إسلام ويب

التوكلللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القصص التي تؤخذ منها العبر والعظات قصة الرجل الذي اقترض ألف دينار، وكيف أنه جعل الله كفيلاً وشهيداً عليه عندما طلب منه صاحب المال أن يأتيه بكفيل وشهيد، وكيف أنه استشعر حقيقة التوكل على الله حين لم يستطع أن يرد الدين في الموعد المحدد، حيث قام بإرسال المال في قطعة من الخشب ورمى بها في البحر، وسأل الله أن يوصلها لصاحب الدين، فاستجاب الله له لعلمه بصدقه وصدق توكله عليه سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح حديث الرجل الذي اقترض ألف درهم

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أخرج الشيخان -البخاري ومسلم - في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل: ذهب إلى رجل، وقال له: أقرضني ألف دينار أتَّجر بها.

    قال له الرجل: ائتني بكفيل.

    قال له: كفى بالله كفيلاً.

    قال: صدقت، ائتني بشهيد.

    قال: كفى بالله شهيداً.

    قال: صدقت، خذ الألف دينار.

    فأخذ الرجل الألف دينار وانطلق يتَّجر بها في البحر، فلما حان موعد الوفاء التمس الرجلُ المدين مركباً، وكان بين الدائن والمدين بحراً فلم يجد؛ إذ كانت الأمواج والرياح شديدة، فوقفت حركة الملاحة، والرجل صاحب الدين على الشاطئ الآخر ينتظر، فلما يئس المدين أخذ خشبةً ونَقَرها ووضع فيها الألف دينار مع كتابٍ إلى صاحبه: من فلان ابن فلان ... ثم أحكم إغلاقها ووضعها في البحر، وقال: اللهم إنك تعلم أنني تسلفتُ من فلان ألف دينار، وأنه قد حال بيني وبينه الموج، وقد جعلتُك كفيلاً ووكيلاً، فأوصل هذا الدَّين إلى صاحبه، وقذف بالخشبة في البحر، وهو في كل ذلك جاهداً يلتمس مركباً حتى يذهب إلى صاحبه.

    وبينما كان الرجل -صاحب الدين- واقفاً على الشاطئ ينتظر أيَّ مركب، فلم يجد؛ لكنه وجد أمامه خشبةً تطفو فوق الماء، فقال: آخذها أستدفئ بها أنا وأولادي، فلما أخذها وذهب إلى بيته نقرها بقدوم فسقطت منها الصرة، ففتحَها فإذا بالألف دينار والرسالة: من فلان إلى فلان، إنه قد حال بيني وبينك الموج، وقد جعلت الله وكيلاً وكفيلاً، وهذا دينك.

    وكان الرجل المدين يلتمس في كل ذلك مركباً حتى وجد مركباً فركبه وأخذ ألف دينار أخرى وذهب إلى صاحب الدَّين، وقال: والله لقد جهدتُ أن أجد مركباً قبل هذا فما استطعتُ، خذ الألف دينار، فقال الرجل الآخر: هل أرسلتَ إلي شيئاً؟ فقال له: سبحان الله! أقول لك: هذا أول مركب وتقول لي: هل أرسلت شيئاً؟! فقال له صاحب الدَّين: قد أدى الله عنك، فخذ مالك وارجع راشداً.

    هذا الحديث من أجل الأحاديث في باب الورع والتوكل على الله عز وجل، قال أبو هريرة راوي الحديث: ( فكنا نختلف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما آمَن -أي: أيهما أشد إيماناً من صاحبه- الذي رمى بالخشبة في البحر وهو موقن أن الله لن يضيعه، أم الذي أخذ المال وكان أميناً؟ لأنه كان يستطيع أن يجحد ويقول: ما وصلني شيء.

    التوكل على الله تعالى ووجوب تعظيمه

    فائدة القصة: أنك تجد فيها العبرة، والناس مطبوعون على محبة القصص، ولذلك قصَّ الله تبارك وتعالى قصص الأنبياء على المبتلين، وقصص السالفين عليهم.

    أراد أن يعلمهم كيف يتوكل المرء على الله، وأن الله لا يضيعه، برغم الظنون التي يظنها بعض بني آدم بربهم تبارك وتعالى، وهي ظنون كاذبة خاطئة.

    فلا تظنن بربك ظن سَوءٍ فإن الله أولى بالجميل

    فهذا رجل يريد أن يقترض ألف دينار يتَّجر بها، فذهب إلى رجل موسر يقرض الناس:

    فقال: أقرضني ألف دينار إلى أجل.

