إسلام ويب

وما قدروا الله حق قدرهللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خالق كريم، رب رحيم، علي عظيم، خلق فسوى، وقدر فهدى، أعطى وأكرم، وأجزل وأنعم، لا تفي الكلمات أن تحصي ثناءه ونعماءه، فهو أهل الثناء والمغفرة. بعد هذا كله أتى أقوام من خلق الله ما عرفوا لله قدره، وما أدركوا حقه، جعلوا له أنداداً، واختلقوا له أضداداً، وعبدوا من دونه ما لا ينفع ولا يسمع، وهذا والله! بسبب سخف عظيم أصاب كنه عقولهم، وجهل صارخ خيم على أعماق أنفسهم.

    1.   

    ذكر الذين جعلوا مع الله شركاء وذمهم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فسبحانك اللهم ربنا وبحمدك ولك الحمد، أنت وحدك من يجبر كسرنا، ويجمع شتات أمرنا، ويثبتنا على طريق ديننا، نستغفرك ربنا ونتوب إليك، ونستعين بك ونحن نزدلف إليك بذكرك في بيت من بيوتك.

    أيها المؤمنون!

    إن كل مجلس فيه حكمة تنشر، أو سنة تحيا، أو علم يذكر، فإنه مجلس يفد إليه العقلاء، ويؤمه الفضلاء، ولكن أعظم المجالس أثراً، وأرفعها درجة وأجلها بركة، المجلس الذي يذكر فيه الله رب العالمين جل جلاله، كما أن الله جل وعلا لا أحد مثله، فانه لا مجلس أبداً كمجلس يعظم الله فيه ويذكر جل وعلا الذكر الحسن ويثنى عليه جل وعلا بما هو أهله من المحامد.

    أيها المؤمنون!

    لما جعل عبدة الأوثان، والعاكفون على الأصنام مع الله جل وعلا شريكاً ولم يعرفوا لربهم قدراً، كانت قلوبهم تشمئز وأنفسهم تنفر إذا ذكر الله عز وجل، قال الله جل وعلا: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45].

    وقال جل ثناؤه وتباركت أسماؤه: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46].

    على هذا يتبين أننا في هذا المجلس المبارك نتفيأ ظلال آية كريمة نعت الله جل وعلا بها منكراً أحوال قوم ساووا بين الخالق والمخلوق، وجعلوا الآلهة والأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً أنداداً مع ربهم تبارك وتعالى.

    قال الله جل وعلا وقولهُ الحق: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74]، وعلى هذا يتبين أن من علم حقيقة قدر الله جل وعلا فهو الفائز بجنات النعيم.

    أيها المؤمنون!

    هذا الشأن العظيم، والمنزل الكريم، والمطلب الجليل، له شواهد تدل عليه، كما أن هناك قرائن تدل على من نأى وابتعد عنه، وهناك طرائق ترشد إليه وتدل عليه وهي التي بها نستفتح خطابنا هذا.

    1.   

    ما يعين العبد على معرفة قدر ربه

    التأمل في شواهد وحدانيته وربوبيته

    أيها المؤمنون!

    إن من أعظم ما يعين العبد على معرفة قدر ربه تبارك وتعالى: أن يتأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته، مستصحباً الفطرة السليمة التي أودعها الله جل وعلا في قلب كل أحد في أن يعرف ربه، فقد قال الهدهد لما رأى قوم بلقيس يعبدون الشمس ويأنفون من عبادة خالقها: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل:25-26].

    فبموجب فطرته التي خلقه الله تعالى عليها أنكر هذا الطائر على بلقيس وقومها أن يسجدوا لغير الرب تبارك وتعالى، فإذا استصحب الإنسان تلك الفطرة السليمة مع ما أفاء الله جل وعلا عليه من العلم مما أنزله الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته تبارك وتعالى قاده ذلك إلى العلم بالله، فالله الذي خلقنا من العدم وربانا بالنعم وهدانا للإسلام.

    وقد ذكر الله جل وعلا كثيراً من أخبار خلقه في طيات كتابه، أخبر جل وعلا أنه حملهم بفضله في البر والبحر، ورزقهم جل وعلا من الطيبات وما كان لهم أن يصلوا إلى ذلك لولا فضله.

