إسلام ويب

تعدد الزوجات والحرب الإعلامية [1]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعد مسألة تعدد الزوجات من المسائل التي أكثر أعداء الدين من الخوض فيها زعماً منهم أن في التعدد انتهاكاً لحقوق المرأة وهدراً لكرامتها، وهم خلال ذلك يستشهدون ببعض ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه لدعم ما يذهبون إليه، فيحملون هذه الأدلة على غير محملها، ويفسرونها تفسيرات شاذة، حرصاً منهم على دفن كل فضيلة ونشر كل رذيلة في المجتمع المسلم.

    1.   

    عظم ذنب من تنقص أحداً من الأنبياء

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    لقد اشتهر عند العلماء والعامة قولٌ وهو: (إن لحوم العلماء مسمومة) ومعنى هذا أنه إذا حَرُم على الإنسان أن يغتاب أخاه المسلم، أو يأكل لحمه، فلا شك أن حرمة العالم أجل من حرمة المسلم مطلقاً؛ لأنه جمع الإسلام والعلم، فهو يزيد على الرجل العامي بدرجة العلم، ولأن منصب العلماء بين الناس هو كمنصب الرسول؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم)، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم الذين يبلغون رسالات الله، فيجب أن تصان أعراضهم؛ لأن النيل من عرض العالم قد يضر بدعوته، لذلك كان لحمه مسموماً، وقلّما تجد رجلاً طعن فيه أو نال منه إلا هتكه الله عز وجل.

    فإذا كان لحم العالم مسموماً فلا شك أن لحم النبي أشد سماً، وأنه لا يجوز لأحدٍ قط أن يسب نبياً أو يغمزه تحت أي دعوى.

    وعلماؤنا صنفوا بعض التصانيف في مثل هذا الباب، وأقدم من علمته صنف في هذا الباب أبو الحسن الحموي ، صنف كتاباً أسماه (تنزيه الأنبياء عما نسبه إليهم حثالة الأغبياء)، وللسيوطي أيضاً رسالة (تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء)، جاء فيها: أنه لا يجوز أن تصف نبياً بما يكون في العرف غير كريم، وإن كان كذلك.

    فمثلاً: لو افترضنا أن رعي الغنم في بلدنا هذه مهنة حقيرة، فلا يجوز أن تقول: الرسول عليه الصلاة والسلام كان راعي غنم، نعم هو كان راعي غنم، لكن عندما ذكرت رعيه للغنم في هذه المنطقة كان ذلك وضعاً من شأنه صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت مهنة النجارة محتقرة في مكانٍ ما، فلا يجوز لك في معرض الدفاع عن نفسك أن تقول: زكريا عليه السلام كان نجاراً؛ لأن الكلام سياقٌ وسباقٌ ولحاق، فلا تأت بجملة وحدها، فتجزئها وتترك أولها وآخرها.

    نعم زكريا عليه السلام كان نجاراً كما في الحديث، لكنك إنما ذكرتها في معرض الدفاع عن نفسك وعن هذه المهنة، والعلماء إنما قالوا ذلك صيانةً لجناب النبوة؛ لأنهم هم المبلغون عن الله تبارك وتعالى.

    التعريض بيعقوب عليه السلام بغرض الطعن في مشروعية تعدد الزوجات

    حين يأتي الرجل يريد أن يدافع عن فكرة معينة، فلا يجوز له أن يدافع عنها بلمز أحد من الأنبياء، وحين يأتي رجل يكتب: أن تعدد الزوجات من أكبر المضار، ويستدل على ذلك بقصة يعقوب عليه السلام!

    نقول له: ما علاقة يعقوب عليه السلام بالموضوع؟ فيتعلل بأنه كان متزوجاً من امرأتين، ثم حصل حقد بينهما، وانعكس هذا الحقد على الأبناء، فقام إخوة يوسف بإلقائه في الجب؛ لأن الإخوة من الأب يكرهون بعضهم بعضاً، كما أن الأب معرض لعدم تمكنه من أن يعدل، فإذا كان هذا حدث لنبي فما بالك بغيره؟

    إن مثل هذا الكلام في وجود سلطان شرعي لابد وأن يحد قائله حد المفتري، لأنه كاذب؛ وهل الإخوة الأشقاء لا يقتل بعضهم بعضاً؟ فالعلة موجودة في الإخوة الأشقاء.

