إسلام ويب

الالتفات إلى الأسبابللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله لكل شيء سبباً، وهذا من سننه الكونية، والأسباب لا تؤثر بنفسها، بدليل أن السبب قد يوجد ولا يوجد أثره وثمرته؛ وعليه فالاعتماد الكلي على السبب، والالتفات إليه شرك بالله تعالى في ربوبيته، وبالمقابل فإن إهمال الأسباب وتركها قدح في الشرع ومحال عقلاً .. والحق أن يعتمد العبد ويتوكل على ربه تعالى ويأخذ بالسبب طاعة لله تعالى وتأسياً بأنبيائه عليهم الصلاة والسلام لتتحق له بذلك مصالح الدنيا والآخرة.

    1.   

    اتخاذ الأسباب لا ينافي صدق العبودية لله

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد، ونفي الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، هذه الكلمات الثلاث اشتملت على الدين كله، الالتفات -أي التفات القلب إلى الأسباب- قدح في التوحيد؛ لذلك فإن الله تبارك وتعالى ألغى السبب فيما يتعلق بدعائه والإخلاص له.

    نحن كما قال ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وأبو ذر في جماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: كنا ضلالاً لا نعرف شيئاً حتى جاءنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو الواسطة بيننا وبين الله في العلم به، وبأحكامه، وبما يحب ويكره، نحن لا نعرف لنا سبباً إلى السماء غير الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لذلك كان هو الواسطة الطبيعية، كما يتضح ذلك جلياً في كثير من الآيات، ومنها: قوله سبحانه وتعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ [البقرة:189] وقوله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ [البقرة:219] وقوله جل ثناؤه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ [البقرة:217] وقوله تبارك وتعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ [البقرة:215] وقوله عز وجل: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس:53] وقوله سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:83] وقوله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127] وقوله: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176].

    (قل) هذه التي هي دلالة على الواسطة، إثبات وجود الرسول عليه الصلاة والسلام في تبليغ الأحكام الشرعية، إلا في الدعاء: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186]، لم يقل: فقل: إني قريب؛ وذلك حتى يلغي الواسطة؛ لأنه من الممكن أن تفرغ ما عندك من العبودية عند الواسطة، ولله المثل الأعلى.

    ولك أن تتصور أن يوجد أمير عادل حكيم لا يرد مظلمة إنسان، ولكن له نائب لئيم، كلما رفعت شكوى حجبها ذلك النائب ولم يرفعها للأمير، فحتى تصل شكايتك للأمير، ماذا تفعل؟ لابد أن تتزلف إلى هذا النائب اللئيم حتى يسمح بمرور شكايتك إلى الأمير، وكلما كان هذا الرجل أشد لؤماً كنت أنت أشد ذلاً، وهكذا استفرغت ما يجب أن يكون لله تبارك وتعالى -من العبادة والذل والخضوع- عند أقدام الواسطة، ولهذا ألغى الواسطة؛ حتى تكون عبوديتك كاملة لله تبارك وتعالى، إذا سألت مباشرة ليس هناك واسطة.

    لما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجماعة الذين يصرخون في دعائهم، قال: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً).

    الحرص على التوحيد وحماية جنابه

    إن التفات القلب إلى السبب قدح في التوحيد، ومعنى ذلك أنه إذا علمت -أو ظننت- أن السبب هو المؤثر كان ذلك قدحاً في التوحيد، ولذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (من قال: لولا الكلب لسرق اللص الدار؛ فقد أشرك)، لكن يجب أن يقول: لولا أن الله سخر الكلب، فلا يجعل الكلب هو الذي أنقذ الدار من السرقة.

    وتأمل جيداً قول إبراهيم الخليل عليه السلام لما عرّف إلهه الذي يعبده إلى قومه، فقد كان في غاية الدقة، وكان الرائد في هذا المضمار، ولذا فكلامه موزون، وكذلك الداعيه إلى الله عز وجل يجب أن يكون كلامه موزوناً، أليس الكفر بكلمة، والإيمان بكلمة، واستحلال أعراض الناس بكلمة؟! كل شيء في الدنيا أليس يتم بكلمة؟!

    لما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً). والرجل ما أتم كلمة أشرك بها، إنما أشرك بحرف، قال: ما شاء الله وشئت، فعطف بحرف الواو، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله نداً).

    ونحن نعلم أن الرجل لم يقصد أن يجعل لله نداً في حقيقة أمره وقرارة قلبه وإلا فهو كافر، إنما قال كلمة درجت على لسانه، كما يقول العوام اليوم: توكلت على الله وعليك، فالقائل: لا يقصد أن يجعل هذا الرجل كالله تبارك وتعالى.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكتف بقوله: (أجعلتني لله نداً) بل علمه، فقال: (قل ما شاء الله ثم شئت)، فإذا كان العبد يمكن أن يشرك بحرف، ألا يمكن أن يشرك بكلمة؟! أو بجملة، فطالما أن كل شيء مبني على الكلمة، يجب الحرص على أن تكون الكلمة في موضعها.

    ولذلك فإن الغلام الذي حكى النبي عليه الصلاة والسلام قصته مع الراهب والساحر، لما جاءه جليس الملك وكان قد عمي، قال: رد علي بصري! اشفني! فكان الغلام يتكلم بتؤدة وكلام يعلم عاقبته وخطره، قال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته فشفاك، فخلع نفسه، قال: أنا ليس لي إلا أن أدعو فقط، وأنت ليس عليك إلا أن تؤمن، إنما الشفاء منه تبارك وتعالى.

    التأكيد على أن الأسباب لا تؤثر إلا بمشيئة الله

    إبراهيم الخليل عليه السلام، أول ما بدأ يدعو قومه دعاهم بكلام في غاية الدقة، وقد حكى القرآن الكريم أنه قال عليه السلام عن الأصنام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77]، كأنهم سألوه وما رب العالمين؟ قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:78-81].

    تلاحظ في الآيات الثلاث الأول ضمير الرفع المنفصل (هو)، ويقول النحاة: إن هذا الضمير يأتي لتأكيد الكلام، بدليل أنك لو حذفته لا يؤثر في السياق، إنما يأتي لتأكيد الكلام، الذي خلقني فيهديني .. كلام مستقيم، إنما جاء (هو) لتأكيد هذا المعنى.

    والهداية لفظة مشتركة، فهي من العبد: الدلالة والبيان، وهي من الله: التوفيق إلى طريق الهداية حقاً، وقد أثبت الله الهداية لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم مرة ونفاها عنه أخرى، قال وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، فأثبتها له، وفي الآية الأخرى نفاها عنه فقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، إذاً: الهداية الأولى هي هداية الدلالة والبيان، والهداية التي نفاها الله عنه توفيق العبد وإقامته على طريق الهداية حقاً.

