إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. سلسلة المدائح النبوية
  5. سلسلة المدائح النبوية [أبيات من دالية حسان بن ثابت - وفاته صلى الله عليه وسلم] [2]

سلسلة المدائح النبوية [أبيات من دالية حسان بن ثابت - وفاته صلى الله عليه وسلم] [2]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر في خبر وفاة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وقصة ذلك، فإنه يستنتج منها الفوائد والعبر التي تفيد المرء في حياته وسيره إلى الله تعالى، وفي كيفية العمل في مثل تلك المواقف. وكذلك يستفيد من فعل الصديق الأكبر وصبره وتحمله، فهو لم يجعل العاطفة تغلبه في مثل ذلك الموقف الرهيب.

    1.   

    مرض النبي وثقل ذلك عليه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأحكم كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فقدر، وشرع فيسر، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! كنا قد أشرنا في اللقاء الماضي -ونحن نتحدث إجمالاً- عن خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في لقاءاتنا هذه الموسومة بالمدائح النبوية، إذ كنا نتفيأ ظلال قصيدة حسان :

    بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

    بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد

    معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد

    عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً بها واراه في الترب ملحد

    فبوركت يا قبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد

    وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد

    صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد

    قلنا: إننا سنعرج في هذا اللقاء بإذن الله تعالى على المعاني الزاخرة من خبر وفاة نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه المقطوعة الجليلة الأثر من نبأ وخبر حياة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا إجمالاً تسلسل الأحداث التاريخية في وفاته، وانتهينا إلى دفنه، والآن نحاول أن نذكر ما الذي نستقيه من ذلك، فالسيرة والسنة لا ينبغي للإنسان أن يقرأها فقط وإن كان في قراءتها أجر وثواب عظيم وبركة جليلة لمن أخلص النية، لكن ينبغي أن الإنسان يتعدى هذا الأمر إلى مرحلة أعلى ومنزلة أرفع، فيحاول أن يستقي من معين السنة، فنبينا صلى الله عليه وسلم قدوة وأي قدوة، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    فنستعين بالله تبارك وتعالى فيما ننهله من معين السنة ورياضها فنقول:

    إن الله جل وعلا خلق خلقه أطواراً، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه لا يستثني منها أحد، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان سيد البلغاء وإمام الفصحاء والله يقول له: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ [مريم:97]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش)، وكان الصديق رضي الله عنه والصحابة يتعجبون من بلاغته وفصاحته صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك إذا استصحبنا قول الله جل وعلا أن الله خلق خلقه أطواراً كما بين الله في سورة نوح، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته -وهو سيد الخلق وإمام الفصحاء- يدخل عليه أسامة حبه وابن حبه فيطلب منه أن يدعو، فيعجز صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالدعاء؛ لأن المرض كان قد أثقل عليه، ويدخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر كما مر معنا وفي يد عبد الرحمن سواك، فيعجز وهو إمام الأمة ورأس الملة وأعظم البلغاء وسيد الفصحاء أن يقول لـعائشة : أعطوني السواك، وإنما حدق النظر في السواك ففهمت عائشة مراده صلى الله عليه وسلم، فأخذت السواك من أخيها وقضمته وطيبته وأعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتدبر أيها المؤمن! هذا حال سيد الخلق وأكرمهم على الله فما حالنا نحن وحال غيرنا! لقد خلق الله جل وعلا خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، والعاقل من يعلم ذلك من نفسه، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54].

    فسبحان من لا يمسه نفع ولا ضر، سبحان الله علام الغيوب، سبحان الرب تبارك وتعالى الذي لا يحول ولا يزول، سبحان من استوى على عرشه وفي كل مكان رحمته وعلمه وسلطانه!

    والنبي صلى الله عليه وسلم عندما ننظر للسيرة العطرة بهذا التأمل وذلكم التدبر نلحظ أننا ضعفاء مهما بلغنا، كما أن سكرة الموت لا يمكن أن يحيد عنها أحد، فقد تكون لحظة وقد تكون لحظات، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدع يديه الطاهرتين الشريفتين في ركوة فيها ماء ويقول: (لا إله إلا الله، اللهم إن للموت سكرات فأعني على سكرات الموت)، وسكرات الموت حق لا يمكن دفعه، قال الله جل وعلا: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:19-20].