    فقال له الرجل: ائتني بكفيل .. ائتني بشهيد.

    وهذا حقه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282] هذا حقٌّ وحفظٌ لأموال الناس.

    فطَلَبُه الكفيلَ والشهيدَ مشروعٌ لاشيء فيه.

    فقال له: كفى بالله كفيلاً ... كفى بالله شهيداً.

    لم يقل له الرجل الآخر: أنا أعلم أن الله كفيلٌ وشهيدٌ؛ لكن أريد أن أرسِّخ دَيني، لا. إن العلاقة بين المرء وأخيه لا سيما إذا بلغ كلٌّ منهما إلى درجة عالية من هذا الاعتقاد يُجِلُّون الله تبارك وتعالى أن يوضع اسمُه: كفى بالله كفيلاً.

    ولا يمنع هذا أن توثِّق دينَك وأنت تعتقد أن الله كفيل؛ لكن انظر إلى قوة هذا الإيمان.

    هناك من الناس من لا يُجِلُّون الله تبارك وتعالى، ويرضَون أن يُهانَ هذا الاسم العظيم الذي قامت به السماوات والأرض، فتُقْسِمُ له بالله أنك صادقٌ فلا يُصَدِّق، تُقْسِم بالأيمان المغلظة أنك ستعيدها، ومع ذلك يقول: لا.

    هناك رجل تاجر وله بنت وحيدة، وهو يجلها غاية الإجلال، وكان يكذب في تجارته:

    فقال له رجل: احلِفْ بالله أن البضاعة بكذا.

    فقال: والله إنها بكذا.

    فقال له الرجل: احلف بحياة ابنتك.

    فبَكى ورَقَّ حالُه، وأبى أن يقسم بحياة ابنته؛ لكن أن يقسمَ بالله تبارك وتعالى كذباً وزوراً فإن هذا لا يضره ولا يهتز.

    أليس الله تبارك وتعالى أولى بالجلالة وأحق؟!

    انظر إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأى عيسى ابن مريم عليه السلام رجلاً يسرق -تأمل في هذا الحديث: رأى، وهذا نبي من أولي العزم، لا يُلَبَّس عليه في الرؤيا ولا يهم فضلاً عن أن يكذب- فقال له: أتسرق؟ قال: والله ما سرقت، -لم يقل له عيسى: أنت كاذب، لأني رأيتك تسرق، بل عَظَّم الاسم العظيم- قال: آمنتُ بالله وكذَّبتُ بصري).

    وهناك واقعةٌ أخرى حَدَثت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر رحمه الله: رويناها بأسانيد صحيحة؛ أن عبد الله بن رواحة شاعرَ النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحب الأبيات العذبة المشهورة:

    والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدَّقنا ولا صلينا

    فأنزلَنْ سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقَينا

    إن الأُلَى قد بغَوا علينا وإن أرادوا فتنةً أبَينا

    - هذا الشعر كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتجز به ويقوله، وكان شاعراً مُجِيداً عذْب النظم رضي الله عنه، وكانت له جارية فوطئها، فرأته امرأته، فجاءت وقالت: أوطئت الجارية؟ فقال لها: لا، قالت، إني رأيتك، فقال: لا، فقالت له: إن كنت صادقاً فاقرأ شيئاً من القرآن.

    لأنه جنب، والجنب لا يقرأ القرآن.

    فأنشد لها أبياتاً من الشعر.

    والمرأة لا تحفظ شيئاً من الكتاب؛ لكن الأبيات تلخيص لبعض الآيات في القرآن الكريم، لذلك انطلى الأمر على المرأة وصدقت، قال:

    شهدتُ بأن وعدَ الله حقٌّ وأن النارَ مثوى الكافرينا

    وأن العرشَ فوقَ الماء طافٍِ وفوقَ العرش ربُّ العالَمينا

    وتحمله ملائكةٌ غلاظٌ ملائكةُ الإله مسوِّمينا

    وكان بيدها سكين، فرمت به، وقالت: آمنتُ بالله وكذَّبتُ بصري.

    وهي امرأة لا تحفظ القرآن الكريم حتى انطلى عليها الأمر، وظنت أن هذا الشعر قرآن.

    وقد شهدتُ رجلاً اتُّهم في سرقة، فجعلوا يقولون له: احلف أنك ما سرقت. فحلف، وآخر يقول: احلف بالثلاثة. فحلف، فانبرى رجلٌ وقال: قل: والمسيح الحي. فأبى الرجل أن يقسم.

