إسلام ويب

شرح الحموية لابن تيمية [12]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وردت النصوص الكثيرة الصريحة التي تدل بما لا يدع مجالاً للشك أن الله عالٍ علواً يليق بجلال قدره وعظمته، وأنه مع الخلق بمعية خاصة وعامة بعلمه، ومعيته جل في علاه لا يلزم منها مخالطة ومماسة ومحاذاة، وهذا ما يثبته النص الصريح، واللسان العربي الفصيح، وهو سبحانه على العرش استوى، فسبحان من علا فارتفع، وعز فامتنع..

    1.   

    نصوص المعية لا تنافي نصوص العلو والفوقية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ].

    وما يدل على أن الكتاب والسنة فيهما الكفاية والهدى والنور قوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] وقوله: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.

    ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه في الظاهر قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه).. ونحو ذلك ].

    أي: أن نصوص المعية ونصوص العلو والفوقية لا يتنافيان ولا يتناقضان، فهو سبحانه وتعالى فوق العرش، وهو مع عباده بعلمه وقدرته وإحاطته، ومع المؤمنين بنصره وتأييده، فلا منافاة؛ لأن المعية ليس معناها: الاختلاط والامتزاج، والمعية لا تقتضي المماسة والمحاذاة، وإنما هي لمطلق المصاحبة، فالمعية معناها المصاحبة، وعليه فيصح القول بأن الله تعالى فوق العرش وهو مع عباده.

    تقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا والنجم معنا أي: وهو فوقهم، وليس هناك اختلاط ولا امتزاج ولا محاذاة ولا مماسة.

    ويقال: فلان زوجته معه، وقد تكون في المشرق وهو في المغرب، والمقصود: أنها في عصمته، فهذه المعية المقصودة وهي بمعنى المصاحبة، ولهذا يقول الأحناف: إذا تزوج مشرقي مغربية ولم يثبت أنهما التقيا، ثم أتت بولد في ستة أشهر يلحق الولد بأبيه، أي: بالنسب، في جواز أن يكون من أهل الخطوة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) .. ونحو ذلك.

    فإن هذا غلط ].

    يعني: القول بأن هناك منافاة بين العلو والمعية غلط كبير؛ لأن المعية معناها: المصاحبة، والله تعالى فوق العرش.

    قال المصنف ر حمه الله تعالى: [ وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4] فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال: (والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه). وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين وشمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو النجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي بمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة ].

    اختلاف المعية باختلاف مواردها

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه ].

    ولا يعتبر هذا تأويل؛ لأن الله تعالى نص على هذا المعنى فقال: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ [الحديد:4]، ثم قال: وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد:4]، فدل على معية علم، وكما في سورة المجادلة: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، فافتتح الآيات بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أنها معية العلم بنص الكتاب لا كما يزعمه البعض أن هذا تأويل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته، وكذلك في قوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]، إلى قوله: هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد ].

    أي: أن قوله: (لا تحزن إن الله معنا) يدل على المعية الخاصة وهي معية نصر وتأييد وحفظ وكلاءة مع العلم والإحاطة، ويجتمع في المؤمن معيتان: معية عامة، وهي معية الإحاطة والعلم، ونفوذ القدرة والمشيئة، وهذه عامة للمؤمن والكافر، يقول تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4] وقال تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة:7]، وقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء:108]، وقد تأتي المعية العامة في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].

    أما المعية الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين وتأتي في سياق المدح والثناء، كقوله تعالى: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153].

    وتجتمع المعيتان في حق المؤمن، فالله تعالى مع المؤمنين بنصره وتأييده، وهو معهم بعلمه وإحاطته، وينفرد الكافر بالمعية العامة فقط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، وكذلك قوله لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن: النصر والتأييد.

    وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف ويقول: لا تخف أنا معك، أو أنا حاضر ونحو ذلك، ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه، ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فتختلف باختلاف المواضع.

    فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها -وإن امتاز كل موضع بخاصية- فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها ].