    ثم أخبر جل وعلا أنه بأكبادهم الغليظة وأنفسهم السقيمة وعقولهم التي لا تعي، تجدهم -عياذاً بالله- إذا ركبوا في البحر فمسهم الضر لجئوا إلى الله وحده، فلما أمنوا جعلوا لله جل وعلا أنداداً غيره يعبدونها، قال الله جل وعلا: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [الإسراء:67-69].

    وأخبر جل وعلا أنه يزجي السحاب، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً.

    وأخبر جل وعلا أنه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.

    ومن أعظم دلائل وحدانيته وشواهد ربوبيته:

    أنه جل وعلا وحده من يخلق، وغيره -شاء أم أبى- مخلوق، وقد قلنا مراراً: إن القرآن يقوم على مبدأ عظيم وهو: أن كل من يستطيع أن يثبت أن هناك خالقاً غير الله فليعبده لكن لا أحد يخلق إلا الله فوجب ألا يعظم أحد التعظيم الكامل وألا يعبد أحد من دون الله أبداً.

    على هذا أسست دعوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: لا خالق إلا الله، فبالتالي لا معبود إلا الرب تبارك وتعالى؛ لأنه لا أحد غيره يخلق.

    وقد غابت هذه الحقيقة عن كفار قريش فجاء العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظام قد أرمت، ثم نفث فيها في يوم رائح، ثم قال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد ما أرمت؟ أي بعدما أصبحت عظماً بالياً، فقال صلى الله عليه وسلم وهو المبلغ عن ربه، قال: (نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يبعثك، ثم يدخلك النار)، فأنزل العلي الأعلى قوله: أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:77-80] إلى أواخر سورة يس التي فيها جل البراهين على أن الله جل وعلا وحده الذي يخلق، وبالتالي لا يعبد ولا يعظم التعظيم الكامل إلا هو سبحانه وتعالى.

    غاية الأمر أن يعلم أن التأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته يدل على عظمته جل وعلا، وبالتالي يستقر في القلوب وفي العقول أن الله جل وعلا عظيم القدر جليل الشأن، تنزه وتقدس عن الصاحبة والولد، ولم يلد ولم يولد.

    التأمل في سير الصالحين

    من الطرائق التي يصل بها المرء إلى أن يعظم ربه جل وعلا حق التعظيم:

    التأمل في سير الصالحين وأخبار السابقين ممن ذكر الله جل وعلا أنهم عرفوا قدره وعظموه حق التعظيم، قال الله تبارك وتعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:35-36].

    وأهل الله المحبون له المعظمون له يتدرجون في حظوظهم ثم ينتقلون إلى أعلى الفلاح, فهذه امرأة كان همها أن يكون له ولد، فقد رأت طيراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد فطرة، فسألت ربها أن تحمل، فرزقها الله الولد، فلما اطمأنت على أنها رزقت حملاً دون أن تدري أيكون ذكراً أم أنثى، تخلت عن حظها المباح وتدرجت إلى أعالي الفلاح فنذرت ما في بطنها أن يكون لله قائلة: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران:35].

    والمعنى: أن حظي من الولد ومن بهجة النفس والأنس والخدمة والنصرة لا أريده ولا أحتاجه، لكنني أبتغي من هذا الولد أن يكون خادماً لك في بيتك، فانتقلت من حظ مباح، إلى أن تجعل من ابنها أن يكون خادماً لله جل وعلا في مسجده.

    فما يريده الوالدان من أبنائهم لا تريده، تريد من ابنها أن يكون خادماً للرب، وهذا أمر ليس لزاماً عليها، بل قد لا يرقى إليه أحد في زماننا, لكن المقصود التنبيه على أن لله جل وعلا عباداً فطرهم الله جل وعلا على تعظيمه ومحبته وعلى إيثار ربهم جل وعلا على كل أحد، فقال الله جل وعلا عنها, قالت: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران:35] أي: خالصاً.