    فلما التبس هذا المعنى للهداية التي هي مشتركة بين العبد وبين ربه؛ احتاج إبراهيم عليه السلام أن يؤكد أن الهداية الحقة ليست لأحد، إنما هي لله وحده، فأكدها بهذا الضمير: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78]، كأنه قال: فهو يهديني لا غيره، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79].

    من الجائز أن تقول: كنت سأموت من الجوع لولا أن فلاناً أطعمني وسقاني، فأراد إبراهيم عليه السلام أن يقول: إن الأكل والشرب وإن كانا سبباً في دفع الجوع والظمأ؛ لكن ليسا دافعين حقيقيين للجوع والظمأ.. ألم تجرب -ولو مرة- أنك أكلت بنهم شديد أضعاف ما يكفيك، وتحس أنك في حاجة إلى طعام، أما مر عليك يوم شربت فيه ماءً حتى كادت بطنك أن تنفجر من الماء، ومع ذلك تحس أنك لا زلت في حاجة إلى مزيد من الماء، فالماء يدفع الظمأ، لكن ليس دائماً، كذلك إذا مرضت ألست تأخذ الدواء مرة فتبرأ بإذن الله، وتأخذه أخرى فلا تبرأ، والعلة هي العلة، والدواء هو الدواء، وإن كان سبباً في دفع المرض، لكن ليس دائماً.

    فكأن إبراهيم عليه السلام قال: والذي إذا أطعمني أوجد فيَّ الري والشبع وهي الفائدة المقصودة من ذلك السبب، وقد ثبت في الصحيحين: (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان كافراً، فقال: اسقني يا محمد! فسقاه لبن شاة، ثم قال: اسقني فسقاه لبن شاة أخرى.. اسقني.. حتى حلب له سبع شياه، فأسلم الرجل -لعله لما وجد من حسن الخلق- فجاء في اليوم التالي، وقال: اسقني يا رسول الله! فحلب له لبن شاة واحدة، فشرب وأفضل شيئاً، وحمد الله، فقال عليه الصلاة والسلام: المؤمن يأكل في معيٍّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) .. كما قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه يوماً: (كلوا والبركة من الله).

    إذاً: إيجاد الري وإيجاد الشبع من الله تبارك وتعالى، وإن كان الأكل سبباً في دفع ذلك، لكن ليس بالضرورة أن يدفع، فأراد إبراهيم الخليل أن يؤكد أنه: ليس بمجرد أن يأكل يشبع، إنما الذي يطعمه ويسقيه ويوجد فيه الرِّيَّ، ويوجد فيه الشبع -وهما المقصودان من الأكل- هو الله تبارك وتعالى لا غيره.

    وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، من الجائز أن يقول العبد: كنت سأموت لولا أن الطبيب الفلاني أنقذني، أنت ترى ضعفاء الإيمان إذا كان أحدهم مريضاً بمرض خطير، وأُدخِل غرفة العمليات، يقف مرافقوه عند باب الغرفة ينتظرون الطبيب، فإذا ما خرج الطبيب، نظروا إلى شفتيه.. قالوا جميعاً: خير يا دكتور..! -وكأنه هو الذي سيقول الكلمة الأخيرة- لو قال: أبشروا.. فإنهم يكادون يموتون من الفرح، ولو قال: ليس هناك أمل، يرتمي بعضهم على الأرض من وقع كلامه الباعث على اليأس، كأن الطبيب يملك من الأمر شيئاً، هؤلاء يعاملون الطبيب كما لو كان له الكلمة الأخيرة، وليس لأحد كلمة أخيرة، إنما الكلمة الفاصلة لله تبارك وتعالى، والعباد في قرارة أنفسهم يتصرفون خلال ذلك.

    كما أنه من الممكن أن يكون لعبد ما ولد، وقال له جميع الأطباء: وفر فلوسك، لا أمل، فهو ميت لا محالة، ومع ذلك يخرج الرجل بابنه من عند هذا الطبيب ليذهب إلى طبيب آخر، لماذا مع أنهم قالوا له: لا أمل؟ هو يقول في قرارة نفسه: من الجائز أن الله تبارك وتعالى يجعل شفاءه عند رجل آخر، وإذا لم يكن عنده فلس واحد فإنه يستدين، وهو موقن أنه ميت، وهو يعلم أنه لا أمل في شفاء ابنه، لكن لماذا يقترض؟! لماذا يثقل كاهله بالديون؟! لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه ليس لعبد كلمة أخيرة، فإن الله تبارك وتعالى يصرف المقادير حيث شاء.

    وعلى سبيل المثال -كي نعلم أن الأمر كله لله- امرأة مغربية، مرضت بالسرطان.. ذهب بها أولادها إلى كل أطباء العالم، وكلهم يقول: بقي من عمرها شهر أو أقل، فقالوا لها: أَلا تعتمرين!! فذهبت المرأة تعتمر، ثم طاب لها المقام في الحرم، فكان ليس لها طعام ولا شراب إلا ماء زمزم، فمضى شهر.. وشهران .. وثلاثة أشهر .. وأربعة .. وستة .. وعشرة، والمرأة بصحة جيدة، ثم ذهبت إلى إحدى مدن المملكة، وعمدت إلى أشهر أطباء المملكة وكلهم يقول لها: ليس عندك شيء، قالت: هؤلاء لا يفهمون، حتى أولادها قالوا: الطب عند العرب متأخر، سنذهب إلى البلاد التي وصلت إلى القمة، عندما ذهبوا إلى الأطباء في تلك البلاد إذا بهم يشدهون، أين ذهب المرض؟! عند من تعالجت؟! قالوا: أبداً، الوضع كذا وكذا.. وصدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال في ماء زمزم: (إنه طعام طعم، وشفاء سقم)، فهذا فضل الله، ولو أن الأولاد تركوها لحكموا عليها بالإعدام.

    إذن الإنسان يتحرك من داخله بعقيدة أنه ليس لأحد شيء، وإن كانت تصرفاته -أحياناً- غير ذلك، لكنه مجبول ثابت في فطرته أن الكلمة الأخيرة الفاصلة لله تبارك وتعالى في كل شيء، فمن الجائز أن يقول العبد: فلان الطبيب شفاني، فأكد إبراهيم عليه السلام إن الذي يشفي ويرفع المرض هو الله تبارك وتعالى لا غيره.

    هذه القضايا الثلاث التي ذكرها إبراهيم مشتركة بين العبد وبين ربه، العبد له جزء من المعنى والله تبارك وتعالى له جزء ٌ آخر، أما القضية الأخيرة فلا خلاف بين جميع العباد عليها فلم يؤكدها، وهي: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) لم يقل: فهو يحيين.. لماذا؟ لأنه لا خلاف بين العباد كلهم أن الذي يحيي ويميت هو الله تبارك وتعالى، وهذا نفي من إبراهيم عليه السلام للسبب، وللواسطة.