    لكن بعض أهل البدع فهموا فهماً معكوساً من عند أنفسهم، فهم لا يدل عليه دليل لا من العقل، ولا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من مدلولات المعية ودلالتها، فقالوا: إن معنى (وهو معكم) أي: مختلط بكم وهؤلاء هم الجهمية، حيث أبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وقالوا: معنى (وهو معكم) أي: أنه مشتق من مخلوقاته، وأن ذاته في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    أنواع قرب الله من عباده

    واختلف أهل العلم في أنواع القرب الوارد في الآيات فذكر الإمام شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يأتي إلا خاصاً، أما قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، فهذا قرب ذوات الملائكة من العبد، بدليل أنه قيدها بوقت تلقي الملكين، فقال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ [ق:16-17] يعني: حين وقت تلقي الملكين، ولو كان المقصد قرب الرب لم يتقيد بوقت تلقي الملكين، وكذلك قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:85]، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يرد القرب إلا خاصاً، وهو نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالإثابة.

    وقال آخرون: إن القرب يكون عاماً وخاصاً، وذهب إلى هذا بعض العلماء، وفسروا قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] يعني: أقرب إليه بالعلم.

    وقال بعضهم: بالقدرة.

    وقال بعضهم: بالقدرة والرؤية.

    ومن أمثلة تقسيم شيخ الإسلام: تقسيم القرب الخاص إلى نوعين: فقوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، فالساجد قريب من الله، والنوع الثاني: القرب من الداعي بالإجابة، كقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فلم يقل: قريب من كل أحد، ولكن قريب لإجابة الداعي، ومثله حديث أبي موسى الأشعري في الصحيح لما قال: (كنا في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)، قوله: (إن الذين تدعونه سميع قريب) أي: قريب من الداعي، ومثل قوله تعالى على لسان نبي الله صالح: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61] يعني: قريب لإجابة الداعي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونظيرها من بعض الوجوه الربوبية والعبودية، فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والتعبيد، فلما قال: بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:121-122]، كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره: فقد ربه ورباه ربوبية وتربية أكمل من غيره ].

    1.   

    أقسام الألفاظ باعتبار غيرها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قوله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6] وسُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1]، فإن العبد تارة يعني به المعبد فيعم الخلق، كما في قوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93] ].

    العبد يراد به العبودية العامة والعبودية الخاصة، فالعبودية العامة هي أن كل الناس عبيد لله ومعبدون مربوبون مقهورون مذللون، تنفذ فيهم قدرة الله، مؤمنهم وكافرهم، أما العبودية الخاصة فهي خاصة بالمؤمن الذي يعبد الله باختياره.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وتارة يعنى به العابد فيخص، ثم يختلفون: فمن كان أعبد علماً وحالاً كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل مع أنها حقيقة في جميع المواضع، ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس مشكِكة لتشكيك المستمع فيها ].

    الألفاظ المشكِكة: هي أن تكون الألفاظ متفقة المعنى، لكن المعنى متفاضل، مثل اتفاق زيد وعمرو في أن كلاً منهما إنسان، لكن زيد يزيد عن عمرو في بعض الخواص الإنسانية. فإن كان المعنى متفق في الشيئين يقال له: مترادف، وإن كانا متفاضلين يقال: مشكِك، وإن كان المعنى مختلف عن الآخر يقال: مشترك.

    فالمشترك: هو أن يتفقا في اللفظ ويختلفا في المعنى، مثل العين، فإنها تطلق على العين الباصرة، وتطلق على عين الذهب، وتطلق على الجاسوس، وكلها بلفظ واحد والمعنى مختلف.

    ومثال المترادف: قام ووقف، فاللفظان مختلفان والمعنى واحد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس مشككة لتشكيك المستمع فيها، هل هي من قبل الأسماء المتواطئة، أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط؟ ].

    يعني: يشكك السامع، هل هي من قبيل الألفاظ المتواطئة المتفقة في المعنى، أو من قبيل المتفقة في اللفظ دون المعنى؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة ].

    وهي متفقة في المعنى مثل الربوبية، قال تعالى: عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6]، فالعبودية يتفق فيها المؤمنون ولكنهم يتفاوتون فيها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة، إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعاً مختصاً من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ، ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات كإضافة الربوبية مثلاً، وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش، وأن الله يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازاً علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف ].

    1.   

    معنى كون الله في السماء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم من توهم أن كون الله في السماء، بمعنى: أن السماء تحيط به وتحويه، فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد ].

