إسلام ويب

الاستجابة للهللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمرنا الله عز وجل في كتابه بالاستجابة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم إذا دعانا لما يحيينا، وأن الله عز وجل إذا أمر بأمر فإنه لا خيار لأحد فيه، وإنما عليه أن يقوم به، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع الناس استجابة لأمر الله عز وجل، وكان أصحابه مثلاً للاستجابة رضوان الله عليهم.

    1.   

    سرعة الاستجابة لله

    الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله! اتقوا الله حق التقوى، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:24-25].

    معاشر المؤمنين! من تأمل هذا المنهج القرآني والنبوي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من ربه الكريم الحكيم، وجد أن هذا المنهج الشرعي قائمٌ على الاستجابة، قائمٌ على التنفيذ، قائمٌ على التطبيق، قائمٌ على المبادرة بالاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، كان شأنهم المتابعة، وكان شأنهم التنفيذ، وكان شأنهم التطبيق، ما وقفوا يوماً يحتجون، أو يعترضون، أو يفرضون الشبه، أو الحجج على أمر الله، وشرع الله، وشرع نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي هذا يقول الله جل وعلا: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] إذا ورد أمر الله، فلا خيار لك أيها العبد، إذا ورد شرع الله، فلا خيار لكِ أيتها الأمة، إذا ورد أمر الله، فلا خيار لمجتمع من المجتمعات أن يفعل أو لا يفعل، أن يختار أو لا يختار، لا يبقى أمامه إلا أن يقول: سمعت وأطعت، ولا يبقى للأمة أن تقول إلا: سمعنا وأطعنا، يقول الله جل وعلا: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] وما شأن الذين لا يستجيبون؟ وما شأن الذين يترددون بعد ورود أمر الله في الاستجابة؟ ما شأن الذين يسوفون الاستجابة؟ ما شأن الذين يؤجلون الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله؟ إنهم بين أمرين، أو أكثر:

    أولها: ما ورد في الآية الآنفة الذكر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] فمن لم يستجب لأمر الله، ومن لم ينقد لشرع الله، ومن لم يخضع لأمر الله، فقد يحال بينه وبين الاستجابة، وقد يحال بينه وبين القدرة والإمكان.

    إذاً: فلا يجوز لأحد أن يؤخر الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يحل بينهم وبين ذلك، وقد يمهل له، ثم يكون شأنه شأن المجرمين، وينطبق عليه قول الله جل وعلا: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115] فمن لم يستجب لأمر الله، فهو على أحد الخطرين:

    1- إما أن يحال بينه وبين قلبه.

    2- وإما أن يجمع مع ذلك أن يولى سبيل الظالمين، وأن يصلى جهنم مع المجرمين، وساءت مصيراً له ولأزواجه ولأشباهه وأذنابه وأضرابه.

    1.   

    سرعة استجابة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل

    عباد الله! المبادرة بالتنفيذ صفة من صفات المؤمنين، وهي صفة الأنبياء، وهي صفة الرسل، وهي صفة الملائكة البررة لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] يقول الله سبحانه وتعالى في شأن استجابة النبي إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما أراه الله في المنام أن يذبح ابنه، علم ذلك النبي الأواه الحليم، علم أن رؤيا الأنبياء حق، وإن كانت تقتضي ذبح فلذة الكبد، علم أن رؤيا الأنبياء حق، وإن كانت تقتضي أن تمر الشفرة الحادة على حلق الابن البار في حين انقطاع من الولد والذرية: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102] يعني: أريد أن أذبحك بالسكين، وأضجعك كما أضجع الشاة، لأني رأيت هذا في المنام، ورؤيا الأنبياء حقٌ، ورؤيا الأنبياء وحيٌ ولا بد من تنفيذها حتى ولو كانت تقتضي إبانة رأسك عن جسدك يا ولدي! هذا شأن استجابة النبي، فماذا قال ذلك الولد البار؟ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات:102] وأنا أعينك على الاستجابة، وأنا أعينك على تطبيق أمر الله سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102] هكذا كانت استجابة إبراهيم عليه السلام لرؤيا رآها، وهو يعلم أن رؤيا الأنبياء حقٌ ووحيٌ، ولم يقل: أعوذ بالله من الشيطان، هذه أضغاث أحلام، أو هذه منامات مختلطة، بل قال : يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102] فانظروا إلى هذه الاستجابة الفورية، ولو كانت على حساب فراق الأب والابن، ولو كانت على حساب إبانة الرأس عن الجسد، ويقول الله جل وعلا في شأن إبراهيم أيضاً: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27] يؤذن في وادٍ سحيقٍ، يؤذن في وادٍ لا يرى فيه أحداً، يؤذن في وادٍ لا يرى إلا الجبال والتلال، يؤذن في وادٍ لا يرى إلا الحجر والحصى، نعم. استجاب لأمر الله، وكان البلاغ على الله جل وعلا، فجعل أفئدةً من الناس تهوي إلى هذا البيت حتى لا تكاد تجد لحظةً واحدةً يخلو فيها بيت الله من طائفٍ، أو عاكفٍ، أو راكعٍ أو ساجدٍ، فما أعظم هذه الاستجابة، وما أقواها، وما أجلها يا عباد الله.