    وهل يعقوب عليه السلام فضل يوسف على سائر أخوته تفضيلاً سائغاً أم تفضيلاً متكلفاً فيه، يطعن عليه به؟

    إن الوالد يكون له وجهة نظر في بذل العطاء والحنان لولدٍ دون آخر، ولا يكون ذلك تفرقةً منه، ولا يعرف هذا إلا من رزق الولد.

    فحنان الوالد حنان فطري خلقه الله فيه، وهو سبب لوجود ابنه في هذه الدنيا، وقد ترتب على هذا الفرق بين الولد والوالد في هذه المسألة أحكام شرعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقاد للولد من والده) بمعنى: لو أن والداً قتل ابنه لا يقتل الوالد به، لكن لو أن الولد قتل الوالد يقتل.. ما هو الفرق؟

    الفرق: أن الوالد لا يمكن أن يقتل ابنه إلا إذا زال عقله؛ لأن حنانه جبلي .. فطري .. مخلوق فيه، أما الولد فمسألة أن يقتل أباه مسألة سهلة، أو أن يعق أباه، أو أن يرى أباه يبكي قائلاً: يا بني! أطعني في هذا المعروف. بينما الولد شارد؛ لأن حبه تصنع وتكلف.

    بعض المقتضيات الفطرية لدى الآباء للتمييز بين الأبناء في المعاملة والعطاء

    أسوق مثالاً لأبين أن التفضيل بين الأولاد لا يكون ظلماً أحياناً.

    سئلت أم: من هو أعز ولدك؟

    قالت: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والمسافر حتى يعود.

    فالمقتضى لتمييز بعض الأبناء موجود في هذه الأحوال، وهو: البعد، والصغر، والمرض، فلو مرض ولدك الصغير فإن قلبك يتفطر عليه، لكن لو مرض ولدك الكبير، تقول له: تحمل، أنت رجل؛ لأن الولد الصغير لا يدرك معنى الألم فلا يمكنه الإفصاح عما يعتريه، ولا يعرف معنى الصبر، لكن إذا كبر الولد، فقل له: تحمل، (أشد الناس بلاءً الأنبياء..) فهو يفهم الكلام فيتأسى، بخلاف الصغير، ولذلك تجد حنانك وحزنك على الصغير أعظم من حزنك على الكبير.

    فيوسف عليه السلام كان صغيراً إذ ذاك، وإخوته قالوا: (ونحن عصبة). أي: كبار وكثر.

    وبعض الناس يقول: إن إخوة يوسف عليه السلام كانوا أنبياء.. والصواب أنهم غير أنبياء؛ لأن الأنبياء باتفاق أهل السنة -بل باتفاق علماء الإسلام جميعاً، بل باتفاق المبتدعة منهم- لا يرتكبون الكبائر لا قبل النبوة ولا بعد النبوة أبداً؛ لأنه إذا ارتكب نبيٌ جريمةً نكراء قبل النبوة يعير بها، فصيانةً لجناب النبوة لا يحفظ عليه كبيرة أبداً قبل النبوة فضلاً عن بعد النبوة، وهم أيضاً منزهون عن الصغائر على القول الراجح.

    وإخوة يوسف فعلوا فعلين كلاهما كبير، لما قالوا: اقْتُلُوا يُوسُفَ [يوسف:9]، ولما قالوا: إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف:8] فهم أتوا بأمرين: عقوق، وهمٌّ بالقتل؛ فألقوه في الجب بقصد أن يموت، فكأنهم قتلوه، فإن الرجل لو ذهب لآخر وضربه ضربةً لأجل أن يموت فخر صريعاً فمضى الرجل، ثم أفاق المضروب بعد قليل؛ فإن الضارب يعامل معاملة القاتل في الآخرة؛ لأنه لما ضرب أراد أن يقتل، والنية في هذه المسائل معتبرة.

