إسلام ويب

البدعة وآثارها في محنة المسلمين [4]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء القرآن بتمجيد العقل وتعظيمه وبيان مكانته، فبين أن أهل العقول هم المتفكرون دائماً في عظمة الله، وهم المقربون إلى ربهم، فهذه هي وظيفة العقل في القرآن، وأما السنة فقد علق النبي صلى الله عليه وسلم التكليف والمؤاخذة والعتاب والعقاب على وجود العقل واستقراره، لكن أهل البدع جعلوه حاكماً للشريعة قديماً وحديثاً، فما استساغه العقل قبلوه، وما لم يستسغه ويستوعبه ردوه؛ وبهذا تتميع أحكام الشريعة، فنعوذ بالله من الخذلان!

    1.   

    العقل والشرع والعلاقة بينهما

    إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد..

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    فمن أعظم نعم الله على العبد نعمة العقل، وقد أناط الله تبارك وتعالى التكليف جملةً وتفصيلاً على وجود هذا العقل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق).

    ومعنى رفع القلم: أي: رفع قلم التكليف والمؤاخذة عن هؤلاء الثلاثة.

    والنائم والصغير فيهما نوع جنون، إذ أن النائم ذاهب العقل مؤقتاً.. والصغير لا عقل له.

    إذاً صار عندنا: مجنون لا يفيق، ونائم زائل العقل مؤقتاً حتى يستيقظ، والصغير الذي لا عقل له، فهؤلاء الثلاثة زال التكليف عنهم لزوال العقل إما كليةً وإما مؤقتاً.

    تمجيد القرآن الكريم للعقل

    والذي يقرأ آيات القرآن الكريم يجد فيها تمجيد العقل وتعظيمه، قال الله تبارك وتعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:5] أي: لذي عقل، وسمي العقل حجراً لأنه يحجر على صاحبه، فلا يقع في القبائح، ولا في خوارم المروءة، وقال تبارك وتعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وقال تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29].

    إذاً للعقل قيمة عظيمة جسيمة؛ لكن أين موقعه؟

    وبمعرفة ذلك نهدم الصنم الذي نصبه المبتدعة أمام نصوص الوعد..

    إن العقل صار صنماً يعبد، ووثناً يجب تكسيره؛ لأنهم وضعوه في مكانٍ ليس له.

    وأنا قدمت بهذه المقدمة حتى لا يقال: إننا معشر أهل السنة والجماعة لا نعظم العقل ولا نحترمه، ولا نضعه في حسباننا، حاشا وكلا! لكن نضعه في مكانه.

    المبتدعة لهم أوثان.. ومن أعظم أوثانهم وثن العقل.. جعلوا العقل قاضياً على كلام الأنبياء، فالعقل عندهم رقم (1)، وكلام الرسول رقم (2) فإذا خالف كلام النبي صلى الله عليه وسلم عقولهم ردوه.

    والفخر الرازي ، والجويني أبو المعالي هؤلاء ضلوا زماناً طويلاً بسبب عقولهم.. وتداركتهم عناية الله في آخر حياتهم وهم على فراش الموت، قال أبو المعالي : لقد خضت البحر الخضم، وخضت الذي نهاني عنه أهل الإسلام، وهأنذا أموت على فراشي كما تموت عجائز نيسابور، والويل لـابن الجويني إن لم يغفر الله لك..

    وكان ابن الجويني من أذكياء العالم؛ لكن هذا الأمر زلت فيه أعظم العقول.

    قلت في الجمعة الماضية: إنهم يحرفون كلام الوحي لصالحهم، قال قائلهم:

    إن إبراهيم عليه السلام ما اهتدى إلى ربه إلا بالعقل.. وكذب! فقصة إبراهيم عليه السلام تنادي بغير ذلك.. وهي معروفة في سورة الأنعام: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:76-79].

    أين - في هذه الآيات- ما يدل على أنه اهتدى بالعقل؟!

    يكذب هذه الدعوة قوله تبارك وتعالى :وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء:51].

    (آتيناه رشده من قبل): من قبل أن يفكر في هذه القضية أساساً، فالهداية نعمة من الله، ومنحةٌ إلهية ليس للعقل فيها دور أبداً.

    ولذلك يخطئ الناس عندما يقولون: إن الله عرفوه بالعقل.

    لا والله..! لا يعرف ربنا بالعقل استقلالاً أبداً، لأن العقل قاصر على ما دخل تحت الحواس؛ ولذلك ما خرج عن الحواس لا يتخيله العقل.. ولا يستطيع وصفه ولا توصيفه، والعقل لا يستطيع وصف الجنة ولا وصف النار، ولا وصف الملائكة ولا الشياطين.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن في الجنة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) كيف يصفه العقل إذاً؟!

    وقال ابن عباس : (ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء) فيها نخلٌ ورمان، هل هي كنخلنا ورماننا؟ لا.

    فيها خمر لذة للشاربين.. هل هي كخمرتنا؟ لا.

    فيها لبنٌ لا يتغير طعمه، هل هو كلبننا؟ لا.

    فيها ماء غير آسنٍ، هل هو كمائنا؟ لا.

    نعم فيها الاسم، لكن الجنس .. الوصف .. الطعم .. مختلف تماماً..

    ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. فكيف يعقله المرء إذاً؟!

    نوافذ العقل على الدنيا هي الحواس.. والله تبارك وتعالى لا يقع تحت حاسة بشر، فكيف يمكن أن يهتدي العبد إلى ربه بعقله؟! أبداً.

    الهداية منحة من الله ثم يأتي دور العقل ثانياً ليثبت هذه المنحة.

    إذاً دور العقل أن يكون رقم: (2)، ولا يكون قبل النقل أبداً.

    وإنما ضل أهل البدع بسبب أصلهم الفاسد، وهو تقديم العقل على النقل..

    لا عقل مع النقل

    إن علماء أهل السنة عندما يقولون: لا عقل مع النقل، لا يقصدون منه: أن تأخذ النقل بلا عقل.. وما قدمنا يدل على أن العقل ضرورةٌ وأساس للتكليف.. فكيف يفهم كلام ربنا وكلام النبي صلى الله عليه وسلم بلا عقل؟!

