إسلام ويب

شرح سنن النسائي كتاب الطهارة [5]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الوضوء، وهديه فيه أفضل الهدي، وقد حفظ لنا الصحابة رضي الله عنهم ذلك ونقلوه إلينا بالتفصيل والدقة، فعلينا أن نتمسك بذلك ونعض عليه بالنواجذ؛ لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء

    شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء.

    أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي) ].

    المكوك: مد، وهو ملء كفي الرجل المتوسط، وفيه مشروعية الاقتصاد في الماء، وأنه يستحب للإنسان أن يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع.

    ويغتسل بخمسة مكاكي، أي: بصاع ومد. وربما اغتسل بصاع، وربما اغتسل بأقل، وجاء أنه توضأ بثلثي مد.

    والحديث أخرجه البخاري ومسلم .

    شرح حديث توضئه بثلث مد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد ثم ذكر كلمة معناها حدثنا شعبة عن حبيب قال: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي -وهي أم عمارة بنت كعب -: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، أتي بماء في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة : فأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما) ].

    هذا الحديث أخرجه أبو داود، وفيه مشروعية الاقتصاد في الماء، والأذنان يمسح ظاهرهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهام.

    1.   

    النية في الوضوء

    شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: النية في الوضوء.

    أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم قال: حدثني مالك ح: وأخبرنا سليمان بن منصور قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك -واللفظ له- عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) ].

    وهذا الحديث رواه الشيخان، وقد استفتح به البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، واستفتح به النووي في كتابه رياض الصالحين، وكثير من العلماء يستفتحون كتبهم بهذا الحديث؛ لأن النية هي أساس الدين، وأصل الأعمال، وهي المصححة للأعمال، فلهذا كانوا يفتتحون كتبهم بهذا الحديث، وهذا الحديث من أصح الأحاديث، وهو مع ذلك غريب؛ لأنه من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن الوقاص عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يروه من الصحابة إلا عمر بن الخطاب، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص ، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي ، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ورواه المئات فهو صحيح غريب، لكن الغرابة في طرف الإسناد الأول لا في آخره، ومع ذلك يعتبر من أصح الأحاديث، حتى قال بعض أهل العلم: إنه نصف الدين، وقال بعضهم: إنه ربع الدين، فكونه نصف الدين لأن فيه إصلاح الباطن، وحديث: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وكذلك: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) لبيان إصلاح الظاهر، فهو نصف الدين.

    وقد استدل به المؤلف رحمه الله على النية في الوضوء، وهو عام يشمل النية في الوضوء وفي غير الوضوء، كنية الصلاة، ونية الزكاة، والنية في الصوم، والنية في الحج.

    فالحديث أعم من الترجمة، وإنما ذكره في نية الوضوء لأن الإنسان لابد له من أن ينوي الوضوء، وأما لو غسل أطرافه مرتباً وهو ينوي التبرد، ولم ينو رفع الحدث فإنه لا يصح الوضوء؛ لفقدان النية، فلو أن إنساناً غسل وجهه للتبرد، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق، وغسل اليسرى إلى المرفق، ثم مسح رأسه وأذنيه، ثم غسل رجليه ناوياً التبرد فلا يصح وضوؤه، كما أن الإنسان لو كان عليه جنابة ثم اغتسل ناوياً التبرد لا يرتفع حدثه؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

    وفي الحديث مثل للذين يعملون بنية العبادة ونية غير العبادة، وهو: (فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله) يعني: الصحابة الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فهذا مثال غير نية العبادة، فهذا الرجل هاجر من مكة إلى المدينة بنية تزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس؛ لأن هجرته لم تكن عبادة، وإنما هاجر لأمر دنيوي، فلابد من النية في العبادات.

    1.   

    الوضوء من الإناء

    شرح حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع النبي في الإناء، والوضوء منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء من الإناء.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضئوا، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم) ].

    هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ، وفيه بيان معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ودليل من دلائل النبوة؛ حيث نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا حصل له مرات عليه الصلاة والسلام في الحديبية وفي أسفاره، حيث ينبع من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، وهذا من دلائل النبوة، فهو دليل على أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] فهو دليل على قدرة الله العظيمة، وهو دليل من دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي لا تحصل لأحد من المخلوقات، بخلاف خوارق العادات التي تحصل على أيدي السحرة، وكذلك الكرامات التي تحصل على أيدي الأولياء، فإن جنسها مقدور لبعض المخلوقات، فالساحر يطير في الهواء، والطير يطير في الهواء، وهو يغوص في البحر والحيتان تغوص في البحر، لكن نبع الماء من بين الأصابع لا يقدر عليه أحد، وكذلك تكثير الماء، وتكثير الطعام، والعروج إلى السماء، فكل هذه من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم التي لا يشركه فيها أحد من البشر عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك عصا موسى التي تنقلب إلى حية، فلا يقدر عليها البشر، ولهذا لما رآها سحرة فرعون وفيهم مهرة قد خبروا السحر وعرفوه مدة طويلة عرفوا أن هذا ليس بسحر، فآمنوا وخروا لله سجداً، كما قال تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]، فعرفوا أن هذا ليس من جنس سحرهم، ولا يقدر عليه أحد، فمعجزات الأنبياء لا يقدر عليها أحد من المخلوقات لا من البشر ولا من الحيوانات ولا الطيور.

    وأما خوارق السحرة وإن كان بعض البشر لا يقدر عليها فإنه يقدر عليها بعض الحيوانات، كالطيور والحيتان في البحر.

    والحديث دليل على كون الإنسان يتوضأ من الإناء، سواء أكان الإناء من خشب، أم من حجر، أم من زجاج، أم من غير ذلك، وله أن يتوضأ من ماء غدير من الغدران، ومن الصنبور، ومن الحوض، ومن النهر، كل ذلك لا بأس به.

    شرح حديث ابن مسعود في تفجر الماء من بين أصابع النبي في الإناء والوضوء منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا عبد الرزاق قال: أنبأنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا ماء، فأتي بتور فأدخل يده، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه، ويقول: حي على الطهور والبركة من الله عز وجل).

    قال الأعمش : فحدثني سالم بن أبي الجعد قال: قلت لـجابر : كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وخمسمائة ].

    هذا الحديث فيه أن الماء نبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه توضأ نحو ألف وأربعمائة لم يكن لهم قبله إلا ماء في إناء صغير، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه مبسوطة فنبع الماء من بين أصابعه، فتوضئوا وشربوا واغتسلوا، وكانوا ألفاً وأربعمائة شخص.

    1.   

    التسمية عند الوضوء

    شرح حديث أنس في خروج الماء من بين أصابع النبي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب التسمية عند الوضوء.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن ثابت وقتادة عن أنس قال: (طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مع أحد منكم ماء؟ فوضع يده في الماء ويقول: توضئوا باسم الله، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، حتى توضئوا من عند آخرهم).

    قال ثابت : قلت لـأنس : كم تراهم؟ قال: نحواً من سبعين ].

    وهذا -كما سبق- فيه دليل من دلائل النبوة، وقوله: ( ويقول: توضئوا باسم الله) فيه التسمية، وهذه الجملة فيها نظر، والمعروف أن الأحاديث التي فيها التسمية ضعيفة، كحديث: (لا وضوء لمن لم يسم، ) وحديث: (لا وضوء إلا باسم الله)، وحديث: (ولا وضوء لم لمن يذكر اسم الله).

    فكلها أحاديث ضعيفة عند أهل العلم، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن التسمية سنة وليست واجبة، وذهب آخرون من أهل السنة والجماعة إلى وجوبها في حالة الذكر، وسقوطها عند النسيان، وقالوا: هذه الأحاديث ضعيفة، إلا أن بعضها يشد بعضاً، ويقوي بعضها بعضاً. ذكر هذا الحافظ ابن كثير رحمه الله في سورة المائدة في تفسير آية الوضوء.

    وقال بعض أهل العلم: لا يصح الوضوء لو ترك التسمية عمداً. والصواب أنه يصح؛ لأن النية ليست واجبة، بل هي مستحبة عند كثير من أهل العلم.

    1.   