    هل يعقوب عليه السلام لما تزوج بامرأتين لم يكن يعدل بين أولاده حتى كان هو السبب في قول الإخوة: اقتلوا يوسف؟

    أنا لا أريد أن أفيض كثيراً في محاسن تعدد الزوجات؛ لأنه من محاسن الشرع، دعك من أهواء الناس، وهذا الكلام قد لا يرضي عامة النساء، لكن ما جاء الدين لإرضاء أهواء الناس، إنما نزل الدين مهيمناً على الكل، أليس الدين قيداً؟ ألسنا أسراء في يد الشريعة؟ بلى.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فالمؤمن مسجون بالتكاليف الشرعية: افعل، لا تفعل، ليس هناك حلالٌ مطلق في الدنيا، كل ما يخطر ببالك أن تفعله لا تستطيع أن تفعله؛ لأنك في الدنيا كالمسجون تماماً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أول رؤيا بعض الصحابة -أظنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو غيره- لما رأى نفسه مقيداً في المنام بقيد، فأولَ القيد بأنه الدين، يعني: دينه متين، الدين قيد، لا تستطيع أن تفعل كل الذي تريد دون ضابط، لأن ديننا جاء ليهيمن على الخلق لا ليتنزل على هوى كل إنسان.

    حصر حق الزوج في التعدد بوجود ضرورة أو عيب في الزوجة

    نحن في مسألة إنكار تعدد الزوجات صرنا كالنصارى بكل أسف، حتى إنك قد تجد رجلاً ينسب إلى الالتزام في هذا الباب -أيضاً- كالعوام، فحين يتزوج زوج ابنته بأخرى يأتيه قائلاً: لماذا تتزوج على ابنتي؟ هل ابنتي فيها عيب؟ هل ابنتي مقصرة في شيء؟ فنقول: هل الزواج الثاني لابد أن يكون عن تقصير من الأولى؟! أو بسبب علة فيها؟! من الذي قال ذلك؟

    والله تبارك وتعالى يقول: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ [النساء:3] والكلام السابق رد لهذا، إذا لم يرد ذكر للعلة فلو قال الرجل: أريد الزواج بالثانية بلا علة، فالزواج بها يشرح صدري، ويقربني من ربي، ويمكنني من أن أتمتع بالمتعة الحلال، وهذا هو مقتضى اللفظ: (انكحوا ما طاب لكم) فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3].

    لكن حين يأتي هؤلاء وينزعون الكلمة من السياق، ويقدمون للناس أحكاماً مبتورة: أن الزواج الثاني لا يكون إلا لعلة، ولابد من استشارة الزوجة الأولى في الزواج؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فعل ذلك!! وأنا لا أدري أهذا كذبٌ على الله عز وجل أم جهلٌ، وكلاهما مر، هل النبي صلى الله عليه وسلم لما أبى أن ينكح علي بن أبي طالب على ابنته إلا أن يطلقها كان من هذا الباب؟ لا.

    إن استدلالهم بهذا الحديث يذكرني بمن يقول: إن مكر النساء وكيدهن أعظم من كيد الشيطان، فتقول له: كيف يكون ذلك ولا يوجد أعدى من الشيطان الرجيم؟ يقول لك: يا أخي! هذا في القرآن، قال الله عز وجل: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف:28]، وقال بالنسبة للشيطان: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76]، فبين أن كيدهن عظيم، وأن كيد الشيطان كان ضعيفاً، واضح جداً من القرآن.

    وليس الأمر كما يزعم؛ لأنه إنما استل هذه الجملة من السياق، واستلال الجملة من السياق بغير نظرٍ إلى السباق واللحاق جريمةٌ في حق المعنى، ففي قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف:28] نقول: نعم، إذا قورن كيدهن بكيد الرجال؛ لأن الناس ما هم إلا رجلٌ وامرأة، فإذا قورن كيد الرجال بكيد النساء كان كيدهن عظيماً فعلاً، لكن كيد الشيطان.. لماذا كان ضعيفاً؟ عندما تقرأ السياق يتضح المقام، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76] (ضعيفاً)؛ لأنه مقابل بكيد الله، فصار ضعيفاً لذلك الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:76]، وهو معهم وناصرهم، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257] ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ [النساء:76]، أي: يا أيها الذين آمنوا -الذين مولاهم الله- قاتلوا أولياء الشيطان؛ لأن الله مع الذين آمنوا، والشيطان مع الذين كفروا، فصار هناك مقابلة فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76]؛ لأنه مقابل بكيد الله عز وجل، فما معنى أن نأخذ شطر آية مع شطر آية أخرى ونضربهما ببعض؟!

    1.   

