إسلام ويب

الطلاقللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزوجية رابطة اجتماعية كريمة، يعد التعدي عليها جريمة، وهدم صرحها مجازفة لئيمة، فلا يشرع الطلاق إلا عند الحاجة الماسة إليه؛ لذلك كان التلفظ به خطراً ينبغي تركه. وفي هذه المادة بيان لمخاطر الطلاق، وتبيين لضوابط الفراق، ونصائح للزوج وأهله، وللزوجة وأوليائها. والله الموفق.

    1.   

    خطر الطلاق وكراهته

    الحمد لله الذي خلق وقدر، وشرع فيسر، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، ومن كل فضلٍ وخيرٍ سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد..

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    معاشر المؤمنين! يقدم بعض المسلمين هداهم الله ومنَّ علينا وعليهم بالتوبة والهداية، على هدم صرحٍ اجتماعي، وإلى تفريق شملٍ مجتمع، بكلمةٍ يطلقها لا يلقي لها بالاً، قد تكون عند سببٍ تافهٍ من الأسباب، وعند أمرٍ حقيرٍ من الأمور، وقد تكون عند سماع أمرٍ لم يتثبت منه، أو شيءٍ لم يتحقق من وقوعه، تلك الكلمة التي يوقعها هي كلمة الطلاق.

    الطلاق هو: فسخ عقد الزوجية، وقطع هذه الرابطة الاجتماعية الكريمة، ليقدم بعض المسلمين هداهم الله بقطعها وبترها وتفريق شمل اجتماعها، من دون تقديرٍ لمقدمات الأمور وعواقبها، وذلك أمرٌ مكروهٌ مبغوضٌ في الشريعة.

    روى أبو داود في سننه بسنده عن محارب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله شيئاً أبغضه مثل الطلاق) فالطلاق أمرٌ وإن كان مشروعاً في حق من احتاج إليه، إلا أنه قد يصل إلى درجة الكراهة الشديدة جداً لمن أوقعه وهو غير محتاج إليه، لما يترتب عليه من ضياع الأسرة، ولما يترتب عليه من فراق الشمل.

    خطر الطلاق لأجل الدعوات والضيافات

    أيها الأحبة في الله! إن بعض المسلمين هداهم الله، يجعلون الطلاق ضيافة زوارهم وضيافة أقاربهم، وضيافة القادمين الوافدين إليهم، فإذا وفد إليه قريبٌ أو حبيبٌ من جماعته أو من بلادٍ قريبة، أو من أي مكانٍ من الأماكن، أول ما يحلف بالطلاق ليأكلن ذبيحته، فإذا كان الذي يسمع هذا الكلام فيه شيءٌ من الحمق، أو قد يكون مرتبطاً بأمرٍ من الأمور فلم يوافق على أمره، فإنه عند ذلك قد يجعله متورطاً في أمرٍ كان في غنىً عنه، وإن الكثير الكثير يقعون في هذا، خاصةً من البادية هداهم الله ومنَّ علينا وعليهم بالتوفيق والعلم النافع، تجد الواحد منهم لا يحلف إلا بالطلاق، ولا يهدد إلا بالطلاق، ولا يأمر بأمرٍ إلا وفيه الطلاق، ولا ينهى عن نهيٍ إلا وفيه طلاق، فهذا استهتارٌ بهذه الكلمة، وهذا عدم مبالاةٍ بهذه الكلمة، وهذا إيقاعٌ للأمور في غير مواقعها وهو ظلمٌ، فإن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.

