إسلام ويب

العقول المعطلةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أشد ما يطمس العقل البشري: هو التعصب الجامد المظلم لما كان عليه الآباء، جهلاً أو تجاهلاً لقول الله: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). إن الذين لا يقبلون الحق بحجة اتباع الآباء والأجداد لا ينفع معهم حوار الفكر والمنطق؛ لأن عقولهم مازالت في خزائن الآباء والأجداد معطلة ... فليحذر الذين يصرون على اتباع الآباء والأجداد، ويخافوا أن يطبع الله على قلوبهم وأن يأخذ سمعهم وأبصارهم.

    1.   

    احتجاج الأبناء بمنهج الآباء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، هو ربنا واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    رد الحق تقليداً للآباء

    معاشر المؤمنين! إن منطق الجاهلية وأهلها هو: رد الحق إما لضعف الداعي إليه، أو لفقره، أو لقلة أعوانه وأنصاره، أو لأن أهل الباطل من أهل الجاهلية قد درجوا ومضوا على هذا الباطل وألفوا آباءهم وأجدادهم يفعلونه، وتلكم عقدة مرض كثير من المصرين على الذنوب والمعاصي، وعقدة مرض كثير من المتحمسين للبدع والمخالفات، وعقدة كثير من الذين لا يرغبون إصلاح أنفسهم وأوضاعهم، وهذا مرض قد بينه القرآن في غير ما موضع من كتاب الله، ولو تأمل أولئك المعاندون منطق الحق لعلموا وتيقنوا أن الحق أبلج والباطل لجلج، ولكنه كما قال ربنا عز وجل: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة:170] يدعون إلى الله فيأبون، ويحتجون بما ألفوا عليه آباءهم أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170] فأولئك يمتنعون عن قبول الحق بحجة ما درج عليه آباؤهم وأجدادهم.

    قال ابن كثير : وإذا قيل لهؤلاء الكفرة: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال، قالوا: بل نتبع ما ألفينا ووجدنا عليه آباءنا، من عبادة الأصنام والأنداد، فقال ربنا عز وجل منكراً عليهم: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ [البقرة:170] أي الذين يقتدون ويقتفون أثرهم أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170] يعني: هم يصرون على ما وجدوا عليه الآباء، ولو كان آباؤهم ليس لهم عقلٌ ولا هداية.

    ويقول عز وجل أيضاً: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:104] أولئك الذين إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وترك ما حرمه، قالوا: حسبنا ويكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد، أيكفيكم ما وجدتم عليه آباءكم حتى ولو كان آباؤكم لا يعلمون شيئاً ولا يعقلونه ولا يهتدون إليه، فكيف تتبعونه إذاً؟!!

    استدلالهم على فعل الفاحشة بفعل الآباء

    وأخبث من هذا: أن بعضهم يفعل الفاحشة والمنكر ويصر عليها ويحتج على فعلها، بل ويستدل على جواز فعله بما وجد عليه آباءه وأهله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف:28-29].

    قال ابن كثير في معنى هذه الآية: وكانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثياب لبسوها، ويتأولون ذلك أنهم لا يطوفون في ثيابٍ عصوا الله فيها، وكانت قريش -وتسمى: الحمس- يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسياً طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوباً ولم يعره أحمسيٌ ثوباً طاف عرياناً، وربما كانت المرأة من غير قريش تطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً يستره وتقول:

    اليوم يبدو بعضه أو كله     فما بدا منه فلا أحله

    وأكثر ما كن النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرعٍ منه، فأنكر ذلك عليهم ربنا عز وجل، وبين كذبه وما يدعون بقوله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:28] فرد عليهم عز وجل بقوله: قُلْ أي: يا محمد إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:28] بل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النحل:90] إن الله لا يأمر بالفحشاء، إن هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:28].

    وإن العبرة في نصوص القرآن والسنة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا أردنا أن نطبق هذه الآيات على واقعنا اليوم لوجدنا بعض المسلمين هداهم الله يفعلون بعض المنكرات، ويرتكبونها، ويصرون عليها، بحجة فعل آبائهم لها، بل ويستدلون بفعل آبائهم على جوازها وإباحتها.