    فَلَمَّا وَضَعَتْهَا [آل عمران:36] إذا بها تصاب بالدهشة فالمولود أنثى وهو أمر متوقع، لكن كان انصراف ذهنها في الأول إلى أن يكون المولود ذكراً، فلما كان المولود أنثى، قالت معتذرة إلى ربها: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36] فلما فاتها أن يكون ذكراً وليس هذا بيدها، لجأت للشيء الذي بيدها وهو التسمية فسمتها: مريم ، بمعنى خادمه عند الرب لما فات حظها من كونه ذكراً، ما أرادت أن يفوت حظها من الاسم: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36].

    هذا أنموذج ذكره الله جل وعلا من بيوت صالحات أصحاب أعمال زاكيات، كيف أن قلوبهم فطرت وجبلت على تعظيم ربها تبارك وتعالى.

    وعلى هذا نقول: إن التأمل في سير الصالحين وأنباء السابقين ممن زكى الله أو زكى رسوله صلى الله علية وسلم يعين على أن يعظم المرء ربه تبارك وتعالى، ويعرف ما لله جل وعلا من كمال الجبروت وجلال النعوت، وأن الله جل وعلا وحده الحي الذي لا يموت.

    التأمل والتدبر في أسمائه الحسنى وصفاته العلى

    من الطرائق إلى تعظيم الرب تبارك وتعالى:

    التأمل والتدبُر في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإن الله يقول وقولهُ الحق: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180].

    ربنا تبارك وتعالى له الاسم الأعظم والوجه الأكرم، والعطية الجزلى, لا يبلغ مدحته قول قائل، ولا يجزي بآلائه أحد.

    قال القرشيون لنبينا صلى الله عليه وسلم: (يا محمد! انسب لنا ربك، فأنزل الله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]).

    تدبر الأسماء الحسنى يعظم به الله جل وعلا في القلب وهذا من أجل الركائز.

    ومن أسمائه جل وعلا العظمى الجليلة: اسم الله, فهذا الاسم لم يتسم به أحد حتى ممن نازعوا الله في ألوهيته وربوبيته، كقول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] أو ما قاله النمرود، أو ما قاله غيرهما منعهم الله أن يسلطوا على هذا الاسم العظيم الجليل فيتسموا به.

    قال الله جل وعلا على لسان الملائكة: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:64-65] ثم قال جل شأنه وهو أصدق القائلين قال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] أي: لا يوجد أحد تسمى بهذا الاسم العظيم الذي تسمى الله جل وعلا به، ولهذا صدره الله جل وعلا في أعظم آية من كلام الله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] فقد بدأت بلفظ الجلالة الذي هو علم الأعلام، وفي فواتح آل عمران الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:1-2].

    ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى أنه اسم الله الأعظم وليس المقام مقام فصل، لكن إخبار ببعض أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.

    ألا وإن من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى: الحي القيوم، وهذان الاسمان جاء ذكرهما سوياً في كلام الله في ثلاثة مواضع:

    في فاتحة آل عمران، ومن قبلها في آية الكرسي، ومن بعدهما في سورة طه.

    وما يمكن أن يقال حول معناهما: فإن الله جل وعلا حي حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، وأنه تبارك وتعالى هو الحي حين لا حي، وهو الحي يحيي الموتى.

    وأما القيوم: فكل أحد غير الله فقير إلى الله، والله جل وعلا غني عن كل أحد.

    ربنا جل جلاله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، مع ذلك فهو سبحانه مستغن عن العرش، ومستغن عن حملة العرش، ومستغن عمن يطوفون حول العرش، ومن يطوف حول العرش ومن يحمل العرش والعرش كلهم وغيرهم فقراء إليه تبارك وتعالى كل الفقر، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    علم الإنسان بضعف العباد

    ومن الطرائق التي يصل بها المؤمن إلى تعظيم الله:

    أن يعلم الضعف في العباد. فإن رؤياك للنقص في الخلق يسوقك لأن ترى الكمال في الخالق.

    شج رأس نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وسال الدم على وجهه حتى يرى الناس وجه نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وهو يعتريه ما يعتري وجوه المخلوقين فيقع في القلوب والعقول أن الوجه الذي لا يحول ولا يزول هو وجه الله الحي القيوم.