    لذلك كان التفات القلب إلى هذه الأسباب قدحاً في توحيد العبد، ويجب أن لا يلتفت القلب إلى السبب، وليكن يقيننا أن الذي يجعل التأثير في الأشياء هو الله تبارك وتعالى وحده، كما قال عز وجل: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، رمى: الأولى بمعنى أصاب، ورمى الثانية بمعنى سدد الرمية، ورمى الثالثة بمعنى أصاب، فيكون معنى الآية: وما أصبت إذ رميت ولكن الله أصاب، ليس لأنك سددت الرمية، بدليل أن العبد قد يصاب برصاصة في عنقه فيموت، ورجل آخر يضرب برصاصة في نفس الموضع فلا يموت، فإن كان لابد أن يموت إذا جاءت الرصاصة في هذا الموضع لمات كل من أصيب بها، لكن إنما يصيب الله تبارك وتعالى، ليس لأنك أحدثت الأثر، لا. إنما الله تبارك وتعالى هو الذي أحدث الأثر.

    ومن العجائب، هذا القلب الذي يُعد ملك البدن، إذا اجتمع القلب وجدت في أعضائك قوة، وإذا تفرق همك وجدت في أعضائك الخور كله، لذلك همة العبد إنما تكون باجتماع قلبه، فإذا اجتمع قلبك اجتمعت جوارحك تبعاً للقلب، أليس هو ملك البدن، هذا القلب الذي قوام حياتك به، لو توقف لمت، فتصور أن قلبك الذي تتحرك به أنت لا تملكه، أليس هذا من أعظم دلائل العجز؟

    ومما يدل على أن العبد لا يملك قلبه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها كيف شاء).. وكان أكثر دعائه يقول: (يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك) وكان قسمه الذي يكثر أن يقسم به يقول: (لا. ومقلب القلوب).

    ومثالاً على ذلك -من الواقع-: ألم تحب إنساناً يوماً ما حتى غُلبت على حبه، وكدت تهلك في حبه، فقيل لك: انْسَ، قلت: لا أستطيع، تمضي في أقصى مكان في الأرض، والذكرى لا تفارق قلبك، لو كان قلب العبد بيده، لما كفر طرفة عين، لكن ليس قلبه بيده، وهذا من أعظم دلائل عجزه وافتقاره إلى الله تبارك وتعالى، أليس هو صندوق الإخلاص في البدن، ومحل السر فيه، وفيه ما لا يمكن للإنسان معرفته حتى مع تطور علم التشريح، على سبيل المثال العلقة التي استخرجها الملك من قلب النبي عليه الصلاة والسلام علقة محسوسة ترى وتمس باليد، هل يستطيع إنسان على وجه الأرض إذا شَرَّحَ القلب أن يحدد موضعها، سر عظيم من أسرار الله تبارك وتعالى في بدن العبد.

    فإذا التفت هذا الملك -ملك البدن- إلى الأسباب هلك العبد، إذاً هو إنما بقلبه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر البدن، وإذا فسدت فسد سائر البدن، ألا وهي القلب).

    نفي الأسباب محال عقلا ..

    التفات هذا القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ونفي الأسباب نقص في العقل، فلو أن رجلاً قال: أريد ولداً بغير نكاح، فكل العباد يقولون عنه: مجنون، أو قال: أريد أن أشبع بغير أكل، لقالوا: مجنون، ولو قال آخر: أريد أن أذهب إلى أول الشارع بغير سعي مني ولا مشي، يقولون: أنى لك ذلك؟! فمعنى أن يلغي العبد السبب أن يقول: لا قيمة له أبداً في الفعل، هذا القول نقص في العقل.

    ولعله يأتي من يقول: إنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يمكن أن ينفي أن يكون السبب مؤثراً، نقول: بلى! يوجد أناس يقال لهم: الفرماوية يرون أن الأخذ بالأسباب كفر، ويرون أن من مرض فذهب إلى الطبيب فهو كافر، ومن أراد الولد فنكح فهو كافر، مع أنهم ينكحون ويذهبون إلى الأطباء، لأنه يستحيل أن ينفي السبب بالكلية وإلا مات، ولقد رأينا بعضهم وقد انقسموا فريقين: جماعة يلبسون قمصاً بيضاء، وجماعة يلبسون قمصاً خضراء، فالذي يلبس قميصاً أبيض لا يأخذ بالأسباب لأنه وصل إلى درجة اليقين.

    كما أنه قيل لـابن الجوزي يوماً: إن فلاناً ترك الصلاة والزكاة وترك العبادة، لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وقال: إنه قد أتاني اليقين وأنا وصلت درجة رفع التكليف، فقال ابن الجوزي : نعم، وصل، ولكن إلى سقر.

    فالذي وصل إلى هذه الدرجة من الفرماوية يلبس القميص الأبيض، أما الذي يلبس القميص الأخضر فهذا دءوب العمل لخدمة الصنف الأول دائماً، وهو الذي يأخذ بالأسباب، ومن عجيب أمرهم أنهم يعتقدون أن الذي يلبس الأخضر كافر كفراً مؤقتاً، حتى تدب الولاية -ولاية الشيطان- في قلبه فيلبس قميصاً أبيض.

    وهذا الكلام لو عرضوه على أجهل خلق الله تبارك وتعالى ما قبله، لأنه يصادم صريح العقل، فإنكار أن تكون الأسباب أسباباً من حيث هي أسباب نقص في العقل بلا شك، ونحمد الله تبارك وتعالى أنه لا يوجد من هذه الطائفة أحد الآن، لقد كانوا يحرقون صحيح البخاري فلما سئلوا:، لماذا؟ قالوا: أصل البخاري شيوعي، أليس من الاتحاد السوفييتي ؟! هذا لما كانت بخارى ضمن الاتحاد السوفييتي، أما الآن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى أين سينسبوا البخاري ؟

    وكانوا يقولون: كل أحاديث عائشة باطلة.. فلما قيل لهم لماذا؟ قالوا: صوت المرأة عورة، كل حديث عن أي امرأة غير صحيح، لأن صوت المرأة عورة.

    وهكذا من يرد الأحاديث قائلاً: هذا مضاد لصريح العقل، وإذا وجدت حديثاً يضاد صريح العقل فاعلم أنه مكذوب!!

    وأنا أقول: صريح العقل ليس عقلك وحدك، إنما صريح عقل المسلمين، لأنه من الممكن أن يصادم عقلك أنت فقط، لكن لا يصادم عقل غيرك، هذا هو معنى القيد الذي وضعه علماء المسلمين عندما قالوا: إذا وجدت الحديث يخالف صريح المعقول فاعلم أنه مكذوب.