    عباد الله! ذات يومٍ طرق عليّ الباب ثلاثة نفرٍ قبيل صلاة العصر، والصلاة قد حان وقتها، فلم أجد بداً من حديثهم، فقالوا: إنما جئناك لأمرٍ، قلت: ما عندكم؟! قال أولهم: أنا أسكن هنا ودخلي محدود، وهذا أخي قدم علي من الجنوب، والثالث أخونا الأصغر، فقلت لما قدم أخي قال: عليه الحرام أن يأكل ذبائحه، فأجاب القادم الوافد هذا بأن عليه الطلاق ألا يأكل ذبائحه، فحلف ذلك الصغير الذي لم يتزوج بعد وإن كان بالغاً مكلفاً، حلف أن عليه الطلاق أن يتم أخوهم هذا الأمر الذي حرمه الأول على صاحبه، فقلت: يا عجباً! ويا عجباً! من هذا الجهل العظيم بالشريعة، ويا عجباً من هذا الحمق الذي يجعل الإنسان يتورط، ويقطع وشائج وعلاقات أسرٍ عديدة، بكلماتٍ توقع من غير معنى! هذا حلف على نفسه بالحرام والتحريم أمرٌ خطير، والتحريم قد يكون أشد من الطلاق، والآخر حلف على نفسه بالطلاق، وذلك الثالث طلق ولم يتزوج بعد، ولا طلاق إلا لمن أخذ بالساق، لأن الذي طلق ولم يتزوج بعد لم يقع منه طلاقٌ على أية حال، لكن الكلام في هذين الاثنين، الذي لم يجد ضيافةً لأخيه الذي وفد إليه، لم يجد ضيافةً له إلا بالطلاق، وإن بعضاً منهم، وسمعتُ ذلك منهم وممن حدثني به بعضهم، قال: إن الواحد منا إذا وفدت عليه، فلم يحلف بالطلاق على وليمته أو على عزيمته، فإنه يتشكك من جزمك في كرمه، ويرد النظر أو يشك أنك غير صادقٍ فيما أقدمت على إكرامه، فإذا حلفت بالطلاق، فإنه عند ذلك يتيقن أنك جازمٌ على احترامه وإكرامه، فقلت: والله لا حباً ولا كرامة، لمن لا يريد كرامته إلا بالفراق والطلاق!

    خطر التلبيس على العلماء في فتاوى الطلاق

    وهو أمرٌ وقع فيه كثيرٌ من الناس، وتساهلوا فيه وتوغلوا فيه وأوغلوا إيغالاً ضر أنفسهم، فإذا عاد الواحد إلى رشده وصوابه، وذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، ذهب إلى شيخٍ أو عالمٍ من العلماء ليحلل له زوجته، من ذا الذي يرد عليه زوجته، فيأتي يقول: يذكرون أن هناك عالماً قال كذا وكذا، ويذكرون أن هذا عالمٌ قال كذا وكذا، ثم بعد ذلك يذهب ليتتبع الرخص، وقد يكذب فيما يخبر به، ليجد مدخلاً أو فجوةً تحل له زوجته بظاهر ما يسمعه المفتي، وإلا فحقيقة الأمر بينه وبين ربه إذا كان أوقع الطلاق على صفةٍ تجعل الأمر بائناً بينونةً كبرى، فإن رجعته زنا، وإن عودته حرامٌ، والعياذ بالله!

    هذا أمرٌ أيضاً عرفته وعلمته من رجلٍ طلق طلاقاً علم منه أنه قد أبان زوجته بينونةً كبرى، فذهب إلى أحد العلماء الأجلاء، أسأل الله أن يمدهم بالصحة والعافية، فذهب إليه وأخبره، فقال: يا ولدي أسأل الله أن يخلف عليك زوجتك بخيرٍ منها، ولقد استعجلت في أمرٍ لك فيه أناة، فذهب يبحث عن شيخٍ آخر، وعن شيخٍ ثالث، وعن شيخٍ رابع، وعن شيخٍ خامس، حتى يجد من يكذب عليه، وإلا فإن العلماء لا يحلون لأحدٍ ما حرم الله عليهم، لكن تجد الواحد منهم يبالغ أو يغير أو يحرف في الكلام، حتى يجد مدخلاً يرى أنه سبيلٌ لرد زوجته عليه، وكما قلنا فهذا عودٌ إلى زنا، وعودٌ إلى حرامٍ والعياذ بالله، وذلك إذا كان ما تلفظ به، وأوقعه من لسانه يدل على قطع هذه العلاقة قطعاً تاماً ويبين عقد الزوجية بينونةً كبرى.

    إذاً يا عباد الله! فلننتبه لهذا الأمر، ولا نهدد نساءنا بالطلاق، فإن الذي يهدد زوجته بالطلاق، فذلك دليلٌ على ضعفه وحمقه وجهله، هل ضاقت أسباب الأدب، وهل ضاقت أسباب العلاج، وهل تعسرت سبل حل المشاكل إلا أن يهدد الإنسان بالطلاق والفرار؟! إن هناك أموراً كثيرةً قد بينها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، فمنها هجر المرأة، ومنها ضربها ضرباً غير مبرحٍ إذا أتت بفعلٍ يحتاج إلى شيءٍ من الضرب الخفيف، وخير الناس الذي لا يضرب زوجته.

    أما أن يذهب بعضهم فيقول: أنت طالقٌ إن ذهبتي إلى هؤلاء! وأنتِ طالقٌ إن لم تأتي إلى هؤلاء! وإن فعلتِ كذا وكذا فأنت طالق! فإن هذا استهتارٌ وإهدارٌ لعقد الزوجية وعدم احترامٍ وعدم مبالاةٍ بهذا العقد والرابطة الكريمة، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعلى جميع المسلمين بالتثبت في جميع الأمور.