    فقولهم: (لا عقل مع النقل) أي: لا تقدم عقلك على النقل.. لا تجعل عقلك قاضياً على كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك قولهم: (لا اجتهاد مع النص) ليس معناه أن تأخذ النص بلا اجتهاد ولا تفكير…، وإنما معناه: لكن لا تجتهد اجتهاداً مضاداً للنص.

    فمثلاً لو قرأت قوله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء ثلاثاً، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم) فالواضح من هذا الحديث: أنه لا يجوز الزيادة على ثلاث مراتٍ في الوضوء، فمن زاد على ثلاثٍ، فقد أساء وتعدى وظلم، فإذا جاء آتٍ وقد قرأ مثلاً حديث علي بن أبي طالب : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً) فقال: على الإنسان أن يتوضأ ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً.. حتى يعلم أنه قد أسبغ الوضوء! هذا اجتهاد.. مراده في هذا الكلام أن تسبغ الوضوء في النهاية، ولو أدى إلى تكثير مرات الغسل، فحينئذٍ نقول له: لا اجتهاد مع النص.. بمعنى لا اجتهاد مضاد للنص، وليس المعنى: خذ النص بلا اجتهاد.

    1.   

    عذاب القبر ونعيمه خرافات عند بعض المعاصرين

    الحمد لله رب العالمين، وله الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    وبعد:

    وصل بالمبتدعة وباعتبارهم بعقولهم: أنهم أنكروا كل غيب، وبعضهم أنكر جزءاً من الغيب، وسلَّم بالآخر، وما سلّم به حجة على ما أنكره.

    ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما قال: ما من دليل يحتج به مبتدعٌ على بدعته إلا كان في نفس الدليل نقضٌ لبدعته.

    ولهذا الهيئة العامة للكتاب -وهي هيئة حكومية لها دعم مالي من قبل الدولة- نشرت في الشهر الماضي كتاباً يقول فيه صاحبه: إننا لا نزال في التخلف ما دمنا نؤمن بخرافات عذاب القبر، والشجاع الأقرع وهناك رجل وهو شخصية دينية مرموقة في بعض المحافظات ينكر عذاب القبر، فسأله سائل عن عذاب القبر؟ فقال متهكماً: أنا لم أره حتى أصفه لك!! سوف تراه..

    عذاب القبر تنكرونه؛ لماذا؟ لأنه غير خاضع للعقل، ما دام الأقرع يضرب الواحد ضربة وينزل سبعين ذراعاً في الأرض، فإنهم لا يصدقونه! ما وجه الإنكار؟ أنه غير مستساغ.

    فهل تستسيغ الإيمان بالجنة؟ نعم، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب بالجواد المضمر) والجواد المضمر هو الذي ليس له بطن؛ لأن الجواد الذي له بطن لا يستطيع الجري، أما الجواد المضمر فيمشي في الطين، فهذا رجل ركب الفرس وأطلق لجواده العنان (مائة عام لا يقطعها) فكلمة (لا يقطعها) تحتمل أنه قد يمشي مائة عام أخرى ولا يقطعها أيضاً؛ لأننا لا ندري ما الذي قطعه من الذي تركه.

    هل تؤمن بهذا؟

    نعم.

    هل هذا أعظم أم الثعبان الأقرع الشجاع؟ أيهما أعظم؟

    فما أقر به حجة عليه فيما أنكره؛ لأن الكل خاضع للسلطان العقلي، ترى لماذا فرق بين المتماثلين؟ إنهم خبثاء.. ينكرون كل شيء يتعلق بالنار؛ لكن أي شيء يتعلق بالجنة وبالأكل والشرب يؤمنون به، فقد أنكروا عذاب النار وأنكروا تبدل الجلود، وقالوا: هذا عذاب معنوي، وإن الإنسان إذا وقع في ضائقة نفسية تكون أشد عليه من عذاب النار وكفى؛ لأن كل عذاب دون النار عافية: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:65].

    يسيئون الأدب وكلما قال قائل: اتقوا عذاب النار، يقول معترض: اترك عنك هذا، كل شيء عذاب وعذاب .. يا أخي رغبوا الخلق في الله تعالى.. إذا رأيت رجلاً فاجراً في ضلاله وغيه .. رجلاً يأكل الربا .. رجلاً زانياً .. رجلاً فاجراً، فهل تقول له: (الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب) أم تردعه عن طغيانه بعذاب النار؟

    لماذا خلق الله النار إذاً؟! ولماذا خلق لها خلقاً كثيراً صماً بكماً عمياً..؟!

    والله تبارك وتعالى عندما يذكر الجنة، يذكر النار في مقابلها..

    لولا اشتعال النار فيما جـاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

    .................. وبضدها تتميز الأشياء

    وقال الله تبارك وتعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50] فيقرن هذا بذاك ليتقي الناس نار جهنم، فعندما يطالبون الخطباء أن يتكلموا عن سماحة الإسلام، وأن الإسلام دين السماحة واليسر ودين الجنة الخالدة، فهل يتصورون أن الناس بذلك سوف يذهبون إلى الجنة؟

    إن الناس لا يذهبون إلى الجنة إلا بالسياط وراءهم، وكل آية في القرآن الكريم تدل على ذلك، ولا يصل رجل إلى ربه سالماً إلا إذا عبده بين الخوف والرجاء.

    إنهم مرجئة غلاة في إرجائهم، وعلموا الناس الإرجاء، فصار أكثر الناس في هذا الزمان مرجئة، والمرجئة هي أحد الفرق المبتدعة التي خرجت عن أهل السنة والجماعة، ولقد صار أكثر الناس في هذا الزمان مرجئة.

    والإرجاء: هو تأخير العمل، فالمرجئة يؤخرون العمل ولا يدخلونه في الإيمان، والإيمان عندهم قولٌ بلا عمل.. ترى الرجل لا يصلي، فتسأله: لماذا لا تصلي؟ فيقول: إن الله غفورٌ رحيم! يظن أنه بمجرد أن يقول: (لا إله إلا الله) يدخل الجنة..