    ويرى الإنسان النقص حتى في الملائكة يقول الله جل وعلا عنهم بلسان مقالهم: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164]، ويقول جبريل: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] فنحن وإن كنا ملائكة كراماً، وخلقاً عظاماً، لنا ما لنا من المنزلة والقوة فإن لنا مقاماً لا نتعداه وأموراً لا نتجاوزها، ولا نملك لأنفسنا حولاً ولا طولاً ولا قوة حتى في تنزلنا من السماء إلى الأرض، وهي بالنسبة لهم أمر هين كطرائقنا المعتادة التي نسير عليها إلا أنه لا يمكن أن يقع إلا بأمر من الله.

    بل إن الذين يعصون ربهم في الأرض لا يعصونه إلا بإذنه القدري جل جلاله، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [الأنعام:35]، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118]، وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].

    فلا الذين أطاعوه جل وعلا أطاعوه بفضلهم ولا الذين عصوه جل وعلا عصوه بقدرتهم، ولا الذين أطاعوه زادوا في ملكه ولا الذين عصوه أنقصوا شيئاً من ملكه.

    فهو جل وعلا لا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية عاص، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.

    والمقصود: أن رؤية النقص في الخلق يدل العبد على كمال خالقه تبارك وتعالى.

    يفتن المسلمون بنبيهم صلى الله عليه وسلم، ينصر بالرعب مسيرة شهر، يصيب الوجل والخوف أعداءه ومع ذلك يأتيه الموت وهو على فراشه صلوات الله وسلامه عليه ويرى السواك فلا يقدر أن يقول: أعطوني السواك، يرينا الله الضعف في نبيه حتى نرى كمال القوة في ربنا جل جلاله، فإذا كان هذا حال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فما بالك بحال من دونه حتى تعلم عظيم قدرة ربك جل وعلا.

    ولهذا قال الله: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74]، وقال ناعياً أهل الكتاب: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام:91].

    والمقصود هذه الحقيقة الرابعة في أن الإنسان إذا رأى النقص في غيره من المخلوقين أو في نفسه رأى الكمال والعزة والجلال في ربه تبارك وتعالى.

    التأمل في فضل الله على العباد

    مما يزيد المؤمن يقينا بعظمة ربه:

    رؤياه لأفضال ربه على خلقه، ذلك الفضل الخاص إن كنا حررنا الفضل العام بما حمل الله به الناس في البر والبحر يرى العبد فضل الله جل وعلا الخاص على بعض خلقه كيف أن الله جل وعلا اصطفاهم واجتباهم وما كان لهم أبداً أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من العطاء ولن ينالوا هذه المنح الربانية والعطايا الإلهية إلا بفضل الله جل وعلا.

    وقد اختلف الناس في المسيح عيسى ابن مريم شرقوا فيه وغربوا قالت فيه اليهود ما قالت، وزعمت النصارى فيه ما زعمت قال الحق تبارك وتعالى عنه: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59].

    فما المسيح إلا عبد لكنه قيد بأن الله جل وعلا أنعم عليه فنعمة الله عليه هي التي جعلته آية للناس محتفى به في السماوات العلى وينزل في آخر الزمان فهذه كلها عطايا ربانية ومنح إلهية، والله يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124].

    وعندما يرى العبد ما أفاء الله على خليله إبراهيم وكيف أن إبراهيم عبداً مجتبى وحبيباً مصطفى ونبياً مرتضى صلوات الله وسلامه عليه أثنى الله عليه حتى على ألسنة أعدائه وخصومه: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:67-68]، وكلها آيات تدل على عظيم رفيع قدره صلوات الله وسلامه عليه.

    وقبل أن تبحر في معرفة فضل إبراهيم وعلو منزلته استبق إلى ذلك بأن تعلم أن الله جل وعلا هو الذي تفضل عليه، ونظير هذا أن تنظر فيمن آتاهم الله القدرة فإذا رأيت عظيم قدرتهم تأملت بحق قدرة ربك جل وعلا.

    قال الله جل وعلا على لسان نبيه سليمان: قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ [النمل:39-40] سواء كان جنياً أو إنسياً أو سليمان أو غيرهم: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ [النمل:40] أي: رأى سليمان العرش، فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [النمل:40].

    إذا كانت قدرة مخلوق أن يأتي بعرش بلقيس من أرض اليمن إلى أرض فلسطين فكيف بقدرة الله جل جلاله؟!

