد مصلين، وتفارقهم وهم يصلون، وملائكة الليل تشهد العباد مصلين، وتفارقهم وهم يصلون، ولذا كان لهذه المساجد فضلٌ ومكانةٌ، ودورٌ عظيمٌ في دين الإسلام وفي نفوس المسلمين أجمعين، ولقد جاءت السنة النبوية المطهرة بما يزيد دلالة على مكانة هذه المساجد، وبما يزيد دلالة على فضلها وعظيم لزومها، ومكانة وحسن الأجر والثواب لمن أكثر الخطا إليها، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح) متفقٌ عليه. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله؛ كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة) رواه الإمام مسلم.

    فضل العناية بالمساجد

    ولا عجب في ذلك يا عباد الله! فهي بيوت الطاعة، ومهابط الملائكة، وأماكن اجتماع الموحدين، ولذا كان للعناية بها فضلٌ عظيم، وكان للذين يعتنون بها مزيد مكانةٍ حتى في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه سأل عن امرأةٍ عجوزٍ سوداء كانت تقم المسجد ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها، قالوا: توفيت، قال: هلَّا أخبرتموني بها؟ ثم قال: دلوني على قبرها، فذهب وصلى عليها) وما ذاك إلا لمكانتها من هذا الفعل الذي فعلته؛ وهو اهتمامها بنظافة المسجد.

    واعلموا يا عباد الله! أن تنظيف بيوت الله هو مهر الحور العين في الجنة، ولا شك معاشر المسلمين أن المساجد في بلادنا ولله الحمد تحظى من المحسنين والجهات المسئولة ما لا يحظى به غيرها في كثيرٍ من البلدان، وهذه من أعظم نعم الله على هذه المملكة، حيث يعتنى بإعداد الأئمة والمؤذنين والخدم، ويعتنى بنظافتها وإعداد مرافقها، كل ذلك لتحقيق الهدف الأول والأسمى، وهو تهيئة المساجد لعُمَّارها المصلين فيها.

    النبي صلى الله عليه وسلم وعنايته بالمسجد

    وقبل أن نخوض في دور المسجد ورسالته نود أن نذكر شيئاً عن مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم وبنائه.

    فقد روى أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة مهاجراً، فنـزل في علوها في حيٍ يقال له: حي بني عمرو بن عوف، فأقام عندهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملأٍ من بني النجار، فجاءوا متقلدين بسيوفهم، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر رديفه، وملأٌ من بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حيثما أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى ملأٍ من بني النجار، فجاءوا فقال: يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا -أي: ساوموني على شرائه منكم- قالوا: لا والله ما نطلب ثمنه يا رسول الله إلا من الله، قال أنس : فكان فيه ما أقول، كان فيه نخلٌ، وقبور المشركين، وخرب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقُطع، وأمر بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: وصفوا النخل قبلةً، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وهم يقولون:

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة     فارحم الأنصار والمهاجرة

    أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود .

    فتأملوا وانظروا يا عباد الله! عنايته صلى الله عليه وسلم بالمسجد حيث جعله أول عملٍ بدأ به بعد هجرته من مكة إلى المدينة، وتأملوا مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في البناء معهم بيده الشريفة، فقد ورد في بعض الروايات: (أنه صلى الله عليه وسلم لقيه رجلٌ وهو ينقل اللبن بنفسه، فقال: يا رسول الله! ناولني لبنتك أحملها عنك، فقال: اذهب فخذ غير هذا، فلست بأفقر مني إلى الله) يقوله صلى الله عليه وسلم، قال: (وجاء رجلٌ كان يحسن عجن الطين، وكان من حضرموت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله امرأً أحسن صنعته، وقال له: الزم أنت هذا الشغل، فإني أراك تحسنه) فهذه دلالة عظيمة على فضل المساجد وأهميتها، والمشاركة في بنائها بالنفس والمال، ولهذا كان لهذه الآمال أعظم الثواب عند الله سبحانه وتعالى، ففي البخاري وأحمد والترمذي عن عثمان رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي روايةٍ: (بنى الله له في الجنة مثله)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى مسجداً صغيراً كان أو كبيراً؛ بنى الله له بيتاً في الجنة) أخرجه الترمذي.