    ويأخذون النصوص المفردة التي تحتاج إلى ضميمة أخرى، فيحتجون بها على الناس، وهذا هو شأن المبتدعة، يقولون: ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) ؟! فلماذا لا تأخذ الحديث الآخر، فإن نصوص الشريعة لا تتم إلا إذا جمعتها إلى بعضها؟!

    ففي الحديث الآخر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا ) وهكذا يتفق مع الحديث الأول ثم قال: : (ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأمواله) فإن لم يفعلوا لم تعصم لا دماؤهم ولا أموالهم.. فتارك الصلاة دمه هدر! مانع الزكاة دمه هدر! يجب على السلطان أن يقتله.

    مهمة الحاكم أن يقيم العدل والدين، فإذا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم، فإذا صلوا ولم يزكوا فإنهم ليسوا بإخوانكم.

    وبالجمع بين الحديثين تخرج بما أراده الله ورسوله، أما أن تخرج بحكم منفصل، وتقرر حكماً جديداً منفرداً فليس هذا من شأن علماء الإسلام. الرسول صلى الله عليه وسلم لما زار عبادة بن الصامت وهو مريض، وكان عبادة طريح الفراش نائماً، فقال: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ وسكت). فأشار عبادة لجليسه أن يقيمه، فأجلسه بصعوبة، يريد أن يجيب على كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، استحيا أن يجيبه وهو مضطجع.. قال: (يا رسول الله! الشهيد من قتل في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: إن شهداء أمتي إذاً لقليل) لو أن الشهادة محصورة بالقتل في سبيل الله.. صار شهداء أمتي قليلين (المبطون شهيد.. وصاحب الهدم شهيد، والغريق شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة، وصاحب الجمع شهيد، وصاحب الجنب شهيد)، المبطون أي: الذي يموت بسبب انتفاخ البطن والسرة. الذي هو ناتج عن الكبد الوبائي، تلف الكبد وانتفاخ البطن.

    والمرأة تموت بجمع شهيدة: إذا ماتت المرأة وهي تلد، فهي شهيدة.

    وصاحب الهدم هو الذي يسقط عليه جدار أو غيره فهو شهيد، فرجل زانٍ أو تارك للصلاة أو الصيام وقع عليه جدار، هل هو شهيد؟ ذهب إلى حيث شاء ثم يكون شهيداً!

    رجل عاق ومحارب لله ولرسوله، وذهب ليسبح وغرق، إذا أخذنا هذا الحديث وحده فهو شهيد، فلا عليكم اتركوا جميع أركان الإسلام، وموتوا تحت جدار، أو موتوا غرقاً في نهر، والشهداء في أعلى عليين، إذا وصلت إلى الفردوس الأعلى وأنت تارك لكل ما أمرك الله به، هل يقول هذا أحد في الدنيا؟! لا يقول هذا أحد.

    إذاً: لا بد من جمع نصوص الوحي بعضها إلى بعض وضم الزوائد إلى النواقص، وإخراج الحكم الشرعي.. هذا هو الذي فعله علماء الإسلام، لكن المبتدعة استغلوا جهل الخلق بنصوص الوحي وعدم إحاطتهم بها، مع غياب العلماء الربانيين، فعاثوا في الأرض فساداً، ولهم أسلحة كثيرة جداً، وتمجيد العقل -الوتر الذي يجب كسره- كان من أعظم الأسباب التي أدت الآن إلى تمجيد أصحابها باسم التنوير، يقولون: نحن نواجه الإرهاب بالتنوير، يقولون: هل هناك مصلحة في فتح عذاب القبر؟ نعم لأنك لا تستطيع أن تخوف الناس إلا بذلك... لأن في نفس كل رجل واعظ الله.. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (داعي الله في نفس كل مؤمن) هذا هو الضمير، وهي النفس اللوامة.

    النفس اللوامة لا يمكن أن تعمل عملها إلا إذا خافت من الله، فإذا قلت له: لا يوجد عذاب قبر، والنار ليست ناراً، إنما هو عذاب نفسي، فسوف يعيث المجرمون في الأرض فساداً؛ لأنه لا رادع لهم.

    ولولا القيامة ونصوص العذاب لأكل بعضهم بعضاً، ما الذي يجعلني أتسامح وأصبر على ظلم الجميع؟ لماذا لا أرد الصاع صاعين وعشرة؟ أتركك لله.

    إذاً فهذه العقيدة قللت الشر في الأرض، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من دعا على ظالمه فقد انتصر) يرغبك في ترك الدعاء عليه، مجرد الدعاء ندبنا إلى تركه، فما بالك باللطم والضرب، وإذا أردت أن تعذب ظالماً، وتحمله فوق أكتافه إثماً، فلا تدع عليه.

    اتركه حتى يأتي بمظلمته كاملة، واعلم أن غيرك سيكفيك مؤنة الدعاء؛ لأنه لا يصبر كل الناس، بل أغلب الناس يتسرع في الدعاء على الظالم، فغيرك يكفيك المؤنة بالدعاء عليه، ولتحتفظ بمظلمتك كاملة حتى يأتي الله بها.

    فإذا قلصنا مثل هذه العقائد زاد الفساد في الأرض، فكيف يحاربون الإسلام باسم التنوير؟! أي تنوير في هذا؟! هذا ظلم وظلام.

    انظر إلى المهزلة يعتدون على العلماء في اختصاصهم.

    ويتركون الذين لا يصلون جماعة، ويقطعون الصلاة التي هي الحد الفاصل بين الإسلام والكفر فلا ينهونهم، يتركونهم يتكلمون في دين الله عز وجل كيفما شاءوا، حتى الراقصات يتكلمن في دين الله.

    وورد حديث صحفي مع راقصة تقول: الجماعة (الإرهابيين) يريدون أن يقتلوا كل فن. ما هو الفن العفن هذا؟

    ثم تكلمت وقالت: أنا الحمد لله ذهبت إلى باريس ورقصت رقصاً، وربي لم يخذلني، ورفعت رأس مصر عالية! والمرأة تتكلم في دين الله بغير علم وتُنَظِّر للشرك والكفر.

    ولو أن شخصاً يتكلم في الطب والهندسة لرجموه بالحجارة، كل يحترم تخصصه إلا العلماء يُعتدى على تخصصهم.