    هذا مما يقود العبد ويسوقه لمعرفة بعض العلم عن ربه تبارك وتعالى.

    وعلى الجانب الآخر والنظير مثله يتأمل العبد لمن أهلكهم الله ممن عصوه، من الأمم الغابرة وأهل الأزمنة السابقة ممن نازعوا الله في ربوبيته وحاربوا أولياءه وكذبوا رسله، كيف أن الله جل وعلا أذاقهم ما أذاقهم مما يدلل على عظيم جبروته وسلطانه، قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، وليس هلاك عاد وثمود والمؤتفكات وغيرها بخاف على أحد حتى يحرر ويسطر لكنها كلها تدل على عظمة الجليل العظيم الأجل تبارك وتعالى.

    التأمل في كلام الله

    من الطرائق التي يعلم بها العبد عظمة ربه:

    أن يتأمل في كلامه جل وعلا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]. فالقرآن تحدى الله به بلاغة البلغاء وفصاحة الفصحاء.

    قالوا: إن أبا العلاء المعري الأديب اللغوي المعروف كان آية في الفهم والذكاء والحفظ، ما فقد كان يحفظ أشعار العرب وكثيراً من مفردات لغتها وأيامها وتاريخها، وبدا له لما وصل إلى هذه المرحلة أن ينازع القرآن وأن ينشىء قرآناً يكتبه يضاهي به كلام الله فكتب أبياتاً ختمها بقوله:

    إن الموت لا يبطئ والخلد في الدنيا لا يجوز.

    ثم تذكر عظمة الله فتلا قول الله جل وعلا:

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:103-105]، فجثا على ركبتيه وبكاء بكاءً طويلاً، ثم رفع رأسه وأخذ يقول: سبحان من هذا كلامه! سبحان من تكلم بهذا في القدم!

    وهذه شهادة لها اعتبارها؛ لأنها جاءت من رجل يعلم حقائق اللغة ودقائق البيان وأساليب العرب في سبك كلامها، فقد اعترف بالعجز التام أمام كلام ربنا تبارك وتعالى وأصدق منه خبراً قول الله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].

    هذه جملة من الطرائق ذكرنا بعضها ولا يتسع الوقت لذكر آخر منها،ونعرج بعد هذا على الأمارات والعلامات التي يغلب على الظن فيما يظهر للناس ويغلب على الظن -وكل أحد مسئول عن سريرته- أنها تدل على أن العبد يعرف لله جل وعلا حق قدره أو شيئاً عظيماً من ذلك القدر.

    1.   

    العلامات الدالة على معرفة قدر الله

    أعظمها: توحيده تبارك وتعالى فإن من وحد الله عرف قدره، فتوحيد الله جل وعلا الحسنة التي ليس بعدها حسنة كما أن الشرك السيئة التي ليست بعدها سيئة، ولا مصلحة بعد التوحيد ولا مفسدة بعد الشرك، فمن وحد الرب تبارك وتعالى ولم يجعل لله نداً في قلبه فقد عظم الله جل وعلا وقد عرف قدره.

    فالمخاطبون بقول الله جل وعلا: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:74] هم أولئك الذي جعلوا لله أنداداً ساووا تلك الأنداد بربهم تبارك وتعالى، جعلوا من له الأمر كله كمن لا يملك من الأمر شيئاً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

    ثم تأتي بعد ذلك أمور في سلوك المرء وفي الحياة، تدل على تعظيمه لربه تبارك وتعالى ومنها على سبيل الإجمال والطريقة السردية لا الترتيب الأبجدي:

    الوجل عند ذكر الرب تبارك وتعالى، فإن وجل القلوب عند ذكر علام الغيوب من دلائل معرفة العبد بربه تبارك وتعالى وهذا كنه ما أثنى الله به على عباده الصالحين وأوليائه المتقين في كتابه.

