إسلام ويب

القطوف الدانيةللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أمور كثيرة ينبغي الإطلاع عليها ومعرفتها، وهنا يذكر الشيخ قطوفاً دانية تشمل فوائد متفرقة، بعضها تتعلق بالعقيدة وبعضها بالتزكية وبعضها بالأمور الاجتماعية وآداب الصداقة، وبعضها متعلقة بالأدب والبلاغة..

    1.   

    دور الصحوة الإسلامية في نشر الوعي الديني

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اعترافاً بفضله وإذعاناً لأمره، وأشهد أن محمداً عبده المجتبى ونبيه المصطفى ورسوله المرتضى، سيد الأولين والآخرين، وأكرم الأنبياء والمرسلين، خصه ربه بالشفاعة العظمى، وعرج به ليلاً إلى سدرة المنتهى، فهو خليل الرحمن، ورسول الملك الديان، حظنا من النبيين ونحن حظه من الأمم، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم واتبع نهجهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هذا اللقاء الطيب المبارك الذي يتجدد أسبوعياً، ستكون هذه الليلة خاتمة مرحلته الثانية، ولذلك نقول:

    إن الصحوة الإسلامية المباركة التي امتد جذرها شرقي العالم وغربيه شماله وجنوبه صاحبها الكثير من المحاضرات والدروس العلمية النافعة، وهذه المحاضرات وتلك الدروس كانت في غالبها على منهجين:

    منها: دروس علمية بحتة، تعنى بشرح المتون، وبيان ما دونه أهل العلم في المطولات والمختصرات، وكانت تلك المحاضرات موجهة إلى طلبة العلم بصفة خاصة.

    والنوع الآخر: كان على هيئة محاضرات، وهذه المحاضرات أخذت في طبيعتها قسمين:

    منها: ما عنى بالجانب الفكري، ومنها: ما عنى بالجانب الوعظي، وفي كل خير.

    فأما الجانب الوعظي فقد نفع الله به كثيراً من عباد الله المؤمنين أحجم بتلك المواعظ عن كثير من المعاصي، وكانت سبباً في إقدامهم على كثير من الطاعات.

    كما أن المحاضرات التي عنيت بالجانب الفكري فتحت آفاقاً لدى الشباب خاصة، وسائر الناس عامة، وأسهمت إسهاماً كبيراً في أن يدرك المرء حال الأمة الإسلامية شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وهذا كله فضل من الله.

    ويمكن أن يدرج في ذلك أيضاً: ما نحاول أن ننتهج خطاه هذه الليلة، وهو أن يكون في المحاضرة شيء من التنويه، وذلك أن النفوس والقلوب مثل الأبدان، يصيبها الملل، ويصيبها التعب، فهذه القطوف الدانية التي نستعين الله جل وعلا في ارتجالنا هذه الليلة إنما المقصود منها أمور عدة:

    أولها وأجلها: الانتفاع العلمي مما يحصل به نيل الدرجتين في الدنيا والآخرة.

    والأمر الثاني: أن يجد المؤمن من أخيه زاداً علمياً وفكرياً وثقافياً يعيش به في حياته الدنيوية، وإن كان الباع قصيراً، والبضاعة مزجاة، لكن لو أن كل واحد منا سد ثغرة في حياة المؤمنين لسدت الثغرات جميعها.

    والأمر الثالث: أن الإنسان قد يحتاج في هذه الحياة إلى ما يطرد سأمه، ويذهب ملالته، وبخاصة عندما يلم به الحزن، أو يأتيه الكرب، أو ما إلى ذلك، فإن التسلي بأخبار الصادقين، وأنباء الأولين فيه شيء من التعزية للنفس، وفيه زاد لروح المؤمن وبدنه!

    من أجل هذا وغيره، كانت محاضرة هذه الليلة (القطوف الدانية) وهي أيها الأخ المؤمن إن لم تصل إلى الحد الذي تريده، فإن مثلك أهل لأن يعذر، ومثلنا بشر قابل لأن يخطئ فيعتذر!

    وستأخذ هذه القطوف عناوين متعددة على غرار النهج الأول الذي انتهجناه في الجزء الأول من القطوف الدانية.

    1.   

    من أخبار المهدي المنتظر

    عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي

    وأولى عناوين هذه القطوف المهدي المنتظر :

    وهذه مسألة عقدية، فإن الله جل وعلا جعل للساعة أشراطاً وعلامات وآيات منها آيات صغرى وآيات كبر، والمهدي المنتظر إحدى الآيات الكبرى، وقد خصصناه بالذكر لاختلاف الناس فيه، ما بين مخطئ في التعيين، ومخطئ في التصديق أو التكذيب.

    فالمهدي المنتظر في عقيدة أهل السنة والجماعة رجل من آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم يخرج في آخر الزمان اسمه واسم أبيه موافق لاسم محمد صلى الله عليه وسلم واسم أبيه، أي: أن اسمه محمد أو أحمد بن عبد الله .

    وهو عند أهل السنة من ذرية الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، فيقال في نسبه: محمد بن عبد الله العلوي الحسني الفاطمي .