    نقض الاستدلالات على منع تعدد الزوجات

    الاستدلال بمنع النبي لعلي بن أبي طالب من الزواج بابنة أبي جهل على منع التعدد

    قال النبي عليه الصلاة والسلام : (إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علياً ، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يطلق علي ابنتي) فهم يستشهدون بهذا الحديث فيقولون: هذا كلام واضح جداً، إذا كنت تريد أن تتزوج فالزوجة الأولى مخيرة بين أن تطلب الطلاق أو تبقى، وهذا يدل على أنه لابد أن توقع على الموافقة، فهم بهذا الدليل جعلوا القوامة بيدها، انظر الكلام! يعني هي التي تقول للرجل: تزوج أو لا تتزوج، وإلا طلقتك، فالمسألة ستكون بهذه الصورة.

    لكن لا بد من النظر في كل ألفاظ الحديث!

    الشعر الماجن عمل نفس الموضوع، قال:

    ما قال ربك ويلٌ للأولى سكروا وإنما قال ويلٌ للمصلينا

    أي: ليس هناك ويلٌ للسكارى، إنما هناك فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] دون أن يتم قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5]؟!

    انظر إلى الجريمة التي ارتكبها، أخذ آية قرآنية صحيحة، لكن لا يتم معناها إلا بإتمام بقية السياق قال ({لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يطلق علي ابنتي، والله لا تجتمع بنت عدو الله وبنت رسول الله تحت سقفٍ واحد) هذه العلة الأولى.

    بنت أبي جهل لا يتصور أحد أن علي بن أبي طالب كان سينكح ابنة أبي جهل وهي كافرة.. لا، لأن الله تبارك وتعالى قال: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10] لا يمكن للمسلم أن يتزوج بكافرة، بينما يمكنه أن يتزوج كتابية مشركة، لكن الكافرة المحضة الأصلية.. لا يجوز الزواج بها.

    فطبعاً أبو جهل كافر أصلي، وابنته تبعاً لذلك كافرة أصلية حتى تسلم، إذاً لا يجوز الإمساك بها، لكن بداهةً هي أسلمت.

    فما المانع إذاً؟ قال عليه الصلاة والسلام: (لا تجتمع بنت عدو الله، وبنت رسول الله تحت سقفٍ واحد، إني أخشى أن يفتنوا ابنتي) فانظر إلى العلة، هي مسلمة، لكن خالها كافر، وعمها كافر، وعمتها كافرة، فعندما يأتي هؤلاء الكفرة إلى هذا البيت يخشى على ابنته .. ريحانته .. سيدة نساء أهل الجنة، بل سيدة نساء العالمين إلا ما كان من مريم عليها السلام، يخشى على سيدة نساء العالمين (إني أخشى أن يفتنوا ابنتي) ، وحتى لا يظن رجلٌ أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحرم على علي بن أبي طالب مطلقاً الزواج الثاني، قال عليه الصلاة والسلام في نفس الحديث: (أما إني لا أحرم ما أحل الله، ولكن لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت سقفٍ واحد)، فانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (أما إني لا أحرم ما أحل الله) أي: من التعدد، فكيف لم يفصل الذين وضعوا هذا القانون المشئوم الأبتر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام.

    فهذا القول من أهواء الناس، والله تبارك وتعالى اللطيف الخبير، الذي هو أعلم بالناس منهم بأنفسهم، والذي شرع ذلك لهم، إنما هو لصالحهم، فنسبة النساء أكثر من نسبة الرجال؛ لأن الرجال معرضون للقتل في الحروب والعصابات والأوبئة، فيترتب عليه أن يكون عدد النساء أكثر من عدد الرجال.

    أيتها المرأة التي تسمع كلامي! أيتها المرأة التي مات زوجها عنها وهي شابة، أو طلقها زوجها وهي شابة! ألا تتمنى هذه المرأة أن تكون في كنف رجل.

    فالمرأة وقت وجود زوجها، تأبى عليه أشد الإباء أن يتزوج عليها وتهدده.