    والأمور المستقرة لا ينبغي جعل الأقزام يتطاولون عليها، لابد من حمايتها غيرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وعذاب القبر ومنكر ونكير أحد أمورنا المستقرة، نؤمن به ولا نجحده، ونسأل الله تبارك وتعالى أن ينجينا من عذاب النار، وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً في صلاته: (اللهم قنا عذاب النار)، كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن عذاب القبر).

    وعذاب القبر ثابت في كتاب الله تعالى، ومتواتر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.. قال الله تعالى في كتابه العزيز: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] ففرق بين عذابين، بين أن تقوم الساعة ويأتي العذاب، وبين أن يعرضوا على النار غدواً وعشياً.

    أين هذه العقول؟! أين هذه الغفلة؟! أين هذه العقلية؟!

    اسمع: قبل قيام الساعة: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ... [غافر:46] ففرق بين الاثنين.

    وعذاب القبر متواتر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع العلماء لا خلاف بينهم في ذلك: أن من أنكر متواتراً فقد كفر، فمنكر عذاب القبر مرتد عن الإسلام أرأيت إلى العقل كيف يكون مضلاً، حين يوضع في غير موضعه؟!

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظ علينا عقولنا -عقولنا الشرعية- التي تكون بعد نصوص الوحي، هذا هو العقل الممدوح، أما الذي يقدم على نصوص الوحي، فقلم يجب كسره.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا...

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    العقول لا تصل إلى معرفة الله استقلالاً

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد..

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد..

    قلت: إن الإيمان بالله منحةٌ إلهية، ليس للعقل فيها فضل ولا منّة.. وهذا الأمر واضح وجلي في مشاهدة الناس، إذ أن أغلب المسلمين إسلامهم حكمي، كل منهم لم يسلم بالنظر في الدلائل، إنما أسلم لأن أبويه مسلمان، وهذا يختلف عن الإسلام الفعلي.

    والإسلام الفعلي: هو الإسلام الناتج بالنظر فيما يسميه العلماء بـ(السمعيات)، أي: الدلائل من نصوص الوحي قرآناً وسنة التي تتلقى عن طريق السمع؛ فالدلائل إما عقلية وإما سمعية، إما أن تعمل عقلك وإما أن تسمع.

    فعندما تقرأ كلمة (السمعيات) في الكتب تعرف أنها الأمور التي لا يتعرف عليها إلا بطريق السمع، وهي كل أحكام الغيب مثل صفات الباري، فما علمناها إلا عن طريق السمع، أي: سمعناها.

    إن أغلب إسلام الناس حكمي، وليس هناك فضلٌ من أحدٍ ابتداءً في هذا الإسلام الحكمي، ولو ولد أحدنا من أبوين يهوديين صار يهودياً، ولو ولد من أبوين نصرانيين صار نصرانياً.

    هناك ناس عقولهم تزن بلداً بأكملها، ومع ذلك هم من أجهل الجاهلين، فعالم الذرة أو عالم الإلكترونيات الهندي الهندوسي إذا رأى بقرة -وهو ذاهب إلى المعمل في سيارته على خط سير مستقيم- أوقف السيارة وسجد لها، ثم واصل طريقه.. أي عقل هذا؟

    مع أننا في ميزان العقول نجعل عقل هذا الهندوسي كبيراً، بل عقل الفلاح الذي يعمل في الأرض لا يساوي شيئاً بجانبه، ومع ذلك هذا الفلاح مسلم، وذلك كافر، فلو كانت المسألة مسألة نظر ورجاحة عقل، لآمن جماعة العلماء الذين صعدوا الفضاء إذا كانوا صعدوا؛ فهناك عالم فضاء كندي ألف كتاباً خطيراً جداً يقول فيه: نحن لم نصعد الفضاء، ويقول: إن الصعود إلى القمر أكذوبة أمريكية؛ فبيننا وبين القمر منطقة درجة حرارتها أربعة آلاف درجة مئوية، لا يستطيع إنسان أن يقترب منها، هذا ملخص هذا الكتاب الذي أحدث ضجة وعمل فضيحة كبرى، وقد نشر ملخصه في مجلة لبنانية، وعالم الفضاء هذا انشق عنهم وأصدر هذا الكتاب، فقال: إن التمثيلية التي عملها الأمريكان -وهم أصحاب الإخراج العالمي، هوليود بلد السينما العالمية والخداع- هؤلاء عملوا مسرحية انطلاق المركبة الفضائية حتى شاهدها الجمهور الأمريكي، وكان لدى الجمهور الأمريكي رغبة في مشاهدة مكوك الفضاء، فاجتمع الأمريكان كلهم ليشاهدوا هذا، وصعد علماء الفضاء أمام الجمهور إلى المكوك، يقول هذا العالم الكندي: ولا يعلم الأمريكان أننا خرجنا من الناحية الأخرى، ولا يعلم الجماهير أن هذه المركبة كذلك سقطت في المحيط، وصعودنا إلى الفضاء كان أكذوبة كبرى، وهذا الكلام لم يقله متخلفون، هذا الكلام لعالم كندي قضى عمره في محطة الفضاء الأمريكية، ولأمر ما (إذا اختلف اللصان ظهر المسروق) اختلفوا مع بعض فكشف بعضهم بعضاً، مثل ضابط الموساد الإسرائيلي الذي أخرج فضائح الموساد خلال عشرين سنة ماضية، فقد اختلف معهم، وأخذوا يبحثون عنه لكي يقتلوه، فنشر ثلاثة كتب قاضية فضح فيها الشرق والغرب.