    لماذا أبى أن يقسم بالمسيح الحي؟!

    ما معنى هذه الكلمة؟! وما معنى أن يأبى أن يقسم برغم أن هذا القسم شرك؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قالها واضحة: (مَن حلف بغير الله فقد أشرك)، وفي الرواية الأخرى: (من حلف بغير الله فقد كفر).

    والذين يقولون: وحياة أبي، والنبي، وحياة العمدة، وحياة الشيخ، كل هذا شرك واضح وصريح،: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت)، وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر بن الخطاب يحلف بأبيه، فقال له: (يا ابن الخطاب ! إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) الحلف معناه: إجلال المحلوف به وتعظيمه، أليس ربك أولى بهذا التعظيم؟!

    لا تقسم إلا بالله، فإن القسم بغيره كفرٌ أو شرك؛ ولكنه كفرٌ دون كفر، لا يقال: إن الذي يحلف بغير الله لا سيما إن كان يجهل ذلك أنه كافر خارج من الملة، لا؛ لأنه لو كان كافراً خارجاً من الملة لقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر لما أقسم بأبيه: إنك كفرت، فاغتسل، وانطق بالشهادتين، وادخل الإسلام من جديد.

    فلما لم يكن شيء من ذلك دل على أن الذي يقسم بغير الله وهو يجهل أن هذا القسم شركٌ أو كفرٌ، أو نسي وأقسم بغير الله أنه لا يخرج من الملة وإن كان قَصَدَ شيئاً من أفعال الكفر.

    ظهور الكذب والخداع في مسلمي هذا العصر

    هذا الرجل لما قال له: (كفى بالله شهيداً، كفى بالله وكيلاً، قال: صدقت، وقال له في الثانية: سبحان الله! نعم. -أي: كفى بالله شهيداً- خذ الألف دينار).

    التزامك بآداب دينك يريحك ويريح الطرف الآخر.

    أخذ الرجل الألف دينار وانطلق يعمل بها في البحر، وربح فيها، وجاء موعد قضاء الدين، فأخذ الألف دينار وانتظر على الشاطئ لعله أن يجد مركباً فلم يجد، لقوة الرياح وعلو الموج، وتوقُّف حركة الملاحة، فماذا يفعل؟ وهو يتحرق شوقاً أن يرد هذا المال في موعده؟ بقدر ما يكون لك من الإخلاص يكون الله معك.

    يؤسفني أن أقول: إن كثيراً من المسلمين ضربوا المثل الأسوأ في المعاملات بكل أسف في التلاعب والضحك، ولا أدري على مَن يضحكون، ومَن يخدعون، ذهب أحدهم إلى رجل فأخبره أنه مقبل على عمل شركة تجارية، وأن أرباحها كبيرة، وأن السوق فارغ ويحتاج إلى هذه البضاعة، فإذا كان معك مال فهات المال نتاجر وأوهم المسكين، فذهب الآخر وباع ذهب المرأة واقترض، لأن هذا لم يكن عنده مال؛ لكن اقترض من آخرين أموالاً وذهب ووضع المال كله في يد هذا الرجل، فأخذ ذلك المال وأنفقه، وهو يعلم أن أخاه اقترض جزءاً كبيراً من هذا المال، والعجيب أن نفسه طابت بذلك! وأنه لم يشعر بإثم ولا وزر، ولم يشعر بوخز في ضميره وهو يأخذ هذا المال!

    ومضت أيام وشهور وسنون.

    فقال له: أين التجارة؟

    فقال: غداً! غداً!

    وحدثت مشكلة كبيرة مع أهل المرأة، وقالوا لها: أين ذهبك؟ لماذا أعطيتيه الزوج؟ نحن كنا أحق بهذا المال، ألم نطلب منك الذهب يوم كذا وكذا فأبيتي؟

    وصارت قطيعة بين المرأة وبين أهلها.

    فلما علم الرجل أنه لا تجارة.

    قال لصاحبه: أعطني المال. فقال له: لا أملك شيئاً.

    فقال له: ما هو الحل؟ قال: أقسط لك المبلغ.

    وهكذا ضاع المبلغ؛ لأنك عندما تأخذ عشرين جنيهاً، ثم ثلاثين، ثم خمسين، فإن المبلغ سيضيع، لكن إذا أخذته جملة واحدة فإنك ستقضي دينك، وتعيد الذهب لزوجتك.

    يكاد المرء يعتصر من الحزن وهو يرى هذه المعاملات الهشة الكاذبة الخادعة!