    وجاء في صفاته عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه رجل أقنى الأنف أجلى الجبهة، ومعنى أجلى الجبهة: أن الشعر منحسر من جهة الصدغين عن جبهته، ومعنى أقنى الأنف أي: أن أرنبة أنفه طويلة مع شيء من الحدب، أي الميل.

    وهذا الرجل كما قال الحافظ ابن كثير وغيره يكون الدين في عهده ظاهراً، والسلطان قاهراً، والعدو راغماً، والخير قائماً، وتكون في عهده الثمار كثيرة، والأموال وفيرة، بل قيل: إن أهل الإسلام يحيون سبع سنين في حكم ذلك الرجل في أعم أمن ورخاء، كما ثبت ذلك عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.

    عقيدة الإمامية في المهدي

    والناس في هذا الرجل طوائف عدة:

    فمنهم: أهل السنة وقد بينا مذهبهم ومنهجهم آنفاً.

    ومنهم: الشيعة الإمامية، وهؤلاء طائفة ينعتون بالإثني عشرية فـالمهدي المنتظر عندهم هو آخر الأئمة، ومعلوم أن الشيعة الإثني عشرية، عندهم اثنا عشر إماماً يقولون فيهم أقوالاً لا تقبل، إلا أن من تلك الأقوال أن هذا المهدي يخرج في آخر الزمان وهو عندهم الآن في سرداب في (سر من رأى) وهو عندهم كذلك من ذرية الحسين بن علي لا من ذرية الحسن، وفي ظنهم أنه غائب عن الأبصار حاضر في الأمصار، ويخرج من ذلك السرداب بعد أن يكون قد قضى فيه آلاف السنين وهو على عددهم وحسابهم قد قضى فيه إلى الآن ألفاً ومائة عام؛ لأن غيابه كان في عهد الدولة العباسية، فهذا اعتقاد الشيعة الإثني عشرية فيه.

    عقيدة الكيسانية في المهدي

    وهناك طائفة أخرى من الشيعة تنعت بالكيسانية، وهؤلاء عندهم مهدي غائب مثل غيرهم، وينتظرون خروجه، إلا أنهم يقولون: إن اسمه محمد بن الحنفية ، وهذا يقولون: إنه موجود الآن في جبال الحجاز الغربية المسماة بجبال رضوى، فيقولون: إنه في كهف من كهوفها، وعندهم أو غالب ظنهم أن عنده عسلاً وماء يشرب منهما، ويحرسه أسد أو ذئب.

    وهذه الأقوال تمجها عقول الصبيان، ويضحك منها كل من لديه عقل؛ لأن هذا لا يقوم عليه دليل واضح، ولا حجة ظاهرة، ولا خبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.

    وفي ذلك يقول كثير عزة وهو أحد المنتسبين إلى هذه الفرقة:

    ألا إن الأئمة من قريش حماة الدين أربعة سواء

    علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء

    فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء

    وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء

    تغيب لا يُرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء

    فهو يزعم أن الأئمة أربعة فقط: علي رضي الله تعالى عنه، والثلاثة من بنيه، فـالحسن، والحسين ، ومحمد بن الحنفية الذين يعتقدون الآن أنه في جبال رضوى.

    فأما قوله: إن علياً إمام فهذا حق نؤمن به وندين الله به.

    وأما قوله: إن السبط الأول سبط إيمان وبر، فهذا حق، وإن قال به كثير فإن الحسن رضي الله تعالى عنه مشهود له بالجنة.

    وأما قوله: وسبط غيبته كربلاء -يعني: الحسين بن علي - فنشهد كذلك بأن الحسين إمام من أئمة المسلمين، وصحابي له قرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حباً جماً، وشهد له عليه الصلاة والسلام بالجنة، وأخبر أنه وأخاه ريحانتاه صلى الله عليه وسلم من الدنيا.

    أما قوله:

    وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء

    فهذا هو الباطل بعينه، فإن محمداً هذا قد مات، وفاضت روحه إلى الله، وأصابه ما يصيب الناس جميعاً من فناء وموت، وهو يحيا الآن كسائر العباد حياة برزخية الله أعلم بها، أما أن يقال أنه موجود في جبال رضوى، وأنه سيخرج، فهذا هو الباطل، أو هو الهراء بعينه.

    قول العصرانيين في المهدي والرد عليهم

    بقي قول آخر في المهدي المنتظر ، وهو قول بعض المنتسبين إلى أهل السنة، وأغلبهم من العلماء المعاصرين، فهؤلاء يقولون: إنه لا حقيقة وجودية للمهدي المنتظر ، وحجتهم في ذلك أن أحاديث المهدي ليست موجودة في الصحيحين بالاسم الصريح، وإنما غالبها في السنن، أو في صحيح ابن حبان ، أو في مسند أحمد ، أو في غيرها من كتب السنة.

    والرد على هذا من وجوه عدة:

    أولها: أنه لم يقل أحد من أهل العلم إن أحاديث المعصوم صلى الله عليه وسلم الصحيحة محصورة في الصحيحين، فإن كل ما في الصحيحين صحيح، لكن يوجد الصحيح كذلك في غيرهما، في كتب السنن، أو في كتب الحديث غير الكتب الستة.