    ذلك أن القلب إذا فرح مع محبة لذلك الذكر ويحب كل المحبة مجلساً يعظم الله فيه، ويذكر الله فيه فإن ذكر الله حياة الضمائر، وأنس السرائر، وأقوى الذخائر، فالمؤمن إذا كان يجد في نفسه -وكل امرئ حسيب نفسه- حب المجالس التي يذكر الله فيها ويحب أن يعظم الله ويبجل ويحمد ويثنى عليه جل وعلا بما هو أهله مع وجله وشوقه إلى ربه تبارك وتعالى فإذا ذكر الله هذا من القرائن والبراهين على أن ذلك العبد يعظم الله رب العالمين.

    كما أن من قرائن تعظيم الله جل وعلا ومعرفة قدره:

    أن يقدم المرء ما قدمه الله وأن يعظم المرء ما عظمه الله، وأن يتحرى الإنسان العمل فيما وصى الله جل وعلا به، هذه هي القلوب التي عرفت ربها حقاً، فإذا كان الإنسان قد جعل في طريقه في مسلك حياته في غدوه ورواحه ومخالطته للناس يعظم من عظم الله ويبجل من بجل الله فيعظم المصلين؛ لأنه يرى فيهم القرب من الله بصرف النظر عمن هم، ويأتي بالوصايا الإلهية فلا يقدم على والديه أحداً فإذا عظم والديه لا يعظمهما لأنهما أبواه وإنما يعظمهما؛ لأن الله جل وعلا وصى بهما في كلامه.

    ثم يزدلف ويطبق عملياً ما وصى الله جل وعلا به فيجعل للوالدة ما لا يجعل للوالد، ولو كانت الوالدة أشد قسوة عليه من والده ولو كان والده حفياً به لكن أمه لا تصل في حنانها عليه إلى والده فيطرح ذلك جانباً ويقدم ما قدم الله وقدم رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ثم إن هذا الأمر يظنه البعض خطاباً عارضاً لكنه قرينة خفية على أنك تعظم ربك وأنت تحنوا عليهما، تذكر قول الله: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] فأنت لا تخفض جناحك؛ لأنهما كبيران، وإنما تخفض جناحك امتثالاً لأمر ربك تبارك وتعالى، وتزدلف إليهما، وقبل أن تخاطبهما بخطابك تتذكر أن ربك الذي خلقك وصاك بهما، ولو صنعت هذا الصنيع مع والديك ومع كل أحد وفق شرع الله وأخذت بوصايا الله فإنك لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تطيع الله فيه، فإن اتباع وصايا الله لا يقود إلا للفلاح.

    لكن أين يكون الخطأ؟

    يكون عندما يدخل الشك في المرء في أن هذا الطريق ليس بصحيح فيبحث عن طرائق أخر يبتدعها، وقد لا تكون بدعة بمعنى البدعة المحضة ولكنها فرار عن منهج الله، ويطبق منهجه وهو يظن أنه سيصل إلى مقصودة، ولن تصل إلى مقصودك الشرعي إلا بالطريق التي اختصها الله جل وعلا لك، وهنا يتميز الواثق من منهج الله عمن هو غير واثق من منهج الله، فإذا خاطب الإنسان والديه مثلاً المرة بعد المرة وخفض لهما الجناح ولم يتغيرا لجأ إلى طريق آخر، حين لا ينفع معهما مثل هذا الخطاب، فيبحث عن طرائق أخر كأنه يقول ولو لم يصرح ودون أن يفعل ذلك عمداً كأنه يقول دون أن يشعر أنني سأخطط منهجاً أفضل من منهج الله.

    فيتعامل الإنسان مع ولاة أمره وقد وصاه الله جل وعلا بطاعتهم، فإذا رأى منهم زلة هنا أو هناك غير طريقته وأراد أن يخرج عن وضع السمع والطاعة بحجة أنه يريد الإصلاح، ولا يمكن أن يكون هناك إصلاح حق على أي مستوى إلا باتباع شرع الله جل وعلا، وهذا وأمثاله منازل يختبر فيها الناس وليس الأمر مقصوراً على طاعة ولاة الأمر والوالدين لكن في شتى شئون حياتك مع خصمك مع عدوك مع رئيسك في العمل مع جارك في الحي ومع كل خلقه فقد جعل الله وصايا لكل أحد، فالزم ما وصى الله جل وعلا به تنل ما وعد الله جل وعلا، أما إذا خرجت عن طريق الله فلا تنتظر ما وعدك الله به وقد خالفت طريقته ومنهجه تبارك وتعالى.