    وبعد ذلك يسألون: لِمَ يتخلف نصر الله؟

    لماذا نحن نعيش على هامش الحياة، لا قيمة للمسلمين؟ ولماذا أرخص دم في العالم دمهم؟

    يتساءلون كل هذه الأسئلة.

    فأقول: منكم أنتم جاء الخلل:

    إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] فالله ليس بظلام للعبيد، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40].

    ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا

    لا تقل: إن الماء مر، لأن فمك هو المر.

    بقدر ما يكون لك من الإخلاص والثبات، والوفاء بالوعد، والحفاظ على أموال الناس ومشاعرهم بقدر ما يعينك الله على ذلك، وبقدر ما يحتوي قلبك من الغل والغش والخداع بقدر ما يبتعد عنك تأييد الله ونصره.

    كمال التوكل على الله عز وجل

    الرجل عندما أخذ الألف دينار كان عازماً على قضاء هذا الدين في موعده، وقف الرجل برغم أنه يرى الرياح القوية والموج ولا يرى أي مركبٍ؛ لكنه أخذ بالأسباب، فقال: ربِّ قد جعلتك كفيلاً وشهيداً.

    فلم يجد هذا الرجل المؤمن إلا أن يضع المال في خشبة ويقذف بها في البحر.

    لو فعل هذا الفعل رجل منا الآن لاتهمه الناس بالجنون وبتضييع المال؛ لكن رؤية المؤمن تختلف عن غيره.

    إذا أردت أن تعيش عزيزاً كريماً توجه إلى السماء، واركن إلى رب العرش والسماء، فإنك إن ركنت إلى غيره أخطأك التوفيق.

    فتَعَلَّقْ بالله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] انظر إلى هذه الصفة بعد ذكر صفة الرزق: (ذو القوة المتين) بعد ذكر صفة (الرزاق).

    لماذا؟

    حتى لا تظن أن هذا الرزاق يمكن أن يفتقر، أو أن طلبك أعظم مما في خزائنه، هو رزاق لكن قد يقدر على ذلك أن خزائنه تنفد وأن ما عنده يزول، فقال لك: لا؛ لأنه ذو القوة المتين إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص:54].

    فهذا الرجل أخذ خشبة ونقرها ووضع فيها كيساً وكتاباً منه إلى صاحبه: أنه قد حال بيني وبينك الموج، ثم أحكم إغلاقها وقال: (اللهم أنت تعلم أنني تسلفت من فلان ألف دينار، وأنه قد حال بيني وبينه الموج، وقد جعلتك كفيلاً وشهيداً فأوصل هذا الدين إلى صاحبه).

    رب شخص يقول: لِمَ يقول هذا؟ ألم يعلم اللهُ أنه تسلف ألف دينار؟ ألم يعلم اللهُ تبارك وتعالى أن الموج عاتٍ، وأن الرياح سريعة، وأن حركة الملاحة واقفة؟

    لماذا يقول هذا؟

    هذا موضع نظر وتأمل دقيق: (اللهم أنت تعلم أنني فعلت) إقرار بحاله، كما لو ذهبت إلى شخص وهو يعلم أنك صادق فتقول له: أنت تعلم أنني صادق، على سبيل تأكيد حالك، ألم يقل الله تبارك وتعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات:22-23] مع أننا نعلم أنه حق؛ لكن يقسم على مقتضاه تبارك وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة ...). ونحن لا نحتاج إلى قسمه صلى الله عليه وسلم لعلمنا التام بصدقه.

    فهذا تقرير بحاله فقط ليس إعلاماً لله عز وجل، فإن الله يعلم السر وأخفى.

    ثم قذف بالخشبة في البحر، والعجيب في الأمر أن هذه الخشبة مسخرة؛ لأن هذا الرجل أخلص دينه وقلبه لربه، ومعاذ الله أن يضيعه ربه، فشقت الخشبة طريقَها في الموج، وذهبت إلى الرجل فوقفت أمامه برغم حركة الموج السريعة العالية، فأخذها الرجل، وقال: (آخذ هذه الخشبة أستدفئ بها أنا وأولادي، فأخذها وذهب إلى أهله، فنقرها فوقعت منها الصرة ووجد فيها الألف دينار وكتاباً من صاحبه).

