إسلام ويب

شرح سنن أبي داود كتاب الطهارة [24]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من تخفيف الله على عباده، وتيسيره عليهم، أن الحائض تصلي في الثوب الذي حاضت فيه، فإن رأت فيه دماً قرصته وغسلته، وإن لم تر صلت فيه، ولم يكلفها الإسلام أن تغسل الثوب كاملاً بل تغسل مكان الدم فقط.

    1.   

    المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها

    شرح حديث سؤال معاذة عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها:

    حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي قال: حدثتني أم الحسن يعني جدة أبي بكر العدوي -عن معاذة قالت: (سألت عائشة رضي الله عنها عن الحائض يصيب ثوبها الدم؟ قالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حيض جميعاً لا أغسل لي ثوباً) ].

    هذا الحديث فيه أم الحسن ، وهي غير معروفة كما في التقريب، فهي مجهولة، والحديث ضعيف، لكن له شواهد تؤيده.

    وفيه أن دم الحيض إذا أصاب الثوب فإنه يغسل، فإن لم يذهب أثره فلا يضر، وإذا غير بشيء من الصفرة فلا بأس.

    وفيه قول عائشة : (ولقد كنت أحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حيض جميعاً لا أغسل لي ثوباً) ويبعد أن عائشة تحيض ثلاث حيض في ثلاثة أشهر لا تغسل لها ثوباً، والأحاديث تدل على أن عرق الحائض وريقها طاهر، وإنما تكون النجاسة في الدم، وأن الدم يغسل، فإن لم يذهب الأثر فلا يضر.

    شرح حديث عائشة: ( ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه ... )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا إبراهيم بن نافع قال: سمعت الحسن -يعني ابن مسلم يذكر عن مجاهد قال: قالت عائشة : (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته بريقها) ].

    ومعنى (قصعته) أي: دلكته بريقها، فهي تبله أولاً ثم تدلكه حتى يزول الأثر ثم تغسله بالماء.

    شرح حديث أم سلمة: ( قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - قال: حدثنا بكار بن يحيى قال: حدثتني جدتي قالت: (دخلت على أم سلمة -رضي الله عنها- فسألتها امرأة من قريش عن الصلاة في ثوب الحائض؟ فقالت أم سلمة : قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلبث إحدانا أيام حيضها ثم تطهر فتنظر الثوب الذي كانت تقلب فيه فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه، وإن لم يكن أصابه شيء تركناه ولم يمنعنا ذلك من أن نصلي فيه، وأما الممتشطة فكانت إحدانا تكون ممتشطة، فإذا اغتسلت لم تنقض ذلك ولكنها تحفن على رأسها ثلاث حفنات، فإذا رأت البلل في أصول الشعر دلكته ثم أفاضت على سائر جسدها) ].

    وهذا الحديث ضعيف؛ لأن بكار بن يحيى وجدته مجهولان كما في التقريب، لكن معنى الحديث صحيح، وهو أن الحائض إذا أصاب ثوبها شيء من الدم فإنها تغسله وتصلي فيه، وإن لم يكن أصابه شيء صلت فيه.

    وأما الممتشطة فإنها لا يجب عليها نقض الشعر في الحيض، لكن إذا نقضته فهو أفضل.

    وقد جاء حديث أم سلمة عند الترمذي بلفظ: (أتنقضه بغسل الجنابة -وفي لفظ: والحيضة-؟ قال: لا) .

    والصواب أنه لا يجب النقض وإنما يستحب، وقال بعض العلماء بوجوب النقض، لكن الصواب أنه لا يجب، ولكنه يستحب ويتأكد في الحيض والنفاس؛ لأن مدته تطول، بخلاف الجنابة فإنها تتكرر فلا تحتاج إلى نقض.

    وفيه مشروعية الحفن على الرأس ثلاث حفنات.

    ومعنى (ممتشطة) أي: مضفور شعر رأسها، ولا يلزم من ذلك أن يكون فيه حناء أو غير ذلك.

    شرح حديث صلاة المرأة في ثوب حيضها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: (سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر؟ أتصلي فيه؟ قال: تنظر: فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، ولتصل فيه) ].

