إسلام ويب

التحليل القرآني للأحداثللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القرآن الكريم هو منهج المسلم في تفسير الظواهر والأحداث من حوله، وإن فسرها من شاء بما شاء، ولأجل ذلك جاءت هذه المادة موضحة لهذا المبدأ المهم في حياة كل مسلم، ولقد انتقل الشيخ بعد ذكر المقدمة لبيان حقيقة أفكار حزب البعث من الكفر المعلن واتباع مناهج القومية والعلمانية والاشتراكية، وأكد ضرورة الإعداد لمواجهتها.

    1.   

    القرآن هو منهج المسلم في تفسير الأحداث

    الحمد لله الذي جعل العزة والكرامة والأمن والطمأنينة لمن أطاعه وحَكَّم شرعه، وجعل الذلة والصغار والخوف لمن خالف أمره، وخالف تحكيم كتابه وسنة نبيه، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته وعظمته، الأرض جميعاً قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يعلم جنوده إلا هو، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم وللأولين وللآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]، ويقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    واعلموا أن التقوى مع حسن الخلق أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، وما ذاك إلا أن التقوى تتضمن مراقبة الله في السر والخفاء قبل العلانية، وفي الباطن قبل الظاهر.

    معاشر المؤمنين: يظن كثيرٌ من المسلمين في خضم هذه الأحداث المتلاطمة التي أصبح يتكلم فيها كلٌ في منهجه، وكلٌ بمنظاره، وبطريقه، فالذين يؤمنون بأن الغلبة والقوة لمن ملك القوة المادية والسلطة العسكرية، والآخرون الذين يظنون أن من ألف الشعوب وجيَّش العواطف، أنه سيكسب هذه الجولة، وقليلٌ من أولئك الذين يظنون أو يعلمون أو يتيقنون أن الأمر لمن كان قريباً من الله جل وعلا بصريح قوله سبحانه: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52]، ولقوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40]، ولقوله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    في خضم هذه الأحداث، وفي هذه الأمواج المتتالية من التحليلات والتوقعات، والأنباء والأخبار وغير ذلك، ليس لدينا إلا منظار واحد، سواء حلل الغربيون بطريقةٍ معينة، أو حلل الشرقيون بطريقة معينة، أو ذهب أرباب الفكر والسياسة إلى منهجٍ معين، اعلموا أن منهج المؤمن وتحليله للأحداث لا يتغير؛ لأنه مرتبطٌ بمرجعٍ واحد ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومتى أصبح هذا الحدث أو غيره من الأحداث أعظم من أن يكون موجوداً في كتاب أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا يقول: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]؟

    إن أي واقعةٍ، أو نازلةٍ عسكرية، أو سياسية أو اقتصادية، أو أي ظاهرةٍ من الظواهر كما يسمونها، وإن للمسلم فيها منهجاً واحداً يعود إليه في كل حال، ألا وهو هذا الكتاب الذي حوى كل شيء، وما فرط الله فيه من شيء، ولكن من الذي يستطيع أن يفهم هذا الأمر، ويستنبط هذا التحليل، ويدرك هذه الحقيقة؟ إنهم أولو الأمر منهم كما يقول جل وعلا: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] إن أقواماً عجزت عقولهم أن تدرك استنباط تحليل الحدث من القرآن، فذهبوا يستلهمون استنباط الأحداث وتحليلها من إذاعة لندن أو من رويتر، أو من أي وكالة من الوكالات، وعجزت عقولهم أن تدرك معنى القرآن والسنة ذهبوا ليقبلوا أقوال وتحليلات البشر، وبنوا على هذا كل أمر، وتصرفوا على هذا في كل وجهٍ ومسلك.

    إذا كان ذنب المسلم اليوم جهله     فماذا على الإسلام من جهل مسلم

    إذا تخلفت عقول بعض المسلمين أن يعرفوا كيف يحللون الأحداث، وكيف يفسرونها، وعجزت عقولهم عن تفسير ومعرفة ذلك من القرآن فليس الذنب على القرآن أو السنة، بل العتب واللوم والملامة تقع على هذه العقول المتخلفة التي عجزت عن فهم الأمور القرآنية وقبلت تحليل البشر من كل جانب، نحن لا ننكر أن نتسمع الخبر أو أن نعرف الخبر، فالخبر واقعةٌ ندركها من خلال هذه الوسائل، لكن المصيبة المرة أن نذهب ونقبل تفسير الخبر من كل ناعق، ومن كل ببغاء، ومن كل مقلدٍ ومردد، متى أصبح المسلم يفقد ميزانه؟ متى أصبح المسلم لا يملك ميزاناً يقيس به الأحداث، ويرد إليه الأمور كلها؟ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [النساء:83].