    1.   

    سرعة استجابة النبي صلى الله عليه وسلم لربه

    وهذه استجابة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الوحيد الطريد الشريد الذي لا ناصر له إلا الله، ولا معين له إلا الله، يؤذيه أهل مكة، ويضعون الشوك في طريقه، ويلقون سلى الجزور على ظهره، فيخرج هائماً، ويخرج منطلقاً على وجهه لا يجد أحداً يعينه، فيذهب إلى عبد ياليل بن كلال في الطائف، فيغرون به السفهاء، ويصفون له سماطين يرمون أقدامه بالحجارة حتى أدموها، ذلك النبي خير من وطئت قدمه الثرى، أشرف الأنبياء والمرسلين، يقول له الله جل وعلا: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] هل قال: يا ألله لا يوجد إلا أنا، لم يبق إلا أنا، لا نصير، ولا معين، أنظرني حتى يكثر الأعوان، أنظرني حتى أجد قوة ومنعة؟ ماذا كان شأن نبينا صلى الله عليه وسلم بعد ورود أمر الله؟

    كان شأنه الاستجابة لما نزل قول الله: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] رقى إلى الصفا، ونادى قريشاً بطناً بطناً، وفخذاً فخذاً، واصباحاه، فاجتمعوا إليه، وقال: (لو قلت لكم: إني منذركم عن جيش يصبحكم، أو يمسيكم، هل أنتم مجربون عليَّ كذباً؟) قالوا: أبداً ما جربنا عليك كذباً، فقال: (إني رسول من الله إليكم، أن اعبدوا الله وحده لا شريك له) ودعوة الوحدانية هذه ليست أمراً يسيراً تفقهها قريش وتعرفها قريش، إنها تعني أن نلغي الحاكمية، وأن نلغي الطاعة، وأن نلغي الخضوع، وأن نلغي الاجتماع إلا لله، وعلى أمر الله، وعلى طاعة الله، هكذا فهمت قريش، فماذا كان جوابها؟ قال أشقاهم: تباً لك يا محمد، ألهذا جمعتنا سائر اليوم؟

    استجاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت استجابة إصرار، لا هوادة فيها، فلما رأوا عظم شأنه، وصدق عزيمته، وقوة تطبيقه ومضائه، قالوا: يا محمد! اعبد إلهنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فقال: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]) قالوا: يا محمد! إن كنت تريد مالاً أعطيناك، وإن كنت تريد جاهاً سودناك، وإن كنت تريد جمالاً زوجناك، وإن كان الذي بك رئيٌ من الجن عالجناك، فماذا قال؟ قال: (والله لو وضعتم الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته) استجابتي لله لا يصدني عنها شيء، ولا يردني عنها شيء حتى ولو تندق هذه السالفة.

    فاعجبوا واعلموا وتبينوا عظم استجابة نبيكم صلى الله عليه وسلم!

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    استجابة الصحابة لأمر الله

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا عليها بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة! أما استجابة الصحابة لأمر الله، فلهم في باب الاستجابة شأن عظيم جداً، كانوا يعلمون أن هذا القرآن ما نزل إلا ليتلى ويعمل به، ويكون كل واحد منهم قرآناً يمشي على وجه الأرض، ما نزل القرآن لكي يتزين به في المجالس، أو يعلق على الجدران، أو يتبرك بحروفه ورسمه، والله ما نزل إلا وحياً مباركاً، وشفاءً وإنقاذاً لأمة ضلت، وإبصاراً لأمة عميت، فعلموا أن الاستجابة هي الأمر الطبيعي لنزول هذا القرآن، فاستجابوا له، ولو كان ذلك على حساب ما تأصل وشربته القلوب من عاداتهم وتصرفاتهم وأفعالهم، لما نزل قول الله جل وعلا في شأن تحريم الخمر؛ والخمر تعرفون مكانتها عند العرب في الجاهلية، وما قبل الجاهلية، وأسلم الصحابة، ولم ينزل في تحريم الخمر شيء، وكان بعضهم لا زال يشربها، وكانوا يتغنون بها، وينشدون القصيد فيها، كان هذا شأن العرب في جاهليتهم، فلما نزل قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] لم يكن هذا قوياً في صرفهم، ولما ورد قول الله جل وعلا: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91]، لما بلغت هذه الآية أسماع الصحابة رضوان الله عليهم فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] ماذا كان شأنهم مع الاستجابة؟