    والأمر الثاني: أن جمعاً من محققي أهل العلم أثبتوا أن أحاديث المهدي المنتظر منقولة للأمة تواتراً معنوياً لا يمكن رده بأي حال من الأحوال، وممن نص على هذا من علماء العصر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز .

    بل إن أهل العلم اجتهدوا في تأليف رسائل خاصة يردون فيها على من زعم أنه لم يصح خبر في أحاديث المهدي المنتظر ومنهم العلامة الشيخ عبد المحسن العباد ، فإنه ألف كتاباً رد فيه على المشككين في صحة أحاديث المهدي، وبين من خلال التحقيق العلمي الموثوق أن ستة وعشرين صحابياً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رووا أحاديث المهدي ، وأن أكثر من ستة وثلاثين مصنفاً من مصنفات الأحاديث ذكرت أحاديث المهدي .

    وهذا فيه رد على الحجج الواهية للعلامة ابن خلدون في كتابه الشهير: ديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والبربر ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر والذي ألمح فيه عفا الله عنه إلى تضعيف أحاديث المهدي المنتظر دون أن يصرح بذلك، ومعلوم أن ابن خلدون على جلالة قدره وعلمه في التاريخ ليس من فرسان الحديث، وليس له باع طويل في معرفة صحيح الأحاديث من ضعيفها.

    فعلى هذا يقال بعد هذا القول المجمل كله: إن المهدي المنتظر رجل من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخرج قطعاً في آخر الزمان، وخروجه إحدى آيات وعلامات الساعة الكبرى، وإنه مما يكرمه الله ويخصه به أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وهو من أولي العزم من الرسل يصلي خلفه، قال عليه الصلاة والسلام: (إن منا لمن يصلي عيسى بن مريم خلفه تكرمة من الله لهذه الأمة) وهذا حديث مقطوع بصحته، فهذا مجمل ما أردنا بيانه في المهدي المنتظر .

    ولكونه شخصاً مرغوباً فقد تسمى كثير من الخلفاء والسلاطين من أهل الحق ومن أهل الباطل إلى هذا العصر بلقب المهدي، كلهم يؤمل أو يتفاءل بأن يكون هو المهدي، ولعل من أشهرهم وأظهرهم المهدي العباسي، ولعل من أسوئهم وأبطرهم أحد حكام القرامطة الباطنيين، فإنه زعم أنه المهدي المنتظر، لكن ذلك فيما يظهر لم يحن بعد، وسيأذن الله جل وعلا به يوماً من الدهر كما أخبر الصادق المصدوق والنبي المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    من جوامع الدعاء

    فضل الدعاء

    القطوف الثانية من جوامع الدعاء:

    الدعاء منة من الله جل وعلا على عباده المؤمنين، وذلك أن الاستكانة والذل بين يدي الله جل وعلا ودعائه هو كنه العبادة ولبها، قال ربنا جل جلاله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    فأنبأ الله جل جلاله أن الدعاء هو العبادة، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدعاء هو العبادة(.

    فدعاء الله جل وعلا ينبئ عن تعلق به، ولذلك كان دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شركاً أكبر مخرجاً من الملة.

    قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف:5].

    وحرم الله على عباده دعاء غيره، بل إن دعاء غير الله هو الشرك بعينه، وهو أعظم المحرمات على الإطلاق، ولذلك كان الداء الأكبر في كفار قريش أنهم كانوا يشركون مع الله في دعائه أحداً غيره.

    ولذلك كان من أعظم صفات المؤمنين الخلص: أنهم لا يدعون إلا ربهم، ولا يشكون ولا يؤوبون إلا إليه، لعلمهم ويقينهم أنه ليس بيد أحد ضر ولا نفع إلا الله جل وعلا، قال الله تبارك وتعالى يخبر عن ذاته العلية: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].

    سنبين ثلاثة أدعية منصوصاً عليها في الكتاب الكريم، وهي من أعظم جوامع الدعاء وأبلغه:

    من جوامع الدعاء (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)

    أما أولها: فقول الله جل وعلا في نعته لعباده المؤمنين عندما يفيضون من عرفات إلى مزدلفة: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:200-201].

    فهذا من أعظم جوامع الدعاء وأبلغه.

    وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كثيراً ما يدعو به، بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا طاف بالبيت العتيق، وأضحى بين الركنين اليمانيين -الركن اليماني والحجر الأسود- دعا صلى الله عليه وسلم بنص هذه الآية: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    وأنت أيها المؤمن إذا تأملت هذا الدعاء وجدت أنه دعاء جامع، وذلك لأمور:

    الأول: أنه قصير، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه جوامع الكلم الموجزة، وقد أوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم.

    الأمر الثاني: أنه جمع بين خيري الدنيا والآخرة، وكذلك المؤمنون إنما يدعون ربهم بخيري الدنيا والآخرة.

    ومن آتاه الله في الدنيا حسنة فمعناه أنه أحياه الحياة الطيبة، ومن آتاه الله في الآخرة حسنة فمعناه أنه زحزح عن النار وأدخل الجنة، وذلك هو الفوز العظيم التي كانت وما زالت قلوب المؤمنين تنشده وتطلبه.