    فاطمة بنت المنذر هذه هي حفيدة أسماء ؛ لأن منذراً هذا هو ابن عبد الله بن الزبير ، فهي حفيدة أسماء .

    وفي هذا الحديث أن المرأة إذا رأت الطهر تصلي في ثوبها ولو كان عليها أيام الحيض، وإن رأت فيه دماً تغسله؛ لقوله: [ (فلتقرصه بشيء من ماء) يعني: تدلكه بأصابعها بشيء من الماء، وقوله: [ (ولتنضح ما لم تر) ] يعني: ما شكت فيه تنضحه وترشه بماء، وإن رأته تدلكه بأصابعها وتغسله، ولا يصر بقاء أثره.

    شرح حديث: ( إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- أنها قالت: (سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ قال: إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم لتصل) ].

    قوله: [ (فلتقرصه) ] هو من باب (ضرب يضرب)، ويصح (تقرُصه) من باب: (نصر ينصر)، فيصح (تقرُصه) و(تقرِصه)، والقرص معناه: الدلك بالأصابع، يعني: تدلكه بالأصابع حتى تزيل أثر الدم في الثوب، وقوله: [ (ثم تنضحه بالماء) ] يعني: تغسله بالماء.

    وهذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة .

    وفيه أن المرأة إذا أصابها الدم من الحيض فإنها تغسل الدم، فتدلكه أولاً بأصابعها، أو تحكه بعود كما سيأتي، أو بضلع، ثم تغسله وتصلي فيه، ولا يُحتاج إلى غسل الثوب كله، ولا تغييره، بل تصلي فيه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا حماد ، ح: وحدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس ، ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -يعني ابن سلمة - عن هشام بهذا المعنى، قال: (حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه) ].

    قوله: [ (حتيه) ] يعني: حكيه، فتحكه بأصابعها، أو بعود حتى يزول الجرم، ثم تقرصه وتغسله بالماء، ثم تنضحه وترشه بالماء زيادة في التنظيف، فأولاً: تحكه، ثم تغسله بالماء، ثم ترشه زيادة في التنظيف.

    وفيه دليل على أن النجاسة إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات، وهذا قول الجماهير.

    وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع، كماء الورد، أو ماء الشجر، أو ماء الزعفران، والصواب أن النجاسة إنما تزال بالماء خاصة دون غيره من المائعات، ولهذا أفتى النبي صلى الله عليه وسلم من أصاب ثوبها دم الحيض بأن تغسله بالماء، فقال: (فلتقرصه بشيء من ماء).

    شرح حديث: ( حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان عن سفيان قال: حدثني ثابت الحداد قال: حدثني عدي بن دينار قال: (سمعت أم قيس بنت محصن تقول: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب، قال: حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر) ].

    قوله: [ (حكيه بضلْع) ] -ويقال: بضلَع- أي: بعود، وإنما تحكه بضلع حتى تزيل جرم الدم، ثم تغسله بماء وسدر، والغسل بالسدر زيادة في التنظيف، وإلا فإن الماء يكفي.

    والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة ، وفيه أنها تحكه بضلع، وفي الأحاديث السابقة (تدلكه بأصابعها) وهذا معناه أنها تزيل جرم الدم فتحكه بأصابعها، أو بعود، ثم تغسله بالماء، وأما ما جاء في هذه الرواية -وهو قوله: (بماء وسدر) فمن باب زيادة التنظيف، مثل الصابون، فإذا غسلت الدم بالصابون فهو من باب زيادة التنظيف، وإلا فإن الماء كافٍ.

    شرح حديث عائشة: (قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض ... )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا النفيلي حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، وفيه تصيبها الجنابة، ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها) ].

    الدرع: هو الثوب، ففيه كانت تحيض المرأة، وفيه تصيبها الجنابة، ثم إذا رأت فيه قطرة من دم فإنها تقصعه بريقها أي: تدلكه وتزيله، ثم تغسله بالماء، ولا حاجة إلى تغيير الثوب أو غسله كله.