    1.   

    الصديق وسكرة الموت

    والصديق رضي الله عنه لما جاءته سكرة الموت كان مغطى، فكانت بجواره ابنته عائشة رضي الله عنها وأرضاها فكانت عندما رأت اشتداد المرض على أبيها أبي بكر تتمثل ببيت قديم لـحاتم طي يقول فيه:

    لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

    إذا حشرجت يوماً أي: الروح والنفس.

    فكشف رضي الله عنه وأرضاه عن وجهه وقال لها: يا بنية لا تقولي هذا ولكن قولي كما قال الله: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19]، فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق على الله كان يقول في تلك السكرات: (لا إله إلا الله، اللهم إن للموت سكرات فأعني على سكرات الموت)، وقد أعانه الله جل وعلا.

    1.   

    من أعظم المناقب الشوق إلى الله تعالى

    الأمر الثالث: أن من أعظم المناقب الشوق إلى لقاء الله، والشوق إلى لقاء الله لا يلزم منه تمني الموت، ولا يلزم منه عدم كراهة الموت، لكن المؤمن يبقى في تعظيم لربه وشوق إلى خالقه جل وعلا، وأنبياء الله ورسله ما امتلأت قلوبهم بشيء أعظم من توحيدهم لخالقهم، وإجلالهم لربهم تبارك وتعالى.

    فهذا الإجلال العظيم الذي كان يسكن قلوبهم لربهم تبارك وتعالى جعلهم عندما يخيرون قبل أن يموتوا بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وبين لقاء الله ثم الجنة أن يختاروا لقاء الله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم -على أنه لم يعش طويلاً فقد عاش ثلاثة وستين عاماً- لما خير اختار لقاء الله ثم الجنة؛ شوقاً إلى ربه.

    ويجب أن تعلم أيها الأخ المؤمن! أن الله تبارك وتعالى لا تطيب الدنيا إلا بذكره، ولا تطيب الآخرة إلا بعفوه، ولا تطيب الجنة إلا برؤيته، والإنسان إنما يكون له ثقل ميزان وعظيم أجر في أي مكان يذكر الله جل وعلا فيه، والآخرة هولها شديد، والناجون هم من عفا الله عنهم، يقول صلى الله عليه وسلم للصديقة بنت الصديق : لما قالت له: أرأيت إن علمت أي ليلة هي ليلة القدر ماذا أقول فيها قال: (قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، ولا تطيب الجنة إلا برؤيته تبارك وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23].

    وفي صحيح مسلم من حديث صهيب : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا، ألم يجرنا من النار، ألم يدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم تبارك وتعالى، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم هو أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله تبارك وتعالى).

    1.   

    تشريف آل بيت النبوة بغسله

    ودل كذلك خبر وفاة نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله جل وعلا منح أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومواليه شرفاً لا يضاهى، وعزاً لا يبارى ألا وهو تولي غسل ودفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والميت أولى به قرابته وعصبته، والصديق رضي الله عنه له مكانته وكذلك عمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، لكن الميت أولى به القرابة والعصبة هذا الذي دل عليه الشرع، وهذا الذي وقع فعله من الصحابة، فقد تولى غسله علي ونال الشرف الأعظم؛ لأنه هو الذي باشر غسل النبي صلى الله عليه وسلم، والعباس عم رسول الله، وابناه: قثم والفضل ، فكانا يقلبان الجسد الطاهر الشريف، ولم تكشف لرسول الله عورة، وكان شقران وأسامة يسكبان الماء، فهذا شرف لا يضاهى ومجد لا يبارى.

    1.   

    غسل الرجل للمرأة والعكس

    وغسل الميت جاء في السنة أن يكون على مكان مرتفع، وأن يتولى غسل الميت وصيه في الأول ثم آل بيته، ولا يجوز للرجل أن يغسل امرأة ولا للمرأة أن تغسل الرجل إلا في حالتين: فيجوز للرجل أن يغسل المرأة إذا كانت زوجته، أو كانت طفلة رضيعة، ولا تسمى في هذه الحالة مرأة.