    فهذه المرأة إذا مات الزوج وهي لا تزال بعد شابة، فهل يُقضى عليها بالإعدام، وتقضي حياتها كلها بلا زوج..! ونقول للذين يدافعون عن حقوق المرأة -زعموا- ويقاومون الزواج الثاني! هذه المرأة لما مات عنها زوجها هل صارت وحشاً؟ أو صارت رجلاً؟ أو انتفى عنها وصف الأنثى، أو ما زالت امرأة؟ أليست هذه امرأة لها حقوق؟ فأين ذهب حقها؟

    فالمرأة بعد وضعها الجديد ولو مضى على زواجها يوم واحد لا يعود بيت أبيها لها بيتاً، ولا تشعر فيه بالأنس والاستقرار؛ لأنها لا تعامل معاملة البنت البكر، حتى في بيت أبيها، فتنظر هي إلى حالها، من الممكن أن تكون هي المرأة القادمة التي يموت زوجها، أو يطلقها زوجها وهي شابة.

    إذاً: هي لابد أن تحب لأختها من الخير ما تحب لنفسها، لاسيما إذا كان الرجل عادلاً مستطيعاً.

    الاستدلال بقوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) على منع التعدد

    تأتي الجريمة الثانية في حق المعنى بنزع السياق، يقول لك: إن الله تبارك وتعالى قال: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء:129] يا أخي! خذ الكلام بكامله في السياق واقرأ قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:128-129].

    فلو نظرت إلى السياق للفت نظرك في الآية الأولى: (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا )، وللفت نظرك في الآية الثانية (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا ) ذكر الإحسان في الآية الأولى والإصلاح في الآية الثانية، وذكر التقوى معهما.

    وأي بيت فيه من المشاكل ما لا يستطيع الرجل، ولا تستطيع المرأة الجهر بها، فقد تكون المشاكل متعلقة بأمور تخص المأكل والمشرب أو غير ذلك من الأمور التي يمكن مناقشتها والإفصاح عنها، ولكن في بعض الأحيان يكون الموضوع أعمق من ذلك، لكنه محرج، لا يستطيع الرجل ولا المرأة الإفصاح عنه، والله تبارك وتعالى ذكر في هذه الآية: (وَإِنِ امْرَأَةٌ)؛ لأن بعض النساء يقلن: إن الله سبحانه وتعالى جعل للرجل سيطرة على المرأة، فإذا نشزت جاز له أن يهجر ويضرب، لكن افترض أن الرجل نشز، فماذا تصنع المرأة؟

    نزلت هذه الآية لبيان ذلك، فقال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا [النساء:128] الجملة هذه فيها (لا) النافية، وفيها نكرة وهو قوله تعالى: (صلحاً)، والنكرة: هي الاسم المعرى من الألف واللام، وحين تدخل الألف واللام على الاسم يصير معرفة، فكلمة (الصلح) معرفة، وبحذف الألف واللام تصير نكرة.

    وقال العلماء: النكرة في سياق النفي تقتضي العموم، يعني: (لا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا) أي صلحٍ كان، هذا معنى الآية، المهم أن هذا الصلح يرضي الطرفين، وتمضي الحياة.

    فإذا أراد رجل أن يطلق، فإن الله تبارك وتعالى وجهه إلى أن يصطلح مع زوجته على أي شيء، لو أنها تركت بعض ما لها من الحقوق لا ضير أن يمسكها.

    وإذا عزم رجل على تطليق زوجته، فقالت له: لا تطلقني وأمسكني، ولا تقسم لي. أي: لا تبت معي، وهي بذلك تتنازل عن حقها في الفراش، فهل يجوز؟ نعم يجوز، طالما أنها هي التي أسقطت حقها، والمرء حر في إسقاط حقه، إنما لا يجوز للرجل أن لا يوصل حقها إليها، يعني: رجل يمسك بامرأةٍ ولا يعفها في الفراش.. هذا لا يجوز، وهو آثم بذلك ومرتكب لذنب عظيم، لكن إذا قالت المرأة نفسها: أنا لا أريد ذلك، وأسقطه عنك؛ جاز لهما الاصطلاح على ذلك.

    وبرهان ذلك من السنة: أن سودة بنت زمعة رضي الله عنها -زوج النبي صلى الله عليه وسلم لما كبرت وخافت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادت أن تحتفظ بشرف التسمي بأم المؤمنين؛ تنازلت عن ليلتها لـعائشة رضي الله عنها، فصار لـعائشة ليلتان ولسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة واحدة، فهي التي تنازلت عن حقها في هذه الحالة.