    قوله: ( ما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ) أي: من أمثال آية: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، وهذه الآية وأمثالها إن أريد بالسماء الطباق المبنية فـ(في) بمعنى على، ويكون المعنى: من على السماء، وإن أريد بـ(في) الظرفية فالسماء معناها: العلو، والأصل أن (في) للظرفية فيكون معنى قوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] يعني: من في العلو، والله تعالى في أعلى العلو وهو ما فوق العرش.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم من توهم أن كون الله في السماء، بمعنى: أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم: إن الله في السماء أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئاً محالاً لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند المسلمين أن الله في السماء، وهو على العرش واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى: أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقاً يحصره ويحويه، وقد قال سبحانه: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، وقال تعالى: فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [آل عمران:137] بمعنى: على.. ونحو ذلك ].

    قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] أي: على جذوع النخل، ويقال: فلان في السطح، وإن كان أعلى شيء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهو كلام عربي حقيقة لا مجازاً، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة ].

    يعني: أن الحروف متفقة في أصل المعنى، وإن كان المعنى متفاوت.

    1.   

    مقابلة الشيء لا تنفي علوه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه)، الحديث. حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه ينادي السماء وينادي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضاً قبل وجهه وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بذلك، ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق ].

    أي: بيان أن من فوقك هو أمامك، فلا منافاة، فقوله عليه الصلاة والسلام: (إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه) لا ينافي أن الله في العلو، وأنه فوق المخلوقات كما يظن بعض الناس. ومثَّل المؤلف على ذلك بأن الإنسان إذا نادى السماء أو الشمس فهما فوقه وأمامه، والمقصود من هذا التقريب لا التشبيه، فالله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه، لا الشمس ولا القمر ولا غيرها، وإنما المراد أن من كان فوقك فهو أمامك، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قبل وجهه)، لا ينافي العلو، فهو فوق العرش، وهو قبل المصلي سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخلياً به، فقال له أبو رزين العقلي : كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخلَياً به وهو آية من آيات الله، فالله أكبر) أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ].

    يصح مخلِياً على أنه اسم فاعل، ويصح مخلَياً بالفتح، ومخلِياً بالكسر هو الأقرب.

    يعني: إذا كان الإنسان يستطيع أن يرى القمر وحده، ويستطيع أن يراه وهو مع قوم دون أن يزاحمهم، فكذلك المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة دون مزاحمة، وكذلك يرى الإنسان ربه مخلياً به كما أنه يرى القمر مخلياً به.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال: (إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهاً للمرئي ].

    يعني: ليس المراد أن الله تعالى يشابه القمر والشمس، فالله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، ولكن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: كما أن الإنسان في الدنيا يرى الشمس والقمر رؤية واضحة، فكذلك سيرى الله يوم القيامة فهذا هو المراد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي مشابهاً للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر ولا منافاة أصلاً ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد ].

    1.   

    حكم القول: بأن ظاهر النصوص مراد أو القول بأنه غير مراد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد ].

    وهذا الكلام مجمل يحتمل الحق ويحتمل الباطل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا اللفظ مجمل، فإن قوله: ظاهرها غير مراد، يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، مثل: أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه ].

    وهذا غير مراد فعلاً، بل هو باطل، فليس المراد من هذا أن الله مستقر في الجدار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد.

    ومن قال: إن مذهب السلف: أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى، لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا هو المحال ليس هو الأظهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس، فيكون القائل بذلك مصيباً بهذا الاعتبار معذوراً في هذا الإطلاق ].

    أي: من أجل هؤلاء الناس الذين يظنون أن هذا هو الظاهر، وإن كان هذا ليس هو الظاهر من النصوص، لكن هم فهموا هذا الفهم الخاطئ، فلما فهموا فهماً خاطئاً قال لهم: إن الظاهر غير مراد، فهو معذور في هذه الحالة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر؛ حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حقه لفظاً ومعنى. وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله الظاهر غير مراد عندهم أن المعاني التي ظهرت من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته لا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازاً ذهنياً أو جوازاً خارجياً غير مراد فقد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل لا نصاً ولا ظاهراً أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع وبصر ويد حقيقة ].

    يعني: إذا قال: الظاهر غير مراد، وقصد بالظاهر ما يليق بجلال الله وعظمته، وأنه فوق العرش، وأنه لا يماثل المخلوقين، فقوله هذا باطل، بل ظاهرها مراد، فالله سبحانه وتعالى متصف بالصفات التي تليق بجلاله وعظمته، وهو تعالى لا يماثل أحداً من مخلوقاته، وهو فوق العرش حقيقة، وهو مع عباده حقيقة، وليس المراد اختلاطه بالمخلوقات، وليس المراد بفوقيته واستوائه على العرش، مماثلة المخلوقين، وإنما ما يليق بجلال الله وعظمته هو المراد.