    فهذا يا عباد الله طرفٌ من الحديث عن أهمية هذه المساجد ومكانتها وفضيلة عمارتها وبنائها، ولما كانت المساجد بهذا القدر من الشرف والمكانة شُرع للمسلمين نظافتها والعناية بها، وورد النهي عن إحداث الأذى والقذى والقذر فيها، يدل على ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: أنه غضب حتى عرف ذلك في وجهه يوم أن رأى نخامةً في القبلة؛ فشق ذلك عليه، فقام فحكها بيده صلى الله عليه وسلم.

    فتأملوا يا عباد الله قيام النبي صلى الله عليه وسلم لحك النخامة بيده الشريفة عن جدار المسجد، فهل بعد هذا يتورع أو يترفع أحد من المسلمين عن إماطة القذر وإزالة الأذى من المسجد حينما يراه، والرسول صلى الله عليه وسلم يزيل الأذى بنفسه، ولم يأمر أحداً بإزالته؟!

    ويدخل في هذا ما يفعله بعض المصلين حينما يستعمل السواك في فمه، فيتفتت شيءٌ من قطع السواك في فمه فيبصقها أو فيتفلها من طرف شفاهه وهو في الصلاة أو وهو في المسجد على فراش المسجد، وهذا لا يليق، ولا يجوز فعله في المسجد، وإن كنا نراه في كثيرٍ من المسلمين، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البصاق في المسجد خطيئة) أخرجه الجماعة.

    حث الشرع على ذهاب النساء إلى المساجد

    ومما ينبغي العلم به من الأحكام المتعلقة بالمساجد: أن النساء يجوز لهن دخول المساجد والصلاة بها، وحضور الندوات والمحاضرات فيها، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)، وفي روايةٍ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) إلا أنه ورد في بعض الروايات أن صلاة المرأة في بيتها أفضل.

    وعلى أية حال، ففي هذا دلالة على مشروعية تهيئة الأماكن المناسبة والمخصصة للنساء في المساجد لمصالح عديدة، أهمها: حضور الخطب والمحاضرات والندوات والدروس الشرعية التي تعود عليهن بأكبر الأثر نفعاً وفائدة، وتزداد الحاجة إلى تخصيص الأماكن للنساء في المساجد في هذا الزمان؛ لقوة الحملة الموجهة إلى النساء الداعية لهن إلى السفور، وترك الحجاب، والاختلاط في الأعمال والتعليم والانحلال، وليس هذا أمراً بدعاً من المتأخرين، ليس مشروعية تهيئة الأماكن المناسبة للنساء أمراً بدعاً من المتأخرين، ولقد مرَّ معنا من الأحاديث ما يشهد لمشروعيته، بل قد ورد ما يدل على تخصيص مداخل معينة للنساء لا يشاركهن الرجال فيه، ففي سنن أبي داود عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع: [فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات] وعن نافع قال: [كان عمر رضي الله عنه ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء] أخرجه أبو داود.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36-38].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    المساجد والأحكام المتعلقة بها

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المؤمنين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    معاشر المؤمنين: إن لبيوت الله أحكاماً وآداباً عديدة ينبغي لكل مسلمٍ أن يتفطن لها، وأن يتفقه فيها، وأن يدركها تمام الإدراك؛ حتى يكون من الذين يقيمون لبيوت الله قدرها وشرفها وحرمتها، لا أن يكون كمثل الذين لا يبالون في أي مكانٍ دخلوا، أو في أي بقعةٍ حلوا، فإن بيوت الله لها من المكانة والحرمة ما ينبغي لكل مسلمٍ أن يتفطن لآدابه وأحكامه.

    النهي عن إنشاد الضالة في المساجد

    وإن من أحكام المساجد يا عباد الله: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا).

    ومثل هذا النهي عن البيع والشراء في المساجد، فعند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك) ويدخل في هذا يا عباد الله ما يفعله كثيرٌ من الذين يرغبون أن يروجوا لشيءٍ من السلع، سواءً كانت أشرطةً أو كتباً أو إعلاناً عن نقليات الحجيج أو العمرة أو غير ذلك، فيضعونها في المساجد، فإن المساجد ليست للدعاية ولا للإعلان، ولا يجوز أن توضع فيها هذه الأوراق، على الإطلاق بنص هذا الحديث، إذ هي بيوت ذكر لله، وبيوت للعبادة، وليست بيوتاً لنشر الإعلانات والدعاية فيها.

    النهي عن رفع الصوت في المساجد لغير حاجة

    ومن أحكام المساجد أيها الإخوة: النهي عن رفع الصوت في المسجد بما ليس بحق، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: [كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ ومن أين أنتما؟ قالا: نحن من أهل الطائف ، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم] أخرجه البخاري.