    من جوامع الدعاء (ربنا إننا ظلمنا أنفسنا ..إلخ)

    الدعاء الثاني: قول الله جل وعلا على لسان الأبوين -آدم وحواء - لما أهبطا إلى الأرض وأخرجا من الجنة، وكان قد وقع منهما ذلك العصيان الذي أنبأ الله به بقوله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] فعلم الله جل وعلا آدم كلمات حتى يعود إليه، ويتوب الله جل وعلا عليه، وقد ذكر بعض أهل العلم أن تلك الكلمات هن الدعاء الذي نص الله جل وعلا عليه في سورة الأعراف يوم قال جل ذكره على لسان الأبوين آدم وحواء : قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    فهذا من أعظم الدعاء وأجمعه، وفيه من الذل ما هو ظاهر جلي، وواضح لا يحتاج إلى بيان، فإن فيه إخباراً بالمسكنة وظلم النفس، وفيه بيان أن الغوث والعون إنما يكون من الله وحده، وهذا نص قولهما: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    فالإنسان إن لم تتداركه رحمة الله ولم تنله رحمة الله أضحى في الخسران المبين، والضلال الواضح، ولذلك حري بالمؤمن أن يكون في دعائه ما ينبئ عن عظيم تعلقه بالله، وعلمه أن الفضل كله بيد الله وحده يؤتيه من يشاء، ألا ترى يا أخي إلى دعاء موسى يوم سقى الفتاتين فقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24] فإنه أظهر ذله وفقره إلى علام الغيوب، وغفار الذنوب جل جلاله، والإنسان إذا أظهر إلى الله شدة فقره، واستزاد من الله النعم، أفاء الله جل وعلا عليه من العطايا، وآتاه تبارك وتعالى من المزايا.

    من جوامع الدعاء دعاء امرأة فرعون

    الدعاء الثالث: في جوامع الدعاء ما ذكره الله تبارك وتعالى على لسان تلك المرأة الصالحة الصادقة آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، فهذه المرأة عاشت في قصر كفري كان صاحبه ومالكه -وزوجها في نفس الوقت- رجلاً يزعم أنه الرب الأعلى قال تعالى: فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] وأي: ذنب وجرم بعد ذلك؟

    ومع ذلك فإن الله إذا أراد بعبد خيراً، وأراد له فضلاً ومزية، لم تمنع الله عن ذلك الحجب، ولم تمنع الله عن ذلك الجن، ولم تمنع الله عن ذلك السلاطين، فدخل الإيمان في سويداء قلب هذه المرأة العظيمة المؤمنة، رغم أنها تسكن في قصر لا يوحد فيه إلا فرعون، ولا يأمر فيه إلا فرعون، ولا ينهى فيه إلا فرعون، لكن لما تملكها الإيمان بطل كل من حولها.

    وقد قال بعض أهل العلم: أن إيمان امرأة فرعون إنما كان بسبب تلك المرأة الماشطة!

    وماشطة امرأة فرعون ورد عنها حديث صححه بعض أهل العلم ونكاد نجزم بصحته: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به مر بالسموات السبع فكأنه شم ريحاً طيبة، فقال لجبريل : ما هذا؟ أو ما هذه الريح الطيبة؟ قال: هذه ريح ماشطة ابنة فرعون ، فقال صلى الله عليه وسلم: وما ماشطة ابنة فرعون ؟ قال: إن ماشطة ابنة فرعون كانت تمشط لـابنة فرعون شعرها، فسقط المشط من يدها، فهمت لتتناوله وقالت: باسم الله. فقالت بنت فرعون: وما الله؟ قالت: ربي. قالت: ألك رب غير أبي؟ قالت: نعم. ربي وربك ورب أبيك الله فقالت الفتاة: لأخبرن أبي. قالت: أخبريه. فأخبرت أباها. فلما وضعها فرعون بين يديه قال لها: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله!

    فأمر بنقرة من نحاس أن تحمى وأمر بزيت يصب فيها، وأمر بأن ترمى فيه فقالت له: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع بين عظامي وعظام أبنائي فقال: ذاك لك لما لك علينا من الحق، فأخذ يرمي أبناءها على مرأى من عينيها واحداً بعد الآخر حتى بقي الرابع فقال: يا أماه! اصبري فإنك على الحق) .

    فهذه المرأة العظيمة كانت سبباً -على ما نص عليه بعض أهل العلم- في إيمان امرأة فرعون، وامرأة فرعون لما كان يخرج بها لتعذب كان الله جل وعلا يريها منزلها في الجنة، فكانت تقول كما أخبر العلي الكبير عنها: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11].

    وتأمل أيها المؤمن هذا الدعاء: إن العرب جرت العادة من كلامهم أن تقدم الفعل ثم الفاعل ثم المفعول به، ثم الباقي من مكملات الجملة، ولكنك إذا تأملت قولة امرأة فرعون تجد أنها قدمت مكملات الجملة على المفعول به: قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11] ولم تقل: رب ابن لي بيتاً عندك.