    وهم يقصدون بصريح المعقول أي صريح معقول عقول المسلمين، ليس عقل واحد، ولا عقل اثنين، إنما عقول المسلمين.

    ففعل الفرماوية هؤلاء وتأويلهم يضاد صريح عقول المسلمين، لذلك نجزم أنه من الباطل المحض الذي لا يتردد فيه إنسان.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم..

    1.   

    وجوب الأخذ بالأسباب وعاقبة إهمالها

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    الإعراض عن الأسباب قدح في الشرع؛ لأن كل شيء في الكون لا يتم إلا بسبب من العبد، ولا يوجد شيء في الكون إلا له سبب.

    ومن ألطف ما يذكر في ذلك قوله تبارك وتعالى لـمريم عليها السلام: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم:25]، تصوروا نخلة مثمرة وجاء أربعون رجلاً من أشداء الرجال فهزوا النخلة هل تنزل تمرة؟ تهتز النخلة ولا تسقط شيئاً، فكيف بامرأة نفساء، والمرأة إذا وضعت تكون أضعف ما يكون، إذ تكون قد فقدت كل قواها، لذلك عظم حقها على أبنائها كما في الأدب المفرد بسند قوي أن رجلاً حمل أمه وطاف بها حول البيت وهو يقول:

    أنا لها بعيرها المذلـل إن أذعرت ركابها لن أذعر

    يقول: أنا بعير لها أحملها وأطوف بها، ولا أذعر كما تذعر البعران، ثم ذهب إلى ابن عمر ، قال: يـابن عمر! أتراني وفيتها؟! قال له: لا. ولا بزفرة.. والزفرة التي هي الآه التي تطلقها المرأة أثناء الولادة، أو الصراخ الذي تصرخه حال الولادة، أي: مهما فعلت لها لن توفيها حقها ولا بزفرة من زفراتها.

    فما بالكم بامرأة نفساء تهز النخلة، هل يمكن مع ضعفها أن تهتز النخلة؟ لا يمكن ذلك، وإنما كان هذا الأمر إشارة لطيفة إلى ضرورة الأخذ بالسبب، وقد أحسن الشاعر جد الإحسان لما نظم هذا المعنى، فقال:

    توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغبن بالعجز يوماً عن الطلب

    ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

    فلو شاء أن تجنيه مـن غير هزه جنته ولكن كل رزق له سبب

    فهذه امرأة نفساء وهي أعذر ما تكون إذا تركت الأخذ بالأسباب، وذلك من أعظم الدلالة على أنه لابد أن يأخذ العبد بالسبب.

    وإن العبد إذا قصر في الأخذ بالسبب عوقب بحرمان الثمرة، مثلاً: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فالسبب الذي إذا أراد المسلمون أن تأتلف قلوبهم يجب أن يأخذوا به هو أن يسووا صفوفهم، فإذا لم يسووا الصفوف نفرت القلوب، فتسوية الصف سبب من أسباب اجتماع القلوب، فلما قصر المسلمون في ذلك، نفرت قلوبهم، يصادف أن يصلي رجل بجوار رجل آخر بينهما شحناء، تصور أنهما يخرجان من الصلاة أشد كدراً من دخولها، يقول لك: أنا أول ما رأيته قلبي انقبض، ما نفعتك صلاتك إذاً، وقفت في الصلاة وقلبك في الشارع، هل صفّت الصلاة الشحناء التي في قلبك؟

    وآخر صلى وهو هادئ الأعصاب، وخرج منها يتضور، أي صلاة هذه؟ أي صلاة هذه؟!

    ذهب رجل إلى أحد المفتين وقال له: أرأيت إن صليت إلى جانب رجل عن يساري وأنا أبغضه، تُرى ماذا أفعل؟ قال: يكفيك تسليمة واحدة، حتى لا ينظر إلى هذا الذي يبغضه عن يساره.

    لم يأخذ العباد السبب فمنعوا الثمرة.

    إن هذه الصلاة شرعت خمس مرات في اليوم حتى لا يصاب أحد بضغناء ولا شحناء على أحد، تُرى هل ينعقد قلبك على كره إنسان إذا كنت في كل يوم خمس مرات تلتصق قدمك بقدمه وكتفك بكتفه، لكن نحن عجزنا عن استثمار هذه الصلوات، فلما قصرنا في الأخذ بالسبب منعنا الثمرة التي من أجلها شرعت صلاة الجماعة، وهو أن يجتمع المسلمون على قلب رجل واحد.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير.

    اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا..

    1.   

    وجوب تسوية الصفوف .. ومخالفة كثير من المسلمين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    من الأشياء التي ينبه عليها بمناسبة الكلام على السبب وأنه يجب على كل إنسان أن يفعل ما أُمر به:

    أولاً: هذا الخط الموجود على الأرض في المساجد لتسوية الصف -زعموا.-. هذا أولاً هو بدعة..

    ثانياً: لماذا وضع هذا الخط على الأرض؟ وضع بعدما قصر الإمام في أداء مهمته، فتراه يقول للناس: استووا وظهره باتجاههم، أو يقول: استووا، قبل أن يقوم الناس إلى الصفوف، ولا يقفون في الصف إلا وقد بدأ يقرأ في الفاتحة، وهذا لا ينبغي، إنما المفروض أن يفعل الإمام ما هو مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تسويته للصفوف وحث الناس على ذلك، وهذه هي مهمة الإمام، وللأسف تجد عند كثير من المسلمين أن الإمام لا يطبق سنة تسويته للصفوف، وإذا لم يكن حاضراً يتدافع الناس كل يدفع غيره للإمامة، ويمتنع عن التقدم ولو كان عنده علم، وقد يتقدم جويهل لا يعرف السنة.

    وبالمقابل أناس يحرصون على الإمامة على جهل بالسنة، وهذا شيء عظيم خطير؛ لذلك الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الاندفاع إلى الإمامة، بسبب خطرها وجسامة منصبها، وإننا قصرنا جداً في فهم ما يناط بنا، لدرجة أنك لو دخلت مسجداً من مساجد المسلمين، وصادف أن الإمام غائب أو أن المسجد ليس له إمام راتب، تنظر العجب، كل واحد يعزم على الثاني يقول له: تفضل، والآخر يقول: لا -والله- أنت تفضل، وقد يتقدم من ليس له علاقة أبداً بالإمامة، وقد يكون أول مرة يصلي بالناس، مع أن المفروض في الإمام أن يكون فقيهاً، يعرف أحكام الصلاة، ويعرف ما ينبغي في الصلاة، لكن هذا يدخل وليس عنده فكرة عن الصلاة.