    فالمقصود أن مسألة العقول لو كانت مستقلة بمعرفة الله تبارك وتعالى لآمن هؤلاء. يذكرون عن عالم فضاء سوفييتي صعد إلى الفضاء فقال: صعدت أبحث عن الله فلم أجده. فهل هذه عقول؟! لا يمكن أن تكون عقولاً مفكرة! مع أنها في نظر البشر أجل العقول، وصلت إلى تحطيم الذرة وما أشبه ذلك، فلما لم يهتدوا إلى معرفة الله تبارك وتعالى كان هذا من أدل الدلائل التي لا يعارض فيها أحد أن معرفة الله عز وجل لا يستقل العقل بإدراكها؛ لأن العقل لو فكر بما يتعلق بالله تبارك وتعالى كفر، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي قال لنا ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يقول الناس: هذا الله، فمن خلق الله؟) إذا هاجم هذا الوسواس المسلم، فماذا يقول؟ قال عليه الصلاة والسلام: (فمن وجد ذلك فليقل: لا إله إلا الله) أي: يرجع إلى كلمة التوحيد؛ لأن الإنسان لو فكر وأعمل عقله في كنه الله تبارك وتعالى، فيمكن أن يقيم الدلائل العقلية على أنه غير موجود.

    فرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي عملوا معه مقابلة الشهر الماضي -نشروها هنا في مصر- فسألوه: هل عندك شك في وجود الله؟ قال: الشكوك في ذلك قوية..! وهذا حاكم بلد يعتبر ثاني أو ثالث بلد في العالم، ومن أقوى دول العالم بجانب أمريكا وبريطانيا، وهي إحدى الدول المحتكرة لتصنيع السلاح والتكنولوجيا، وهو أول رئيس فرنسي استمر في الحكم أربعة عشر عاماً، وهذا يدل على أنه عبقري، ومع ذلك يُسأل هذا الخنزير عن الله تبارك وتعالى، هل عندك فيه شكوك؟ فيقول: الشكوك قوية جداً أنه غير موجود.

    ولو وضع عقله أمام عقل عتريس أو عوضين، لما كانت عقولهم تزن شيئاً أمام عقله.

    إذاً: الهداية منحة إلهية ليس لك فيها فضل، ثم يأتي العقل بعد ذلك لتثبيت هذه الهداية ومنحها، إذا آمنت نفعك عقلك، وإذا لم تؤمن لا ينفعك عقلك.

    1.   

    الصحابة وإنكارهم الافتراضات العقلية

    الصحابة رضوان الله عليهم فتحوا بنصوص الوحي مناطق كثيرة وبلداناً شاسعة ولا أحد يظن أن الصحابة لم يكن لديهم عقل، أو كانوا عرباً أجلافاً.

    الصحابة كانت لهم عقول فذة، وما عرف العالم مثل العرب إجمالاً، فلما أتى الإسلام رفعهم على أعظم إمبراطوريتين موجودتين آنذاك، وهما فارس والروم.

    فالعرب علت منزلتهم؛ فلماذا علت؟

    الصحابة يقولون: (تعلمنا الإيمان قبل القرآن، فلما تعلمنا القرآن ازددنا إيماناً) وأي شخص يبدو منه اعتراض عقلي على النص كانوا ينكرون عليه أشد الإنكار.

    فهذا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) فقرأ الحديث أمام جماعة من التابعين، فقال أحدهم: يا أبا هريرة ماذا نفعل بالمهراش؟ فحصبه بحجر وقال: أعوذ بالله من شرك.

    ماذا عمل الرجل وأي جرم ارتكبه عندما قال: ماذا نفعل بالمهراش؟

    أبو هريرة يحدث بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يدخل يده في إناء الماء، وإنما يغسل يده ثلاث مرات، ثم بعد ذلك يدخلها في الماء، لماذا؟

    قال: (فإنك لا تدري أين باتت يدك).

    جماعة (العجول) يقولون: أين ستذهب أيدينا؟! إنما باتت بجانبنا لم تذهب أي مكان! ومنهم من رد الحديث فعلاً، وأورد النووي في بستان العارفين حكاية عن هؤلاء، وذكر حكاية صحيحة السند أن رجلاً سمع هذا الحديث فقهقه وقال: أين باتت تطوف يدي؟! قال: فأصبح ويده محشورة في دبره!!

    يقول: أين باتت يدي؟!

    أنت لا تدري، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (إنك لا تدري أين باتت يدك)، لعل الجني نام عليها، فحصل فيها وباء، فعندما تضع يدك في الماء يتسرب هذا الداء إلى الماء، وهناك حديث للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أدب، وأغلبنا لا يلتزم بهذا الأدب (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندع الإناء مكشوفاً أو الطعام مكشوفاً في الليل، ولو أن تعرض عليه بعود)..

    لو لم تجد إلا أن تأخذ عوداً من حطب وتضعه عليه فافعل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: لأن هناك أوبئة -أمراض- تنزل من السماء، فلا تصادف إناء مكشوفاً إلا دخلته، يشرب الماء ويمرض، ويستغرب من أين جاء المرض؟ والمرض نزل في الليل، فكل ليلة تنزل آفات من السماء..

    فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (ولو أن تعرض عليه بعود) حطه على الطعام والشراب بالعرض، فإذا أعملت الإيمان والسمع لرسول الله سعدت ونجوت، أما إذا أعملت عقلك فلن تنتفع بشيء وسوف تهلك.

    أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحلق شعر المولود وهو ابن سبعة أيام: (احلقوا شعره وتصدقوا بوزنه فضة ) فتزن شعر الغلام، وتتصدق بمثل هذا الوزن فضة على الفقراء والمساكين.

    وقد يقول شخص: الولد صغير وما زالت فروة رأسه رطبة، فلا أستطيع أن أحلقه حتى لا أؤذيه، ولكن سأخرج أكثر من الوزن صدقة، فنقول: ليس المقصود الصدقة فقط، فأنت لا تدري لعل هذا الحلق يفتح ذهنه! ما من أمر أمرت به إلا وله فائدة؛ علمتها أو لم تعلمها، فعلى المسلم أن يمتثل لنبيه صلى الله عليه وسلم، ما الذي يجعله يمتثل للأمر حتى لو لم يوافق عقله؟ الإيمان بأن كل أمر من الله ورسوله لمصلحته.