    قال العلماء: اختارت الجار جل جلاله قبل أن تختار الدار، فجوار الله جل وعلا أعظم مما سواه، ومنزلته وهي الجنة أعظم ما طلبه المؤمنون من ربهم، فقولها هذا -رحمة الله تعالى عليها ورضي الله عنها- قول بليغ في الدعاء، وحري بكل مؤمن، ومؤمنة أن يكون من دعائه الذي يبتهل به إلى الله جل وعلا أن يدعو بهذا الدعاء: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11].

    أما القول: وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ [التحريم:11]، فهذا ليس بموجود، فدعاء الله به في هذا الوقت من الاعتداء في الدعاء.

    ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل الله جل وعلا أموراً لا توافق الحال، أو يسأل الله جل وعلا أموراً أخبر الله أنها لم تكن.

    فمثلاً: أخبر الله جل وعلا أنه حرم الجنة على الكفار، فلو أن رجلاً يحب أحداً من أهل الكفر -أبيه أو أخيه قريبه أو ما إلى ذلك- وقد مات على الكفر الصريح، فلا يجوز شرعاً أن يقول: اللهم اغفر لفلان، وهو يعلم أنه كافر كفراً أكبر لا تأويل فيه، ولا خلاف بين أهل العلم فيه؛ لأن هذا مما لا يقع أبداً.

    أو كأن يقول رجل: اللهم اجعلني نبياً، فإذا سألته قال: أليس الله على كل شيء قدير؟

    نقول: بلى. إن الله على كل شيء قدير، ولكن الله أخبر أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] فسؤال الله النبوة بعد إخبار الله بختمها يعد من الدعاء الذي نص الله على حرمته، قال الله جل وعلا: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف:56].

    وقال الله تبارك وتعالى: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55] أي: الذين يعتدون في دعائهم كما بينا.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    من معاني الصداقة

    القطوف الثالثة: من معاني الصداقة.

    وهذا جانب يعنى بحال كثير من الناس رجالاً ونساءً، وبحال الكثير من الشباب اليوم.

    الإنسان بطبعه من الصعب والمشقة عليه أن يعيش وحيداً فريداً، فلابد له من خلة، ولابد له من خلطاء، ولابد له من أصدقاء، ولابد من أصحاب، وهذا أمر شائع ذائع يعرفه الصغير والكبير، إلا أن الناس من خلال استقرائهم للدهر ومعرفة الأيام زعم الكثير منهم أنه لا يوجد في الدنيا صديق وفي، بل إن العرب كانت ترى أن الصديق الوفي أمر مستحيل، فنسمع اليوم في خلال تعبيرات الناس أنهم يقولون: ثالث المستحيلات سابع المستحيلات، وما إلى ذلك!!

    المستحيلات المنصوص عليها ثلاث:

    الغول، والعنقاء، والخل الوفي.

    فالعرب تقول: إن الغول شيء يخوف به، وليس له وجود.

    والعنقاء طائر يخوف به، وليس له وجود.

    والخل الوفي: شيء يتمناه كل إنسان وهو غير موجود؛ وانظر إلى قول أحدهم:

    لما رأيت بني الزمان وما بهم خل وفي للشدائد أصطفي

    فعلمت أن المستحيل ثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي

    فهم يزعمون أنه لا يوجد خل وفي، وهذا في ظننا بعيد، وأعظم دلالة على بطلانه: صداقة النبي وصحبته لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه تلك الصحبة التي شهد الله بها، قال الله جل وعلا: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

    وصداقته صلى الله عليه وسلم لـعمر وغيره من الصحابة.

    ويوجد في واقع الناس اليوم كثير من الخلطاء الصالحين، ونحن نريد أن نبين بعض الوصايا لمن تكون بينهم صداقة ومحبة ومودة، لعل الله أن ينفع بها:

    الوصية الأولى في الصداقة

    أول تلك الوصايا: أن يعلم أن كل صداقة ومودة ومحبة لا تقوم على أساس ديني مرتبط بالله جل وعلا، فإنها لابد أن تنتهي وتتلاشى ذات يوم، وإن بقيت فإنها لا تنفع في الآخرة في شيء، قال الله جل وعلا: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]، فكل الأخلاء والأصدقاء والأصحاب يكونون يوم القيامة أعداءً لبعض، إلا من كانت صداقته مبنية على التقوى، والمتحابون في جلال الله يظلهم الله جل وعلا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما في حديث أبي هريرة : (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) .

    وينادى يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؟) إلى غير ذلك مما هو مستفيض معروف في بيان فضل المحبة في الله جل وعلا.

    الوصية الثانية في الصداقة

    الوصية الثانية: إذا أنشأ الله بينك وبين أحد إخوانك صداقة ومودة ومحبة، فاعلم أنها قد تزول ذات يوم، إما لعارض منك، وإما لعارض منه، وإما لعارض لا تملكه أنت ولا هو كالرحيل والسفر، أو تبدل الأيام، أو ما إلى ذلك مما يصعب حصره.