    1.   

    بيان ضلال من ينسب طريقة تأويل الصفات إلى السلف

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف -بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه وتعالى- ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون؛ لجواز أن يراد غيره ].

    وهذا يعني: أن هناك مذاهب في صفات الله ذكر المؤلف منها: الأول: مذهب المفوضة، والثاني: مذهب المؤولة، وهذا هو الذي يذكره النووي وغيره في شرح صحيح مسلم بقوله: والعلماء لهم في هذا طريقتان:

    الطريقة الأولى: الإمساك والسكوت عن المعنى، يعني: تفويض المعنى إلى الله.

    والطريقة الثانية: طريقة الخلف، وهي: تأويل الصفات بمعانٍ تليق بالنصوص، فيقول: هذه طريقة السلف وهذه طريقة الخلف، وهذا في الحقيقة ليس مذهب السلف.

    فهو يقول: والعلماء لهم طريقتان: طريقة السلف وهي طريقة المفوضة الذين يفوضون المعاني، وطريقة الخلف وهي التأويل، وطريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وكل منهما مذهب باطل، بل طريقة الصحابة والتابعين هي إثبات المعاني، فمعاني النصوص والصفات معروفة، لكن الكيفية هي التي ليست معلومة لنا.

    فنعرف أن الاستواء معناه: الاستقرار والصعود والعلو والارتفاع، ونعرف أن العلم ضد الجهل، والسمع ضد الصمم، والحياة ضد الموت، فالمعاني معروفة، كما قال الإمام مالك : الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكثير من الشُرَّاح يذكرون هذين المذهبين، فيقولون: للعلماء مذهبان، ويذكرون مذهب المفوضة ومذهب المؤولة، ولا يذكرون مذهب السلف رضي الله عنهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله: (الظاهر غير مراد عندهم): أن المعاني التي ظهرت من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازاً ذهنياً أو جوازاً خارجياً غير مراد، فقد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل - لا نصاً ولا ظاهراً - أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة، وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف، بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها؛ لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل ].

    هؤلاء هم الخلف المتأخرون الذين تأولوا صفاته سبحانه فقالوا: بأن المراد مثلاً بالمحبة: الإرادة، والمراد بالرحمة: النعمة، والمراد بالغضب: الانتقام، والمراد بالرضا: الثواب، فهم يعينون، والأولون أولئك قالوا: لا نعين. ففوضوا، وهؤلاء خصصوا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقولون: الفرق أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون؛ لجواز أن يراد غيره.

    وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً، مثل: أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم - الذي لم نحك هنا عشره - علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك ].

    يقول المؤلف: إن ما ذكره من النقول الكثيرة التي ذكرها لا يصل إلى عشر ما نقل عن العلماء، فهناك نُقُول كثيرة لا حصر لها.

    إثبات السلف للصفات ومعانيها وبعدهم عن التشبيه والتفويض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل - لا نصاً ولا ظاهراً ولا بالقرائن - على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر، بل الذي رأيته أن كثيراً من كلامهم يدل - إما نصاً وإما ظاهراً - على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة، بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحداً منهم نفاها، وإنما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه مع إنكارهم على من نفى الصفات، كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري : من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً.

    وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: جهمي معطل، وهذا كثير جداً في كلامهم ].

    يعني: أنه إذا غلا الرجل في نفي التشبيه أوصله هذا الغلو إلى نفي الصفات؛ فالمعطلة غالوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، والمشبهة غالوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، وهذا باطل، والمذهب الحق بين هذين الباطلين هو إثبات الصفات من غير تشبيه، وتنزيه الرب عن مماثلة المخلوقات من غير نفي للصفات ولا تعطيل لها، فلا تغلوا في التنزيه حتى تصيروا إلى تعطيل الصفات، ولا تغلو في الإثبات حتى تشبهوا، بل إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.

    1.   

    تسمية الجهمية والمعتزلة لمن أثبت شيئاً من الصفات مشبهاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئاً من الصفات مشبهاً؛ كذباً منهم وافتراءً ].