    وإذا لم تعلم الدم وصلت فيه فالصلاة صحيحة، فإذا صلى الإنسان في ثوب به نجاسة نسيها أو لم يعلم بها إلا بعد الصلاة فالصلاة صحيحة ولا تعاد، بخلاف ما إذا صلاها بغير وضوء ثم علم بعد الصلاة، فإنه يتوضأ ويعيد الصلاة؛ لأن هذا من باب الترك للشرط، والوضوء شرط في صحة الصلاة.

    شرح حديث سؤال خولة بنت يسار رسول الله عما تصنعه بثوبها إذا حاضت فيه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إنه ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه. فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره) ].

    هذا الحديث فيه ضعف؛ لأن فيه ابن لهيعة ، وهو ضعيف كما هو معروف، لكن له شاهد مرسل ذكره البيهقي فيكون حسناً، وهو يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة؛ بأن المرأة إذا كان عليها ثوب تحيض فيه وتصلي فيه، فإنها إن رأت فيه دماً فإنها تغسله، فإن لم يزل أثره فلا يضر.

    1.   

    الصلاة في الثوب الذي يصيب فيه الرجل أهله

    شرح حديث أم حبيبة في صلاته في الثوب الذي يجامع فيه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة في الثوب الذي يصيب أهله فيه:

    حدثنا عيسى بن حماد المصري أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-: (أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى) ].

    أخرجه النسائي وابن ماجة ، وبه استدل بعضهم على نجاسة المني، والصواب أنه طاهر، كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن المني يغسل رطباً ويحك اليابس منه، وهذا من باب النظافة، وهو طاهر لأنه أصل الإنسان، خلافاً لمن قال بنجاسته، فلو كان نجساً لما بقي في ثوب النبي صلى الله عليه وسلم يابساً ثم تحكه عائشة بظفرها ويصلي فيه.

    و معاوية هو ابن حديج بضم الحاء المهملة، وأما رافع بن خديج فهو صحابي جليل، ومعاوية بن حديج هو الكندي التجيبي المصري الأمير، قال البخاري : شهد فتح مصر، وذهبت عينه يوم دنقلة في بلاد مصر.

    فعلى قول البخاري يكون صحابياً صغيراً، روى عن أبي أذر ، وعنه ابنه عبد الرحمن وعلي بن رباح . قال ابن يونس : مات سنة اثنتين وخمسين.

    وكنيته أبو عبد الرحمن ، وقد ذكره يعقوب بن سفيان في التابعين، وهناك معاوية بن حديج آخر متأخر، وهو كوفي جعفي، وهو والد أبي خيثمة وأخويه.

    فالحديث دالٌ على جواز الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه الرجل أهله، وأنه لا حرج في ذلك، وهذا دليل على طهارة المني، فلو أصابه شيء من المني فهو طاهر، وإذا رأى فيه شيئاً غسله من باب النظافة.

    وكذلك يدل على أن الجماع يكون بالثياب، وأما العري فمنهي عنه.

    1.   

    الصلاة في شعر النساء

    شرح حديث: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا ... )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة في شُعُر النساء:

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا الأشعث عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا أو في لحفنا) قال عبيد الله : شك أبي ].

    والشعر: جمع شعار، وهو الثوب الذي يلي الجسد، ويطلق على ما يلتحف به، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (الأنصار شعار والناس دثار) ، فالشعار هو الثوب الذي يلبس، والدثار هو الثوب الذي فوقه، فجعل للأنصار خاصية.

    قولها: [ (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا أو لحفنا) ] هذا من باب الاحتياط، خشية أن يكون أصابه شيء من النجاسة، لكن الأصل السلامة كما في حديث أم حبيبة السابق، وكما في الأحاديث السابقة التي فيها أن المرأة تصلي في الثوب التي تحيض فيه.

    شرح حديث عائشة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي في ملاحفنا )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة -رضي الله عنها-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي في ملاحفنا) ].

    هذا من باب الاحتياط، والملاحف: جمع ملحفة. وتطلق على اللباس الذي فوق اللباس، ويطلق أيضاً على ما يلتحف به.

    وما ذكر هنا هو من باب الاحتياط خشية أن يكون أصابه شيء من النجاسة.