    وإن من واجب الإنسان إذا أراد أن يقدم على أمر الطلاق ألا يوقعه فجأة، بل عليه إذا كان جازماً وإذا كان متأملاً، وإذا كان مصراً على هذا الأمر، أن يذهب بزوجته إلى بيت أهلها ثم يستشير من يعرف فيه العلم والحلم والأناة، ثم يخبره بذلك، فلعله يدله على أمر خير له من الطلاق، فيعود وقد رد زوجته إلى البيت ولم تعلم بما عزم عليه، أما أن يعود إلى ردها بعد طلقةٍ واحدةٍ أو طلقتين وله حق الرجعة فيها، فإن ذلك يبقي جرحاً أليماً في قلب المرأة؛ لا تنسى ذلك اليوم الذي طلقها فيه، وأخرجها من بيتها، وأرسل حوائجها ولوازمها وأدخلها على بيت أهلها، إن هذا يومٌ مشهودٌ بالنسبة للمرأة، لا تنساه طيلة حياتها، ويبقى طعنةً أليمةً داميةً في قلبها.

    الطلاق السني

    إذاً فلنتثبت في هذا الأمر، ولنكن على مستوىً من العلم والفقه في إيقاع هذه الأمور، فلا نوقعها جزافاً، أو في حال غضب، أو في حال شهوةٍ، أو في حال أمرٍ من الأمور التي لا تجعل الإنسان طبيعياً فيها، بل على الإنسان إذا وجد أنه لابد ولا مناص ولا ملاذ من الطلاق أن يقدم على ذلك بعد معرفةٍ واستخارةٍ واستشارةٍ لمن عرف منه العلم والفقه، وبعد ذلك فلينتبه إلى القواعد الشرعية بالطلاق، وهي أن يطلق المرأة في طهرٍ لم يجامعها فيه، فلا يجوز له الطلاق في الحيض، والطلاق في الحيض حرامٌ بالإجماع، ولا يجوز له أن يطلق المرأة في طهرٍ قد جامعها فيه، لأنه قد يضر بالمرأة إضراراً عظيماً، بتطويل العدة عليها، وله من الحكم والأمور الشرعية التي الله سبحانه وتعالى أعلم بأسرارها وحكمتها، وما أوتينا من العلم إلا قليلا.

    إذاً فلنحرص يا عباد الله! ألا نحتاج إلى هذا الأمر قاطبة، وإذا احتجنا إليه بعد دراسةٍ ورويةٍ واستخارةٍ واستشارة، أن يكون في طهرٍ لم يجامع الإنسان زوجته فيه، لأنه إذا أراد الطلاق ثم صبر حتى تحيض، ثم تطهر بعد ذلك، فلعله خلال هذه المدة (مدة بقية الطهر الذي جامعها فيه، أو مدة الحيض) أن يئوب إلى رشده، ولعله أن يرى حال أطفاله وصغاره، ولعله أن يرى هذه الرابطة الكريمة، ولعله أن يذكر من زوجته أموراً أحبها واستحسنها، فلا تطغى السيئة الواحدة على الحسنات الكثيرة، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر).

    أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أضرار التسرع في الطلاق

    الحمد لله وحده لا شريك له، الحمد لله وحده لا شريك له حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، جل عن الشبيه وعن الند، وعن المثيل وعن النظير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، لا إله إلا هو وحده لا شريك له وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    معاشر المؤمنين! إن بعض المسلمين قد يقع منه الطلاق في نهاية مدة حملٍ، فإذا وضعت زوجته حملها وقع طلاقه بائناً لا يمكن له الرجعة إلا بعقدٍ ومهرٍ جديدين، ولو كانت طلقةً واحدة، وهو في هذا قد أغلق على نفسه باب الرجعة في هذا الأمر، فإنه لا ينبغي لأحدٍ خاصة إذا كان يعلم أنه متردد أو متذبذبٌ في أمره هذا، خاصةً إذا كان الأمر في قرب وضع ولادة، ينبغي له ألا يستعجل في هذا الأمر، فإن طلقها حاملاً فليبادر بالرجعة قبل وضعها، حتى تعود إلى عصمته، لأنها إذا أنجبت فإنها بعد ذلك لا تعود له إلا بعقدٍ ومهرٍ جديدين، كما قلنا ذلك.