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وفاء المدين وصدق الدائن

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (يَقُوْلُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيْ السَّبِيْلَ)، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أخذ الرجل الخشبة وصاحبه الآخر يلتمس مركباً، لأنه لم يعتمد على الخشبة أن تصل؛ لأن قضاء الديون لا يجوز أن يعتمد المرء فيه على هذه الخوارق، فلا يجوز أن تذهب بدَينك فترميه على الطريق وتقول: إن شاء الله يصل، فإذا جاء صاحبه وقال: أين دَيني؟ فتقول: أنا وضعته لك في مكان كذا وكذا، ألم يصلك؟

    لا يجوز أن يُعْتَمد على هذا في قضاء الدين، فإن الأصل في أموال الناس العصمة؛ لكن هذا الرجل لأنه يعتمد بقلبه اعتماداً كلياً على ربه فعل الذي فعل، ولما علم أن هذا ليس هو سبيل قضاء الدين الشرعي أخذ ألف دينار أخرى وذهب إليه، وهذا دليل على أن الرجل ربح وكسب، وإلا فهو اقترض ألف دينار ورمى بها في البحر ولكنه أخذ ألفاً أخرى.

    وعندما ذهب إلى صاحبه قال: (أنت تعلم أنه قد حال بيني وبينك الموج، خذ الألف دينار، جزاك الله خيراً، فقال الرجل: ألم ترسل إليَّ شيئاً؟ -فتجاهل الرجل تماماً أنه أرسل شيئاً في البحر- قال: سبحان الله! أقول لك هذا أول مركب أجده، وتقول لي: هل أرسلتَ شيئاً؟ لم يقل له: لم أرسل؛ لأن هذا من الكذب، إنما أجاب إجابة يُفهم منها أنه لم يرسل؛ لكن ليس فيها كذب، قال: (سبحان الله! أقول لك: هذا أول مركب أجده وتقول لي: ألم ترسل شيئاً؟ قال له الرجل: ارجع بمالك راشداً، قد أدى الله عنك).

    قال: أبو هريرة : (فكنا نتجادل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما آمن -أشد إيماناً من صاحبه- الذي قذف الخشبة في البحر، أم هذا الذي أبرز الأمانة؟) فلم يجحدها، ولم يأكل مال أخيه؛ لكن يظهر لي أن الذي رمى بالخشبة في البحر أشد الرجلين إيماناً.

    نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم تقبل صيامنا وصلاتنا، وزكاتنا، وركوعنا وسجودنا.

    اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هَزْلَنا وجِدَّنا، وخَطَأَنا وعَمْدَنا، وكلُّ ذلك عندنا.

    1.   

    حكم لقطة البحر

    يؤخذ من هذا الحديث ما بوب به الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه على هذا الحديث في موضع من المواضع؛ لأن الإمام البخاري روى هذا الحديث في أكثر من موضع من الصحيح، فرواه في كتاب ( الكفالة )، وهل يجوز أن يكفل فلان فلاناً؟ وهو المعروف بالكفيل.

    الجواب: واضح طبعاً من سياق الحديث أنه يجوز.

    ووضعه في كتاب ( اللقطة ) في صحيحه، وهذه هي الفائدة التي نذكرها الآن.

    كتاب (اللقطة): أي ما يلتقط من على الأرض، ما تجده على الأرض، سواء وجدت مالاً، أو وجدت غنمةً، أو وجدت أي شيء، فهل يجوز لك أن تأخذ هذا الشيء، فإن فعلت فما حكمه؟ وهل يجوز لك أن تتصرف فيه، أم لا بد أن تعرفه؟ وأحكام كثيرة في اللقطة ليست من موضوعنا هذا، ولكن نأخذ ما يتعلق بالحديث الآن.

    هذا الحديث في كتاب ( اللقطة ) بوب عليه الإمام البخاري بقوله: ( باب لقطة البحر ).

    أين موضع الشاهد؟

    أن الرجل مد يده وأخذ الخشبة، أي: وجدها في البحر، فلو وجدت أنت لقطة في البحر هل يجوز أن تأخذها؟

    هذا هو الشاهد.

    الجواب: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ساق هذه الحكاية مساق المدح، وهو صحيح أنه حصل في شرع مَن قبلنا في بني إسرائيل؛ لكن أي حكاية وأي خبر عن بني إسرائيل يسوقه النبي صلى الله عليه وسلم مساق المدح أو القصة بغير أن يعقب يكون شرعاً لنا، فما الدليل على أنه شرع لنا؟

    الدليل: هذا الحديث؛ لأن القاعدة عند علماء أصول الفقه تقول: ( شرع مَن قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يعارضه).