    والمرأة يجوز لها أن تغسل الذكر في حالتين: إذا كان الميت زوجها، أو كان طفلاً رضيعاً لا يعد له عورة، وأما غير ذلك فلا يغسل الذكر إلا الذكر ولا تغسل الأنثى إلا الأنثى.

    و أبو بكر رضي الله تعالى عنه لما مات أوصى قبل أن يموت أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رغم وجود أبنائه ووجود أبيه، فقد كان أبوه يوم ذاك كبيراً، وكذلك وجود كثير من الصحابة الذين لهم علاقة عظيمة بـالصديق رضي الله عنه وأرضاه، لكن لأمر ماء أراده أبو بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس ، وقد تولت رضي الله عنها وأرضاها الصديق .

    والذي يعنينا أن الله جل وعلا من على علي رضي الله عنه بأن باشر غسل رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، ثم كفن صلوات الله وسلامه عليه، ثم قبر، والله جل وعلا جعل الأرض مأوى ومسكناً لنا أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26]، وقال: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21].

    1.   

    من السنة وضع الميت على شق الأرض

    والسنة وضع الميت على شقه الأيمن مستقبل القبلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر المسجد الحرام قال: (قبلتكم أحياء وأمواتاً)، والنبي صلى الله عليه وسلم سجي ووضع في قبره، والقبر كان لحداً، فيوضع الميت على شقه الأيمن، ويقرب من جدار القبر، ويوضع خلف ظهره شيء من التراب؛ حتى لا ينقلب، ثم توضع اللبنات، فنبينا صلى الله عليه وسلم وضعت تسع لبنات على لحده، فإذا نزل التراب على القبر لم ينزل على جسده الشريف؛ لأن جسده الشريف في اللحد وهو الشق الذي في القبر وعليه اللبن، ثم ينزل التراب على القبر نفسه لا على الشق، والنبي صلى الله عليه وسلم داخل الشق مغطى باللبن، وهذا يفعل لكل ميت فيدفن في لحد محمي؛ حتى لا يصيبه أذى، وهذه من سنن الله جل وعلا وقد علم الناس كيف يقبرون منذ أن مات آدم عليه الصلاة والسلام فإن الملائكة تولت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ثم قالت لبنيه: هذه سنتكم يا بني آدم!

    1.   

    أعظم ما قاساه الصحابة من وفاة النبي هو انقطاع الوحي

    إن أعظم ما قاساه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من خبر وفاة نبينا صلى الله عليه وسلم انقطاع الوحي، ذلك أنه بموته عليه الصلاة والسلام انقطع نزول الوحي إلى الأرض؛ لأن الوحي خاص بالأنبياء، أي: وحي التبليغ، ولهذا لما مر أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مع عمر على أم أيمن وجداها تبكي، فقالت: إني لا أبكي على فقد رسول الله؛ لأني أعلم أن الله قد كتب الموت على نبيه، وأن ما عند الله لرسوله خير مما له عندنا، لكنني أبكي لانقطاع الوحي، وهذا قد ذكره حسان رضي الله تعالى عنه في داليته، أن فقد الوحي ليس بالأمر الهين، والله جل وعلا أخبر في كتابه لأمهات المؤمنين أن يذكرن ما أنزل الله عليهن من الكتاب والحكمة وكل ذلك وحي الله، يقول في تزكية نبيه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    1.   

    صبر الصديق بعد وفاة الرسول

    وعمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه عندما جاءه خبر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه استثقل الأمر، ولا ضيم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى ربه كما ذهب موسى، فعظم هذا على بعض الصحابة.

    ولما قدم الصديق من بيته ودخل على بيت ابنته عائشة وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقبله بين عينيه، ودمعت عينا الصديق رضي الله عنه وقال: واصفياه! واخليلاه! ثم قال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! ثم خرج إلى الناس فرقى المنبر فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].