    أقول: يا معاشر الأحبة! هذه المقدمة؛ لأن في هذه الأيام راج سوق أجهزة الراديو التي تقرب الإذاعات البعيدة، والتي تصفي الإذاعات المشوشة؛ لكي يسمع الناس الأنباء صباح مساء، فإن سمعوا نبأً وتحليلاً مُطَمْئِنَاً ناموا مطمئنين، وإن سمعوا نبأً وتحليلاً مروعاً ناموا خائفين، وبالصباح مرجفين، وتراهم متقلبين، أي مسلمٍ يعير عقله إذاعةً أو يعير عقله تحليلاً لكافرٍ أو لمسلم؟ ليت عنده ذلك البعد القرآني، والفهم النبوي الذي ورد في الكتاب والسنة.

    معاشر المؤمنين: هذه مسألة ينبغي ألا تغيب عن البال، وينبغي أن نعلم أنهم وإن أطبقوا وجمعوا وحللوا وأرادوا، أو توافقت وتواترت تحليلاتهم وتوقعاتهم في أمرٍ من الأمور هل سيكون غداً؟ فإن مسلماً بلغ من الجهل والغباء منزلة أن يظن أن ما توقعوه يتحقق غداً، وحتى أثبت لكم أن بعض المسلمين وقع بهم الغباء والسذاجة، والبساطة والغوغائية إلى حدٍ بعيد، خذوا هذا المثال: لو سمعنا الآن تصريحاً لأربعة من الوزراء، أو الرؤساء، أو من العسكريين، أو من المحللين والإخباريين، توافقت فيه آراء أربعة أو خمسة لانتظرنا نتيجة وتحقق هذا الحدث في الوقت والساعة واللحظة التي حللوا وقدروا أن يكون الحدث فيها، ويوم أن يقال لمسلم: إن الله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] تجده يتردد هل يرفع يديه أم لا؟ وهل يدعو؟ وإذا دعا هل يستجاب له أم لا؟

    هنا تخرج العقيدة، وهنا يظهر جهل كثير من المسلمين أن يعتقدوا تماماً أن ما يحلله ويقوله البشر ينطبق لا محالة، وأن ما يقوله الله وإن بيتوا في نفوسهم أنه لا شك في صدق الله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122] .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:87] تجد أحدهم يتشكك ويتردد هل يقع أم لا؟ لماذا هذا اليقين والاعتقاد والجزم الكامل بوقوع ما تنبأ به البشر؟ وذلك الشك والتردد في حدوث ما حكم به رب البشر، أليس هذا خللاً في العقائد؟ والله إنه لخلل.

    والله إننا -أيها الأحبة!- نشهد حالةً من ضعف التوكل على الله، وإن كنا نقول بألسنتنا: نحن متوكلون على الله، لكن حقيقة التوكل لم تظهر جليةً في السلوك والتصرفات والعلاقات.

    مثالٌ آخر: لو قلنا لبشرٍ: كل السم، لقال: لا آكله؛ لأن السم قاتل. ولو قلنا: ادخل النار، لقال: لا أدخلها؛ لأن النار محرقة. ولو قلنا: ادع ربك حتى يستجيب لك في هذه النازلة والواقعة فإنك تجد الدعاء آخر سلاحٍ يفكر به، لماذا؟ لأنه يعتقد جزماً ويقيناً أن السم قاتل، وأن النار محرقة، وليس اعتقاده بنفس الدرجة في الدعاء، لماذا يا عبد الله؟! أليس هذا دليلاً على خداع النفس وضعف التوكل على الله؟ بلى والله. وإن مثل هذه الأمور أظهرت خلل بواطن الناس وضعف قوة تنكر العقيدة في قلوبهم، يوم أن التهبت التحليلات والأنباء والأخبار في هذه الواقعة، ولا تجد أحداً إلا وجهازه عند أذنه، يسمع وينصت وإذا تكلم ولده أو زوجه سكته حتى لا يفوت قليلٌ ولا كثيرٌ من الحدث، ولو أن ذلك الوقت الذي صُرف في تتبع الإذاعات والموجات صُرف في التضرع والدعاء والخضوع لله لرد الله هذا البلاء عنهم جميعاً: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] لكن ماذا حصل؟ لم يتضرعوا: وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام:43] فقسوة القلوب، وضعف تمكن العقيدة فيها هو الذي جعل كثيراً من المسلمين يتخبطون حيص بيص، ويمنةً ويسرة، ويا أسفاً على أمةٍ رجالها بهذا المستوى من ضعف تنكر العقيدة!! ولا أقول كلهم، بل أقول بعضاً قليلاً حتى لا يعم شؤم الأمر عامة المسلمين.

    أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نحلل كل واقعة تحليلاً قرآنياً نبوياً قبل أن نسمع تحليل الأنباء والأحداث من مختلف وكالات الأنباء العالمية وغيرها، ينبغي أن نرد الأمور إلى الله، أن نرد الأمور إلى العلماء الذين يدركون العبر، وما ذكر الله في كتابه، ويدركون حقائق الأمور مربوطةً بالقواعد الشرعية، والمصالح العامة التي تضمنها هذا القرآن وهذه السنة.

    1.   

    حقيقة أفكار حزب البعث

    أنتقل بكم إلى أمرٍ آخر أيها الأحبة! إن تزاحم الأحداث في هذا الزمان، وما نلاحظه من تفاعل الناس مع الأحداث يدعونا إلى أن تكون الخطب متعددة المواضيع حتى تغطي أكثر من أمر، وتعالج أكثر من مشكلة تدور في أذهان الكثير من الناس، يظن بعض السذج والبسطاء أن الحملة التي قامت لتكفير البعثيين إنما هي عاطفةٌ وطنية، يظن الكثير أننا يوم أن قلنا: إن البعث ومن اعتقد أفكاره كافرٌ ملحدٌ لا محالة، أن هذا نتيجة الموجة السياسة، أو نتيجة العاطفة الوطنية التي قادتنا ودعتنا إلى هذا الأمر، كلا والله. ولكن كما قلنا: إنما ندين القوم من أفواههم (وعلى نفسها جنت براقش) أعيد لكم أفكار حزب البعث ، وحقيقتها، وما يظهر جلياً في بعدها عن كتاب الله وسنة نبيه، وبعد ذلك لا أحكم أنا، بل أنتم الذين تحكمون:

    الكفر المعلن

    إذا كان شعار البعث :

    آمنت بالبعث رباً لا شريك له     وبالعروبة ديناً ما له ثاني

    هل يبقى على الإسلام من يعتقد غير الله رباً؟ لا والله. إذاً ما كفرنا البعثيين عاطفةً وطنية، وما قلنا بكفر البعثيين عن عاطفةٍ أو موجةٍ سياسية، وإنما نقول ذلك من صريح ما عرفناه من العقيدة، وما درسناه من التوحيد، وما عرفناه من الشريعة.

    وآخر يقول، وهو من أساطين البعث ورجاله المقدسين: (بلادك قدمها) هذه دعوى القومية في الحزب العربي البعثي .

    بلادك قدمها على كل ملةٍ          ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم

    هبوا لي ديناً يجعل العُـرب أمةً     وسيروا بجثماني على دين برهم

    سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا     وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

    (فقد مزقت هذي المذاهب) يعني مذاهب الفقه ومذاهب الاتباع للدين.

    فقد مزقت هذي المذاهب شملنا     وقد أودعتنا بين نابٍ ومنسم

    هل يبقى على الإسلام من يقول ويعتقد هذا الكلام؟ لا والله. إذاً ما كفرنا البعثيين عن عاطفة، أو عن موجةٍ سياسية أبداً.