    صب الخادم الماء على الرجل للوضوء

    شرح حديث المغيرة في سكبه على رسول الله حين توضأ في غزوة تبوك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء.

    أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع -واللفظ له-، عن ابن وهب عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة أنه سمع أباه يقول: (سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين).

    قال أبو عبد الرحمن : لم يذكر مالك عروة بن المغيرة ].

    وهذا الحديث ثابت أيضاً في الصحيح، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب لقضاء حاجته، ثم صب عليه المغيرة رضي الله عنه الماء فتوضأ، ففيه دليل على جواز صب الماء على المتوضئ، وأنه لا بأس به ولا حرج فيه، وكذلك الإتيان له بالإناء ليتوضأ لا بأس به.

    وهناك مسألة أخرى وهي: أن يغسل أعضاءك وأنت تنوي، فيغسل وجهك، ويغسل يديك، فإذا كان المرء مريضاً فلا بأس بذلك، فينوي والآخر يوضئه، فيغسل وجهه، ويغسل يديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه، وكذلك ييممه.

    وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه .

    1.   

    الوضوء مرة مرة

    شرح حديث ابن عباس في إخباره عن وضوء رسول الله مرة مرة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء مرة مرة.

    أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا يحيى عن سفيان قال حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فتوضأ مرة مرة) ].

    ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً.

    والحديث السابق فيه أيضاً مشروعية المسح على الخفين من الحديث الأصغر، وهو ما دل عليه حديث المغيرة : ( فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، ثم مسح عليهما)، فدل على جواز المسح على الخفين إذا لبسهما على طهارة، وهذا في الحدث الأصغر فقط، وأما الحدث الأكبر فلا بد معه من خلعهما.

    1.   

    الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

    شرح حديث ابن عمر في إسناده إلى النبي الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً.

    أخبرنا سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك قال: أنبأنا الأوزاعي قال: حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب (أن عبد الله بن عمر توضأ ثلاثاً ثلاثاً، يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم) ].

    هذا فيه مشروعية الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، فيغسل كل عضو ثلاثاً، فيتمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ورجليه ثلاثاً، وأما الرأس فلا يغسل بل يمسح مرة واحدة، وهذا أكمل الوضوء، ويجوز الوضوء مرتين مرتين، وهذه الصفة أسقطها المؤلف، وذكرها البخاري ، ويغسل وجهه مرتين، ويديه مرتين، ورجليه مرتين، ويجوز مرة مرة كما سبق، فالوجه مرة، واليد مرة، والرجلان مرة، وهناك صفة رابعة جائزة وهي أن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً.

    1.   

    صفة الوضوء: غسل الكفين

    شرح حديث المغيرة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب صفة الوضوء: غسل الكفين.

    أخبرنا محمد إبراهيم البصري عن بشر بن المفضل عن ابن عون عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة، وعن محمد بن سيرين عن رجل حتى رده إلى المغيرة ، قال ابن عون : ولا أحفظ حديث ذا من حديث ذا، أن المغيرة قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقرع ظهري بعصاً كانت معه، فعجل وعجلت معه حتى أتى كذا وكذا من الأرض، فأناخ ثم انطلق، قال: فذهب حتى توارى عني، ثم جاء فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي، فأتيته بها فأفرغت عليه، فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، فأخرج يده من تحت الجبة فغسل وجهه وذراعيه، وذكر من ناصيته شيئاً وعمامته شيئاً -قال ابن عون : لا أحفظ كما أريد- ثم مسح على خفيه، ثم قال: حاجتك؟ قلت: يا رسول الله! ليست لي حاجة، فجئنا وقد أم الناس عبد الرحمن بن عوف وقد صلى بهم ركعة من صلاة الصبح، فذهبت لأوذنه فنهاني، فصلينا ما أدركنا وقضينا ما سُبقنا) ].

    هذا الحديث ضعيف بهذا السند؛ لأن فيه رجلاً مبهماً، ولكن الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما كما سبق، وقد كان ذلك في غزوة تبوك حيث نزلوا منزلاً فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليقضي حاجته، فتبعه المغيرة ، فلما استنجى صب عليه المغيرة الماء وهو يتوضأ، فغسل وجهه، ولما أراد أن يغسل ذراعيه ضاق كمّا الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة فغسلهما، فدل على جواز لبس الضيق، وعلى أنه لا بأس بلبس ما ورد من الكفار؛ لأن تبوك في بلاد الكفار.