    فمثلاً: بناء المساجد على القبور كان في شرع من قبلنا؛ لأنه واضح من سورة الكهف في قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً [الكهف:21] فلا يقولن قائل: إن الله تبارك وتعالى ساق قول هؤلاء ولم يعقب عليه تعقيباً يدل على منع بناء المساجد على القبور، فيقال: إن الله تبارك وتعالى ساق بعض أقوال الكافرين ولم يعقب عليها، لماذا؟

    لأن بطلانها ظاهر جداً، صحيحٌ أنه يرد كثيراً لكن لا يرد أحياناً، ولو سلمنا جدلاً أن الآيات التي وردت في القرآن الكريم بعد مقالات الكفار والملحدين رُدَّ عليها، فإننا نلتمس الرد إما من الكتاب أو السنة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة وهي كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الذين يتخذون المساجد على القبور)، وكان آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك! ألا إني أنهاكم عن ذلك! ألا إني أنهاكم عن ذلك).

    فماذا فعلت الأمة؟

    فعلت ما نهيت عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يؤكد الشيء يكرره ثلاث مرات، وكان إذا أراد أن يُفْهِمَه كرره ثلاث مرات، ومع ذلك تجد ألوف الجنيهات تُنفق على تشييد المقابر.

    في كفر الشيخ مسجد يزعمون أن فيه رجلاً صالحاً، ثم قاموا بعد فترة يبحثون عن هذا الرجل الصالح، فلم يجدوا له عظْماً ولا جمجمة ولا أي شيء، فما زالوا يحفرون طمعاً أن يجدوا شيئاً، ولكنهم لم يجدوا شيئاً، ومع ذلك تجدهم يشيدون الضريح!

    وألوف على مآذن لا تُستخدم الآن، وفي السُّنَّة أن يصعد المؤذن على المئذنة، وهذا شيء أردت أن أنبه عليه في هذا المسجد: السنة أن لا يؤذَّن بين يدي الإمام، السنة أن يؤذن على سطح المسجد، فرُب قائل يقول: وما الحكمة طالما أنه يوجد مكبرات صوت؟

    فيقال: كثير من الأحكام الشرعية غير معللة، بمعنى أنك قد لا تستطيع أن تعرف الحكمة منها، وإنما تنفذها كما جاءت في السنة؛ كتقبيل الحجر الأسود مثلاً، فلماذا نقبل الحجر الأسود؟

    لا توجد علة، ولا نعرف حتى الآن لماذا نقبِّل الحجر الأسود، لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تساءل هذا السؤال وأجاب، فقال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر) إذاً: لماذا تقبِّله يا عمر ؟- لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك. إذاً: هي مسألة اتباع محض، حتى وإن لم تفهم شيئاً من الحكمة، هذا هو الشيء الأول.

    أما الشيء الثاني: ربما كان هناك رجلٌ أصيب بصمم لا يسمع، فيرى المؤذن وهو يلتفت يمنةً ويسرةً، فيعلم أن الأذان قد حان.

    ولو فتشنا لوجدنا دلائل أخرى.

    فالسنة أن لا يؤذَّن بين يدي الإمام، إلا أن يؤذن على باب المسجد على صخرة تكون هناك، وإما أن يصعد فوق المسجد يؤذن، وإذا كان من الصعب الوصول إلى أعلى المسجد، وكان هناك صخرة أو شيء عالٍ أمام المسجد فإنه يؤذَّن عليه.

    المهم: ما لا يوجد في الكتاب يُلتمس في السنة، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن البناية التي توضع على القبور، والمدهش أنك ترى أعظم المساجد بناءً وزخرفةً هي التي فيها قبور، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فلا يقال: يستشهد بآية الكهف على جواز بناء المساجد على القبور؛ لأن شرع من قبلنا شرعٌ لنا بشرط أن لا يوجد في شرعنا ما يخالفه، فإن وُجِد في شرعنا ما يخالفه فالعبرة بشرعنا لا بشرع غيرنا.

    كذلك أجمع العلماء جميعاً أن التماثيل حرام، مثل تمثال رمسيس، ومنقرع، وخوفو، والسنة أن تنسف وأن تزال، وأن كل المتاحف الموجودة وثنية، لا يجوز لمسلم أن يذهب إلى متحف من المتاحف لكي يتفرج على الأحجار التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكسرها، كما في صحيح مسلم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لـأبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع قبراً مُشْرِفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته).