    كذلك الحال في كثير من المعاصي والمنكرات، والبدع والخرافات، بل وما وقع فيه الناس في كثير من العادات والأعراف، وخذ على سبيل المثال: بدع الموالد، وبدع الإسراء والمعراج، وبدع الهجرة، وكشف النساء وجوههن لغير المحارم، ومصافحة النساء للرجال في كثير من البلدان، ومخالطة الرجال لغير المحارم أيضاً، والإسراف في الولائم والحفلات والمناسبات، وكثير من العادات التي لا تجوز مما يصدق عليه أو يصنف في شأن العادات، أو العقائد أو غير ذلك، تجد أن الذي يفعلونه يحتجون بفعل آبائهم وأجدادهم.

    إن الله عز وجل مقت أولئك وبين شأنهم فقال فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الحج:3] إذا أقيمت عليهم الحجة، ونصبت لهم المحجة، ووصف لهم الصراط، ودعوا إلى الهدى؛ يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان:21] لم يكن لهم حجة إلا اتباع آبائهم.

    علاج المقلدين للآباء والأجداد

    وخير علاج لهؤلاء المقلدين المصرين على التقليد هو حوارهم وردهم إلى العقل الصحيح؛ لأن العقل الصحيح لا يتعارض مع النقل الصريح، يقول الله عز وجل في شأن حوار إبراهيم لقومه: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنبياء:51-54] لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال ولذا قال: قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنبياء:54] أي الكلام معكم كالكلام مع آبائكم.

    والعجب يا عباد الله! في هذا الزمان الذي درس فيه كثير من الخلق وتعلموا، وفقهوا، ودرسوا ألواناً من العلوم، وفنوناً من التقنية، وأضراباً مما بلغت إليه البشرية في علوم الاختراعات والاتصالات والإلكترونيات، تجد الواحد منهم طبيباً أو مهندساً أو صيدلياً أو متخصصاً في أجهزة الحاسوب وهندسته؛ فإذا جاء الأمر مع شيء يتعلق بالآباء والأجداد، ألغى عقله الذي يحل به أعقد المعادلات واتبع طريقة الآباء والأجداد، إنها مصيبة عجيبة أن تجد من أولئك -الذين درسوا وتعلموا- إصرارهم على ما يفعله آباؤهم.

    لو أن طائفة من المصرين على فعل الآباء والأجداد، من الأميين، والجهلة، من الذين لم يتعلموا فلربما يعذرون بشيء من الجهل، وتقوم عليهم الحجة بالبيان والدعوة، أما أن يُدْعى طائفة من الذين تعلموا ودرسوا أدق المعادلات، وأعقد المعاملات، وإذا جيء إلى حوارهم في أمر يتعلق بعادات أو أمر يدعون فيه إلى الدين، قالوا: وجدنا عليه آباءنا: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170].

    1.   

    حال الأنبياء والرسل في مواجهة التقليد

    ولكن ينبغي أيها الأحبة أن ننتبه عامة وأن ينتبه الدعاة خاصة أن قضية التقليد والعصبية والإصرار على فعل الآباء والأجداد لمن العوائق والحوائل العظيمة التي تقف دون قبول الأتباع للمتبوعين، وتقف دون قبولهم للحق ومعرفته، بل كثيراً ما تدفعهم هذه العصبية لعادات الآباء إلى الإصرار على الباطل ومواجهة الداعي في طريق دعوته، لذا فليعلم هذا، وإن الحوار والمناظرة لهو الحجة النقلية والدليل المنطقي، والشفاء العاجل لمكافحة هذا الداء، فبهذه الوسائل يمكن أن يحرر أولئك الذين قيدوا وغلت عقولهم بأسر التقليد، وبهذا يخرجون من قوقعة العصبية.