    قيامها على فكرة القومية العربية

    تقوم أفكار البعث على القومية وهي الوحدة، وعلى الاشتراكية ويسمونها المساواة، وعلى العلمانية وهي الحرية، أما القومية : يريدون -كما قلت- أن يجمعوا العرب في إقليمٍ واحد، في إطارٍ واحد، في نظامٍ واحد، أياً كان أولئك العرب؛ نصارى أو مجوساً، أو بعثيين أو نصيريين أو جرذيين، أو أي فئة كانوا، يريدون أن يجمعوا العرب في مكانٍ واحد، إن البهائم وهي بهائم لا تستطيع أن تجمع أصنافها في حظيرة واحدة، فما بالك بالبشر الذين تتباين وتختلف عقولهم وسلوكهم وتصرفاتهم، كيف تريد أن تجمعهم في إطارٍ واحدٍ اسمه إطار القومية العربية ، والوحدة العربية جمعاء؟

    ثم أين الوحدة؟ أرونا براهين هذه الوحدة؟ نعم، ظهرت براهين الوحدة في قتل الدعاة من العرب المسلمين، ظهرت براهين الوحدة في قتل أفراد السنة، ظهرت براهين الوحدة في الاجتياح لدولةٍ عربية مسلمة، ظهرت براهين الوحدة في اعتقال وتعذيب كل من عرف بالدعوة إلى الله، والصدق في كلامه، أهذه براهين صادقة، أم براهين على تكذيب دعوى الوحدة والقومية العربية التي يدعونها؟

    وهذا الشعار الذي يرفعونه يتضمن ما يتضمنه من الكفر والفواحش، والكبائر والآثام والمصائب العظيمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فهل بعد هذا يبقى مسلمٌ يظن أن من اعتقد أمور البعث وعمل بها كما هو الحال في هذه الطغمة الباغية، يبقى على الإسلام؟! والله إن النصراني يجوز أن تأكل ذبيحته، وتتزوج أخته، وتأمنه، ولا تستطيع أن تأمن بعثياً ملحداً لا يجوز أكل ذبيحته، ولا يجوز أن تتزوج منه، لا نفرق بين غربيٍ وشرقيٍ، وأوروبي وعربي، الكفر كله ملة واحدة، والعقيدة أمرها واحد؛ سواء كانت محليةً، أو إقليميةً، أو عالمية دولية، لا فرق بين كفر العرب وكفر العجم، لا فرق بين كفر العرب وكفر الأوروبيين وغيرهم، فالكفر ملةٌ واحدة.

    قيامها على دعوى العلمانية

    كذلك أيها الأحبة! في دعوى العلمانية التي يقوم عليها هذا الحزب: لا دخل للدين بالدولة، لا علاقة للدين في الدولة، كلٌ يعمل ما يشاء، كلٌ يتصرف كيفما يحلو له، لا سلطان، ولا أمر ولا نهي، ولا قليل ولا كثير للدين في أمور الحياة، سواء الشخصية أو الاجتماعية، أو الاقتصادية والسياسية والدولية وغيرها، ما فائدة هذا القرآن إذاً؟

    إذا كان عمالقة بل أقزام البعث الكفار الملاحدة يعطلون القرآن، وماذا يقولون في القرآن؟ يقول طاغوت البعث مؤسس الحزب، ومن حذا حذوه ممن يسمون بالسنة، وقد خرجوا من الدين، كما يقول أحدهم لما نوقش في أمر البعث ، قال: ليس ميشيل عفلق هو مؤسس البعث وحده، بل هناك صلاح البيطار مثلاً، هناك فلان وفلان مثلاً، وهم من السنة، قال: نعم. صدق هذا سني كافر.

    فعلاً، كيف تضيق عقولنا عن رؤية الجبال، ولا تبصر إلا أدنى الأمور، وليست في محلها ولا في موقعها؟!!

    يقول أولئك من كافرهم وسنيهم الذي يزعم هذه السنية، والسنية منه براء: القرآن تاريخٌ وكتابٌ أدبي جيد. يعني: أن القرآن كلام الله المنـزل من فوق سبع سماوات هذا أمرٌ لا اعتبار به! أن القرآن المعجز في نبئه وخبره، وحكمه وعباراته لا عبرة له! القرآن المتعبد بتلاوته لا عبرة له! القرآن الذي يجب الرجوع والتحاكم إليه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] أيضاً هذا لا عبرة له! إنما نعترف بالقرآن، يقول البعثيون: نعترف بالقرآن؛ لأنه عربي اللغة، ولأنه كتابٌ أدبيٌ جيد. والله إن بعض النصارى لأفضل في معتقدهم من هؤلاء البعثيين؛ لأن بعض النصارى يقولون: الإنجيل كلام الله، والقرآن كلام الله، والتوراة كلام الله، وليس أحدهم أفضل من الآخر. ونحن ولا شك نعتقد أن القرآن خاتمٌ مهيمنٌ حاكمٌ ناسخٌ للرسالات السابقة، لكن أولئك لا يعترفون حتى بأن سندية هذا القرآن في كونه كلام الله، بل لكونه كتاباً أدبياً جيداً، ويقولون: إن محمداً بطلٌ عربي.