    لكن في سورة سبأ أخبر الله تبارك وتعالى عن سليمان عليه السلام مع الجن: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ [سبأ:13]، فهناك من يقول: هذا سليمان وهو نبي، ومع ذلك كان يصنع التماثيل، فنحن أولى أن نصنع التماثيل.

    لا يُحتج بفعل سليمان عليه السلام؛ لأنه ورد في شرعنا ما يردُّه، والعبرة بشرعنا لا بشرع مَن قبلَنا.

    كذلك لو أن سفينةً تمخُر عُباب البحر، وكان يركبها مائة رجل، وكادت السفينة أن تغرق، فقالوا: يا جماعة! إنكم لن تَنْجُوا إلا إذا رمينا -مثلاً- عشرة في البحر، حتى نخفف حمل السفينة، ولا شك أننا لو رمينا عشرة سنحفظ أرواح تسعين؛ لأن هذا أولى؛ لأن الشريعة جاءت بدفع أكبر الضررين، أعني أن الشريعة تقول: إذا كان هناك أمران وكلاهما ضار، ولا بد لك أن تأخذ أحدهما اختر أخفهما ضرراً؛ لأن الشريعة جاءت بدفع المضرة عن المسلم. فلا شك أننا عندما نرمي عشرة في البحر لنحافظ على حياة تسعين أن هذا من ضمن بحث الشريعة.

    ويحتجون بقصة يونس عليه السلام ذي النون عندما ركب السفينة، وحصل أن ربان السفينة قال: إن فيكم عبداً عاصياً فليخرج، فما خرج أحد، فعملوا قرعةً: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141] (ساهم) أي: اقترع، ومنه ما تعلمون من الخطأ الشائع حيث يقال: فلان ساهم في بناء المسجد، وهذا خطأ، والصواب أن تقول: فلان أسهم، أي: شارك؛ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141] أي: كلما اقترعوا وقعت عليه القرعة، فقالوا: نرمي نبياً في الماء؟! فأعادوا القرعة مرة أخرى، فتأتي عليه القرعة، فقذفوا به في الماء.

    فقالوا: هذا نبي وقذفوا به في الماء، فهذا حجتنا، وشرعُ مَن قبلَنا.

    فيقال: لا. لأن شريعتنا أتت بقول القائل: إن دم المسلم الأصل فيه العصمة؛ لأن دم الذي ستحفظه ليس أولى من دم الذي ستلقيه في الماء، لماذا ألقيت هذا لتحفظ دم ذاك، أدَمُ هذا أغلى من دَمِ ذاك؟

    لا. كل الدماء معصومة، إما أن يغرقوا جميعاً وإما أن ينجوا جميعاً، لا تفاضل في الدماء، لأن المسلمين تتكافأ دماؤهم، فليس هناك فرق بين أمير ولا مأمور، ولا غني ولا فقير، ولا أي شيء من هذا، دمك مثل دمه تماماً، معصوم بالنص، لا يهدر لمجرد ترجيح من عندك، فهل أنت مستيقن (100 %) أنك لو رميت العشرة ستنجو السفينة؟

    إذاً: هذا ظن، ودم المسلم معصوم بيقين، فلا يُهْدَر هذا اليقين لأجل ظن رَجَح عندك، فلا يُعمل بشرع مَن قبلَنا هنا.

    لماذا؟

    لأن شرعنا ورد فيه ما يرده، إنما يُعمل بشرع ما قبلنا إذا كان شرعُنا يؤيده، كمثل القصة التي سقناها الآن، وكمثل القرعة التي دل عليها حديث عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه)، يعمل قرعة، فمن خرج سهمها خرجت معه.

    وكذلك كما قال أبو عبيد رحمه الله -أحد أئمة الحديث واللغة- يقول: اقترع ثلاثة من الأنبياء: اقترع زكريا عليه السلام لما اختلف في كفالة مريم مع بني إسرائيل: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44]، قال علماء التفسير: كانوا يأتون بالأقلام التي يكتبون بها التوراة، وجاءوا في ماء جارٍ وقالوا: نلقي أقلامنا، فمن وقف قلمه فهو الذي يكفل مريم -وهذا شبيه بالقرعة-: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ [آل عمران:44] أي: في الماء، أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44] أي: أيُّهم الذي يكفل مريم، فوقف قلم زكريا عليه السلام.

    ويونس في قصة السفينة، ونبينا صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك .. وغيره.

    إذاً: شرع مَن قبلَنا شرعٌ لنا، بشرط أن لا يَرِد في شرعنا ما يردُّه.