    أي: أن من أثبت الصفات قالوا: هذا مشبه؛ لأجل التنفير عنه، وهكذا من نهى عن دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام وعن الزيارة البدعية قالوا: هذا وهابي لا يحب الرسول؛ لأجل التنفير عنه، فالذي ينهى عن التعطيل يقولون: هذا لم ينزه الله جل وعلا، ومن أثبت الصفات فهو عند الجهمية والمعتزلة مشبه، وقصدهم من ذلك تنفير الناس من إثبات الصفات، فالذي يثبت ما أثبته الله ورسوله يصير من المشبهة عندهم.

    1.   

    خطر عقيدة الجهمية وقدحهم في الأنبياء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى حيث قال: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الأعراف:155] وعيسى حيث قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116] ومحمد حيث قال: (ينزل ربنا) ! ].

    فوصل بهم الحال إلى هذا الحد والعياذ بالله! فوصفوا الأنبياء بالتشبيه، فهذا ثمامة بن الأشرس قبحه الله من المعتزلة يقول: ثلاثة من الأنبياء مشبهة:

    موسى حيث قال: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الأعراف:155]، وعيسى حينما قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116] فأثبت لله نفساً، ومحمد حين قال (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) فأثبت النزول وهو من صفات المخلوقين كما يدعون، ولهذا أكثر هؤلاء زنادقة، فقد تمنى الجهم بن صفوان أن هذه الآية لم تنزل، وهي قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وهذا يدل على نفاقهم وزندقتهم، ولذلك يكثر النفاق والزندقة في المعتزلة، نسأل الله السلامة والعافية.

    وثمامة بن الأشرس هو أبو معن النميري البصري من كبار المعتزلة بل من غلاتهم قبحه الله، وتروى عنه بعض الأقوال الجسيمة، كقوله: المقلدون من أهل الكتاب وعبدة الأوثان لا يدخلون النار، بل يصيرون تراباً، أما من مات مسلماً وهو مصرٌّ على كبيرته خلد في النار! ويقول إن أطفال المؤمنين يصيرون تراباً، إلى غير ذلك من الأقوال الشنيعة.

    وقال عنه ابن قتيبة : ثم نصير إلى ثمامة فنجده من رقة الدين، ونقص الإسلام، والاستهزاء به، وإرساله لسانه على ما لا يكون على مثله رجل يعرف الله ويؤمن به، وقال عنه ابن حجر : ثمامة بن الأشرس من كبار المعتزلة ومن رءوس الضلالة، توفي سنة (213هـ).

    وهو معتزلي، ولكن المؤلف رحمه الله يسمي الجميع جهمية، ويقسمهم إلى الجهمية المحضة، وجهمية المعتزلة، وجهمية الأشاعرة، فكلهم جهمية عنده رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك وأصحابه والثوري وأصحابه والأوزاعي وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة ].

    والمؤلف يسميهم جهمية؛ لأنهم وافقوا الجهم في إنكار بقية الصفات؛ لأن أصل هذا المذهب لـالجهم ، فنفي الصفات أتى منه، لكن منهم من غلا في نفي الأسماء والصفات كـالجهم ، فمن أثبت الأسماء ونفى الصفات عنده من نوع التجهم، ومن أثبت سبع صفات وأنكر باقي الصفات فعنده نوع تجهم، وكل من أنكر شيئاً من الصفات ففيه نوع من التجهم، يعني: نوع من موافقة لـالجهم في مذهبه.

    1.   

    نعت الفرق الضالة لأهل السنة بالنعوت الكاذبة والشنيعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءاً سماه: (تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة) وذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذه الألقاب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه، يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم بألقاب افتروها، فالروافض تسميهم نواصب ].