    كان بعضهم قد وضع مجةً من الخمر في فمه فأراقها، وكان بعضهم قد رفع الكأس إلى فيه، فرمى به، وكان بعضهم يملك الدنان العظيمة والزقاق الكثيرة، كان يملكها من الخمر المعتقة، فما كان منه إلا أن أراقها، قالت الرواة: سالت شوارع المدينة من الخمر من قوة استجابة الصحابة لأمر الله، وبعضهم لا زالت في فيه، وبعضهم رمى بها لتوه من يده، وبعضهم لازال قد شق دنانها، وكسر أوعيتها، هذه استجابة عجيبة، ما قال أحدهم: لو أكملت هذا الكأس الذي رفعته، ولم يقل الآخر: لو بلعت هذه الشربة التي مججتها، وما قال الآخر: لو فعلت بهذه شيئاً، لو أني خللتها، وجعلتها خلاً، لو أني بعتها على النصارى، لو أني بعتها على اليهود، لو أني فعلت بها كذا وكذا، لما سمعوا قول الله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] استجابوا فوراً، وأراقوها، وأبعدوها من دورهم ومجالسهم، ولما نزلت آيات الحجاب، ونزل قول الله جل وعلا: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31] استجابت نساء الأنصار، واستجابت نساء المسلمين أجمعين، فخرجن كالغربان متلفعات بمروطهن على وجوههن وجيوبهن، ما تخلفت واحدةٌ منهن عن الاستجابة.

    والاستجابة في تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً، لما جاء أبو بكر الصديق لقي جمعاً من قريش، قالوا: هل سمعت ما قال صاحبك؟ زعم البارحة أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء -يتضاحكون- ويقولون: الآن يكفر أبو بكر، يكذب صاحبه على هذا الخبر، إنا لنذهب إلى الشام شهراً، ونئوب منها شهراً، وصاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء، وعاد في ليلة واحدة، فقال أبو بكر الصديق: أوقد قال هذا؟ قالوا: نعم!!، قال: صدق، إنا نصدقه على خبر السماء، فكيف نكذبه على خبر الأرض؟! هكذا كانت الاستجابة في التطبيق، وفي المعاملة، هكذا كانت استجابة الأمة، وهكذا كان فعلهم واستجابتهم مع قول الله جل وعلا، كان أحد الصحابة ماضياً إلى المسجد، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب: (لا يبقين أحد منكم إلا ويجلس، فجلس في الطريق، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما الذي أجلسك هنا؟ قال: سمعتك تقول: لا يبقين أحد منكم إلا ويجلس فجلست مكاني فور سماعي كلامك هذا يا رسول الله! فحمد النبي صلى الله عليه وسلم ربه، ودعا له بخيرٍ وأثنى عليه) هكذا كانت الاستجابة سواء عرفوا العلة، أو لم يعرفوا العلة، سواء عرفوا السبب، أو لم يعرفوا السبب، والآن -يا عباد الله- نقول لأحدهم: إن الله حرم هذا فيقول: لماذا؟ تقول: إن الله شرع هذا فيقول: لماذا؟ تقول: إن الله نهاك عن هذا فيقول: لماذا؟ أين الاستجابة والانقياد، وأين الطاعة والخضوع؟ وأين الاحتكام لله وشرعه؟ وأين الاحتكام لسنة نبيه؟ أين نحن من الاستجابة يا عباد الله؟ أقول لأحدهم ذات يوم في مجلس جمعني به: إن الله حرم الربا، فقال: عندي مناقصة فلم أستطع أن أغطيها، فذهبت إلى بنك كذا، فاستدنت منه بفائدة قدرها كذا، ويقول: إنها ضرورة وحاجة، ماذا أفعل إذا لم أستدن؟ وقد تفوتني هذه المناقصة، فقلت: يا مسكين! الحاجة إما أن تموت فتدفعها بقدر ما يدفع الموت، الحاجة: أن تهلك، فتدفعها بقدر ما يدفع الهلاك، أما أن تريد ملايين فوق أخواتها في البنك، وتقول: إنها حاجة، وتحاج قول الله، وتحاج كلام رسول الله، بأنها حاجة فيما حرمه الله، ولعن آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه من الربا.