    نحن نؤمن وعلى يقين أنه لا أحد أعظم إيماناً برسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر ، ولا أحد صحب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أبي بكر ، ولا أحد يحب النبي صلى الله عليه وسلم كحب أبي بكر ، ولا أحد خليل لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل أبي بكر ، ومع ذلك جميع الألقاب التي يستحقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشرف الألقاب به تجنبها الصديق ، فقال: من كان يعبد محمداً، ولم يقل: من كان يعبد نبينا ولا رسولنا ولا شفيعنا ولا حبيبنا؛ لأنه رجل رشيد، فالناس وقتها آنذاك وهم يسمعون خطابه في هول الفاجعة يحتاجون إلى رجل ثابت الجنان رابط الجأش يعلم عظم المصيبة، ولا يحتاجون إلى رجل يزيدهم بكاء على ما هم عليه، فترك أبو بكر الألفاظ التي تزيد من عاطفة الناس ولجأ إلى ألفاظ تذكر الناس بجلال الموقف وكيف يتعاملون معه، فقال رضي الله عنه وعن أبويه قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. والصديق بهذه الكلمات غلب على عواطفه وجعلها جانباً؛ حتى يقود الأمة ويسوس الناس، وعندها من لم يكن مصدقاً أن النبي عليه السلام قد مات صدق وآمن، حتى قال عمر : كأني أسمع تلك الآية لأول مرة، ثم بعد أن تمكن أبو بكر من جمع الناس وتبليغ الحقائق لهم تفرغ لنفسه وبكائه، فقام في العام القابل بعدها وقف على المنبر وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مقامي هذا عام أول وبكى رضي الله عنه وأرضاه، ثم أراد أن يبلغ الناس بعضاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقدر، وأخذ يقطع خطبته ثلاث مرات، وهذا بعد مرور عام يتذكر النبي صلى الله عليه وسلم ويبكي رضي الله عنه.

    فهذا الموقف يجعلك تعرف أنه يقع على ذي العلم وعلى ذي الشرف وعلى الرائد وعلى القائد ما لا يقع على غيره، يقول المتنبي في ذلك أبياتاً تبين أن الإنسان الذي يوكل إليه عظائم الأمور ليس كغيره:

    ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

    فالذين يريدون أن يكون لهم دور بارز وجهد ظاهر في قيادة أمتهم لابد أن يكون الإنسان منهم ثابت الشخصية، رابط الجأش، قوي الجنان، لا يغلب عواطفه، وإنما يحكم عقله وعلمه وينظر في سنن الله وسنن أبيائه ورسله وسيرة سلف الأمة الصالح، ويسير على خطاً ثابتة، فليس كل أمورنا تصنع وتقام وتؤدى بالعواطف ولكن:

    الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني

    إن موت النبي صلى الله عليه وسلم وغسْله شرف لمن غسله، وبعض الناس من لطف الله به إن لم يقدر على الخير كله فإنه يقبل ببعضه، فـأوس بن خولي رضي الله عنه وأرضاه أنصاري لما جاء آل بيت رسول الله علي ومن معه وهم يغسلون النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ينادي علياً من خارج الدار ويقول: يا علي أنشدك الله والرحم إلا أدخلتني، وهو لا يريد رضي الله عنه وأرضاه أن يفوته يوم كهذا، فأنشدك الله والرحم إلا أدخلتني، فرق له علي رضي الله عنه وأرضاه وأذن لـأوس أن يدخل دون أن يشارك، فدخل أوس بن خولي رضي الله عنه وجلس في ناحية الدار ورآهم وأبصرهم وهم يتولون غسل نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    اختلاف عواطف الناس والتعبير عنها

    فهذا يفيد أن عواطف الناس تختلف، والتعبير عن تلك العواطف يتباين، وبعض من الناس كتب الله لهم الفقه -وهذا من توفيق الله- كيف يصلون إلى حاجاتهم، وليس أن غيرهم أغبياء لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمثلاً اشترى النبي صلى الله عليه وسلم جملاً من أعرابي، فاتفقا على القيمة، فزاده بعض الصحابة دون أن يدري أن النبي عليه السلام قد اشتراه، فطمع الأعرابي في مال الصحابة فأنكر أن يكون قد باع الجمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء خزيمة بن ثابت وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل بكذا وكذا، ولم يكن حاضراً، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم منه فقال: يا رسول الله! أصدق في خبر السماء أفلا أصدق بأنك بعت أو اشتريت جملاً بكذا وكذا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين، رغم أننا نعلم أن الصحابة جميعاً يصدقون بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلهم مؤمنون به، بل فيهم من هو أشد إيماناً ويقيناً برسول الله من خزيمة بن ثابت ، لكن: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

    ومثله تقريباً أبو أيوب الأنصاري عندما أخذ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخله داره، وفاز بإيواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع رحله).