    إبراهيم يجادل قومه

    إن إبراهيم عليه السلام لما جاء يحاور قومه قال: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52] فأجابوه: قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء:53] فقال إبراهيم: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنبياء:54] فاستفهمه المقلدون: أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [الأنبياء:55] فأجابهم في صميم الحوار والقضية، فقال: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الأنبياء:56] ثم سألهم أخرى: مَا تَعْبُدُونَ [الشعراء:70] فقالوا: نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:71] فاستفهمهم ليوبخهم وليقلع جذور التقليد وعروقه من قلوبهم، فقال: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ [الشعراء:72] هل هذه الأصنام والأوثان وما تعبدونه من دون الله: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:72-73] فأجابوه مرة أخرى في غفلة المقلد وأسر التقليد: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74] واستمر عليه السلام يحارب هذا التقليد فيهم.

    ولكن الله عز وجل قد بين لنا تأكيداً لحال أولئك أن إذا وجدت أيها النبي أو أيها الداعي أو أيها العالم أو أيها المرشد ما عليه من إصرار هؤلاء فلا تك في مرية من الحق الذي أنت عليه، بل الداء فيهم وليس فيك، والعيب فيهم وليس في منهجك، والعلة في طريقتهم وليس في شرعك: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [هود:109] فلا تك في مرية، لا تك في شك من أمرك، فإن هؤلاء يعبدون الباطل والجهل والظلال: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات:69-70].

    اختصام التابعين والمتبوعين في النار

    إننا نوجه النداء للمصرين على الأخطاء، المصرين على الضلالة، المصرين على الفساد، نوجه النداء إليهم إن كانوا يحتجون بمن سلف، أو يستدلون بفعل من سبق: فإن هذا لا ينجيهم ولا ينفعهم ولا ينقذهم؛ إذ سيأتي يوم يتبرأ فيه المقلَّد من المقلِّد، والتابع من المتبوع، قال تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [البقرة:165-167] ماذا ستفعلون في هذه الكرة؟ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا [البقرة:167] ولات حين مندم، ولا ينفع حينئذٍ الندم كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ [البقرة:167] أعمال التابعين والمتبوعين حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167].

    وأشد ذلك أن يقف التابعون، القائدون والمقودون، المُقَلِّدُوْن والمُقَلَّدُون في حوار ومناظرة وجدل، فريقان في النار يختصمون: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ [غافر:47] الأتباع الأذناب المقلدون فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:47-48] إنهم يحاجونهم ويقولون: لقد صدقناكم وسودناكم وجعلنا لكم الجاه والرتبة والمنزلة وقدمناكم أمامنا وسرنا تبعاً خلفكم فهل أنتم مغنون عنا نصيباً قليلاً أو شيئاً يسيراً من عذاب النار، فما كان من المستكبرين إلا أن قالوا: إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:48].

    وقال عز وجل في موضع آخر يبين حال هذه المشاكسة والمناظرة والمجادلة بين التابعين والمتبوعين: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] يلعن بعضهم بعضا كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ [الأعراف:38] فيقول الجبار عز وجل: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38].

    ويوم تقلب وجوه أهل النار فيها يقولون: يا ليتنا أطعنا الله ولم نتبع القادة! يا ليتنا أطعنا الله ولم نتبع الأسلاف والأجداد! يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:66-67] ولا تنفع هذه البراءة.

    بل وأعظم من هذا: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31] يقول علامة المغرب ابن عبد البر المالكي رحمه الله بعد أن ساق بعض هذه الآيات: إنها لا يستدل بها على الكفار وحدهم، فقال وقد احتج بهذه الآيات في إبطال التقليد: ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل فكفر، أو قلد رجل آخر فأذنب، أو قلد رجل آخر في مسألة من مسائل الدنيا فأخطأ وخسر، كان كل واحد ملوماً على تقليده بغير حجة، لأن كل ذلك تقليدٌ يشبه بعضه بعضا.

    ومعنى كلام ابن عبد البر أي: أن هذه الآيات يستدل بها على ذم التقليد والمقلدين حتى وإن كانت واردة في حوار ولجاجة وخصومة بين الكفار وأهل الكفر.