    وفي ذات مرة تعازموا أيضاً على نفس المنوال، وكان هناك واحد رآهم يتدافعون فحسم الموقف ودخل هو، وبعد وذلك التفت إليهم وجعل يفرك في يديه، ما هو الذي يقوله الأئمة قبل الصلاة؟!! يسأل نفسه. وهي يقصد قولهم: استووا واستقيموا، لكنه لا يعلم ذلك لأنه لا يحضر الجماعة وإنما دائماً غائب، فقعد يفرك يده ويفكر في نفسه: ماذا يقول الأئمة قبل الصلاة؟ فقال لهم أخيراً: (جاهزين يا رجالة؟ نعم يا معلم!)

    تصور عندما يكون هذا هو الإمام، مع أن الإمامة شأنها عظيم كما ورد في سنن الدارقطني ، قال: (تخيروا أئمتكم فإنهم وفدكم إلى ربكم). أي: أن الإمام كأنه هو رئيس الوفد معك إلى الله، فلابد أن يكون قدوة في فقهه وعلمه وأخلاقه، كما أننا لو عيَّنّا شخصاً أنوك (أحمق) نجعله لنا رأساً، ماذا يقول الناس عنا؟ وكذلك أي دولة عندما تختار سفيراً، فإنها تختاره حسب أعلى المستويات لأن هذا السفير لو كان سيئاً في تصرفه سيؤدي بسمعة الدولة في الحضيض، فلازم أن يكون السفير ذا ذوق، متكلم، مجامل ... إلخ هذه الصفات التي يتطلبها عمله.

    وعليه فوفدنا إلى الله في الصلاة إذا كان رأسه لا يدري شيئاً، فهذا إزراء بكل المصلين؛ لأن الرأس إذا لم يكن مستقيماً أزرى بكل مرءوسيه.

    ولذلك لما تولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة، جاءت بعض القبائل تهنيه، فقبيلة من القبائل أرسلت وفداً يرأسه شاب، فدخل الشاب يهنئ عمر بن عبد العزيز بالخلافة، فكأنه استصغره، ووجد أنه ليس أسن القوم، قال: يا بني! أما وجدوا من هو أكبر منك؟!! فقال: يا أمير المؤمنين! لو كانت المسألة بالسن لكان هناك من هو أولى منك بالخلافة، قال له: أفلحت.

    فالرأس مهم، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام شدد ولفت النظر إلى الصف الأول وأكد على فضله وأهميته فقال: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فما بالك بالإمام، يجب أن يكون أولى بهذه الصفات السامية من الصف الأول؛ لأنه (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأكبرهم سناً) يعني: إذاً المفترض أنه لا يوجد في الصف الأول أحد يساوي الإمام، طالما والمسألة مفاضلة، وبعد ذلك يليه في الفضل الصف الأول، وهذا هو المفروض؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، فإذا كان إمامهم يقول لهم: (جاهزين يا رجالة!) تصور للصف الأول كلهم (معلمين) إذاً، يعني: ليس فيهم أهل أن يقف في الصف الأول فضلاً عن أن يكون إماماً، الصف الأول يجب أن يكون فيه أولوا الأحلام والنهى لماذا؟ لأنهم أدرى الناس بما يلابس الإمام في الصلاة حتى لا يختل نظام الصلاة، ولك أن تتصور -مثلاً- أن الإمام وهو في الركعة الأولى اكتشف أنه ليس متوضئاً، ماذا يفعل؟ المفترض أنه ينسل ليستخلف ممن وراءه ويذهب يتوضأ ويرجع ويصلي مأموماً مع الإمام الجديد. والإمام الجديد الذي استخلفه يبني على ما مضى من الصلاة.. يبني على ما مضى في الركعات وليس في القراءة، أي ليس بالضرورة إذا كان الإمام يقرأ في سورة معينة أن الإمام المستخلف يأتي فيواصل القراءة من نفس السورة، إنما يبني على ما مضى أي في عدد الركعات، فإذا كان الصف الأول ليس فيه من هو أهل للإمامة، فتصور كيف يكون نظام الصلاة.

    ذكر ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين في فصل الحمقى والمغفلين من الأئمة، أن شخصاً اكتشف في الركعة الثانية أو الثالثة أنه ليس متوضئاً فشد شخصاً ممن وراءه وذهب ليتوضأ، ثم إن هذا الإمام المستخلف، وقف لا ينطق.. لا يتكلم.. لا يتحرك، فلما يئسوا منه شدوه وقدموا رجلاً آخر، فأتم الصلاة، وبعد الصلاة سئل الثاني: لماذا لم تفعل شيئاً؟ كيف وقفت ساكتاً؟ قال ظننت أن الإمام يقول: احفظ مكاني حتى أجيء.

    فالمفروض أن يحرص على الصف الأول أفضل الموجودين، ثم إن التخلف عن الصف الأول ليس من الورع، فقد يقول لك قائل: صليت في الصف الأول كأني أزكي نفسي، هذا ورع كاذب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يتأخر عن الصف الأول، فقال كما في الصحيح: (لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله).

    لا يوجد ورع في هذه المسألة، الصف الأول لا يوجد فيه شيء اسمه ورع، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو علم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) لو دخل رجلان فوجدا فرجة في الصف الأول حضهما على أن يستهما عليه -أي: يعملان قرعة- من الذي يصلي في الفرجة التي بقيت في الصف الأول؟ إذاً: كيف يتخلف الإنسان عن الصف الأول؟!

    فالواجب أن يكون أفضل من في المسجد هم الذين يحرصون على الصف الأول.

    فلما كان أئمتنا هكذا، لا يعلمون شيئاً عن واجباتهم في الصلاة، فهذا هو الذي جعل الناس يضطرون إلى الخط الذي يوجد على الأرض والسبب هو أن الإمام غائب عن مهمته. والمفروض على الإمام أنه لا يقيم الصلاة حتى يطمئن إلى تسوية الصف، ونحن حاولنا أن نفعل هذا فضج المصلون، لنا شهران أو ثلاثة ننبه حول هذا الموضوع، ولا توجد أية فائدة لم يستطيعوا أن يستسيغوا الموضوع، وغاية ما يريد أحدهم أن يصلي ويخرج مسرعاً كأنه مسجون.