    فـأبو هريرة لما حدّث بالحديث: (إذا استيقظ أحدكم من منامه) قال رجل: وما تفعل بالمهراش يا أبا هريرة ! والمهراش : هي الجرة العظيمة، ففهم هذا القائل أن الإناء ماء قليل، فإذا كان هناك نجاسة على اليد، تسربت إلى هذا الماء القليل فنجسته، فإذا صار الماء كثيراً لا تضر معه هذه النجاسة الصغيرة التي علقت باليد، فقال له: وهل يأخذ المهراش حكم الإناء والحلة الصغيرة؟! فالرجل أعمل عقله واستخدم القياس، فقال أبو هريرة : أعوذ بالله من شرك..! فما هو الشر الذي أتى به هذا الرجل؟

    استخدام العقل والمقاييس التي يعطل بها النصوص، يأتي رجل يقيس قياساً يعطل به نصاً، فصان الصحابة النصوص عن مثل هذه الأقيسة، لا أنهم كانوا يرفضونها، وأنا أبين لكم موقف الصحابة من إعمال العقل، وهل النص يأتي بعد العقل، أم أن العقل يأتي بعد النص، وأيهما المقدم؟

    كان فيما سبق هناك حكم فقهي مفاده: أن الذي يأكل شيئاً ناضجاً أو يشرب شيئاً مسته النار يتوضأ، فمن نواقض الوضوء أن تأكل شيئاً مطبوخاً، هذا الحكم كان في أول الإسلام، ثم الرسول عليه الصلاة والسلام فعل شيئاً نسخ به هذا الحكم، لأنه أكل من كتف شاة، ثم دُعي إلى الصلاة، فصلى ولم يحدث وضوءاً.

    فدار بين أبي هريرة وابن عباس جدل في هذه المسألة، فـأبو هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار) فاستنكر عليه ابن عباس وقال: (يا أبا هريرة ! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؟ يا أبا هريرة ! أفلا نتوضأ من الحميم؟ يعني: أن الغسل بالماء الدافئ لا يجزئ، وإنما لا بد أن يكون الماء لم تمسه النار، وإلا فإن غسله من الماء الذي مسته النار يحتاج إلى غسل بماء بارد لم تمسه النار، فملأ أبو هريرة كفه بالحصى وقال: أشهد عدد هذا الحصى أنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار) يا ابن آخي! إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال).

    أليس كل ما تكلم به ابن عباس جدلاً عقلياً، وأبو هريرة معه نص؟ ومع ذلك لا أعلم أحداً من علماء الإسلام استهجن موقف أبي هريرة ، بل وافقوه؛ لأن الله يقول: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74]، والإنسان لا يعلم إلا ما هو في حدود عقله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    إذاً: اعتراض غير المعصوم على المعصوم فيه تضييع للدنيا والآخرة أيضاً.

    أبو هريرة لم يقف عند الجدل العقلي لـابن عباس ، ولو أن ابن عباس قال له: (إنني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة أكل من كتف شاةٍ، فدعي، فصلى ولم يتوضأ) أظن أن أبا هريرة رضي الله عنه كان سيقف ولا يشتد نكيره على ابن عباس .

    إذاً: الصحابة رضوان الله عليهم نجوا، وأورثهم الله الدنيا كلها بسبب (آمنا ثم أوتينا القرآن).

    تصور الآن: أنهم يريدون أن يخضعوا كتابة التاريخ الإسلامي من جديد للعقل.. أمة تهدم نفسها! وتهدم تاريخها وتتهم ثقات رواتها بالمحاباة.

    يقولون: ابن جرير الطبري كان موالياً للدولة الأموية.

    ابن جرير الطبري كان عميلاً، والجماعة الذين يؤرخون اليوم هم الشرفاء؟! أهؤلاء الذين هم أصحاب النفاق الساطع -يتقلبون ظهراً لبطن في كل عصر- يريدون أن يقيموا تاريخ الأمة كله؟!

    يريدون أن يعيدوا التاريخ كله من جديد ويحاكموه للعقل، مع أن في نفس مقالاتهم ما يرد عليهم.

    افترض أننا سلمنا لك بصحة المقالة، وأننا محتاجون إلى أن نكتب التاريخ الإسلامي من جديد، على أي أساس يكتب التاريخ؟ أليس على أساس النقل عن هؤلاء الذين اتهمتهم؟! تأخذ تاريخ الأمم والملوك، وتوازن بين الروايات، وتأخذ بعضها وتترك البعض الآخر.

    لعل الذي اخترته هو الذي كتبه ابن جرير ، ما أدراك؟

    فالعجب لهم! يكذبون برواياتهم، ويأخذون بعضها ويحتجون بها.

    وانظر إلى هذا الضلال المبين: يريدون أن يحاكموا بين الصحابة الآن، هلاّ قلت ما علمك الله تبارك وتعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134]؟ اعمل مثلما عملوا، إذا كنت تعتبر هؤلاء خونة، فكن خائناً مثلهم، وافتح الدنيا مثلهم إن هؤلاء عجزوا أن ينالوا أي شيء، إنهم أمة مستهلِكة ومستهلَكَة في نفس الوقت.

    والخلفاء الأمويون والعباسيون مع فسادهم كانوا يعظمون الدين، وبعضهم يطعن في: هارون الرشيد ، ويضربون المثل بـهارون الرشيد في الجواري والموسيقى والغناء والمجون واللهو، وأكثر ما أُلصق بـهارون الرشيد كذب، إنما ألصقه به نصارى الروم الذين قصوا هذه الأقاصيص؛ لأنه أذلهم وأرغمهم.

    حتى الحجاج بن يوسف الثقفي على فسقه وفجوره نصر الإسلام والمسلمين، وكانت راية الإسلام عالية، والدولة العثمانية التي سقطت سنة (1828م) مجرد كلمة الخلافة الإسلامية في اسطنبول كانت تسبب الرعب لهؤلاء رغم الفساد العريض الذي كان في الدولة العثمانية، إلا أنها كانت دولة فاتحة، والكل يخافها ويهابها ويدين لها مع ضعفها.

    فحين يأتي الآن شخص ليكتب التاريخ الذي بينه وبينه ألف سنة بعقله فانظر كم سيكون من الفساد، وهذا بسبب جعل العقل قبل كل شيء، حتى صار وثناً يعبد من دون الله.

    1.   

    بعض المعاصرين وإنكارهم انشقاق القمر بدعوى العقل

    بعض المعاصرين الذين هم نار على علم في هذا العصر يرفضون معظم الأحاديث حتى المتواترة بدعوى العقل.