    قالوا: إن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مر على حائط للأنصار-أي: حائط بستان- وفيه رفاق شباب يشربون الخمر، فتسلق السور ودخل عليهم فقالوا: يا أمير المؤمنين! جئنا بواحدة شرب الخمر وأنت جئت بثلاث: تجسست والله قد نهى عن ذلك، وتسورت والله قد نهى عن ذلك، ولم تستأذن والله قد نهى عن ذلك.

    فعاد وهو يعلم خطأهم لكنه أكبر حجتهم؛ لأنهم قارعوه بالقرآن.

    قال حافظ :

    وفتية أولعوا بالراح وانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها

    ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها

    قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها

    فأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيها

    ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها

    فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها

    وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها

    إننا نطأطئ رقابنا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلت رقابنا لأحد فوالله! ما ذلــت إلا لأن الله أمرنا بهذا، وإن امتنعنا عن شيء فلأن الله جل وعلا أمرنا أن نمتنع عنه هذا هو العبد الصالح، العبد الذي يعرف عظمة أمر سيده تبارك وتعالى خالقنا ومولانا لا رب لنا غيره ولا إله سواه.

    حسن الظن بالله

    من براهين تعظيم الله:

    حسن الظن برب العالمين جل جلاله.

    جاء في الأثر أن موسى عليه السلام سأل ربه: يا رب! إني أراهم يقولون: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب! فعلام خص هؤلاء بأن ذكروا معك؟ فأوحى الله جل وعلا إليه: يا موسى! أما إبراهيم فما خير بين اثنين أنا أحدهما إلا اختارني، وأما إسحاق فقد جاد لي بنفسه وهو بغيرها أجود، وأما يعقوب فكلما ازددته بلاءً ازداد حسن ظن بي.

    ووالله! من يعرف عظمة الله وسعة رحمته لا يملك إلا خياراً أوحداً هو: حسن الظن برب العالمين جل جلاله، فنحن نذنب وليس لنا إلا الله يغفر ذنوبنا، نحن نطيع الله بتوفيقه وليس لنا إلا الله يثيبنا على طاعتنا، لنا عيوب تلبسنا بها وليس لنا إلا الله يسترها فمن أحسن الظن بربه تبارك وتعالى كان الله جل وعلا له كظنه بربه تبارك وتعالى.

    والمعنى كما جاء في الحديث: (أنا عند حسن ظن عبدي بي أو أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء). ومن عرف الله وسعة رحمته لا يملك إلا أن يحسن الظن بربه.

    اجتمع أبناء يعقوب عليه وهو شيخ كبير شابت لحيته، واحدودب ظهره، وعميت عيناه، ومع ذلك يذكر يوسف: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ [يوسف:84-85].

    تمر أقوام وأحداث إلى أن يقول الله جل وعلا عنهم: قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا [يوسف:94-96].

    فذكرهم بحسن ظنه بربه، قال الله: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:96]. وإنني أخاطب كل مبتلى: والله! إن الله أرحم بك من نفسك، وإن الله جل وعلا قادر على أن يغيثك، وأن ما أنت فيه هو خيرة الله وخيرة الله لك خير من خيرتك لنفسك، ويحتاج المرء مع ذلك إلى أن يكثر من ذكر الله، ويصبر نفسه، ويرى سير الأخيار والأبرار الذين صبروا على ابتلاء ربهم تبارك وتعالى.

    التواضع للخلق

    من القرائن الدالة على أن العبد يعرف ربه ويعرف له حق قدره:

    التذلل وعدم التكبر على الخلق قال الله لنبيه: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:37-38].

    والله يحب من عباده أن يتواضعوا، ولا يعلو أحد على أحد متكئاً على نسب أو مال أو جاه أو حسب وهذه دعاوي كل يدعيها حتى إذا اختلط الناس بعضهم ببعض تميز أولئك الأخيار الأبرار الذين يعرفون أن ما هم فيه نعمة من الله جل وعلا أنعم بها عليهم.

    حتى الضلالة والهدى ينظرون إلى أهل الضلالة نظرة من يريد أن ينقذهم مما هم فيه.