    [ قال حماد : وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمداً عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا؟ فسلوا عنه ].

    أي أن حماداً يقول: سمعت ابن أبي صدقة قال: سألت محمداً -يعني ابن سيرين - عن هذا الحديث فلم يحدثني، أي أنه اعتذر وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت -يعني: من عدل ضابط- أو لا، فسلوا عنه. يعني: سلوا عن هذا الحديث غيري من العلماء.

    1.   

    الرخصة في الصلاة في شعر النساء وملاحفهن

    شرح حديث صلاته صلى الله عليه وسلم وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب في الرخصة في ذلك ].

    يعني: باب الرخصة في الصلاة في شعر النساء وملاحفهن، فالباب الأول في أنه لا يُصلى في شعرهن من باب الاحتياط، وهذا الباب الثاني في بيان الرخصة في الصلاة في شعر النساء وملاحفهن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان حدثنا سفيان عن أبي إسحاق الشيباني سمعه من عبد الله بن شداد يحدثه عن ميمونة -رضي الله عنها-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض وهو يصلي وهو عليه) ].

    هذا محمول على أن الأصل الطهارة ما لم تعلم النجاسة، وأحاديث الباب السابقة محمولة على الاحتياط خشية أن يكون فيها شيء.

    شرح حديث عائشة: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل وأنا إلى جنبه... )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا طلحة بن يحيى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط لي وعليه بعضه) ].

    هذا الحديث أخرجه ابن ماجة ومسلم بمعناه، وفيه أن بدن الحائض وثوبها طاهر ما عدا الدم وموضعه، وفيه أنه لا بأس بأن يصلي الإنسان وإلى جنبه حائض، أو يكون عليه ثوب بعضه عليه وبعضه على زوجته وهي حائض، والصلاة صحيحة.

    1.   

    المني يصيب الثوب

    شرح حديث عائشة: ( لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب المني يصيب الثوب:

    حدثنا حفص بن عمر عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن همام بن الحارث أنه كان عند عائشة رضي الله عنها فاحتلم فأبصرته جارية لـعائشة رضي الله عنها وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه أو يغسل ثوبه، فأخبرت عائشة فقالت: (لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ورواه الأعمش كما رواه الحكم ].

    هذا الحديث أخرجه مسلم ، وفيه دليل على طهارة المني وأنه ليس بنجس، بدليل أن عائشة كانت تفركه، ولو كان نجساً لما فركته وهو يابس، ولوجب غسله، ولكن يستحب غسل الرطب، وفرك اليابس من باب النظافة، وإلا فالمني طاهر، خلافاً لمن قال بأنه نجس من أهل العلم.

    شرح حديث: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه) ].

    هذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة ، وهو يدل على طهارة المني.

    [ قال أبو داود : وافقه مغيرة وأبو معشر وواصل ].

    يعني: وافق حماداً هؤلاء الثلاثة.

    شرح حديث عائشة في غسلها المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير ، ح. وحدثنا محمد بن عبيد بن حساب البصري حدثنا سليم -يعني ابن أخضر والإخبار في حديث سليم - قالا: أخبرنا عمرو بن ميمون بن مهران قال: سمعت سليمان بن يسار يقول: سمعت عائشة -رضي الله عنها- تقول: (إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ثم أرى فيه بقعة أو بقعاً) ].

    هذا الحديث أخرجه الشيخان وأصحاب السنن، وفيه: دليل على طهارة المني، وأن عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب النظافة ثم ترى أثر البقع فيه، أي: في موضع الغسل، فلم تكن تغسل الثوب كله، بل تغسل المكان الذي فيه البقع فقط.

    وسبق في الحديث السابق أنها كانت تفرك اليابس، وتغسل الرطب من باب النظافة.

    وقوله: [ والإخبار في حديث سليم ] يعني: قال سليم : أخبرنا، وقال زهير : حدثنا.

    1.   

    بول الصبي يصيب الثوب

    شرح حديث أم قيس بنت محصن في بول ابنها في حجر رسول الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب بول الصبي يصيب الثوب:

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أم قيس بنت محصن -رضي الله عنها-: (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله) ].