    إذاً فينبغي للإنسان ألا يستعجل في هذا الأمر، خاصةً قرب مراحل الوضع الأخيرة، لأن هذا دليلٌ على قلة الفقه والعلم في الشريعة، وكما قلنا فإن ضلال كثيرٍ من الناس إنما يكون بالسرعة والتهور وعدم الاستخارة والاستشارة، فينبغي أن ننتبه لهذا الأمر انتباهاً جيداً، وكذلك فإن بعض المسلمين بعد أن يطلق ثم يعود إلى بيته حسيراً كسيراً؛ يعرف فضل زوجته بعد أن تخرج من بيته، تتراكم عليه آنية الأطعمة، ويرى ثيابه متسخة، ويرى بيتاً ليس بنظيفٍ ولا مرتب، عند ذلك يعرف فضل هذه الزوجة، وقد يكون أخرجها لسببٍ تافهٍ صغيرٍ من الأسباب التافهة، أو لأمرٍ حقيرٍ من الأمور، فعند ذلك يعرف فضلها وقدرها، فإذا كان قد طلقها طلاقاً يجوز له الرجعة فيه، كأن يكون طلقها طلقةً واحدة أو طلقتين، ثم يعود بعد ذلك إلى وليها أو والدها، فيقول: إني أريد العودة إلى زوجتي، وإني أستغفر الله عما وقع مني، وإني نادمٌ على ما فعلت إلى غير ذلك، إن بعض الأولياء، إن بعض الآباء يقفون حجر عثرةٍ أمام هذه الرجعة، وهذا لا يجوز لهم، لأن الله جل وعلا يقول: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:232].

    فإذا رضيت المرأة أن تعود إلى زوجها، وإذا رأيت الزوج راغباً في العودة إليها، فلا عليك إلا أن تكون عوناً على بناء صرح هذه الأسرة من جديد، وينبغي لك أن تكون معطاء، وينبغي أن تكون يداً بانيةً، لا يداً تعين على الفراق والطلاق، فعند ذلك عليك أن تقنع ابنتك أو من هي في ولايتك، بالعودة إلى زوجها، فإذا رضيت فلا تعضلها أن تنكح زوجها ما دامت قد تراضت بينها وبين زوجها بالمعروف ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [الطلاق:2].

    فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجوز له أن يقف حجر عثرةٍ أمام هذه الرجعة المبنية على الندم والرضا والرغبة في بناء صرح الأسرة من جديد: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232].

    إمكان الزواج بالثانية مع إبقاء الأولى

    فينبغي لكل مسلمٍ إذا وقع منه هذا الأمر أن يعود إلى زوجته، أن يعود إلى مراجعتها، وأن يعود إلى تربية أطفاله، وإذا كان محتاجاً أو مضطراً إلى زواج، فإنه ليس سبيل الزواج الثاني طلاق الأولى، إنما ذلك أمرٌ لا يجوز، ولا يجوز لأناسٍ إذا تقدم إليهم من يريد زواجاً من زوجةٍ ثانية، أن يقولوا له: لا نزوجك حتى تطلق زوجتك الأولى، فإن هذا منهيٌ عنه، وهذا محرمٌ شرعاً، لأنه جاء في السنة أنه لا يجوز للمرأة أن تجعل زواجها بطلاق ضرتها، فلتنكح إذاً، أي: فلتبادر بالزواج، إذا قبلت أن تكون جارةً أو تكون زوجةً ثانية لهذا الذي تقدم إلى خطبتها.

    فانتبهوا لذلك يا عباد الله؛ وكونوا أعواناً، وكونوا أنصاراً ودعاةً لبناء المجتمعات، ولا تكونوا معينين على التفريق والهدم، إذا جاءك من يستشيرك في أمر زواجٍ وقد كان بينه وبين زوجته الأولى شيءٌ من الخلاف، فقل له: لا بأس أن تعود، وأن تصلح هذا الخلاف، وهون عليه الأمر، واذكر له الشاهد من نفسك، ومن أحوالك ومن السلف الصالح، ومن الخلفاء الراشدين الذين تحملوا من النساء ما تحملوا؛ ومع ذلك لم يقدموا على طلاقهن لمعرفتهم بأن عقد الزوجية عقدٌ كريمٌ لا يحل إهداره، ولا يجوز عدم المبالاة به، لأن ذلك خطرٌ اجتماعيٌ كبير، وإلا فلو قلنا: إن كل من أراد أن يتزوج زوجةً ثانية طلق زوجته الأولى، فإننا بذلك نزيد المجتمع مشاكل على مشاكله، ومصائب على مصائبه، والمجتمع اليوم في أمس الحاجة إلى رعاية الموجود من المطلقات والأرامل ونحوهن.