    أثر التقليد على العقل

    يقول ابن الجوزي رحمه الله: دخل الشيطان على هذه الأمة في عقائدها من طريقين: الأول: طريق التقليد للآباء والأسلاف، والثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره، ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط، فأما الأول وهو التقليد للآباء فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه، والصواب قد يخفى، والتقليد أسلم، وقد ضل في هذا الطريق خلق كثير، هذا مما يوسوس به الشيطان، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم الذين قادوهم على ضلالة فضلوا ضلالاً بعيداً.

    ثم يقول ابن الجوزي رحمه الله: واعلم أن المقلِّد غير واثق بالمقلَّد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل.

    وهذا بيت القصيد في حديثنا، إن كثيراً من المقلدين للكلمات أو للأفكار أو للقضايا من غير إعمال لعقولهم فيها، إذ إن بعض الناس يقبل القول بمجرد أن فلاناً قاله، ولا يعرضه على عقله، ولا يقلبه ولو شيئاً يسيراً.

    يقول ابن الجوزي: وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأن العقل إنما خلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة.

    قال ابن تيمية رحمه الله: وأما التقليد الباطل المذموم فهو قبول قول الغير بلا حجة.

    ثم ساق بعض الآيات في ذلك فقال: فهذا الاتباع والتقليد الذي ذمه الله هو اتباع للهوى؛ إما للعادة والنسب، كاتباع الآباء، وإما للرئاسة كاتباع الأكابر والسادة والمتكبرين، وقد بين الله أن الواجب الإعراض عن هذا التقليد إلى اتباع ما أنزله على رسوله فإن الرسل حجة الله التي أعذر بها إلى خلقه.

    أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتبصرين، الذين يلزمون الحق إذا عرفوه، ويردونه إلى الذين يستنبطونه إذا أشكل عليهم.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    نوح ومحمد عليهما السلام وكيف عالجا خطر التقليد

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة.

    معاشر المؤمنين! وإن مما يدرج بالتقليد ويتبع به هو انسياق بعض الناس وراء الأعراف، وجريهم وراء العادات السقيمة الضارة الفاسدة، وهو ما تعارفه الناس أو ساروا عليه من قول أو فعل أو ترك يخالف هدي الإسلام أو كماله، إن للأعراف البشرية مكانة عظيمة عند الأمم التي تسودها تلك الأعراف، ولقوة تلك الأعراف كانت قوانين تحكم بين الأمم والشعوب، وكانت جداراً صلباً صد كثيرين عن اتباع دين الله والانقياد له.

    وقد قام الصراع المرير بين الشرائع الإلهية وحملتها من الأنبياء والدعاة والعلماء وبين الذين عادوهم من الزعماء وأتباع الضلالة الذين يزعمون أن تراث الآباء والأجداد هو المقدس المصان، ويأبون أن يمسه أي تغيير أو تبديل، وهنا تقف الأعراف والعوائد البشرية حاجزاً أمام دعاة الإصلاح في مختلف العصور، فترى دعاة الحق مظلومين منبوذين لأنهم يدعون الناس إلى الرجوع إلى الدين الحق وترك ما يخالفه ولو كان من عادات الآباء وأعرافهم.

    إن هذه الأعراف والعادات التي اختطها البشر، وتلقاها اللاحقون عن السابقين، باتت ديناً يتبع، وشرعة لا تخالف، وميراثاً يحرص عليه حرصاً عظيماً، يصل إلى درجة أن تسفك في سبيل الحفاظ عليه الدماء، وتزهق النفوس وتهدر الأموال، وهذا ديدن أرباب الضلالة عبر تاريخ البشرية الطويل: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22].

    هذه الأعراف يصنعها في كثير من الأحيان طواغيت يشرعون من دون الله، وظلمة يستبدون من بين الناس، يتنفذون في أقوامهم، ويجرون التعامل بما لديهم من النفوذ والسلطان، ومن خرج عنها آذوه وأسروه وقيدوه، وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام:137] هم قادتهم في الضلالة، هم قادتهم في الفساد والانحراف، فإذا قال أولئك الضلال قولاً أصبح طريقة متبعة وبذلك يشرعون، وإن كثيراً من الغوغاء والعامة لا يفقهون هذا الأمر ولا يدركونه، والله ينكر هذا بقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21].