    في صلاة الجمعة المفروض على الإمام ألا يصلي حتى يذهب إلى آخر صف ويجدهم استووا تماماً، أو يرسل شخصاً يسوي الصفوف، ثم تبدأ الصلاة، حاولنا عبثاً مع جماهير المصلين، وكل مرة ننبه، ونقول: نحن وإن تأخرنا خمس دقائق لكي نسوي الصفوف؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال كذا وكذا، ومن أثر تسوية الصفوف أن تلتئم القلوب، وتحاول اقناعهم، (وأول ما تخلص الصلاة يقوم فلان من الناس ويصيح قائلاً: حبستمونا ممن أعمالنا. فمتى تلتئم القلوب، وهو مع ذلك يقف على باب الجامع ربع ساعة ونصف ساعة يتكلم فيما لا يفيد، أما بين يدي الله، فهو عجل، يتعجل الفراق، أنى يفتح لمثل هذا؟

    ونكرر أن هذا الخط الذي على الأرض هذا، إنما كان بسبب عدم أخذ الإمام بما يجب عليه، التفات القلوب بعضها عن بعض إنما كان بسبب أننا لم نأخذ بما وجب علينا من السبب، لذلك منعنا الأثر، نحن نقول للمسلمين: الأخذ بالسبب ضروري، لكن يجب أن نعلم أن السبب ليس مؤثراً دائماً وإنما بمشيئة الله كما ذكرنا ذلك، بل أنت قد تفعل كل ما في وسعك ولا تصيب الثمرة، لماذا؟ لعدم إخلاص القلب، فلو علم الله تبارك وتعالى منا أننا صرنا عبيداً له أعطانا الثمرة، ولو بأقل مجهود، ليس دائماً، لابد أن تحسن عملك مثلاً 100% لتصيب الثمرة 100%، لا. فيمكن أن تكون ضعيفاً، وجهدك لا يصل إلا إلى 20% فقط، ويتمم لك الله الثمرة 100% لماذا؟ لما علم من حسن توجهك، ولا يلومك على العجز، لأنه فوق طاقتك وإمكانك.

    إنما أنبه على ذلك حتى لا يلتبس المعنى إذا قرأ واحد منا حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه (أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى على رجل، فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال عليه الصلاة والسلام: ردوا علي الرجل، فردوه، قال: ماذا قلت؟ قال: قلت حسبي الله ونعم الوكيل، قال له: إن الله يلوم على العجز، ولكن إذا غلبك شيء فقل حسبي الله ونعم الوكيل).

    إن الله يلوم على العجز، العجز هنا هو الحمق وسوء التصرف، فإذا أساء العبد التصرف بحمقه، فلا يلومن إلا نفسه، إنما إذا سلك الأسباب كما أمر فغلب على ذلك فليقل حسبي الله ونعم الوكيل.

    (إن الله يلوم على العجز) العجز هنا هو الحمق وسوء التصرف، بخلاف الكلام الذي أنا أذكره، الذي قلت: إن الله تبارك وتعالى إذا عجز العبد لا يلومه، أي: إذا عجز العجز الذي هو ضد الإمكان؛ لأنه إذا لم يستطع أن يفعل فإن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها.

    1.   

    العبودية لله تعالى سبب للتمكين

    كثر كلام المتكلمين في أسباب ضعفنا، وأننا لم نأخذ بالقوة المادية المجردة عن القيم والمبادئ، أصخوا أسماعنا بأن الغرب سبقونا بأقمار التجسس وسبقونا بحرب النجوم وسبقونا بهذه الأشياء، ونحن لابد أن نكون على منوالهم، وصاروا يدندنون على ذلك ونسوا أهم خطوة في الموضوع.

    منذ عدة أشهر علا موج المحيط، ودخل هذا الموج العاتي على ولاية فلوريدا الأمريكية، فكانت الخسائر المبدئية ثلاثين مليار دولار، بعدها بأسبوع، علا موج المحيط، فدخل على مدينة هاواي الأمريكية، مدينة الدعارة، فكانت الخسائر المبدئية خمسة مليارات دولار، فكان المجموع خمسة وثلاثين ألف مليون دولار، في كم؟! في نصف ساعة!

    عدوك إذا أراد الله أن يهلكه كم من الوقت يأخذ؟! لكن بعد أن تكون عبداً لله، كلٌّ منا يسأل نفسه: هل أنا عبد لله فعلاً؟ هل استطعت أن أعبّد نفسي وأهلي لله فعلاً؟

    أيها الصارخ! حنانيك، يا أيها الذي تريد أن تحكم العالم غداً! رويدك إن شيطاناً بداخلك، إنك عاجز أن تأمر امرأتك بالحجاب، إنك عاجز أن تأمر بناتك بالحجاب، أنت عاجز أن تأمر ولدك أن يصلي، تريد أن تحكم العالم غداً، وأنت عاجز أن تحكم أسرة، لا تستطيع أن تقيمها، وتريد أن تحكم العالم، إذا صرنا عبيداً لله، حكمنا العالم.

    المسلمون في مكة، ماذا قال الله لهم؟ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء:77] بالله عليكم أنحن أقمنا الصلاة؟ خمس دقائق نقولها للمسلمين صبروا أنفسكم حتى نسوي الصف، يزمجر كثير منهم، أهذه هي إقامة الصلاة، لابد أن نكون عبيداً لله أولاً، فإذا ما صرنا عبيداً لله، مكّن لنا، كيف يُمكَّن لنا في الأرض ونحن لم نطبق الشرط المطلوب منا للتمكين، وهو: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، تصور لو مكن لبعض المسلمين الآن، أو بعض الدول الإسلامية، أو التي تزعم أنها إسلامية، أيكون حالهم أحسن من حال الكفرة الممكنين حالياً في الأرض؟! الجواب: لا.

    إن الله تبارك وتعالى لا يحابي أحداً من عباده، أبداً، ولو حابى أحداً لحابى أنبياءه في ذويهم، كما قال تعالى لنوح في ابنه إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46]، ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأمه، مع أنه خرج دامع العينين لما نهي أن يستغفر لأمه، كيف لا؟! والله تبارك وتعالى كان يقول له: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، أسفاً هنا مؤخرة في السياق: أي لعلك قاتل نفسك أسفاً على آثارهم لأنهم لا يؤمنون بهذا الحديث، من شدة شفقته صلى الله عليه وسلم على الناس يكاد يموت من الحزن عليهم لأنهم لا يؤمنون، فكيف بأمه التي ولدته، لو أن الله يحابي أحداً لحابى أنبياءه في ذويهم، لكنه لا يحابي أحداً، ألم يقل تبارك وتعالى: (إني حرمت الظلم على نفسي)، ولو ظلم -وحاشاه- لما سأله أحد، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]، فنحن ما قمنا بما يجب علينا من الأخذ بالسبب في العبودية، فلم يقم لنا القلب، لذلك صرنا أذلة في كل مكان.

    كثير من الذين يحاضرون، يتكلمون عن أسباب ضعف المسلمين، والتنبيه عليه واجب، لكن ألفت النظر إلى شيءٍ خطير يقعون فيه غالباً، وهو أنهم يأخذون جل المحاضرة في عرض السيئات، وفي عرض أسباب الخلل، ثم يذكر العلاج في خمس دقائق، فينصرف الجماهير، وعندهم أسى وشعور قاتل بالهزيمة، لا يوجد لديهم العلاج، لأن المحاضر تكلم ساعات في أسباب ضعفنا، وبعد ذلك رأى أنه بقي من الوقت خمس دقائق، وبدأ يذكر العلاج بإيجاز: تقوى الله.. وبالله التوفيق.. والسلام عليكم ورحمة الله..