    والروافض يكفرون الصحابة ويعبدون آل البيت، ويسمون أهل السنة نواصب، ويقولون: إنهم نصبوا العداوة لأهل البيت، وهم كذبة؛ فأهل السنة يتولون ويحبون أهل البيت والصحابة جميعاً، لكن لما كان أهل السنة يوالون الصحابة سموهم نواصب؛ لأنهم يقولون: لا ولاء إلا ببراء، وهذه قاعدة عندهم، فلا يتولى أحد آل البيت إلا بعد أن يتبرأ من أبي بكر وعمر ، فمن لم يتبرأ منهما سموه ناصبياً، وأهل السنة لا يتبرءون منهما بل يوالون الصحابة وأهل البيت، وهذه الآن طريقة الروافض، فكل طائفة الآن ترمي أهل السنة بلقب، فالنفاة من المعطلة يسمون أهل السنة مشبهة؛ لأنهم يثبتون الأسماء والصفات، والروافض يسمون أهل السنة نواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت كما يزعمون؛ ولأنهم والوا الصحابة، فالذي يوالي الصحابة لا بد أن يعادي أهل البيت عندهم، والذي يوالي أهل البيت ويوالي الصحابة فهو ناصبي ولا ينتفي عنه هذا الوصف إلا إذا تبرأ من الصحابة، وأهل السنة يقولون: نتولى هؤلاء جميعاً، فنحب أهل البيت ونحب الصحابة جميعاً.

    فمن طريقة أهل البدع أنهم يرمون أهل السنة، وينبزونهم بالعيوب والألقاب تنفيراً للناس عن الحق والعياذ بالله!

    والروافض فئة واحدة، لكن الشيعة طبقات كثيرة قد تصل إلى أربع وعشرين طبقة منهم الكافر ومنهم المؤمن على حسب الاعتقاد، فالزيدية مثلاً يفضلون علياً على عثمان ، وهم مبتدعة، لكن الروافض يسبون الصحابة ويكفرونهم، ويعبدون آل البيت، ويدعون أن القرآن ناقص، وهناك طائفة من طوائف الرافضة وهم أشدهم وأخطرهم وهم المخطئة الذين يخطئون جبريل ويقولون: إنه أخطأ في الرسالة فأوصلها إلى محمد وقد أرسله الله إلى علي ، وهؤلاء كفرة، وهم غلاة النصيرية الذين يعبدون آل البيت ويؤلهون علياً ويقولون: إن الله حل في علي ، والعياذ بالله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والقدرية يسمونهم مجبرة ].

    القدرية هم الذين ينفون القدر، ويقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وهؤلاء يسمون أهل السنة مجبرة، أي: أنهم يقولون: إن العبد مجبور، فكيف يفعل شيئاً مجبوراً عليه ثم يعذبه الله عليه؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمرجئة تسميهم شكاكاً ].

    المرجئة هم الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق والأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، ويقولون: إن الذي يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويستثني في إيمانه فهو شاك؛ لأنه لا يجزم بأن عنده إيماناً كاملاً، فيسمونهم الشكاك، وأهل السنة يقولون: إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والإنسان حينما قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فإنه لا يزكي نفسه؛ ولأن شعب الإيمان متعددة، وهو لا يجزم بأنه أدى ما عليه، فيقول: إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أني أديت ما أوجب الله علي، أما هم فيقولون: إن الإيمان هو: التصديق بالقلب فقط، وأما الأعمال فليست من الإيمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاءً وغثراً، إلى أمثال ذلك ].

    الحشوية: مأخوذة من الحشو، وحشو الكلام هو: الفضل الذي لا يعتمد عليه، فيعنون بذلك أن كلام أهل السنة لا قيمة له، وحشو الناس أرذلهم.

    معنى نوابت: أي الصغار، يقال: نبتت لهم نابتة إذا نشأ لهم نشء صغار.

    والغثاء في الأصل: ما يحتمله السيل من القماش والقمائم، ويشبه به كل شيء رديء من الناس وغيرهم، وغثراً: الغثرة الجماعة الجهال، يقال: رجل أغثر إذا كان جاهلاً، وقد قال عثمان رضي الله عنه حينما دخل عليه القوم ليقتلوه: إن هؤلاء رعاع غثرة. أي: جهالاً، وفي أثر أويس : (أكون في غثراء الناس) إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم، فيعنون أن أهل السنة جهالاً لا يعرفون المعاني، ولهذا تجدهم يأخذون بالظاهر فقط لجهلهم.

    1.   

    وسطية منهج أهل السنة والجماعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم تارة مجنوناً وتارة شاعراً وتارة كاهناً وتارة مفترياً، قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة؛ فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقاداً واقتصاداً وقولاً وعملاً ].