    إن نوحاً عليه السلام أقام ألف سنة إلا خمسين عاماً في قومه يدعوهم إلى الله، فما الذي صدهم؟ وما الذي ردهم؟ ومن الذي حجب الهدى عن أعينهم؟

    قالوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23] لا تدعوا آلهة عبدها الآباء والأجداد وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح:23] فلما رأى نوح ما فعلوا، وجرب فيهم أساليب الدعوة وألوانها قال: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً [نوح:26-27].

    بل ومن الأمثلة التي في شريعتنا وفي ديننا: ما كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وقومه، جاءهم بالحق الأبلج، والملة السمحاء، والشريعة الغراء، فنابذه العرب الِعداء، ورموه عن قوس واحدة، عذبوا صحابته، آذوه وحاصروه، وأصبحوا يقولون: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ [ص:6-7] فاحتجوا بما كان في ملتهم الأولى وطريقة آبائهم وأجدادهم إن هذا إلا اختلاق، ولكن العرب بعد جهد شديد أبصروا الحق وأقلعوا عما اعتادوه وتعارفوا عليه من عادات وأعراف جاهلية، ثم علت كلمة الله واستنار الناس بنور الحق، وجاهد العرب الأمم الأخرى حتى أخرجوهم من هذه العادات التي حبستهم في قواقع الظلمات.

    إن المتأمل في كثير من الأمور الشركية والبدعية سيجد أنها من الأمور المتوارثة المنقولة عن الآباء والأجداد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:1-6].

    لقد قامت الحجة على هؤلاء بالدعوة والحوار وبيان بطلان عادات آبائهم وأجدادهم، وهذا واجبنا أيها الأحبة أن نناظر الناس الذين يحتجون بما ألف عليه الآباء والأجداد، وأن نقول: فضلاً فضلاً، مهلاً مهلاً، رفقاً رفقاً، أعطونا عقولكم، وضعوها على ألسنتكم، وانطقوا بما تفهمونه من واقع هذا العقل، أخرجوا العقول من خزائن الجدات، وأخرجوا العقول من صناديق الأجداد، أخرجوها من الأقبية والسراديب وحينئذٍ ستفهمون الحق وتعرفونه.

    إن الذين لا يقبلون الحق بعد هذا كما قلنا في أول هذه الخطبة إما يردونه لإصرار على فعل الآباء والأجداد، وقد لا ينفع معهم حوار الفكر والمنطق؛ لأن الفكر لم يدع من خزائن جداتهم ليوضع في حوار أو على ألسنتهم حال المناظرة: قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود:62] فهم يصرون على فعل الآباء، أو أنهم يرون ضعف الداعي إليه، وأخبث من ذلك أن الذين يصرون على العادات والتقاليد الضالة المضلة لا يزال الواحد فيهم حبيباً أليفاً صديقاً جليساً أنيساً إلا إذا بين لهم بطلان ما يفعلونه فيقولون له حينئذٍ: كنا نقدرك قبل هذا والآن سقطت من أعيننا لما نهيتنا عما كنا نتبع فيه آباءنا، وإنها لنفس الحجة التي قالها فرعون وملؤه لموسى: أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [يونس:78].

    1.   

    نصيحة إلى كل مقلد

    فيا عباد الله! اعلموا أن أشد ما يطمس العقل البشري هو التعصب الجامد المظلم الذي يحبس صاحبه في قمقم القديم الذي كان عليه الآباء، أو يحبس صاحبه في واقع درج عليه أكثر الناس، وقد نسي قول الله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] فلا تعتبر بالكثرة ولو تواتروا على فعل المنكر، ولا تعتبر بالكثرة ولو قلدوا آباءهم وأجدادهم، إن أكثر الأولين قد ضل كما قال تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [الصافات:71]، وقال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].