    ولأن الطلاق بيد من أخذ بالساق -وهو الرجل- ولأن المرأة قد تكون ظروفها صعبة جداً، إذا طلقت تضيع، فلا جناح عليهما أن يصلح بينهما صلحاً، لكن هذا فيه غبن للمرأة، فالله سبحانه وتعالى قال: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128] على أي وضع، أفضل من أن تشرد المرأة، لو أن المرأة ظلت مع الرجل، وقد فقدت بعض حقوقها أفضل لها من أن تطلق بالكلية، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ [النساء:128]، كل واحد شحيح بالاعتراف بالخطأ .. لا يريد أن يقول: أنا مخطئ .. جاءوا ليتصالحوا وكل واحد مصر أنه هو المحق، ويشح بالاعتراف بالخطأ، فربنا سبحانه وتعالى قال: وَإِنْ تُحْسِنُوا [النساء:128]، فجعل ضم المرأة إلى الرجل مرةً أخرى من الإحسان، وليس من الإحسان أن تظلمها.. فاتق الله.

    إذا أحسنت لا ترد عليها بالسيئة؛ لأن هذا ضد الإحسان، قال الله تبارك وتعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] أي: لا ينبغي أن يكون جزاء الإحسان إلا من جنسه، ثم قال تبارك وتعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء:129]، هنا جاء المعنى، فالآية الأولى بينت حال رجل بينه وبين امرأته خلاف، ويريد أن يطلقها، فيقال له: أمسكها.. ولو على مضض، من قبيل الإحسان.

    أما لو كان الرجل متزوجاً بامرأةٍ أخرى، وصار قلبه بالنسبة للمرأة التي حدث بينه وبينها نشوز ليس على ما يرام، فإذا تحول قلب الرجل عن المرأة لا يعطيها حقها في الفراش، هذا معنى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:129] أي: بالمحبة القلبية والفراش؛ لأن هذا فرع على عمل القلب، أليس القلب مَلِك البدن؟ فالإنسان إذا كره بقلبه لا يمكن للجوارح أن تأتي بخلاف ما في القلب، ولذلك إذا تفتت عزم القلب ضاع عمل الجوارح، فأحياناً يأتي خبر للإنسان وهو متماسك فينزل عليه كالصاعقة، فعندما يسمعه يسقط على الأرض صريعاً.. ما الذي جرى؟ فهذا القلب لما انفت عزمه خانته قدماه؛ لأن قوة العضو إنما هي من قوة القلب والجنان، لذلك ترى الرجل إذا انفت عزم قلبه لا يستطيع أن يستخدم جارحته أبداً.

    ذارت مرة قال أحدهم لي: إنه شعر بتعب، فذهب يكشف عند الطبيب، فقال له: عندك مرض القلب، فلما سمع ذلك -وكان قد صعد السلم على قدميه- نزل مستنداً على غيره، وقال: سأكشف عند أخصائي، وعندما كشف عليه قال له: أنت عند من كشفت؟ قال له: عند الطبيب فلان. قال له: إن قلبك أقوى من قلب الذي كشف عليك، فخرج الرجل من عند الأخصائي على قدميه.. ما الذي جرى له؟ رجله هي رجله، ما الذي جرى له؟ لما انفت عزم القلب ذهبت قوة الجارحة.

    فالرجل إذا كان يكره المرأة فمن الطبيعي أن لا يميل إليها، ولا يستطيع أن يأتيها في الفراش، قال ربنا سبحانه وتعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:129]، إذاً: عدم الاستطاعة جاءت بعد مشكلة وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا [النساء:128].

    إذاً: عدم الاستطاعة المقصود بها هنا العجز القلبي، وشيء طبيعي جداً أن الإنسان لا يسأل عن هذا العجز القلبي؛ لأن قلبه ليس بيده، إنما القلب بيد الرحمن، كما قال عليه الصلاة والسلام: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء)، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر: وهو أن قلبك ليس بيدك، رغم أنه هو ملك بدنك.

    لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، لو كان قلبك بيدك ما كفرت طرفة عين، ولا كرهت إنساناً، ولا غُلبت على كرهه، لكن ليس بيدك، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقسم يقول: (لا، ومقلب القلوب!) إشارةً إلى أن تقليب القلوب آية من آيات الله عز وجل.