    قوله: (اقتصاداً) يعني: توسطاً من غير غلو في الأمور، بخلاف غيرهم من أهل البدع؛ لأنهم بين غالٍ وجافٍ، فالمعطلة غلوا حتى نفوا الصفات، والمشبهة جفوا حتى شبهوا صفات الله بصفات المخلوقين، وأهل السنة توسطوا واقتصدوا فأثبتوا الصفات من غير مماثلة المخلوقات، ونزهوا من غير تعطيل للصفات، فالتوسط والاقتصاد هو مذهب أهل السنة والجماعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة - وإن اعتقدوا صدقها بناءً على عقيدتهم الفاسدة - فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطناً وظاهراً.

    وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، والذين وافقوه ظاهراً وباطناً بحسب الإمكان، فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصاً يذمونهم به ].

    يعني: وافقوا السنة ببواطنهم وعجزوا عن العمل بها في الظاهر.

    1.   

    قاعدة عقيدة الولاء والبراء عند الروافض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويسمونهم بأسماء مكذوبة وإن اعتقدوا صدقها كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر وعمر فقد أبغض علياً ].

    وهذه قاعدة عندهم: لا ولاء إلا ببراء، فلا تتولى علياً إلا إذا تبرأت من أبي بكر وعمر ، ولهذا يقول بعض السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، أي: الشهادة لمعين بالجنة ممن لم يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بدعة، والبراءة بدعة، يعني: البراءة من أبي بكر وعمر فقولهم هذا بدعة وباطل، وأهل السنة يتولون الجميع، فيتولون أبا بكر وعمر ، ويتولون الصحابة، ويتولون أهل البيت جميعاً، فيوالونهم كلهم ويحبونهم ويترضون عنهم وينزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله تعالى إياها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب، وهذا هو الحق، وهذا هو طريق الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء.

    والرافضة حجتهم في هذا النفاق الذي وقر في قلوبهم، نسأل الله السلامة والعافية.

    والوَلاية بالفتح تعني: المحبة، والوِلاية بالكسر تعني: الإمارة، هذا هو الأفصح، وقد يطلق أحدهما على الآخر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر وعمر فقد أبغض علياً ؛ لأنه لا ولاية لـعلي إلا بالبراءة منهما، ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبياً بناءً على هذه الملازمة الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها، وهو الغالب ].

    وهذه ملازمة باطلة، وهم يلقنونهم إياها منذ الصغر، فينشأ الرافضي وهو لا يشك في هذا أبداً، فعندهم أن كل من أحب أبا بكر وعمر لا بد أن يبغض علياً فينشئون على هذا، نسأل الله السلامة والعافية.

    وهم لجهلهم يعتقدون أنها صحيحة، والغالب على رؤسائهم وكبارهم أنهم يعلمون أن اعتقادهم هذا باطل ولكنه العناد.

    1.   

    بيان فساد عقيدة القدرية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكقول القدري: من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد فقد سلب العباد القدرة والاختيار، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة ].

    القدرية هم مجوس هذه الأمة، وهم يرون أن العباد خالقون لأفعالهم، وأحدهم يقول: من اعتقد أن الله خلق العباد وخلق أفعالهم فقد سلب العباد قدرتهم واختيارهم، أي: قال بالجبر فمن قال: إن الله خلق أفعال العباد فقد قال بأنهم مجبورون، وهذا باطل؛ لأنه لا ملازمة، فالمؤمنون وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى خالق كل شيء، كما قال سبحانه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16] فخلق العباد وخلق أفعالهم، ولكن الله سبحانه أعطى العباد مشيئة وقدرة واختياراً، وجعل مشيئتهم تابعة لمشيئته، فالإنسان يعلم من نفسه أنه قادر يستطيع أن يأكل ويستطيع أن يمتنع عن الأكل ولا أحد يمنعه، ولكنك إذا شئت شيئاً فلا بد أن تكون مشيئتك تابعة لمشيئة الله كما قال سبحانه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

    1.   

    بيان فساد عقيدة الجهمية والمعتزلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكقول الجهمي: من قال: إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب، وأنه مشابه لخلقه ].

    هذه ملازمة باطلة، فالجهمي يقول: من قال: إن الله فوق العرش فقد تنقص الرب بأن جعله جسماً محدوداً ومتحيزاً، فلا تقل: إن الله فوق العرش؛ لأنك إذا قلت: إنه فوق العرش فقد جعلته جسماً؛ لأنه لا يمكن أن يكون شيء فوق شيء إلا أن يكون جسماً، وإذا كان جسماً صار مركباً من أجزاء، وهذا باطل، وكل جسم مركب فهو مشابه للمخلوقات، والأجسام متماثلة، وقد جعلته أيضاً محصوراً في جهة واحدة، وهذا تنقص لله؛ لأن هذا المحصور هو المخلوق الضعيف الذي يكون في جهة واحدة! أما هو فهو ذاهب في جميع الجهات!