    حسناً: الجماهير ليس عندهم تصور لتقوى الله، وإنما الذي لديهم فقط تصور لأسباب الخلل، تماماً مثل المسلسلات العربية، تتكون من أربعة عشر حلقة ونصف يعرض فيها كيف أن اللص يكسر الأقفال ويسرق البنوك، وبعد ذلك قبل ما الخمسة عشر حلقة تنتهي بربع ساعة ينتهي المسلسل بأن اللص قبض عليه، وبعد ذلك يقول لك حقاً: إن الباطل زاهق.. وبعد ذلك ينتهي المسلسل.

    فالنتيجة أن كل الجماهير التي تفرجت عرفت بعد هذا المسلسل كيف تفك الأقفال، لكن مسألة أنها تتوب وتعرف أن الحق غلاب وتتشبع بالرادع عن الجريمة، ما صار عندها أي تصور لذلك لأنه طرح في خمس دقائق فقط.

    تصور مثلاً جيلاً مهزوماً كجيلنا الآن وجيل آبائنا الذي تجرع جميع الهزائم، فعندما يقال: لدى أعدائنا ألفي إذاعة وأربعمائة مجلة وخمسمائة جريدة، وأربعين قمراً صناعياً تُصوِّر حتى (الفانلة) التي أرتديها.

    أنا رجل ليس عندي شيء إطلاقاً، فما المتوقع مني بعدما أسمع هذا؟ المتوقع مني هو أن أصاب باليأس، إذ أن هناك أربعين قمراً صناعياً فوق منطقة الشرق الأوسط يراقبون حتى ما ألبسه فماذا أفعل؟ أبدل أن أعمل سقف البيت بسمك عشرة سنتمترات أعمل سقف البيت بسمك متر؟ لأنني وأنا أمشي أحس أنني مكشوف، لو خطر ببالي يوماً ما أن أنتفض وأثأر لكرامتي سأعلم أنني مكشوف، فأقول في نفسي، وماذا أفعل وأنا مكشوف، فأستسلم للأمر الواقع، وأصاب بالإحباط.

    نحن نقول للذين يلقون محاضرات في مساوئ المسلمين الآن وأسباب الخلل: (إذا عرضت أسباب الخلل جملة وفصلت العلاج أصبت) فعندما تُعلم الناس كيف يكونون عبيداً لله هنا نقول: أصبت، لأنك عند أن تعرض أسباب الخلل وليس في يديك العلاج لا يكون لذلك العرض قيمة، لأن غاية قولك تعريف المستمع أنه ضعيف وإقناعه بذلك، وأنت تنازع أنك ضعيف، أنا وأنت نعرف أننا ضعفاء، لكن يا أخي! كيف سبيل العلاج، لا أريد أن أسمع أسباب الخلل، نحن نعرفها، أعظم أسباب الخلل أننا لسنا عبيداً لله.

    تمكين الله للصحابة لتحقيقهم العبودية لله تعالى

    الصحابة الأوائل يجسدون الصورة الحقيقية للإسلام قلباً وقالباً، هذا كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إن الله نظر إلى قلوب العالمين فاختار قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرسالته، ثم نظر في قلوب العالمين فاختار أصحابه له).. فهؤلاء الأصحاب كانوا من اختيار الله له صلوات ربي وسلامه عليه، فأصلحهم الله تبارك وتعالى لصدق عزمهم ومسابقتهم إلى فعل الخيرات.

    ولو أننا فعلنا ما أمرنا به، لصدقت فينا بشارة ربنا وكنا لها أهلاً، كما قال سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66] لا شك أنه بيننا من يلبس خاتم الذهب أو دبلة الذهب، فإذا قلت لهذا اللابس: أيها الأخ المسلم! إذا سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لك: هذا حرام عليك أن تلبسه، ماذا أنت صانع الآن، هل تمد يدك فتنزعه -في خفة- وتضعه في جيبك، وتقسم أنك لا تلبسه بعد ذلك، كم من المسلمين الآن يمد يده ينزعه، بينما ترى بعض المسلمين لا يفعل، فإذا سئل: لماذا؟ يقول: زوجتي تغضب!!

    مهلاً .. أيهما أشد وقعاً في قلبك غضب الرسول عليه الصلاة والسلام أم غضب الزوجة، ماذا تفعل؟ أنا لا أتصور إلا أن يجيب بـ (...) لكن، وبعد لكن يهدم ما قاله قبل ذلك.

    وتصور لو أن النبي عليه الصلاة والسلام موجود الآن، ورآك أيها المسلم تلبس الذهب، فقال: اخلع عنك هذا، ماذا تفعل، أنا أعلم أنك ستبادر -أيها المسلم- وتقول: أخلعه فوراً، فأقول: ما الفرق بين وجوده عليه الصلاة والسلام أمامك يأمرك وبين أن يصلك كلامه؟! ما هو الفرق؟! لا فرق.

    وهذه صورة مماثلة وأسوة مشرقة ساطعة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً وعليه حلة حمراء، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام أعرض بوجهه عنه -الصحابة طبعاً يعلمون جيداً- إن الإعراض بالوجه لم يكن من خصاله عليه الصلاة والسلام، كان إذا رأى العبد هش وبش، حتى قال القائل: (من خالطه أحبه، ومن لم يخالطه هابه)، كنت إذا سلمت عليه تحس أنك صديقه الوحيد، تحس بألفة وتحس أنه احتواك قلبه لأنه يقبل عليك بتمام وجهه عليه الصلاة والسلام.

    فالصحابة لم يتعودوا أنه يعرض عن أحد منهم، فلم يسأله لماذا أعرضت عني؟ إنما نظر إلى نفسه وأدرك أن عيني النبي عليه الصلاة والسلام ثبتت قليلاً على قميصه الأحمر، فرجع إلى البيت، فوجد أهله يسجرون التنور-الفرن- وعلى الفور خلع قميصه الأحمر ورماها في الفرن، ثم لبس حلة أخرى ورجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأقبل عليه بوجهه وقال له: ماذا فعلت؟ -أي بثوبك- قال: سجرته التنور، قال: هلا أعطيته بعض أهلك، فإنه لا بأس به للنساء، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل له: كيف تلبس الأحمر؟ لا. مجرد ما يحس الصحابي أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحب هذا، كان على الفور ينفيه، ولذلك سادوا.