    لكن ما واجبك بعد أن يتغير الود وتتبدل المحبة؟ فإنه لابد قطعاً أن يكون قد مضى فيما بينكما أيام القرب والوصال والمحبة والوئام أسرار، وسفر ورحيل، وشيء من الهنات والزلات والأمور التي لا مفر منها، فإنك لا تخلو من أن تكون أحد رجلين:

    إما رجل يمشي ويحدث بما كان في أخيه من أخطاء، وهذا أمر لا يليق بالأحرار، ولا يليق بالشرفاء، ولا يليق بذوي المعدن الأصيل من الناس.

    وإما أن تمشي وتحدث بأحسن ما سمعت من أخيك، وأحسن ما رأيت من صحبته، وأجمل ما لقيت من خلته، فهذا هو طبع الأحرار، وهذا هو دأب الشرفاء، وهذا هو نعت الأبرار.

    إن الكريم إذا تغير وده ستر القبيح وأظهر الإحسانا

    إن كان ولابد أن تخبر فلا تخبر إلا بما هو خير، لكن أن يذكر خليلك السابق، أو صديقك الماضي في مجلس، وتبطن على ما قيل فيه من عثرات، أو تثبت على ما هو فيه من أخطاء، فإن هذا يجمع بين الغيبة -وهي محرمة شرعاً- ولؤم الطبع، وحري بي وبك أن ننأى بأنفسنا على أن نكون من اللئام!

    فهذا أمر ينبغي للأخ المؤمن أن يجتنبه كل الاجتناب، ولا يحدث عن إخوانه المؤمنين إلا بأمر حسن.

    الوصية الثالثة في الصداقة

    ثالثة الوصايا: اعلم أن الود والمحبة ليس من شرائطه الالتزام الكامل، فبعض الشباب إنما يقيس محبة أخيه له بمدى تعلقه به وغدوه ورواحه معه، فإما أن تكون معي أربعاً وعشرين ساعة، وإلا فإنك لست خليلاً ولا محباً، بل تكون شخصاً مبغضاً.

    فنقول: إنه لا يخلو كل فرد من خاصة في نفسه، وانقطاع إلى أهله، وشئون يحب أن يقضيها بمفرده، فأعط أخاك المؤمن فرصة في أن يبقى في بعض أوقاته وحيداً دون أن تكثر عليه من الغدو والرواح، ولا تظنن يوماً من الدهر أن غدوك ورواحك وانقطاعك إليه ساعات كثيرة متواصلة هو السبب في أن يكون محباً لك، إن من لم تغرس لك المحبة في قلبه لن يغرسها غدوك ورواحك، فإن حياة القلوب غير حياة الأبدان.

    وقد زعموا أن المحب إذا دنا تسلى وأن القرب أوهن للود

    ولكن تدانينا فلم يشف ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد

    على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود

    فلو ألصقت بيتك ببيته، وجعلت له مكاناً ثابتاً في سيارتك، ولكن ليس لك في قلبه محبة أو مودة أو مكانة، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً.

    الوصية الرابعة في الصداقة

    الوصية الرابعة: وقد تكون لشباب الصحوة خاصة.

    الله جل وعلا نشر العلم على ألسنة كثير من العلماء والدعاة، وأولي الفضل، وغرس الله لهؤلاء العلماء والدعاة وأولي الفضل محبة في الصدور، فقد تحب من لا أحبه، وقد أحب أنا من لا تحبه أنت، فلا يكون هذا الاختلاف سبباً للخلاف بيننا، أي: فإما أن يكون شيخك شيخي، أو شيخي شيخك، وإلا افترقنا، فهذا من الجهل المنتشر بين الناس.

    فقد تجد الرجل يعجب بأخيه، ويفرح بوده، ويثني عليه من كريم صفاته، وجميل معدنه، وعظيم خلته، وما فيه من عطاء وأريحية وشهامة ونخوة، فلماذا تبغضه؟ قال: إنه يحب فلاناً من العلماء، أو يود فلاناً من الدعاة، أو يميل إلى فلان.

    وليس من شروط محبتك للناس أن تأسر قلوبهم، وتقيد فكرهم، وتحبس ألسنتهم، فلا يقولون إلا ما تريد، هذا أمر مفتوح كل من الناس يقتنع بزيد أو بعمرو، أو يحب فلاناً، أو لا يحب فلاناً، اللهم إلا إن رأيت فيمن أحبه خطأً ظاهراً واضحاً لا يقبل التردد، فعندئذ تذكره من باب النصيحة فقط، لكن ليس لك ولا لغيرك باب الإلزام أبداً أياً كان ذلك الشخص المحبوب، إلا أن يكون ذلك الشخص المحبوب كافراً، فإن هذا من الولاء غير الشرعي الذي لا يجوز إقراره بأي حال من الأحوال.

    الوصية الخامسة في الصداقة

    الوصية الخامسة: أن الصحوة قد صاحبها خلاف فقهي، ومعلوم أن الاختلاف في الفروع الفقهية جائز، فكون شخص من الناس يتبنى مسألة فقهية ويعتقدها ويدين الله بها، بينما لا تتبناها أنت، أو لا تراها، فليس هذا موجباً للبغضاء، ولا موجباً للعداوة، ولا موجباً لانقطاع الخلة.