    وفيه أنه صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه، وتأخر النبي صلى الله عليه وسلم والمغيرة ، فلما رأى الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر وأنه مضى جزء من الوقت، وكان هذا في صلاة الفجر، قدموا عبد الرحمن بن عوف ليصلي بهم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمغيرة وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة، وفي هذه الرواية قال المغيرة : (فجئت لأوذنه) يعني: لأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وليس هذا في الصحيحين، فصف النبي صلى الله عليه وسلم والمغيرة خلف عبد الرحمن ، فلما سلم عبد الرحمن قام النبي صلى الله عليه وسلم يقضي الركعة التي فاتته، وكذلك المغيرة .

    وعبد الرحمن بن عوف هو الوحيد الذي صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلفه، ولم يصل النبي خلف أحد غير من أمته، فـأبو بكر رضي الله عنه صلى بالناس في مرض موته، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم تقدم وتأخر أبو بكر ، فجلس بجواره على يساره فصلى بالناس.

    1.   

    عدد مرات غسل الكفين

    شرح حديث: (رأيت استيكاف رسول الله ثلاثاً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب كم يُغسلان.

    أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان -وهو ابن حبيب - عن شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أوس بن أبي أوس عن جده قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استوكف ثلاثاً) ].

    يعني: غسل كفيه ثلاثاً، فالسنة غسل الكفين ثلاثاً قبل كل وضوء، وإذا قام من نوم الليل فإنه يتأكد، والجمهور على أنه مستحب، والصواب أنه واجب كما ذهب إليه الظاهرية؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب، وأما في بقية فهو مستحب.

    1.   

    حكم المضمضة والاستنشاق

    شرح حديث عثمان في صفة الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب المضمضة والاستنشاق.

    أخبرنا سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد الله عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران بن أبان قال: (رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه) ].

    هذا الحديث ثابت في الصحيحين وفي غيرهما، وفيه استحباب غسل الأعضاء ثلاثاً ثلاثاً، وفيه وجوب المضمضة والاستنشاق، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، فقيل: إن المضمضة والاستنشاق واجبان، وقيل مستحبان، وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل، وقيل: واجبان في الغسل دون الوضوء، والصواب أنهما واجبان في الوضوء والغسل جميعاً فلابد منهما؛ للآية الكريمة: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، ولمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

    وفيه أن الوضوء وصلاة الركعتين بعدهما من أسباب المغفرة إذا لم يحدث المصلي نفسه بشيء من أمور الدنيا.

    والمعروف عند أهل العلم أن هذه الصلاة ونحوها تغفر بها الصغائر، وأما الكبائر فلابد لها من توبة.

    1.   

    بأي اليدين يتمضمض

    1.   

    اتخاذ الاستنشاق والاستنثار

    شرح حديث: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب اتخاذ الاستنثار.

    أخبرنا محمد بن منصور قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو الزناد ح: وأخبرنا الحسين بن عيسى قال: حدثنا معن عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر) ].

    هذا الحديث فيه اتخاذ الماء للاستنثار، وفيه بيان لوجوب الاستنثار.

    1.   

    المبالغة في الاستنشاق

    شرح حديث: (أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب المبالغة في الاستنشاق.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير ح: وأنبأنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا وكيع عن سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: (قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) ].

    هذا الحديث أخرجه أبو داود ، وفيه مشروعية المبالغة في الاستنشاق، إلا إذا كان المرء صائماً فإنه لا يبالغ؛ خشية أن يذهب شيء من الماء إلى حلقه، وأما إذا لم يكن صائماً فالسنة المبالغة؛ لما فيه من التنظيف.

    1.   

    ما جاء في الأمر بالاستنثار

    شرح حديث: (من توضأ فليستنثر)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الأمر بالاستنثار.

    أخبرنا قتيبة عن مالك ح: وحدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا عبد الرحمن عن مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر) ].