    يقول أهل العلم: إن الإخلاص من أعظم أسباب التوفيق، فما رفع شيء إلى السماء كما حررنا سالفاً أعظم من الإخلاص، ولا نزل شيء من السماء أعظم من التوفيق، وقد قال الله حكاية عن العبد الصالح: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].

    1.   

    بقاء القرآن معجزة خالدة

    نعود فنقول: من المعاني الزاخرة في خبر وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى لما قبض نبينا صلى الله عليه وسلم أبقى على معجزته الخالدة وهي القرآن، ولهذا مر معنا أن شوقي يقول:

    جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم

    آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم

    فالنبي صلى الله عليه وسلم وإن مات إلا أنه تركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقال: (كتاب الله وسنتي)، فأوفى صلى الله عليه وسلم أمته من بعده، فتدبر القرآن وتدبر سنته، وهو صلى الله عليه وسلم أقام لنا مجداً عظيماً وديناً قيماً على ملة أبيه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم بعد ذلك لما توفاه الله جل وعلا كان عليه الصلاة والسلام قد أدى ما عليه، وأكمل تبليغ الرسالة، ولذلك حرص عليه الصلاة والسلام أن يُشهد الناس فقال: (أما وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقالوا رضي الله عنهم -وهم أكرم جيل وأمثل رعيل-: نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة)، ونحن نشهد أن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد أدى الأمانة، ونصح الأمة، وبلغ رسالة ربه على الوجه الأكمل والنحو الأتم صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    صلاة الصحابة على الرسول فراداً

    ونبينا صلى الله عليه وسلم لم يصل الصحابة عليه جماعة، أي: لم يتقدمهم أحد، وهذا من فقه الصحابة، فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أجلّوا واستكبروا واستعظموا أن يتقدمهم أحد في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ إجلالاً له، وفيها أمر نفسي وهو: أن كل فرد من الصحابة عندما يباشر الصلاة على رسول الله بنفسه من غير إمام فكأنه يبلغ عواطفه ودعاءه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فإذا انقلب إلى أهله ورجع إلى داره يشعر أنما فيه من عواطف جياشة قد أصابته يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استطاع أن يعبر عنها بأن صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والصلاة إنما تكون تعبداً للرب تبارك وتعالى لا شك في ذلك ولا منة، فلا يشرك مع الله أحد، لكن عندما يباشر الإنسان الصلاة على الميت إماماً أو لوحده فإنه يشعر بأن الدعاء الذي يريد أن يبلغه للميت كأنه قد وصل، وإن كان هو يدعو الله جل وعلا والله تبارك وتعالى هو القائم بالأمر جل جلالة.

    فالمقصود: أن في هذا نوعاً من إطراح كثير من الحواجز النفسية التي تكون فيما لو صلى الإنسان إماماً، ولعل هذا قد تعرض له بعض العلماء في قضية لماذا صلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على نبيهم صلى الله عليه وسلم أرسالاً.

    هذه بعض المعاني التي وقفنا عليها من خبر وفاة نبينا صلى الله عليه وسلم من قول حسان :

    بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

    ونحن في هذه اللقاءات المتتابعة في مدائح النبي صلى الله عليه وسلم لم نرد أن نكون شخصية إنشادية، أو شخصية تقول شعراً، أو أن يُعنى بالشعر أكثر من اللازم، لكن أردنا أن نبلغ السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم.

    وسأختم إن شاء الله تعالى بلقاء نتكلم فيه عن الشعر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وموقف الإسلام من الشعر، ونظرات فيما قلناه إجمالاً.

    هذا والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.