    معتزلي الفكر والمنهج ينكر حديث انشقاق القمر، حديث انشقاق القمر: (لما سأل المشركون النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى القمر، فانشق فلقتين: هنا فلقة وهنا فلقة على الجبل) فيأتي النظام المعتزلي فيقول: إن القمر لم ينشق لأن الذي رواه ابن مسعود وحده، ومن الذي قال لك: إن ابن مسعود هو الذي روى حديث انشقاق القمر وحده؟! إن المعتزلة جهلة برواة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك ظن ابن مسعود وحده هو الذي روى حديث انشقاق القمر، مع أن آحاد الحديث متواترة، ومعنى متواتر عند العلماء أنه قد: رواه تسعة على الأقل، فعندما يأتي رجل يقول: أنا لا أكفر رجلاً ينكر انشقاق القمر، ولو أن رجلاً أنكر حكماً من أحكام الإسلام وقال لي: أنا لن أدخل الإسلام إلا إذا أنكرت كذا .. أقول له: ادخل الإسلام، ولا أجعل الإيمان بهذا الحكم مانعاً من دخول الإسلام، انظر إلى هذا الكلام!! يعني: لو أن رجلاً أراد أن يدخل الإسلام، وقال: (الإسلام كله جيد، لكن مسألة الزواج بدون ولي أنا لا أقبلها، فإذا كنتم ستقبلون مني الإسلام من دون هذه المسألة فسوف أسلم) هو سيقول له: أسلم وتوكل على الله، لا نصدك عن دين الله لأجل حكم جزئي، وشخص آخر يقول: (الإسلام جميل، لكن لا أستطيع أن أقبل تفريق الإسلام بين الذكر والأنثى في الميراث، المرأة نصف المجتمع، وعندنا السيدة فلانة والسيدة فلانة أفضل من أولي الشنبات الذين لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً، فإذا تجاوزتم هذه المسألة، فأنا سوف أدخل الإسلام) فيقول: نعم اتركها مؤقتاً وادخل الإسلام، ويأتي رجل ثالث ويقول: )أنا لا أريد الجزئية المعينة، وإذا بنا نفاجأ أن الإسلام مكدر إننا نقول لهؤلاء: جهنم لن تضيق عن واحد، ادخل جهنم!! هذا الدين ليس في ملكنا أن نقول له: آمن، أو اترك المسألة الفلانية، هذا ليس من اختصاصنا نحن..

    وهذه قصة حصلت في القرن الثاني الهجري للضحاك بن مزاحمالضحاك أحد التابعين- كان له جار نصراني، وكان دائماً يشكك في الدين الإسلامي، كأن يقول: دينكم ما أجوده وما أحسنه! غير أنني لا أطيق أن أنقطع عن شرب الخمر، فقال: ادخل الإسلام واشرب الخمر، فأول ما نطق بالشهادة قال له الضحاك : (إذا ارتددت قتلناك، وإذا شربت حددناك).

    فعندما قال له: ادخل واشرب، لم يقصد عدم المؤاخذة كما هو الآن، لا. هذا الدين ليس ملكنا، إنما نحن عبيد، فانظر إلى هذه الدعوة..! إنها خطيرة جداً! جعلت الناس يستهينون بأحكام الله، يقول لك: إذا كان العالم الفلاني أفتى بجواز المسألة الفلانية فلِمَ تُحجر واسعاً على الخلق؟! إذا كان أبو حنيفة قال: إنه يجوز الزواج من دون ولي، فإذا عملت ذلك المرأة وحضر شاهدان عند القاضي فالعقد صحيح، بما أن أبا حنيفة قال ذلك، فأقاموا العلماء مقام الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يلتفتوا إلى كلام النبي عليه الصلاة والسلام الواضح في بطلان هذا الزواج، يقول هذا الداعية: أوصي الذاهبين إلى كوبا ألا يحرموا عليهم لحوم الكلاب، لأنه ليس عندنا نص يحرمه ويحظره، والناس هناك يأكلونه فدعهم يأكلونه، لحم الكلب والحمار والأسد والسبع والفهد، ولحم الغراب والنسر والفأر، وهذا كله ليس حراماً، لماذا؟ لأنه ليس عندنا نص يحظره، وكذب! فهذا حديث : (نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير) سيقول: كل شيء له ناب حتى البقرة لها ناب، نقول: ليس هذا الناب الذي قصده النبي عليه الصلاة والسلام، إنما قصد (الناب) الذي يعتمد عليه الحيوان في النهش وأكل اللحوم، وكذلك كل ذي مخلب يشمل الطيور الجارحة، فالطيور الجارحة كلها محرمة، وهذا النص شامل لها، وهو أقوى من أن يحرم الطيور بأسمائها أو السباع بأسمائها؛ لأن الطيور التي في الكون لا يأتي عليها الحصر؛ فلو قال: يحرم عليكم الغراب والنسر والهدهد .. واستمر يسمي كل طائر، وما لم يسمه صار حلالاً، لما أمكنه استيعابها لكثرتها وكثرة أسمائها، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم صفة كلية، إذا وجدتها في طائر أياً كان اسمه، فلا تأكله، حتى لو أتى لك بحيوان جديد وسماه عجلاً، نقول: سمه كيفما شئت؛ لكن إذا وجدت فيه الصفة (ناب أو مخلب) لا يجوز لك أن تأكله، فكيف يتجاهل مثل هذا النص أناس يقولون: إذا دخل المسلمون إلى كوبا لا يحرم عليهم لحوم الكلاب؟!

    ولماذا نراعي كل أمة كافرة لها عرف من الأعراف الفاسدة، والإسلام لا يجرؤ على تغييره؟! إذاً الإسلام ليس مهيمناً على الدنيا، إذا دخلنا بلاد أوروبا، فوجدنا المرأة تباشر عقد الزواج بنفسها، وكنت كداعية لا أجرؤ أن أقول لهم: هذا لا يجوز، فقد جعلت عرفهم مقدماً على كلام الله ورسوله، فهل الإسلام يرضى بهذا؟ لا. لأن الإسلام هو الحاكم، ويرد أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: (الكلب الأسود شيطان) فيقول: تريدون أن تضحكوا علينا، الكلب الأبيض هو والكلب الأسود سواء، ورد هذا الحديث بعقله، والله عز وجل يقول : شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112] فلو أتيت بأي إنسي وشرحت جثته لتنظر أهو من شياطين الإنس، فلن يمكنك أن تعرف ذلك.