    صورة أخرى:

    أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه لما نزل الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة عليه -لما هاجر من مكة إلى المدينة ونزل على أبي أيوب- كان الرسول عليه الصلاة والسلام نزل في دار أبي أيوب في الدور الأرضي وأبو أيوب جهد أن يقول له: اطلع.. يعني اصعد في الأعلى، فأبى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (السفل أرفق بنا .. يغشاني أصحابي) لكن أبا أيوب الأنصاري بينما هو يمشي بالليل إذ فزع، وقال لنفسه: (أأنا أمشي على سقيفة تحتها رسول الله)، ورأى أن هذا من سوء الأدب أنه يمشي على سقف الرسول تحته عليه الصلاة والسلام، فلما أصبح أقسم عليه أن يصعد، وقال: (والله لا أعلو سقيفة أنت تحتها).

    وكان أبو أيوب الأنصاري ، يرسل إليه الطعام، ولا يأكل هو وامرأته إلا بعدما ينزل الطعام، فيتحرون مواضع أصابعه وفمه فيأكلون منها، فأرسلوا إليه ذات يوم طعاماً به ثوم، فلم يأكل منه ورجع الطعام كما هو، قال أبو أيوب : (ففزعت وصعدت إليه، وقلت: يا رسول الله! لِمَ لم تأكل؟! أحرام هو؟ قال له: لا. ولكني أناجي من لا تناجي -أي جبريل عليه السلام- وإن الملائكة لتتأذى مما يتأذى منه بنو آدم .. فقال أبو أيوب : لا جرم يا رسول الله! أكره الذي تكره) أي: كيف أحب شيئاً أنت تكرهه.. برغم أن البصل حلال، وهكذا الصحابة كانوا على هذا المنوال.

    وهذا سعد بن معاذ (لما استشار الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه في شأن غزوة فقام المهاجرون فتكلموا وأحسنوا، والرسول ساكت عليه الصلاة والسلام، ففطن إليها سعد بن معاذ .. -ذاك السيد الذي اهتز له عرش الرحمن يوم مات- فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يريد أن يعرف رأي الأنصار أصحاب الدار والإيمان، قال: يا رسول الله! صل حبل من شئت واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت ودع ما شئت، ووالله! ما أخذت أحب إلينا مما تركت). أرأيتم الرجال؟ فقوم بهذه الصورة كيف يهزمون؟! كيف يتخلف عنهم نصر الله وهم هكذا؟!!

    في غزوة بدر التي خرج المسلمون إليها ضعافاً على غير أهبة قتال، قال الله تبارك وتعالى لهم: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [الأنفال:12]، والملائكة -فقط- لو دخلت في حرب لدعم جيش ما فهو منتصر يقيناً، لا شك في ذلك ولا ريب، لاسيما إذا كان فيهم جبريل عليه السلام، الذي ورد في بعض الآثار أنه قلب قرى قوم لوط بطرف جناحه، ولما دعا النبي ربه تبارك وتعالى في بدر كان يقول: (اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إنه إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض.. ما إن دعا النبي عليه الصلاة والسلام حتى علت ثغره ابتسامة -وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، كما يقول كعب بن مالك - وقال: يا أبا بكر ! أبشر.. هذا جبريل نزل معتجراً بعمامته راكباً فرسه، وأول ما رأى جبريل على ثناياه النقع -أي: الغبار- قال له: أبشر) يعني أبشر بالنصر، فالملائكة إذا تحيزت إلى جيش انتصر، والسبب أنه يوجد مقتضى نزول النصر وهو ما تقدم من تحقيق العبودية قدر الإمكان.

    إذا صرنا مثل الصحابة نلنا ما نال الصحابة من النصر ومن العون.

    إن الغربة علينا في هذه الأيام أشد من غربة الصحابة الأوائل في مكة، إي والله.. أتدرون لماذا؟ لأن الصحابة يوم كان يقسوا عليهم كفار قريش، كانوا يعتصمون بإيمانهم، كانوا إذا آذوهم اعتصموا بالإيمان بالله فخف عليهم البلاء، أما نحن الآن ينزل علينا البلاء وليس عندنا من الإيمان ما نلجأ إليه عند نزول البلاء، فلذا غربتنا مضاعفة.

    ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بُدُّ

    هذا من أجود ما قال المتنبي ، ذكر بعض العلماء القدامى بسنده أنه قال: قلت للمتنبي : هل ادعيت النبوة؟ قال: ذاك شيءٌ كان في الحداثة، قال له: وما آية نبوتك؟ أي: هل معك آية تبين أنك نبي؟ فقال: نعم

    ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بُدُّ

    فكأن المتنبي يقول هذا أجود ما قلته، لدرجة أنه يعرضه كما لو كان وحياً.

    وفي الواقع يضطر الإنسان في زمان الغربة مع عدم وجود الإيمان الذي يعتصم به أن يداهن الذي يكره، يداهن عدوه، لأنه ليس عنده من القوة ما يستطيع أن يكون له الغلبة.

    خطوة في طريق التمكين

    من أعظم أسباب النصر: أن نرجع عبيداً لله تبارك وتعالى، فلما تركنا هذا السبب، حرمنا ثمرة التمكين، مثالاً على ذلك بعض الجماعات في أنحاء العالم مر عليها خمسون سنة، وأخرى ستون سنة وأخرى مائة سنة تسعى حثيثاً أن تقيم دولة في أي مكان في الأرض، أو أن يكون لها كيان في أي مكان في الأرض، ومع ذلك عجزوا جميعاً.

    النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه صنعوا دولة بإذن الله في عشر سنوات، هي مدة مكث النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، لماذا استطاعوا فعل ذلك بهذه السرعة؟ لأنهم فعلوا ما يجب عليهم من تعبيد أنفسهم لله تبارك وتعالى، فلما نظر الله تبارك وتعالى إليهم ووجدهم أهلاً لذلك مكن لهم.

    فنحن إذا أردنا التمكين فلا نهتم بشيء إلا أن نكون عبيداً لله، افعل ما يمكنك فعله، أنت بإمكانك أن تعبِّد امرأتك.. تعبِّد أولادك.. تعبِّد نفسك لله، هذا بإمكانك، لكن ليس بإمكانك أن تخضعني لأنني قد أغلبك، لأنني صعب المرام، لكن امرأتك لك عليها ولاية.. أولادك لك عليهم ولاية، كيف تركتهم هملاً، ثم تريد أن تقيم الدين علي أنا، لو أن كل إنسان انشغل بتعبيد أولاده وأهله لله تعالى؛ ففي بضع سنوات يمكِّن الله تبارك وتعالى للمسلمين، مثلما مكن لأسلافهم.

    نسأل الله تبارك أن يعبدنا وأولادنا وذوينا له، تبارك وتعالى إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618456

    عدد مرات الحفظ

    698975559