    أين استجابة.. أمثال هؤلاء يا عباد الله؟! تقول لأحدهم، وهو يتاجر بمحلات الفيديو وأشرطة الفيديو: يا مغرور، يا مسكين، يا مخدوع، إن الذي تبيعه حرام، إن الذي تأكل منه حرام، إن الذي تطعم أهلك حرام، إن الذي تنشره في المجتمع فساد، فيقول: وماذا أفعل بهذه الديكورات؟ وماذا أفعل بهذه الأشرطة؟ وماذا أفعل بهذه الأجهزة؟ أين نحن من الاستجابة يا عباد الله؟ كان الصحابة يستجيبون ولو على أرواحهم، دخل حنظلة بن أبي عامر بزوجته ليلة من ليالي الجهاد، فلما دخل بها في آخر الليل في هجيع الليل، صاح المنادي: يا خيل الله اركبي، فقام من أحضان زوجته جنباً لم يغتسل بعد، فأخذ سلاحه ولامته، وامتطى صهوة فرسه، ودخل ساحة الميدان استجابة فورية، لم يقل: ما زلت في شهر العسل، لم يقل: ما زلت عروساً، لم يقل: قد بنيت بامرأة، فوراً استجاب لأمر الله، فقتل شهيداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة يلتفت، ثم يعرض بوجهه، يقول الصحابة: (ما بالك يا رسول الله؟ فيقول: انظروا ما شأن صاحبكم حنظلة؟ قالوا: يا رسول الله! إنه ما زال عروساً قد بنى بزوجته البارحة، قال: إني رأيت الملائكة تغسله) استجابة فورية في أحلى ليالي العمر بالنسبة لكثير من الذين يظنون أنها ألذ وأحلى وأطيب من نعيم الجنة، وألذ وأحلى وأطيب مما عند الله، استجابةٌ فوريةٌ لأمر الله.

    يا شباب الإسلام! يا رجال الأمة! يا معاشر المؤمنين! أتستجيبون لأمر الله؟ إن الله حرم اللهو والباطل، إن الله حرم الربا، وحرم الفساد والغيبة والنميمة وحرم السعي بالفساد في الأرض، أفتستجيبون لأمر الله؟ هل نقول: سمعنا وأطعنا؟ أم نقول: لماذا؟ وكيف؟ ولعل؟ ومتى؟ وربما؟ وأين... وإلى آخره، ليست هذه من صفات المؤمنين، فإن كنا وكنتم مؤمنين، فلنستجب لله فوراً، فلنستجب لله في أنفسنا، وفي أعمالنا، وفي وظائفنا، وفي أسواقنا، وفي متاجرنا، وهذه الاستجابة وإلا فلا.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم العن اليهود، اللهم العن اليهود، اللهم العن اليهود وأذنابهم وأعوانهم، ومن عاونهم يا رب العالمين، اللهم عليك بالنصارى، اللهم عليك بالفجار الفجرة، والفساق الفسقة، والكفار الكفرة، والرافضة المشئومين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحفظ اللهم إمام المسلمين، واحم حوزة الدين، وانصر المجاهدين، ووحد قلوب المؤمنين، وأصلح قلوب الشباب أجمعين، اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيراناً إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته بمنك وكرمك وعفوك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً، فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.

    اللهم اجمع قلوبنا على طاعتك، واجمعنا اللهم في دار كرامتك، اللهم إنا نسألك من الفضل أقربه، ومن اللطف أعجبه، اللهم إنا نسألك من العافية حصولها، ومن النعمة تمامها ودوامها، اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمةً، اللهم أغث قلوبنا، اللهم إنا نشكو إليك قلوباً لا تخشع، وأعيناً لا تدمع، ونعوذ بك اللهم من عمل ودعاء لا يرفع، اللهم ارحم قلوبنا القاسية، اللهم ارحم قلوبنا القاسية، اللهم أنزل عليها رحمةً من رحماتك، وسكينةً من فضلك، ومنةً من لطفك، اللهم اجعلها خاشعةً خاضعةً بكاءةً أوابةً أواهةً لك يا رب العالمين.

    اللهم نشكو إليك قسوة القلوب، اللهم نشكو إليك بعداً عن الاستجابة، اللهم نشكو إليك بعداً عن الاستجابة، اللهم عافنا واعف عنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا، ولا تكن علينا، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكؤون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، والله يعلم ما تصنعون.