    مع أن أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجزئية التي سألها هذا الرجل ، قال صلى الله عليه وسلم: (يقطع صلاة المرء: الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار) .

    المرأة الحائض: المقصود بها التي بلغت المحيض، وليست التي هي حائض في ذلك الوقت لا، والكلب الأسود.

    الرجل الذي سمع هذا الكلام من أبي ذر لفت نظره لفظ (الكلب) فقال: (يا أبا ذر ! فما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟! قال له أبو ذر : يا ابن أخي! سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني عنه، فقال: الكلب الأسود شيطان).

    وفي حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الكلاب أمةٌ من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم) بهيم: يعني شديد السواد، فأباح قتل الكلب الأسود في حديث عبد الله بن المغفل لماذا؟ في حديث أبي ذر ذكر العلة: (فإنه شيطان) ويأتي يعترض ويقول: لا، دم الكلب الأبيض والأسود سواء، تعترض على من؟! على الرسول عليه الصلاة والسلام؟!

    ما هو الفرق بين أن يكون الرسول موجوداً فتخالفه، وبين أن يكون الخلاف لكلامه.

    لا فرق، إذ لم يشترط أحد من العلماء وجود الرسول عليه الصلاة والسلام للإيمان بكلامه، فتصور: لو أن رجلاً موجوداً أمام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: الكلب الأسود شيطان، قام وقال له: لا يا رسول الله! الكلاب أبيضها وأسودها سواء، هل يجرؤ على أن يقول أحد هذا الكلام؟!!

    يأتي على حديث أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يتبع حمامة فقال: (شيطان يتبع شيطانة) فيرد هذا الحديث أيضاً.

    ويرد حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) فيقول: هذا الحديث يخالف الواقع، وهذا لا يوافق العقل الصريح.

    نقول: لا يوجد نص أبداً صحيح يخالف عقلاً صريحاً، أبداً، لكن ما مقصود العلماء من هذه المقولة؟ هل هو عقل فردي، أو عقل الأمة؟

    المقصود: عقل الأمة؛ لتفاوت الموازين عند عقول البشر، ولو لا اختلاف الألباب لبارت السلع، وهدمت صوامع وبيع، والله عز وجل يقول: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251] .

    إذاً: اختلاف عقول الناس واختلاف تفكيرهم هو الذي يوجه الحياة: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251].

    فالمقصود بهذا العقل هو العقل المجمل، لا يمكن أن يوجد نصٌ صحيح يخالف عقلاً صريحاً.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صنف كتاباً لم يطرق سمع العالم مثله -وهو أحد مفاخر شيخ الإسلام على وجه الخصوص وأحد مفاخر الأمة الإسلامية على وجه العموم- وهذا الكتاب اسمه: درأ تعارض العقل والنقل، وله اسم آخر مشهور: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، رد فيه على كتاب: أساس التقديس للفخر الرازي ، هذا الكتاب مطبوع في أحد عشر مجلداً، قلت: لم يطرق سمع العالم مثل هذا الكتاب، تقرؤه يزيل عنك كل الشبه، وفعلاً ألقمهم جميعاً حجراً، ألقم الفخر الرازي وابن سينا وأبا حامد الغزالي وكل هؤلاء، وقد قال أبو بكر بن العربي تلميذ أبي حامد الغزالي صاحب كتاب الإحياء في شيخه: بلع أبو حامد الفلاسفة فأراد أن يتقيأهم فما استطاع. هو يريد أن يقول: إن الغزالي أبا حامد صاحب كتاب: (إحياء علوم الدين) بلع الفلاسفة، أي: درس علوم الفلسفة، فلما أراد أن يخرج منها ويتقيأها ما استطاع، إذ أن فكره قد فسد وخرب بالفلسفة، فخرج عن قانون الفقه.

    وكتاب إحياء علوم الدين من الكتب الشهيرة التي لا يكاد بيت يخلو منه، وهو عمدة الواعظين والمحاضرين والمؤلفين، فهذا الكتاب تواترت كلمات العلماء في التحذير منه؛ لأنه خلط السم الزعاف بالعسل المصفى، لا تأخذ منه شيئاً في العقيدة، ولا في باب السلوك، وإذا لم تكن عالماً بعقيدتك التي تدين الله بها، حرم عليك النظر في هذا الكتاب.

    فقال أبو بكر الطرطوشي : لا أعلم على بسيط الأرض كتاباً أكثر كذباً منه على الرسول عليه الصلاة والسلام.

    هذا الكتاب مملوء بالكذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، أبو حامد الغزالي نفسه قال: أنا مزجي البضاعة في الحديث، يقول: أنا لا علم لي بالحديث، والذي أهلكه هو جهله بالحديث، ولكن تداركته رحمة الله عز وجل في آخر عمره، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يكون ختم الله له بالسعادة؛ لأن الذهبي رحمه الله قال في ترجمة أبي حامد الغزالي : ولولا أن أبا حامد كان من كبار الأذكياء والمخلصين لهلك -وذلك لأنه بلع كل السموم- ومات وصحيح البخاري على صدره، تفطن للآثار النبوية في آخر حياته، لكن عاجلته المنية، فكتاب إحياء علوم الدين كان يسميه بعض العلماء: إماتة علوم الدين، ويقول: هذا ما أحيا قط، إنما أحيا ذكر الفلاسفة والمتكلمين.

    لذلك نحن ننهى عن النظر في كتاب إحياء علوم الدين إلا لمن كان عارفاً بعقيدته، وعارفاً بخطر القوم وخطر الفلاسفة والمتكلمين، إذا كان عالماً بهذا فلا بأس أن يقرأ، وإلا فلا يجوز له أن ينظر في هذا الكتاب، وكل كتاب كان على شاكلته فحكمه أيضاً كحكمه.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يبصرنا وإياكم بديننا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.