    قال أحد الصالحين من السلف:

    قد كنت أعذر في السفاهة أهلها فاعجب لما تأتي به الأيام

    فاليوم أعذرهم وأعلم أنما سبل الضلالة والهدى أقسام

    1.   

    الشواهد الدالة على عدم معرفة العبد لربه

    نختم بالشواهد -عياذاً بالله- على أن العبد لا يعرف قدر ربه عافانا الله وإياكم من هذا البلاء:

    أعظم ذلك الشرك بالله، فمن أشرك مع الله غيره لم يعرف لله جل وعلا قدراً البتة، ولهذا حكم الله على هؤلاء بأنهم خالدون في النار، لا يمكن أن يخرجوا منها حتى إنهم إذا استسقوا إنما يسقون ماء حميماً، وعلى هذا فالشرك بالله جل وعلا -كما بينا آنفاً- مفسدة لا تعدلها مفسدة رتب الله جل وعلا عليها أربعة أمور: اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة.

    قال الله جل وعلا: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22] هذا في الدنيا.

    وقال بعدها بآيات: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39].

    فهذه الأربعة رتبها الله جل وعلا نكالاً على من أشرك به.

    ويأتي دونهم من عرف قدر الله من حيث الأصل، وهم عصاة المؤمنين الذين ما قدروا الله جل وعلا حق قدره لكنهم لم يخرجوا عن دائرة الإيمان.

    ومن القرائن على هذا نسأل الله لنا ولكم العافية وأقولها سرداً لا يستطيع الإنسان أن يذكرها فراداً:

    قسوة القلب.

    التكبر على الخلق.

    البعد عن قيام الليل.

    بخس الناس حقوقهم.

    وظلم العباد وهذا تبع للأول.

    فبخس الناس حقوقهم وظلمهم من أعظم الدلائل أن العبد لا يعترف بسلطان الله جل وعلا عليه.

    المجاهرة بالمعاصي، يقول الله موبخاً من عصاه: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14].

    اليأس من رحمة الرب تبارك وتعالى.

    القنوط من روحه جل وعلا.

    هذه وأضرابها تدل من حيث الإجمال على أن العبد ما عرف قدر ربه تبارك وتعالى.

    خاتمة المطاف: كلنا نملك أشياء لا يلبث أن تنفد، الله جل وعلا وحده من لا تنفد خزائنه فحري بعبد نفدت خزائنه أن يسأل رباً لا تنفد خزائنه.

    الإلحاح على الله جل وعلا في الدعاء وانقطاع العلائق إلا بالرب الخالق جل جلاله، وأن يجمع الإنسان شتات أمره ويضعها بين يدي الله، وأن يفزع الإنسان إلى ربه في الملمات مع شكره تبارك وتعالى في حال السراء، وهذه قرائن عظيمة على أن العبد يعرف ربه جل وعلا.

    فاللجوء إلى الله تبارك وتعالى، واستغفاره، وكثرة التوبة تعين على طاعة الرب جل وعلا.

    وهذه فائدة نختم بها وهي: ذكر القرطبي رحمه الله:

    أن الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم وأرضاهم- اجتمعوا يتدارسون القرآن، فقال الصديق رضي الله عنه وأرضاه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أرجى من قول الله: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء:84] ثم قال الصديق : فإن شاكلة العبد العصيان ولا يشاكل الرب إلا الغفران، أي: أن الله جل وعلا حقيق به أن يغفر كما أن العبد عرضة لأن يعصي الله جل وعلا.

    فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى أخره فلم أجد آيةً أرجى من قول الله: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:1-3] قال: إن الله قدم غفران الذنوب على قبول التوبة.

    قال عثمان رضي الله عنه: قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أجد آية أرجى من قول الله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر:49].

    وقال علي رضي الله عنه وأرضاه: وقرأت القرآن كله فلم أجد آية أرجى من قول الله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53].

    قال القرطبي رحمه الله بعد أن حكى هذا الخبر والأقوال الأربعة قال: وأنا -أي: القرطبي - أرجى آية في كتاب الله قول الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وأعتذر إن قصرت، وعفواً إن أطلت فما أردت إلا الخير ما استطعت.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.