    هذه الترجمة معقودة لحكم بول الصبي الذي لم يأكل الطعام إذا أصاب الثوب فيكفي فيه الرش والنضح، وهذا الحديث أخرجه مالك والشيخان والترمذي وابن ماجة والطحاوي .

    وفي هذا قصة، وهي أن أم قيس بنت محصن -وهي أخت عكاشة بن محصن - أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبال في حجره، والحجر مثلث الحاء، فيجوز فيه الفتح والضم والكسر، فيقال: حَجر وحِجر وحُجر، فلما بال على ثوبه دعا بماء فنضحه ولم يغسله، أي: رشه، فدل هذا على أن الصبي الذكر إذا لم يأكل الطعام وبال على ثوب فإنه يكفي فيه النضح والرش من غير غسل ولا قرص.

    شرح حديث: ( إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد بن مسرهد والربيع بن نافع أبو توبة قالا: حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس عن لبابة بنت الحارث قالت: (كان الحسين بن علي رضي الله عنه في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال عليه، فقلت: البس ثوباً وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر) ].

    هذا الحديث صحيح أخرجه ابن ماجة وأحمد وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من وجوه كثيرة، والحديث صريح في الفرق بين بول الغلام والجارية، أي: الأنثى، ففيه أن بول الغلام إذا لم يأكل الطعام يكفي فيه الرش، وأما الجارية -وهي الأنثى- فلا يكفي في بولها النضح، بل لابد من الغسل، وهذا إذا لم يأكل الصبي الطعام، أما إذا أكل الطعام فالحكم واحد، فإذا أكل الطعام واستغنى به فإنه يغسل من بوله ولا يكفي فيه النضح.

    فإذا كان الصبي والصبية لا يأكلان الطعام وإنما يستغنيان بالحليب فقط، ففي هذه الحالة يفرق بين بول الغلام وبين بول الجارية، والحديث صريح في هذا، وهذا هو قول الجماهير، وهو الصواب.

    وقال بعض العلماء: يغسل بول الغلام والجارية، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة والنخعي وسفيان الثوري .

    والصواب أنه يفرق بين بول الغلام وبول الجارية كما دل عليه الحديث.

    وقد اختلف العلماء في حكمة الفرق بين بول الأنثى وبول الذكر، فقال بعض العلماء؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم، والذكر خلق من طين، وقال بعض العلماء: الحكمة في ذلك أن بول الأنثى يجتمع في مكان واحد، وبول الذكر ينتشر، وقال آخرون: لأن الذكر يكثر حمله من أبويه وأقاربه لمحبته والأنثى يقل حملها، والله أعلم بالحكمة، والأقرب أن الحكمة قد تكون هذه الأمور كلها مجتمعة، ويحتمل أن تكون الحكمة غير ذلك، والله تعالى حكيم عليم، وقد شرع أن يفرق بين بول الغلام وبول الأنثى، فإن عرفنا الحكمة فبها ونعمت، وإن لم نعرف الحكمة فنحن عبيد لله مأمورون بالامتثال لأوامر الله وأوامر رسوله، واجتناب ما نهى الله عنه وما نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، مع قطعنا بأن الشرع حكيم، وأنه لا يجمع بين مختلفين، ولا يفرق بين متماثلين.

    شرح حديث: ( يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مجاهد بن موسى وعباس بن عبد العظيم العنبري قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح -رضي الله عنه- قال: (كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي فأستره به، فأتي بـحسن أو حسين رضي الله عنهما فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام) ].

    هذا الحديث أخرجه النسائي والبزار وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم ، ولا بأس بسند الحديث، وقال البخاري : إنه حديث حسن.

    وفيه أن أبا السمح كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فيوليه قفاه فيستره، ولعل هذا كان في السفر، وإلا فستر النبي عليه الصلاة والسلام كان في المدينة عند أهله، والحديث صريح في الفرق بين بول الصبي والصبية، وأنه يكفي في بول الصبي الرش وأما بول الجارية فلابد من أن يغسل، وهذا محمول على أنه لم يأكل الطعام، كما سبق في حديث أم قيس بنت محصن .