    قيل: إن الشافعي رحمة الله تعالى عليه جادل في مسألة علمية المحدث الشهير إسحاق بن راهويه ، فكان الشافعي يرى أمراً، وإسحاق يرى أمراً آخر، فجلسا للمجادلة، فلما قاما اقتنع إسحاق برأي الشافعي ، واقتنع الشافعي برأي إسحاق ، فمضيا مختلفين كما بدآ؛ لكن التجرد لله جعل كلاً منهما يقبل الحق من أخيه!

    فلا يضرك أن تمشي مع إنسان لا يرى أن تارك الصلاة كافر، فمثلاً: قضية كفر تارك الصلاة الحق الشرعي الذي ندين الله به أنها مسألة خلافية، وليس هناك إجماع بين أهل العلم عليه، فالذين قالوا بأن تارك الصلاة كافر لهم أدلة، والذين قالوا إن تارك الصلاة لا يكفر لهم أدلة ظاهرة واضحة، ويكفيهم دليلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي سعيد الخدري : (وعزتي وجلالي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله) .

    وليس هذا موطن الفصل في هذا الأمر، ولكن موطن الفصل: أن طائفة من أهل العلم كـالشافعي ، وأبي حنيفة ، ومالك قالوا: بأن تارك الصلاة لا يكفر، وذهب أحمد وغيره من أئمة الحديث إلى أن تارك الصلاة يكفر.

    فكون أخيك المؤمن تبنى رأياً من أحد هذين الرأيين ليس موجباً للقطيعة!

    ومنها: هل في حلي المرأة زكاة أو لا؟

    هذه مسألة خلافية معروفة، فكون الرجل يرى هذا الرأي، أو لا يراه لا يقدح في خلته، ولا يقدح في إمامته، ولا يقدح في منصبه الديني.

    وكذلك كون الرجل يسمع أناشيد أو لا يسمع، فالأناشيد حسنها حسن، وباطلها باطل، فمن أهل العلم من خاف على الأمة أن تغرق في الأغاني فرأى أنها أقرب إلى الحرمة، ومن أهل العلم من قال إن الحق مع أصحاب الأصل، والأصل هو: الإباحة، ولم يقم دليل شرعي ثابت على أنها حرام، فلا يرى بأساً في سماعها، فمن السفه أن يكون هذا موطن خلاف، بل إنني أجزم أنه من نزغات الشيطان أن يكون هذا الأمر موجباً للخلاف.

    قلت لأحد الناس: ألا تسافر مع فلان؟ قال: أعوذ بالله! ولا أعرف منهما إلا الفضل، فتعجبت لم؟

    قال: فلان يسمع أناشيد. قلت: وأنت؟ قال: أنا لا أسمعها.

    قلت: اعلم مبدئياً أن لكل منكما دليلاً، ولكن لا يمنعه ذاك من أن يصحبك، ولا يمنعك من أن تصحبه في سفره، فهذا من نزغات الشيطان، إذا كنا نتعادى في أمور كهذه ونختلف، ونتفرق بأنفسنا، فما يكون حال فيمن لا يقول لا إله إلا الله، إذا سلم منه أهل الكفر، وأهل الملل الباطلة، والعقائد الفاسدة، من جزم الله بكفرهم إن بقوا على ما هم عليه، وتفرغنا لزيد وعمرو مما يأتينا بمسألة فقهية.

    ولو فرضنا أن صاحبك تخلى عن مبدئه وقال بقولك، فهل هذا يرفع الخلاف في الأمة؟

    الجواب: لا يرفع الخلاف.

    الآن لو أتى أعلم أهل الأرض مثل سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز فرجع عن قول من أقواله، فهل رجوع الشيخ اليوم عن قول من أقواله سيرفع الخلاف في الأمة كلها؟

    الجواب: لا الشيخ عبد العزيز ولا غيره يقول بهذا، فإن الخلاف مضى وانتهى، ودون في كتب، فليس قول أحد اليوم بمزيل لذلك الخلاف.

    فالأمر أهون وأقل شأناً من أن نتعادى وأن نتباغض فيه، وأن نجعله موهناً للأخوة، وأن نجعله سبباً للتفكك، وسبباً للقدح، إن هذه الألسنة يجب أن تقول الحق أو تسكت، قال صلى الله عليه وسلم: (قل خيراً أو اصمت) .

    ولذلك فإن القدح في العلماء من أعظم ما يجلب الحسرات، وتذرف من أجله الدموع، وقد ينعت أحد العلماء بقول قائل: فلان عالم شهير، لكنه لا يدرك فقه الواقع، أو لا يعلم عن فلان وفلان شيئاً. وهذا من الجهل بعينه، وهل يلزم من العلم الشرعي أن يكون الإنسان عالماً بكل الناس؟ هذا مستحيل! والله لا يوجد أحد يعلم جميع الناس.

    وحتى يكون الأمر أوضح فقد قال الله جل وعلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ [التوبة:101].