    فلم ينكر أن الرجل أخذ الخشبة من البحر، لذلك يجوز لك أن تأخذ لقطة البحر؛ لكن هناك سؤال آخر دقيق وهو: أن الإمام البخاري رحمه الله بوب على هذا الحديث: ( باب لقطة البحر )، فلو وجدت خشبةً بها ألف دينار، هل تأخذ الألف دينار؟

    الجواب: لا بد أن تعرِّف ذلك؛ وإذا كان مبلغاً بسيطاً أو شيئاً يتسارع إليه الفساد، لا جناح عليك إن لم تعرِّفه، يعني مثلاً: إذا وجدتَ برتقالة وأنت تمشي، فأنت إذا أردت أن تعرِّف البرتقالة فإنها ستفسر فيجوز لك أن تأكلها.

    ما الدليل على هذه المسألة؟

    ما رواه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرةً في الطريق وهو يمشي فقال: (لولا أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها)

    ما الذي مَنَعه صلى الله عليه وسلم أن يأكلها؟

    خشية أن تكون من تمر الصدقة، وهي محرمة على آل محمد صلى الله عليه وسلم لشرفهم، وأن الصدقة أوساخ الناس، وقد شَرَّف الله نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأكل من أوساخ الناس، وأن يأخذ غُسَالةَ ذنوبهم.

    ولو لم تكن من تمر الصدقة لأكلها، ولم يقل: لأعرفنها، فإن لم أجد لها صاحباً أكلتها، فدل على أن ما يكون شبيهاً بالتمرة أو نحو ذلك يجوز لك أن تأكله، وأن تتصرف فيه.

    إذاً: يجوز أخذ اللقطة إذا كانت شيئاً بسيطاً أو صغيراً، أما إذا كانت كبيرة فيجب أن تعرفها سنة؛ كأن تجد مبلغاً كبيراً من المال، فإياك أن تتصرف فيه؛ لأن هذا لا يجوز لك أن تتصرف فيه؛ لكن تعرِّفه.

    كيف تعرفه؟

    إذا كنت رجلاً تستطيع أن تكتب في الصحف، أو تكتب في المجلات، أو ترسل للإذاعة. فلا بأس، وإن كان جهدك أقل من ذلك، فتكتب على أبواب المساجد ورقة، وعند محطات (الأوتوبيس) تكتب ورقة، وفي تجمعات الناس؛ ولكن لا تكتب: من ضاع عليه ألف جنيه، فالسنة ألا تعرِّف حقيقة اللقطة؛ لكن تعطي أوصافاً عامة، وهذا يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: (عرِّف عفاصَها ووِكاءَها) (العفاص): مثل ما نشد به المحفظة.

    (والوكاء): هو الحبل الذي يربط به.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما قال: (عرِّف عفاصَها ووكاءَها) أي: الوعاء الذي اشتملت عليه هذه الأمانة.

    وهناك أحكام أخرى في اللقطة إن شاء الله ربما يأتي لها ذكر فيما بعد.

    إذاً: يجوز أخذ لقطة البحر إن كانت كخشبةٍ أو سوطٍ أو عَصَاً .. أو نحو ذلك.

    1.   

    حقيقة التوكل على الله عز وجل

    التوكل على الله عز وجل ليس معناه خلع الأسباب، وفي صحيح ابن حبان من حديث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه وأخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! أترك ناقتي وأتوكل، فقال له: اعقلها وتوكل) أي: أترك ناقتي تسيح في الأرض ويكون هذا من التوكل؟ قال: لا. اربطها بحبل وتوكل.

    فهذا يدل على أن التوكل ليس معناه خلع الأسباب.

    والتوكل الحقيقي: هو اعتماد القلب كليةً على الله عز وجل مع البراءة من الاعتقاد بالسبب.

    إياك أن تتصور أن الحبل هو الذي يحفظ الناقة؛ لأن كثيراً من الناس ربطوا جِمالهم فضاعت! لكن لا بد مع أخذك بالسبب أن تعتقد أن الله تبارك وتعالى هو الحفيظ.

    هذا هو معنى التوكل، لا أن تخلع الأسباب، أو يُظن أن الأخذ بالسبب ضد التوكل، لا.

    لا بد وأنت تعمل الشيء أن تعلم أن الله تبارك وتعالى هو المتصرف في هذا الكون.

    هذا معنى التوكل، وهذه حقيقة قلبية.

    نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يعيننا على الأخذ بالأسباب والتوكل عليه سبحانه حقيقة التوكل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.