    بيان قول الحسن: (الأبوال كلها سواء)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال العباس : حدثنا يحيى بن الوليد -قال أبو داود : وهو أبو الزعراء - قال هارون بن تميم عن الحسن قال: الأبوال كلها سواء ].

    قوله: [ قال عباس ] هو عباس بن عبد العظيم العنبري ، قال: [ حدثنا يحيى بن الوليد -قال أبو داود : هو أبو الزعراء ] يعني أن كنية يحيى بن الوليد هي: أبو الزعراء [ عن هارون بن تميم عن الحسن البصري أنه قال: الأبوال كلها سواء ]. يعني أن الأبوال كلها سواء في النجاسة، فلا فرق بين الصبي والصبية والصغير والكبير، أو أن الأبوال كلها حكمها واحد -سواء ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه- في النجاسة، وهذا ليس بصحيح، وهو قول باطل لا وجه له، وهذا من أوهامه، وإن كان الحسن البصري رحمه الله من العلماء ومن الأتقياء، لكن هذا القول ترده الآثار والأحاديث الصحيحة؛ فقد فرق الشارع بين الأبوال، وأمر صلى الله عليه وسلم العربيين لما اجتووا المدينة أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم بالغسل، فدل على طهارتها.

    وإن كان المراد أنه لا فرق بين بول الصبي والصبية فقد فرق الشارع بينهما.

    ولعل المؤلف أورد ذلك عن الحسن ليدل على بطلانه لوضوح مخالفته للحديث.

    شرح حديث: ( يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم) ].

    هذا الحديث موقوف على علي رضي الله عنه، وهو موافق للأحاديث السابقة، لكن هناك فرق بين بول الجارية وبول الغلام، وفيه التقييد بأنه [ ما لم يطعم ] يعني: ما لم يستغن بأكل الطعام، فإذا استغنى بالطعام واكتفى به عن الحليب فإنه يصدق عليه أنه يطعم.

    إسناد آخر لحديث (يغسل من بول الجارية ...) وبيان رفعه وزيادته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، فذكر معناه ولم يذكر: ما لم يطعم. زاد: قال قتادة : هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعاً ].

    هذه الرواية مرفوعة عن علي بن أبي طالب ، بخلاف الرواية الأخرى فهي موقوفة عليه، ولهذا قال: [ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال...، فذكر معناه ] يعني معنى الحديث الموقوف السابق في التفرقة بين بول الجارية وبول الغلام، وقوله: [ ولم يذكر: ما لم يطعم ] يعني: لم يذكر هشام ما ذكره سعيد بن أبي عروبة من قوله: [ ما لم يطعم ].

    وزاد هشام في روايته: [ قال قتادة : هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعاً ]. وهذا هو الصواب، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة ، وقال الترمذي : حديث حسن.

    شرح حديث صب أم سلمة الماء على بول الغلام ما لم يطعم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن أمه: أنها أبصرت أم سلمة رضي الله عنها تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية ].

    هذه الرواية موقوفة على أم سلمة ، وقال الحافظ في التفسير: سنده صحيح، وأم الحسن اسمها خيرة ، وهي مولاة لـأم سلمة ، فـالحسن يروي عن أمه خيرة أنها أبصرت أم سلمة تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية، أي: تفرق بين بول الصبي والصبية، فالصبي يكتفى فيه بالرش والنضح والصبية يغسل من بولها، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة في ذلك.

    1.   

    الأسئلة

    حكم صلاة من رأى بعد صلاته نجاسة في ثوبه

    السؤال: ما حكم من رأى بعد صلاته نجاسة في ثوبه؟

    الجواب: الصواب أن الصلاة صحيحة، لكن إذا علم وهو في الصلاة فإن استطاع أن يلقي الثوب الذي فيه نجاسة، كما لو كانت النجاسة في عمامته أو في المنديل فصلاته صحيحة، وإن كانت في الثوب الذي يلي الجسد، أو في ثوب لا يستطيع نزعه فإنه يقطع الصلاة ثم ينزعه ويعيد الصلاة.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737637846

    عدد مرات الحفظ

    684519617