    ونقول: إن هذا من أبطل الباطل، فالعرش هو سقف المخلوقات ونهايتها، والله تعالى فوق العرش، وهو سبحانه ليس كالمخلوقات، فهو أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء سبحانه وتعالى، وليس مماثلاً للمخلوقات، فهذه الملازمة باطلة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكقول الجهمية والمعتزلة: من قال: إن لله علماً وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب وهو مشبه؛ لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز، وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد، ومن قال ذلك فهو مشبه؛ لأن الأجسام متماثلة ].

    عند المعتزلة والجهمية وغيرهم أن من أثبت الصفات لله فهو مشبه؛ لأن الصفات تكون أعراضاً، والعرض لا يقوم إلا بجسم، والأجسام لا بد أن تكون مركبة ومتشابهة، فيلزم من إثبات الصفات أن يكون الرب مشابهاً للمخلوقات؛ لأن الصفات عرض، والعرض لا يقوم إلا بجوهر أو بجسم، والجوهر أو الجسم هو: الشيء القائم بنفسه مثل الجدار، والصفات مثل البياض في الجدار وهي الأعراض، فالبياض لا يمكن أن يقوم وحده، بل لا يقوم إلا بجسم، والأجسام يشبه بعضها بعضاً، فلو كان الله متصفاً بصفات لكان جسماً، ولو كان جسماً لكان مشابهاً للمخلوقات، والله ليس كمثله شيء، إذاً ليس له صفات، هكذا يقولون! وهذا من أبطل الباطل.

    فنقول: من قال لكم: إنه يلزم من الصفات التشبيه؟! فالله تعالى لا يماثل أحداً من المخلوقات، بل له صفات تخصه، والمخلوق له صفات تخصه، فهذه الملازمة إنما هي في المخلوقات، فالمخلوقات متصفة بصفات لا شك أنها أجسام وذوات يشبه بعضها بعضاً، لكن الله تعالى لا يماثل أحداً من مخلوقاته، فالمخلوق له ذات تخصه وله صفات تخصه، والخالق له ذات تخصه وله صفات تخصه.

    والجوهر الفرد هو: الذي لا يقبل الانقسام، وأهل البدع بنوا دينهم على الجوهر الفرد، ولم يثبتوا وجود الله إلا من جهة الجوهر الفرد، فدينهم مبني على الجوهر الفرد، والجوهر الفرد من أهل النظر من قال بأنه لا وجود له كما ذكر المؤلف رحمه الله، وهم يقولون بأن الجوهر الفرد هو: الجسم الذي لا يقبل الانقسام، إذ كل شيء الآن من الممكن أن يتجزأ حتى يصل إلى جسم صغير، وقد دلت النصوص على أن جسم الإنسان يبلى، وأنه لا يبقى منه إلا عجب الذنب، وقد ذكر شيخ الإسلام عن بعض العقلاء بأنه لا وجود لشيء اسمه الجوهر الفرد وهم مختلفون في هذا.

    1.   

    تفويض شأن من طعن في أهل السنة إلى الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة -بناءً على عقيدته التي هم مخالفون له فيها- فهو وربه والله من ورائه بالمرصاد، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ].

    يعني: أن من قال: إن من أثبت الصفات مشبه، ومن قال: إن من أثبت القدر فهو من المجبرة، يعني بذلك أهل السنة فهو وربه، يعني: أن الله سيحاسبه وهذا تهديد له، فهؤلاء الذين يلبسون على الناس وينبزون أهل السنة بهذه الألقاب الله تعالى رقيب عليهم، وسيجازيهم يوم القيامة، وسيوقفهم بين يديه سبحانه، فالواجب على العاقل أن يتأمل وينظر في هذه الأقوال المنحرفة ولا يسعى وراءها، بل يتأمل وينظر بعين بصيرته، ولا ينظر في أقوال أهل البدع.

    قوله: (ومن حكا هذه المقالات) أي: سمى أهل السنة بالمشبهة أو الحشوية أو النوابت أو النواصب، فالله وراءه بالمرصاد ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وهذا تهديد ووعيد.