    الموقف السلبي من زوجة الابن

    إذاً ينبغي أن ننتبه لهذه الأمور، وأن نكون أعواناً لبناء الأسر والمجتمعات، لا أن نكون سبيل تفريقٍ في هذه الأسر.

    إن بعض الآباء والأمهات حينما لا يعجبهم سلوك زوجة ولدهم أو يحدث شيءٌ من الخلاف، أول ما تقوله الأم: إن كنت رضعت هذا الثدي مني حلالاً فلا ينبغي لك أن تبقى مع هذه المرأة، بل طلقها.

    وامرأةٌ تقول لابنها: حرامٌ عليك ثديٌ رضعت منه حتى تطلق فلانة بنت فلان، وأبٌ قد يكون له مشكلةٌ مع آخرين، قد يكون من قبيلةٍ أخرى، أو من فخذٍ آخر، أو عنده مشكلة تافهة، فلا ينتقمون إلا بطلاق الضعفاء المساكين.

    ما ذنب النساء أن يكن وسيلةً عند غضبٍ يطلقن؟! وعند كراهةٍ يطلقن؟! وعند أدنى مشكلةٍ يطلقنَ؟!

    هذا أمرٌ جد خطير فانتبهوا لذلك يا عباد الله! وإن من الناس من دعي عليه بسبب فعله هذا، فاستجاب الله دعوة تلك المظلومة على من أشار على ولدها بالطلاق، فبقيت في مصائب ومناكد كثيرة، بسبب ما أشارت به؛ ليست لأمرٍ شرعيٍ وليس لسببٍ معقول، إنما هو لحقدٍ أو لبغضاءٍ على أسبابٍ تافهةٍ من الأمور.

    فليتق الله أولئك، وليقولوا قولاً سديداً، ولا يحرضوا أولادهم على طلاق زوجاتهم، فإن وجدوا شيئاً من عدم العشرة، أو عدم سلوك زوجة الولد معهم، فلا بأس أن يكونوا عوناً لولدهم، فليعينوه على اتخاذ مسكنٍ قريبٍ منهم، كي يكونوا بالقرب منه، ويكون الولد مع زوجته، لا أن يخسروه خسارةً عظيمة، ويكلفوه تكاليف باهظة في زواجٍ من زوجةٍ ثانية، بعضهم يقول: طلقها، ولا يهل هلال شهرٍ قادمٍ إلا وقد زوجتك بغيرها.

    ما الذي دعاك إلى هذا؟ وما الذي حدا بك إلى هذا؟ وأنت تعلم أن هذا الولد المسكين ما تزوج إلا راغباً محتاجاً، وقد تعب في سبيل ذلك أشد التعب، فكل هذه الأمور من المخالفات الاجتماعية، ومن الصور الاجتماعية التي يقع فيها كثيرٌ من المسلمين نسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالهداية.

    فاتقوا الله يا عباد الله! ولا تشيروا على أحدٍ بالفراق، ولا تعينوا أحداً على طلاق، وكونوا أسباباً وسبلاً ميسرةً لجمع الأسر والمجتمعات، يثبكم الله على هذا خير الثواب، ويجزيكم به خير الجزاء، ويكون ذلك في خالص أعمالكم في موازينكم يوم تلقون ربكم جل وعلا.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أرشد ضالنا، اللهم علم جاهلنا، اللهم تب على مذنبنا ومن كان فينا عاصياً، اللهم تب علينا أجمعين، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبةً قبل الموت، وراحةً عند الموت، ونعيماً بعد الموت، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم آمنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا، اللهم وفق إمامنا، اللهم أصلح إمامنا، اللهم اهد إلى كتابك وسنة نبيك إخوانه وأعوانه، اللهم اجمعهم على كتابك وشرعك، اللهم وحد شملهم، واجمع صفهم، ولا تشمت بهم حاسداً، ولا تفرح عليهم عدواً، وسخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، واجعلنا وإياهم عاملين بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك التوبة والإنابة والاستدراك قبل الفوات، والاستعداد قبل الممات، اللهم اختم لنا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اللهم اختم بها آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

    اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه.

    لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، اللهم يا من لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، اللهم يا من لا يعجزه شيءٌ في كل مكان، اللهم إنا نسألك أن ترينا في الفرس الشعوبيين الزنادقة الفجرة، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم اجعلهم طوائف مختلفة، اللهم اجعلهم أحزاباً متنافرة، اللهم أنزل حيلهم بينهم، اللهم أنزل سوط عذابك عليهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم قرب فناءهم، اللهم أحصهم عدداً، وأهلكم بدداً، ولا تبق فيهم أحداً، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض، فإنك لا يعجزك شيءٌ يا قيوم السماوات والأرض.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.