    إذاً: الآية جاءت في معرض سياق طويل، فنزع الآية من هذا السياق جريمة في حق المعنى، وتضليل لعباد الله تبارك وتعالى.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    الحكمة من تعدد الزوجات

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    الحالة التي وصلنا إليها في هذا الباب هي أننا صرنا كالنصارى في هذا الباب؛ والسبب طويل، وجذوره ترجع إلى الوراء، إن الذين امتلكوا دفة الإعلام والثقافة عندنا لا يمتون إلى الإسلام بصلة، ولاؤهم ليس لدينهم، القصص .. المسرحيات .. المسلسلات .. الجرائد .. المجلات... كل ذلك يصب في هذا المستنقع.

    فإذا جاءهم من يقول: إن للرجل أن يتزوج على زوجته، قالوا: لماذا؟ هل بالمرأة عاهة؟ المرأة ليس لها كرامة؟ ليس لها حرية؟ لا، الكلام هذا كان في العصور الوسطى، في العصر الحجري، لكننا الآن أخذنا حريتنا.

    هذا اتهام للنبي عليه الصلاة والسلام أنه عيش النساء في العصر الحجري .. والعصور الوسطى؛ لأن المرأة الآن لم تعد كما كانت على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وصاروا يأتون بالشبهات التي يلبسون بها على الناس.

    نحن قلنا: إن القلب ليس ملكك، يجبر الإنسان على عشق امرأة أو على حب شيءٍ ما وهلاكه فيه، تقول له: يا أخي! انس.. يقول لك: لا أستطيع، وهل قلبي بيدي؟ فهو لا يستطيع، ويكاد يتلف.

    وفعلاً بدأ هذا الرجل يضمر، ووجهه ينحل، وأحست زوجته أن الرجل يموت، فذهبت إلى تلك المرأة وقالت لها: اعملي معروف، تزوجيه، أنا لا أريد أن أفقده، لو -صار معي نصف يوم أو يوماً من كل يومين أفضل من أن يموت، تزوجيه. هي بالتالي ركبت دماغها، وقالت: أبداً، لا يمكن، فأرسلت رسالة للرجل صاحب البريد، تقول له: إنها تقرأ لك، أرجوك تحننها، وقل لها: تتزوج زوجي، أنا أريد ذلك.

    فيقول لها: لا يا سيدتي، لن أقول لها ذلك.

    أنا أفهم أنك تقول: لا أقول لها ذلك؛ لأن البيت سيتدمر وسيضيع، لكن المرأة نفسها هي التي تقول لك: اعمل معروفاً، كلمها. فيقول لها: لا يا سيدتي، لن أقول.

    انظر العداء السافر إلى أي درجة وصل! أنا أفهم أنه لا يريد أن يهدم البيت الأول، حسناً، كلام معقول مثلاً، ولو بادي الرأي، لكن المرأة نفسها هي التي تقول: مرها، وانصحها أن تتزوجه. فيقول لها: لا يا سيدتي.

    إن النساء المطلقات واللاتي مات عنهن أزواجهن كثرة كاثرة، والمتأمل في أحوالهن يبكي بالدمع السخين عليهن، وعلى ظروفهن وأحوالهن، ألسن نساء لهن ما للنساء..؟ فأيهما أصلح: أن تقع المرأة في الحرام، أو يعفها رجل..؟ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، الرجل القادر المستطيع الديِّن الخيِّر زواجه خير، فيه تكثير لنسل المسلمين، وفيه أنه ضم امرأةً لا راعي لها.

    فأعداء الدين عندما يتكلمون في هذه القضية لا يتكلمون بعدل ولا بإنصاف ولا بعلم، بل غمزوا نبياً من الأنبياء بسبب ذلك.

    إن هؤلاء لا يتورعون في سبيل الوصول إلى ما يريد أسيادهم عن أن يغمزوا حتى الأنبياء، فانظروا يرحمكم الله إلى هذه المسألة، ولا زلت أقول: ما جاء الدين ليرضي أهواء الناس، إنما جاء الدين لمصلحة البشر، فقد يرتكب الإنسان عملاً ضد مصلحته وهو لا يدري، ولذلك العبد الذي يسلم لربه تبارك وتعالى -لدينه وشرعه- من أسعد الخلق.