    إذاً، ليست الأمة ترفع رأسها بالنبي صلى الله عليه وسلم لأجل نبوته، وإنما لأجل عروبته، إذاً لماذا لا نرفع الرأس بـأبي لهب ؟ لماذا لا نرفع رءوسنا بـأبي جهل؟ لماذا لا نرفع رءوسنا بأشقى القوم عقبة بن أبي معيط؟ لماذا لا نرفع رءوسنا بـكعب بن الأشرف اليهودي، وسلام بن أبي الحقيق؟

    إذا كان شرف الأمة في محمدٍ بعروبته فليس محمد وحده عربياً، بل هناك من العرب الكثير؛ عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين أيضاً عربي، لماذا لا يرفع به الرأس؟ لكنهم لم يستطيعوا أن يقولوا هذه الأفكار صريحةً، وإنما خرجوا أو ظهروا بشيءٍ يفهمه من يفهمه ويجهله من لا يعلمه: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30] والله إن من تأمل أفكارهم وقرأ شيئاً من كتاباتهم علم كل العلم منتهى وإغراق الإلحاد والكفر والمروق والخروج من الدين والشريعة فيما يعتقدونه، فهل بعد هذا يا عباد الله! نظن أن تكفيرنا للبعثيين الملاحدة هو عن موجة عاطفية أو نخوةٍ وطنية؟! لا -والله- نجرؤ على تكفير مسلمٍ إلا بما نطق به، وشهد به على نفسه مما يخرجه من الدين ويظهره من الملة، فقد كفروا ولا شك في كفرهم معاشر المؤمنين.

    نعم. قد يكون معهم من السذج والبسطاء، والجهلاء والغوغاء، لكن إذا أصبح الكافر وزمرته الملاحدة يستخفون بهذه العقول، والنهب والسلب لكي يجتاحوا أرض المسلمين وأموالهم وأعراضهم، هل عند ذلك أكف عن قتالهم لأن في جيش البعث وطغمته عربيٌ مسلمٌ جاهل؟ لا. بل لا بد من مقاتلة الطاغية ومقاتلة جنود الطاغية وأذنابه، أياً كانوا على علم أو على جهل؛ لأن الذي يصل إليك يريد قتلك، وانتهاك زوجك، وأخذ مالك، وتدمير بيتك ليس من المعقول أو من المنطق أن تقف وتقول: أتأكد هل هو بعثي كافر ملحد حاقد، أو مسلم من السذج والبسطاء، أتناقش معه قليلاً ثم نبدأ السلاح؟ لا. هذا من الجهل والغباء، وممن يروجه بعض ضعاف العقول في المجالس.

    يقول بعضهم: إن في الجيش من البسطاء والضعفاء والعقلاء؟ نعم. كونهم في جيشهم وعلى أرضهم وفي بساطتهم وعقلهم فهم يتحملون ما يفعلون ويقفون فيه، وأما إذا تحركوا نحوك شبراً واحداً فاقتل مسلمهم وكافرهم، لماذا؟ لأن القاتل يقتل بكفره، وهذا المسلم يقتل لرد عدوانه، واعلم أنك يوم تقاتله وإن كان مسلماً في جيشٍ عراقي إنما تقاتل دون مالك: (ومن قتل دون ماله فهو شهيد) وتقاتل دون عرضك: (ومن قتل دون عرضه فهو شهيد) والله تعالى قال: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [الحجرات:9] وقد سماها في الآية التي قبلها من الطائفة المؤمنة: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الحجرات:9] لم يقل: واحدة مؤمنة وأخرى كافرة؛ بل: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى [الحجرات:9] يعني: واحدة من المؤمنين، فإن بغت مؤمنة على مؤمنة: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9] فهل بعد هذا يبقى مسلم يقول: أنا لا أدري، أخشى أن أقابل عراقياً مسلماً فأقتله، ما دام متوجهاً ومتسلطاً بسلاحه، سواء كان ذَنَباً للبعث، أو طامعاً في مالك أو عرضك، فاقتله ولا تخف، ولا بد من ذلك.

    جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رجلٌ يريد مالي، أفأقتله يا رسول الله؟! قال: اقتله) ما قال الرسول قف واسأله: هل هو مؤمن أم كافر؟ هل أحد أرسله أم أنه جاء باختياره؟ بل قال: اقتله، قال: قاتله (قال: فإن قتلته يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: هو في النار، قال: فإن قتلني؟ قال: فأنت إذاً في الجنة) .. (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد) وإن من يقاتل هذه الأمة الباغية إنما يقاتلها دِيناً قبل أن يقاتلها عرضاً ومالاً، والله لو حكم العراقيون شبراً من الجزيرة ما رفعوا فيه منبراً، ولا أقاموا فيه مسجداً، ولا حَكَّمُوا فيه كتاباً ولا سنة، فهل بعد هذا يظن بعضنا أن من التساهل والبساطة أن نقف أمام الحدث ضعافاً سذجاً بُسطاء مكتوفي الأيدي؟ لا والله. تلك مصيبةٌ وفتنة لا شك فيها، ولكن كما جاءت الشريعة بقاعدةٍ جليلة: (نرتكب أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما) لا بد أن نمشي قدماً مضياً على القواعد الشرعية التي جاءت في الشريعة.

    قيامها على مبدأ الاشتراكية

    ومن أركان البعث أيها الأحبة: الاشتراكية، فما هي الاشتراكية ؟ لا يمكن أن يوجد رجلٌ محدود الدخل بجوار رجلٍ غني ثري، ولو كان ذلك المحدود نواماً عاطلاً باطلاً كسولاً، وذلك الثري حركاً نشيطاً جواباً متنقلاً، لا يمكن أن يستوي هذا مع هذا في الدخل.

    إن أول ما جاء به أرباب الشيوعية بأفكارهم كـكارل ماركس، وفردريك إنجلز ، ولينين، واستالين وغيرهم، لما قرروا هذه النظرية الشيوعية طبقوها في الاتحاد السوفيتي ، قالوا: لا بد أن نأخذ من كل واحد طاقته، وأن نعطي كل واحدٍ حاجته، وما فاض نرده إلى خزينة الدولة فنقسمه على احتياجات الشعب، وإن أغنى فئة وملة وطائفة وفرقة الحزب الحاكم في الاتحاد السوفيتي الذين ينادون بـالاشتراكية ، يملكون قصوراً باللَّونية من أولها إلى آخرها، الذين ينادون بـالاشتراكية ألا يكون أحد إلا وهو متساو مع غيره، وألا يتفاضل أحد على أحد أبداً.

    ما الذي حصل؟ جاءوا لتطبيق هذه النظرية فدخل العمال، وتسمى ثورة العمال وغيرها في المصانع، فإذ بالعامل النحيل الهزيل الضعيف، لكنه قويٌ في العمل، ضعيف في البنية، قليل الشهية، جادٌ في العمل ينتج في المصنع ما يساوي عشرة كراسي أو أكثر من ذلك في يومٍ واحد، ويأتي العامل البدين السمين، الذي يأكل شيئاً كثيراً لا ينتج إلا كرسياً واحداً، فهذا أخذ جهد يومه، وهذا أخذ جهد يومه، هذا إنتاجه عشرة كراسي، وهذا إنتاجه كرسي واحد، وأعطي هذا فقط حاجته، وأعطي هذا فقط حاجته، فضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً، وأوشكت مصانعهم بالخراب، قالوا: لا بد أن ندخل نظام الحوافز، هذا ما ينادي به البعث الآن، يريدون أن يجعلوا أفراد الأمة كلهم خدماً للخزينة العامة، يعملون كلهم ويعود ريع أعمالهم إلى الخزينة، وماذا بعد ذلك؟ يعطى كل واحدٍ منهم حاجته، سواء صرحوا بهذا الآن أم كان مما تدل عليه أفكارهم.

    ولذلك نطقوا وأنطقهم الله الذي أنطق كل شيء، ماذا قالوا؟ قالوا: الكويت صغيرةٍ غنية، والعراق كبيرة فقيرة، فلا بد أن نقتسم المال معهم، وسيأتي يومٌ يقولون: السعودية متوسطةٌ أو كبيرةٌ ثرية فلا بد أن نتقاسم معهم الأموال، ثم يأتون إلى بقية دول الخليج بحجة دعوى الاشتراكية .