    فالحذر الحذر من التعصب الذي يجعل الواحد ينطق بمنطق أعوج! إن تعصب قريش قادها لما عرض عليها الحق أن قالت: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [الأنفال:32] لم تقل: إن كان حقاً فاهدنا إليه، أو وفقنا، أو ثبتنا عليه، قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32] انظروا إلى هذا المنطق الأعوج الذي أنتجه الإصرار على فعل الآباء، وأنتجه حجب الفكر والحوار والمناظرة عن أن يقاد إلى أمر فيه خير أولئك، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، فلا غرابة في هذا لأنهم حجبوا عقولهم عن الهدى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5].

    ألا فليحذر المصرون على اتباع الآباء والأجداد، ألا فليحذروا وليخافوا الله أن يطبع على قلوبهم، أو أن يمسخهم، أو أن يأخذ أسماعهم وأبصارهم؛ فإن الذي يجادل في الحق بعدما تبين، ويعاند ويصر على طريقة الآباء والأجداد لممن يقع في المشاقة لله ورسوله، والله يقول: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115].

    معاشر المؤمنين! ثم دعوة وهمسة وكلمة إلى أولئك الذين يجعلون عقولهم لعناوين الصحف، ويجعلون عقولهم للنشرات الإخبارية، ويجعلون عقولهم لتحليل غيرهم في ثنايا الجرائد والمجلات، فإذا جئت تحاور أحدهم وجدته يحاورك بمنطق عمود الجريدة، أو بمنطق موضوع المجلة، أو بمنطق إرشيف الغلاف، أو بمنطق حجة قالها كاتب، ألا فيا عباد الله! إن كل واحد يحشر يوم القيامة وحده، فلن يحشر رئيس تحرير ووراءه قراؤه، ولن يحشر قائدٌ ووراءه أتباعه، ليحاسب الرئيس أو القائد أو الزعيم بالنيابة عن هؤلاء، لا وألف لا، سيحاسب كل بما أوتي، ويؤاخذ بما فعل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] فرداً فرداً وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى [الأنعام:94]، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    إن كل واحد منا سيحاسب في فهمه، وطريقته، وقراراته، وأعماله، هو وحده ولن ينفعه أن يقول: تبعت فلاناً أو علاناً، ألا فحكم العقل الصحيح، وإن العقل الصحيح لا يتضارب ولا يتعارض مع الدليل الصريح الصحيح أيضاً.

    أسأل الله أن يبصرنا وإياكم بالحق، وأن يرزقنا استثمار عقولنا واستذلال هذه العقول وألا تكون هذه الرءوس جماجم وخزائن للمعلومات يفكر الآخرون بالنيابة فنودعها ما يقولون، يخطط الآخر بالنيابة فتنفذ جوارحنا ما يريدون، وإنما نسأل الله أن تكون أفكارنا وسكناتنا وخطراتنا وخطواتنا منبثقة من تفكير مهتدٍ بهدي صريح وشرعٍ جميل لكي نلقى الله بنية (وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم إنا نعوذ بك أن نرى في مجتمعنا فتنة، أو أن نرى بعلمائنا مكيدة، أو أن نرى بولاة أمرنا مصيبة، أو أن نرى بشبابنا وبناتنا تبرجاً وضلالاً وسفوراً، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.

    اللهم انصر المسلمين في أرومو التي لا يعرف كثير من المسلمين عن حالها، وحال خمسة وثلاثين مليون مسلم فيها شيئاً، اللهم انصرهم على من عاداهم من النصارى والوثنيين يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في كشمير ، وفي الفليبين ، واجمع شملهم في أفغانستان، وأصلح شأنهم وانصرهم في طاجكستان، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، ورد المسجد الأقصى إلى أيدي الموحدين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة، اللهم عليك باليهود والصرب. ربنا مزقهم واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً يا رب العالمين.

    اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم لا ساتر لمن فضحت فلا تفضحنا، ولا فاضح لمن سترت فاسترنا، اللهم ثبتنا وأعطنا، وأكرمنا ولا تحرمنا بمنك وكرمك يا رب العالمين.

    الله اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم اهد بناتنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا واجمع شملنا يا رب العالمين، لا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأصحابه وآله.