    1.   

    التزام الأحكام الشرعية لا يأتي إلا بالخير

    إن الله عز وجل وجهك إذا أشكل عليك أمر أن تقول: ربِّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين؛ لأن الله إذا وكل العبد إلى نفسه طرفة عينٍ أهلكه.

    ودعاء الاستخارة عندما تتأمل ألفاظه تدرك هذا الأمر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -وتسمي حاجتك-) تريد أن تتزوج، أو تنقل مسكنك، أو تغير الوظيفة، أو تبدأ مشروعاً، أنت لا تدري أهو خيرٌ لك أم لا؛ تدعو هذا الدعاء بعد صلاة ركعتين من غير الفريضة. (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -وتسمي حاجتك- خير لي في ديني ودنياي، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به).

    انظر إلى الكلام! لأنه قد يقدر لك الخير وأنت لا ترضى به فترفضه؛ فتحرم ذلك الخير.

    فعليك عندما تدعو الله تبارك وتعالى أن لا تدعوه بالذي تريد؛ لأن ذلك الأمر قد يكون وبالاً عليك وأنت لا تدري، فلا تقل: يا رب! أريد أن أتزوج فلانة. لكن قل: يا رب! إن كانت فلانة خيراً لي في ديني ودنياي فزوجنيها، ولا تقل: أريد الوظيفة الفلانية، أو المسكن الفلاني، لكن قل: إن كان ذلك الأمر خيراً؛ فإن ذلك من أدب الدعاء، وما ألطف دعاء أيوب عليه السلام، قال الله عز وجل: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء:83] لم يقل: فاشفني، وإنما قال: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] إن كنت ترى الرحمة في استمرار بلائي فزده، وإن كنت ترى الرحمة أن ترفعه عني فأنت أرحم الراحمين، فانظر كيف لم يطلب العافية لنفسه، لم يقل: مسني الضر فاشفني؛ لأنه لا يدري، أيهما أصلح له: المرض أو الصحة، والعبد المريض لا يدري بعد أن يصح أيكون مجرماً في الأرض أم لا؟ ربما مرض حتى يعجزه الله عن معصية لو كان صحيحاً لأتاها؛ فرحمه الله بأن ابتلاه، والله أرأف بالناس من الأم بولدها، فانظر إلى أدب الدعاء، قال: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83].

    فلذلك إذا كانت هناك امرأة يريد زوجها أن يتزوج عليها، فلا تتحانق، ولا تلج باب السفه، ولكن تلجأ إلى عتبة ربها تبارك وتعالى، وتمرغ وجهها بين يدي عبوديته وتدعو وتقول: إذا كان هذا الزواج الثاني يزيد في طاعتي، ويقربني من ربي، ويعف هذه الأخت؛ فاقدره له ويسره له، وإن كان هذا الزواج يضيع إيماني، ويقلبني رأساً على عقب، ويعكر حياتي؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر الخير حيث كان.

    هذا هو دأب الصالحات المؤمنات، وليس أول ما تعلم أن زوجها سيتزوج عليها ترفع راية العصيان، هي لا تدري هل الزواج الثاني خيرٌ لها أم لا، ليس كل أمر يُرى شراً يكون في الأصل شراً، بل قد يكون خيراً، والله تبارك وتعالى أدب الصحابة في حديث الإفك، فقال: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]، وقال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، فسلم للذي يعلم وادعه متضرع القلب، وصف قدميك بين يديه تبارك وتعالى، واضرع إليه ضراعة الذليل أن يقدر لك الخير.

    هذا هو سلوك النساء الصالحات المؤمنات، ولا شك أن جميع النساء عندهن غيرة، لكن الغيرة لها حدود، والغيرة إذا طغت على حدود الله عز وجل لا تكون محمودة، فالسيدة عائشة رضي الله عنها كانت تغار، وكانت تقول: ( ما غرت على امرأة قط غيرتي على خديجة لكثرة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها ) فغيرة النساء موجودة، والرجل الصالح العادل هو الذي يقتل هذه الغيرة بعدله وإقباله على نسائه، لكن لا يجوز لها أن تتخطى الحدود الشرعية؛ فتظلم بهذه الغيرة.

    فنسأل الله تبارك وتعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكاها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738066087

    عدد مرات الحفظ

    684530975