    النهي عن أكل البصل والثوم عند الإتيان إلى المساجد

    ومن الأحكام المتعلقة بالمساجد: النهي الشديد لمن يأكلون الثوم والبصل ونحوهما عن إيذاء الملائكة والمصلين بروائحها، قال صلى الله عليه وسلم: (من أكل البصل والكراث والثوم فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) فمن أكل شيئاً من هذه الأمور فليتق الله ولا يؤذي إخوانه المسلمين، ولا يجعل بعض المسلمين هذا حجةً لترك الصلاة مع الجماعة، بقوله: إني أكلت ثوماً أو بصلاً فلا أصلي مع الجماعة، فهذه حجةٌ شيطانية، ووسوسةٌ خبيثة من أجل ترك الصلاة مع الجماعة، بل الواجب على المسلم إذا أراد أن يأكل هذا أن يفعل ما ورد في بعض الآثار والأحاديث الأخرى والتي جاء فيها: (وإذا كان ولا بد فليمتها طبخاً) أي: إذا أكلها فليأكلها بعد طبخٍ يميت رائحتها، وإن أكلها لحاجةٍ فلا بأس أن يعطر فمه أو يعطر بدنه بشيءٍ يزيل هذه الرائحة التي تؤذي الملائكة والمصلين، لا أن يجعل هذا حجةً في ترك الصلاة مع الجماعة.

    وإن مما هو أخبث من الثوم والكراث والبصل الدخان الذي ابتلي به بعض المسلمين، منَّ الله علينا وعليهم بالهداية والإنابة، فإنه أخبث رائحة وأشد نتناً وإيذاءً للمصلين من هذه، إن له رائحة خبيثة وإيذاءً، حتى إن بعضهم إذا صف بجوارك لتهم بقطع صلاتك، واستئناف الصلاة في موضعٍ آخر مما يؤذيك من رائحته، فاتقوا الله يا عباد الله واعرفوا لبيوت الله حرمتها وآدابها.

    حرمة مكث الحائض والجنب في المساجد

    ومن أحكام المساجد أيضاً: أنه لا يجوز مكث الحائض ولا الجنب في المسجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إني لا أحل المسجد لحائضٍ ولا جنب) أخرجه أبو داود

    ويسن تطييب المساجد وتعطيرها بالطيب والبخور.

    حرمة اتخاذ القبور مساجد

    واعلموا يا عباد الله أن من أعظم نعم الله على هذه البلاد في مساجدها البعد عن وضع القبور والأضرحة في قبلة المساجد أو في ناحيةٍ من نواحيها، ذلك الأمر الذي ابتليت به كثيرٌ من بلدان العالم الإسلامي، بل فتنوا به فتنة عظيمة، وتنافسوا فيه، حتى أنك لا تكاد تسافر إلى بعض البلدان خاصةً تركيا وما شابهها ممن تأثر بها إلا وترى في المساجد الكبيرة القديمة كثيراً من الأضرحة والقبور، إما أن تكون في قبلة المسجد، أو في ناحيةٍ من نواحيه، وهذا لا يجوز إذ قد ورد عنه صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد لمن عظَّم القبور وجعلها معظَّمةً في المساجد أو عظمها كالمساجد، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم.

    1.   

    فضيلة بناء المساجد وحرمة زخرفتها

    واعلموا يا معاشر المؤمنين أن العناية ببناء المساجد أمرٌ عظيم، فإننا نرى كثيراً من أهل الخير وأهل المال والثرى من كبر في سنه أو أراد أن يوصي بوصيته أوصى ببيتٍ كبيرٍ أو بقصرٍ عامرٍ أو بعمارةٍ شاهقة فجعلها وقفاً في أضحية له، وأضحية أخرى له ولوالديه، وقد كان بإمكانه أن يستغل قيمة هذه العمارة، أو قيمة هذا القصر فيبني بها مسجداً متكاملاً، أو أن يشارك في بناء مسجدٍ يتكلفه نصف تكاليف وأعباء بنائه، إن هذا أمرٌ مهم، إذا كانت الأضحية يناله بإذن الله ثوابها في يوم الأضحى فقط، فإن بناء المساجد فيه فضلٌ عظيم إذا كان من مالٍ حلال، يكون أجر وثواب من صلوا فيها يناله شيءٌ من الأجر والثواب العظيم بفضل الله ومنه في كل يومٍ وفي كل لحظة، كل من صلى فيه فريضة أو نافلة، وكل من اعتكف فيها، وكل من قرأ القرآن فيها، فإن له ثواباً عظيماً، فاجتهدوا في ذلك يا عباد الله! وشاركوا وتنافسوا في بناء المساجد، وخصوا الأماكن التي هي بحاجة، بمزيدٍ من العناية.

    أسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم.

    اعلموا يا معاشر المؤمنين أن بعض أهل الخير وفقهم الله يسرفون أو يبالغون في بناء المساجد وزخرفتها إلى الحد الذي يجعلهم يبنون مسجداً بتكلفةٍ تكفي لبناء خمسةٍ أو عشرةٍ من المساجد، فلو فطنوا لذلك وانتبهوا وتنبهوا لذلك لكانوا بذلك ينالون أجوراً وثواباً وأعمالاً مضاعفةً من فعلهم هذا.

    أيها الإخوة: إن البعض يبني مسجداً يتكلف فيه أموالاً طائلة، ولو بنى المسجد بناءً متواضعاً جميلاً مهيئاً لائقاً، وخص بعض بلدان المسلمين في أفريقيا وشرق آسيا بما فضل من هذا المال لبناء عددٍ من المساجد هناك، إذ أن الأرض بأثمانٍ بخسة هناك، والأيدي العاملة بأثمانٍ بخسة هناك، وأجور البناء كذلك، وهم في أمس الحاجة إلى ذلك، إذا كنتم تعلمون أن بلدان أفريقيا تشكو وتعاني من التنصير، وأن النصارى ليل نهار يبنون الكنائس فيها، ويبنون دور التنصير، ويبنون دور إضلال المسلمين وبعدهم عن دينهم، فما بالنا يا عباد الله يتعصب بعضنا ولا يبني المسجد إلا هنا.

    نعم، إذا رأيت مكاناً بحاجةٍ فذلك خيرٌ لك أن تخصه بالبناء، وأن يكون البناء متواضعاً بقيمة مناسبة على وضعٍ مناسب، لا أن تبذل المال كله فيه وتترك إخوانك في الباكستان وفي الهند وفي بورما وفي أفريقيا وفي كثيرٍ من الدول والأماكن التي هي بأمس الحاجة إلى بناء المساجد والمراكز الإسلامية.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا وإياكم خالصةً لوجهه.

    1.   

    سبل تفعيل دور المساجد

    بناء المكتبات التابعة للمساجد

    اعلموا يا عباد الله أن من دور المسجد أن يكون مكان تجمعٍ لشباب الحي، وأن يكون مشعلاً وقنديلاً للهداية والتأثير على أبناء كل حي، إذ أن المسجد ولا غرابة في ذلك إذا كان يحظى بجماعة من المصلين اليقظين المثقفين المهتمين المعتنين بأبناء حيهم، فإن المسجد بإذن الله يكون له دور إشعاعٍ ودور تأثيرٍ في التأثير على أبناء الحي والمجتمع، ولذلك سبلٌ عظيمة، وعديدة، أولها: بناء مكتبة مناسبة في المسجد وتزويدها بعددٍ من الكتب، وتأمين هذه المكتبة بما يلزم فيها من الأماكن المناسبة للمذاكرة، وإعداد الواجبات؛ لكي يتعود أبناء الحي على ارتيادها ومعاودتها، يستذكرون فيها دروسهم، ويعدون فيها واجباتهم، ويقرءون فيها الكتب التي تفيدهم.

    تأسيس حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد

    والأمر الثاني من الأمور التي ينبغي أن تعنى بها المساجد وأن يعتني بها الذين هم مسئولون عن المساجد: أن يجعلوا في كل مسجدٍ من المساجد حلقةً لتحفيظ القرآن الكريم، وتعليمه وتدريسه للكبار والصغار، فهذا من أهم الأمور.

    تخصيص مكان للنساء في المساجد

    وكذلك أيضاً: تخصيص مكانٍ للنساء بحيث إذا أقيمت ندوة أو محاضرة أو درسٍ من الدروس العلمية النافعة لكي يحضره نساء أهل الحي، لا أن تبقى النساء دائماً في البيوت لا يعرفن إلا القليل القليل من أحكام دينهن، فإن هذا مما يجعل للمساجد دوراً عظيماً.

    1.   