    إن العراق ليس فقيراً، ليس مسكيناً أو ضعيفاً، ولكن الفقر والمسكنة والضعف أصابه يوم أن صرفت أمواله على العدوان والحروب والعداوات مع البشر، ثمان سنوات استهلكوا دخل البلاد ودخل من جاورها معه أيضاً، في حربٍ مع الإيرانيين، من الذي سلب خيرات البلاد؟ إنها القيادة الغاشمة الغوغائية التي سلبت ثوب العاري، وطعام المسكين، وشراب الفقير، وحليب الرضيع، وطعام الكهل والعجوز، صرفت كل هذا لمقاتلة إيران ، وماذا بعد ذلك؟ هل قاتلوهم لإعلاء كلمة الله؟ أو للاإله إلا الله؟ لا والله. ثمان أو تسع سنوات مضت وفي النهاية أعجب بالنصر؛ قتال ينتهي بخضوع القادة المنتصرين، ظن أن العراق خرجت منتصرة على إيران ، وإذ بها تقدم أرضاً كلها مخضبة بدماء أبناء العراق وشبابها ورجالها، تقدم أرضاً مليئة بجثث العراقيين، تقدم أرضاً مليئةً بأفئدتهم وجراحاتهم وأشلائهم وتقول لـإيران من جديد: تفضلي هذه الأرض وفيها منبعان من منابع النفط الكبيرة.

    أي أمرٍ يحدث في هذا الكون؟!! إن الشعوب هي المسكينة التي تتقلب في أحوال الجوع والضعف، والهلع والخوف تحت رحمة هؤلاء القادة.

    ورحم الله الشيخ/ عبد الله بن حميد يوم أن كان في مقابلة مع الملك فيصل رحمه الله رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته، بعيني رأيتهم في فيلمٍ مصور وهو يحرك لحيته ويلتفت إلى الملك فيصل رحمه الله ويقول: الشعوب فيها خيرٌ كثير، لكن الفساد في القادة، فقال فيصل رحمه الله: صدقت! الفساد في القادة.

    نعم. إن الشعوب هي المسكينة التي يصرف لباسها وكساؤها، وطعامها وشرابها في العداوات، وتبقى جائعة مريضة؛ لا دواء ولا طعام، ولا سكن ولا شراب؛ لكي يصرف على هذا العدوان، ومن هنا احتاجت الأمة إلى صمام الأمان؛ وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يتسلط أحد على رقاب أحد.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية التجنيد والتدريب لصد العدوان البعثي

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة في الله: عملاً بقوله جل وعلا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60].

    إن بادرة التجنيد والتدريب التي دعت إليها هذه الحكومة أسأل الله أن يجمع شملها على طاعته، وأن يثبت أقدامها على دينه، وألا يفرح عليها عدواً، وألا يشمت بها حاسداً، إن هذا البادرة العسكرية الطيبة لمن البشارات التي نزف ونتبادل التبريكات والتهاني بها؛ لأن من واجب الأمة أن تكون على مستوى من القوة والإعداد، إن من واجب كل مسلم أن يكون عسكرياً في أي لحظة، خطيباً، أو مهندساً، أو مدرساً، أو ضابطاً، أو إماماً، أو تاجراً، أو موظفاً، أياً كان، لا بد مع كونه مسلماً ومع وظيفته يجمع بعسكريته وجنديته وعمله العسكري، في أي لحظة لا بد أن نكون على هذا المستوى، إن هذا زمن القوة بالله جل وعلا، ثم بإعداد الوسائل وإن من أعد نفسه هابه الأعداء، لو علم اللص أن أهل الدار مسلحون ما استطاع وما تجرأ أن يداهمهم، ولكن يوم علم أنهم ليس عندهم إلا الغناء واللهو والطرب استطاع أن يجتاحهم بلحظاتٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا ما شاء الله منهم وقليلٌ ماهم.