    هذا الحديث فيه الأمر بالاستنثار، والأمر بالإيتار في الاستجمار، والأصل في الأوامر أنها للوجوب، ولا شك في أن الاستنثار في الوضوء والاستنشاق واجبان على الصحيح من أقوال أهل العلم، فالمضمضة والاستنشاق والاستنثار كلها من فروض الوضوء، وقد جاء الأمر بالاستنثار قبل الوضوء، وهذا هو محل الخلاف، فهل هو للوجوب أم للاستحباب؟

    فالجمهور يرون أنه للاستحباب، ولكن ينبغي للمسلم أن يعتني بالأوامر؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب.

    وأما الإيتار في الاستجمار فالمراد به أنه حينما يستجمر بالحجارة بعد قضاء الحاجة -إن كان أراد أن يقتصر على الحجارة- أن يستجمر بوتر من الحجارة، وأقلها ثلاث، وأما إذا لم ينق بالثلاث فإنه يزيد حجرة رابعة، فإن أنقى بالرابعة استحب له أن يزيد الخامسة؛ حتى يقطع على وتر، لكن أقل الأحجار ثلاث، ولا تجزئ حجرتان، وأما إذا أراد أن يستعمل الماء فالأمر في هذا واسع، كأن يستجمر بحجر أو حجرين ثم يستعمل الماء.

    شرح حديث: (إذا توضأت فاستنثر...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة قال حدثنا حماد عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فاستنثر، وإذا استجمرت فأوتر) ].

    هذا كما سبق في الأمر بالاستنثار والاستجمار، فإن أراد المرء أن يقتصر على الاستجمار فأقل الاستجمار ثلاثة أحجار إذا أنقى، وإذا لم ينق زاد، فإن قطع على وتر فالحمد لله، وإلا فإنه يزيد ويقطع على وتر استحباباً.

    1.   

    ما جاء في الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم

    شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم.

    أخبرنا محمد بن زنبور المكي قال: حدثنا ابن أبي حازم عن يزيد بن عبد الله أن محمد بن إبراهيم حدثه عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه) ].

    وهذه الترجمة فيها الأمر بالاستنثار عند استيقاظ المرء من منامه، أي: قبل أن يتوضأ، لكن الحديث فيه: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر) فلا يطابق الترجمة، وليس في رواية مسلم : (فتوضأ) بل فيها (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر)، فتكون مطابقة للترجمة.

    وأما إذا توضأ فلابد من الاستنثار، إلا أن يقال: إن الأمر بالاستنثار إذا توضأ بعد النوم، وأما ما عدا ذلك فيكون الاستنثار فيه مستحباً؛ لأنه قيده هنا بـ(توضأ)، فيكون المعنى أنه إذا استيقظ من نومه فإن الاستنثار واجب، وإن توضأ بالنهار فلا يجب، لكن الصواب أن الاستنثار واجب، لما في رواية مسلم .

    قوله: (فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خيشومه) وهذا البيان حقيقي، هذا خلافاً لمن تأوله، وهذا يؤكد الوجوب، وأنه ينبغي للإنسان أن يستنثر ثلاثاً قبل أن يتوضأ، وهو خاص بالاستيقاظ من النوم، ثم ليستنثر في الوضوء.

    1.   

    ما يستنثر به من اليدين

    شرح حديث علي في الاستثار باليد اليسرى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب بأي اليدين يستنثر.

    أخبرنا موسى بن عبد الرحمن قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة قال: حدثنا خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم ].

    هذا الحديث فيه الاستنثار باليد اليسرى؛ لأن هذا من باب إزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليسار، واليمين تكون لما فيه التكريم، كما في حديث عائشة : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله).

    قوله: (عن عبد خير ) هو رجل مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وإنما لم يغير أسمه؛ لأنه اسم قديم يسمى به في الجاهلية، والأسماء القديمة لا تغير، وإلا فلا يجوز التسمية بعبد خير، بل يكون التعبيد بعبد الله، ومثل عبد خير عبد المطلب، وعبد مناف، فهذه الأسماء لا تغير، وكذلك أسماء الأموات الذين سبقوا.