    أهمية صلاة الجماعة في المساجد

    أول وأهم وأعظم وأجل مهمةٍ للمساجد: اجتماع المصلين فيها، وعمارة المصلين لها، وإن كنا في هذا الزمان نلاحظ وندرك أن المساجد تشكوا إلى ربها قلة العمار الذين يحافظون على الصلاة مع الجماعة فيها، خاصةً صلاةً الفجر التي ترتفع فيها المآذن بالتكبير ودعوة (حي على الصلاة) ولكن الكثير عن فرائض الله غافلون، ولكن الكثير عن إجابة دعوة الصلاة في سباتٍ عميق، أبالت الشياطين على رءوسهم؟ أم عقدت العقد على نواصيهم؟ أمَا يتقون الله جل وعلا؟

    الواحد منهم يستمتع بسمعه وبصره وجوارحه وكل نعيمٍ وفضلٍ وخيرٍ في ماله وأهله وولده، فإذا دعاه الذي خلقه من العدم، وأنعم عليه بالمال، وأسبغ عليه وافر النعم، ودفع عنه سائر النقم، إذا دعاه ربه إلى إجابة داعي الفلاح تقلب في فراشه وتهاون وترك الصلاة، أمَا يخشى الله؟

    أمَا يخشى الذي خلقه ورزقه هذه النعم، أن يسلب عنه نعمة هذه الجوارح؟

    وعند ذلك يبقى معذوراً إذا لم يصل في الجماعة، إذا أصبح أشل لا يقوى على الحضور، أو أعمى لا يجد من يقوده، أو أصبح عاجزاً لمرضٍ لا يقوم به من فراشه، عند ذلك يجد لنفسه العذر ألا يحضر إلى المسجد، فما بال القادرين؟ ما بال الأصحاء؟ ما بال الأقوياء يتخلفون عن حضور المساجد؟

    وإننا لعلى تقصيرٍ عظيم في تفقد إخواننا الذين لا يحضرون الصلاة معنا في الجماعة، وإن من واجب جماعة المسجد ومن رسالة المسجد ودوره ومكانته أن يتفقد أهل الحي جيرانه الذين لا يصلون، فإن كانوا يصلون في مساجد أخرى اطمأنوا إلى حالهم، وإن كانوا يتهاونون بالصلاة زجروهم ووعظوهم في أنفسهم، وقالوا لهم قولاً بليغاً حتى يصلوا في المسجد مع الجماعة، أو ينفروا ويغادروا من الحي، ورحم الله زماناً قريباً، كان الذي لا يصلي فيه يؤذى من أهل الحي حتى يخرج ويغادر الحي؛ لأن أهل الحي لا يريدون ولا يرغبون من يسكن معهم إلا أن يكون محافظاً على الصلاة مع الجماعة، بعد أن يعظوه وينصحوه ويدعوه إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

    أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم، وأن يجعلنا من عُمار المساجد الملازمين للذكر فيها والعبادة، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد نساءنا بتبرجٍ وسفورٍ، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء!

    اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم من أراد بهذا الدين تحويلاً وتبديلاً، اللهم من أراد بهذه الشريعة تغييراً وتحريفاً، اللهم من أراد بهذا المجتمع خوفاً وزعزعة، اللهم أهلكه على رءوس الأشهاد، اللهم افضحه ولا ترحمه يا رب العالمين!

    اللهم افضحه على رءوس الخلائق يا رب العالمين!

    بقدرتك يا جبار السماوات والأرض!

    اللهم عليك بالإيرانيين الرافضة الفرس، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أهلكهم بدداً، واحصهم عدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم لا ترفع سوط عذابك عنهم، وارفع يد رحمتك عنهم، اللهم اجعلهم أحزاباً متضاربين، وطوائف متناحرين، وأهلك الظالمين بالظالمين، ونج اللهم أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم عجل زوالهم، اللهم قرب فناءهم، اللهم عجل زوالهم بقدرتك يا جبار السماوات والأرض!

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والسعادة والعافية على طاعتك، ومن كان ميتاً فنوِّر ضريحه، وافتح له باباً إلى جنتك، اللهم نوِّر أضرحة موتانا، اللهم افتح لهم أبواباً إلى الجنان، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم ضيفهم برحمتك، اللهم قابلهم بعفوك، اللهم عاملهم بمنك وبرحمتك يا أرحم الراحمين!

    إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أسيراً إلا فككته، بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا إله إلا أنت الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، اللهم اسقنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اجعله سقيا رحمةً منك عندك وفضلٍ ومنٍ من عندك يا رب العالمين!

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738246317

    عدد مرات الحفظ

    684534186