    فيا معاشر المؤمنين: هذه بادرة نحييها ونباركها، ونسأل الله جل وعلا أن يوفق ولاة الأمر عليها، وندعو شبابنا إلى أن يتدربوا، ويتجندوا، ويتعلموا كيف يحملون السلاح، وكيف يطلق النار، وكيف يذبون على الأقل عن أعراضهم وبيوتهم وأموالهم، من المصيبة أن تجد أسرةً فيها اثنا عشر شاباً ليس فيهم من يفهم في السلاح وكيف يفكه أو يركبه أو يصلحه، أي رجولةٍ هذه؟!! لا فروسية، ولا سلاح، ولا إطلاق نار، ولا عسكرية، إذاً أي رجولةٍ هذه؟! رجولة في الفرش، مصيبة هذه!! ينبغي أن نتعلم هذا الأمر، وأن ندركه، واعلم أن ذلك لا يقدم من أجلك شيئاً ولا يؤخره؛ لأن الآجال بيد الله، وحينئذٍ تبقى هذه الجزيرة صداحةً بالحق، حاميةً بإذن الله للحرمين، رافعةً لواء الدين والشريعة، والسلاح على أكتاف رجالها وشبابها، والويل كل الويل لمن أراد أن ينال منها قليلاً أو كثيراً، لقد أثبت شبابنا رجولةً وبطولةً وقيادةً في أفغانستان ، أغلب الشهداء من هذه المملكة، من المملكة العربية السعودية من شهداء أفغانستان الذين يقاتلون مقبلين غير مدبرين ويستشهدون في ساحة الحرب.

    شابٌ يقاتل في أفغانستان حباً للموت، بحثاً عن الموت، هل يعجز الآن أن يتدرب في بلاده والتدريب مفتوحٌ بين يديه؟! لا والله. بل إن من استطاع أن يصل القمة فهو على ما دونها أقدر، وكلا الأمرين في باب الجهاد قمة.

    أسأل الله جل وعلا أن يهدي شبابنا وأن يوفقهم أن ينضموا لهذه المراكز، وأن يعرفوا قيمتها ودورها.

    إن مما يحز في القلب ويجعل الأسى يبلغ بالنفس ما تراه من شبابٍ لا يجيدون إلا التفحيط:

    عربات تدفقت تشبه الهائج الخضم

    وعلى كل ساعدٍ رايةٌ زاحتة علم

    ماجت الأرض بالجموع وداء الفحيط عم

    تفحيط، مصائب، يفعلون حركات ما وجدت في الخدع السينمائية، أولئك الذين بلغوا هذه الدرجة من الانتحارية في العبث، إن ساحات القتال تبرهن تفوقهم وقدراتهم ومهاراتهم في باب القتال، وليس ذلك على الله بعزيز، وليس ذلك على الله ببعيد، لكن يوم أن ندعو شبابنا إلى التدريب بالحكمة والموعظة والدعوة، وأن يلتفت طلبة العلم من الآن، ولا بد على طلبة العلم أن يشاركوا في مراكز التدريب حتى تملأ بذكر الله والتكبير، حتى تملأ بالصلاة والخشوع، حتى تملأ بالذكر والإرشاد، عند ذلك فعلاً تكون هذه المراكز مراكز دعوةٍ إلى الله، وحراسة لدين الله ومقدسات هذه الأمة، أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين.

    معاشر المؤمنين: أعود فأذكر -ولا نمل من الذكرى-: إن ما حل بـأفغانستان وبـالكويت ، ليس على الله ببعيد أن يحل فينا، كونوا صرحاء مع أنفسكم، إن كان في الكويت من يترك الصلاة فإن هنا من يتركها، وإن كان في الكويت من يفعل الفواحش فإن هنا من يفعلها، وإن كان في الكويت من يفعل المنكرات فإن هنا من يفعلها، وإن كان في الكويت من انشغل عن ذكر الله فإن هنا من انشغل عن ذكره وإن اختلف الأمر، وهذا فارقٌ مهم بين السر والعلانية، لكن إن استمرينا على غفلةٍ مضت، فوالله لندفعن الثمن من زوجتي وزوجتك، ومن ابنتي وابنتك، ومن أمي وأمك، من عرضي وعرضك، ومن مالي ومالك، إذا لم ننتبه لهذا الأمر فإننا سندفع الثمن غالياً، ولكننا نسأل الله جل وعلا أن يهيئ لنا عودةً ورجعةً، وتوبةً وأوبةً صادقةً إلى الله وإلى مرضاة الله، وإلى طاعة الله والخضوع والانكسار بين يدي الله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.