    قال الإمام الذهبي رحمة الله تعالى عليه: إذا كان نبي الأمة قد خفي عليه حال أقوام في مدينته، فما يضير العالم إن خفي عليه أحوال أقوام في دولته، أو في بلده، أو في العالم الإسلامي كله، ليس هذا بقادح شرعي، متى كانت مثل هذه الأمور سبباً في أن يقدح في أولئك العلماء، أو أن يقلل من مناصبهم الدينية والشرعية، وما أفاء الله عليهم من علم شرعي.

    واعلم أنه لا يوجد أحد في الذين غبروا ومضوا، ولا في الحاليين، ولن يكون بعدهم رجل يعرف أحوال الناس كلهم فرداً فرداً، فيعرف أن هذا على حق، وهذا على باطل، هذا ما كان لنبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وهو في المقام الرفيع والعصمة المعروفة، ووحي الله تعالى إليه، فلن يكون إذاً لغيره كائناً من كان!

    كذلك مما نوصي به في قضية الصداقة أن يكون صديقك أحرى الناس بفضلك، وأولى الناس ببشاشتك.

    بعض الناس لين القول سليم الصدر لمن حوله من بعيد، لكن إذا جلس في مجلس لا يجد أحداً يخطئ عليه، ويقلل من شأنه، ويمزح معه أكثر من اللازم -بالتعبير العامي- إلا صديقه، فيقول: لم تأخرت يا فلان؟ ويقول: هذا الذي ما جاءني إلا الساعة الخامسة!

    فنقول: هذا الوحيد الذي أكرمك ومر عليك، فإن كان في إنكارك حق فامدح به الذي مر عليك، يعني: جميع الحاضرين ليس فيهم أحد مر عليك، فتأتي إلى رجل كان سبباً في وصولك، واستعمل سيارته في خدمتك، فتلومه وتعتب عليه، وتفضحه على رءوس الأشهاد، إذا كان الإنسان القريب منك ينال عثرة، فمن ينال -إذاً- خيرك وفضلك، ومن ينال ما فيك من خصال طيبة، وصفات حسنة!

    فليكن إحسانك وإكرامك لطريقك، واعلم يا أخي أنك إذا أكرمت أخاك وصديقك على ملأ من الناس أكرمك الناس وأكرموا صديقك، وإن أهنت صديقك فلن يبقى لصديقك توقير ومكانة بين الناس؛ لأنهم يقولون بلسان الحال والمقال: لو كان فيه خير لعرفه من يصاحبه، لعرفه من يؤاخيه، لعرفه من يغدو ويروح معه.

    وأن تذم خليلك وصديقك بين الناس، هذا والله هو الجهل بعينه، بل إذا قدم إليكما فنجان قهوة، فمن باب الإظهار للناس أنك تعزه وتكرمه فلا تأخذه قبله، ولو من باب الإيماء والإشارة.

    وإذا سُئلت مع من تذهب فليكن من قدم معك أولى الناس بأن تختاره، أما أن يجعل الإنسان صديقه المقرب الذي يأوي إليه بعد الله جل وعلا بعيداً عنه في الناس فما فائدة أن يمدحه في الخلاء ويذمه على الملأ؟ هذا لا يقبله أحد.

    1.   

    منزلة الشعر العربي وأغراضه

    منزلة الشعر عند العرب

    القطوف الرابعة: الشعر:

    الشعر عرفته العرب في جاهليتها وإسلامها وإلى اليوم، وقد نقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمى الشعر: ديوان العرب، وقد كانت العرب في جاهليتها لاعتنائها بهذا الأمر تقيم أسواقاً يتنافسون بها في الأشعار، والخطب والأمور الأدبية، ومن أشهر أسواقهم كما هو معروف عكاظ والمجنة، وذي المجاز، فكان الشعراء والخطباء يقولون فيها ما يحفظونه وما ألفوه من شعر ونثر، وقد بلغ عنايتهم بهذا الأمر أن ما ظهر وبرز من شعرهم كانوا يكتبونه بماء الذهب، ويعلقونه على الكعبة، ومن ذلك ما نعت وسمي بالمعلقات.

    والشعر العربي له بحور تسمى بحور شعرية، وهي ستة عشر بحراً شعرياً، أول من صنف فيها وبوبها وأبانها وأظهرها للناس العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمة الله تعالى عليه.

    وكان هذا الرجل على قدر كبير من الذكاء، فإنه مر بسوق النخاسين ممن يعملون في النحاس، فأخذ ينظر إلى النغمات النحاسية الصادرة عنها، فقرنها بشعر العرب، فكان أن ألف علماً استجده وهو علم العروض، حتى أنه كان يذهب يقطع الأبيات الشعرية في بيته، فرآه ولده، فظن أن فيه مسّاً من الجنون، فأخبر أهله بأن أباهم قد جن، فقال الخليل رحمة الله تعالى عليه وكونه قد بلغ من العلم والفضل ما بلغ:

    لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أجهل ما تقول عذلتك

    لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتك

    أي: لو كنت تدري ما أصنع لما لمتني، ولو كنت لا أعلم أنك جاهل للمتك، لكن جهلت أنت ما أعلم فلمتني، وعلمت أنك لا تعلم فعذرتك!

    الشاهد: هذه القصائد الشعرية تسمى عند العرب بالشعر الغنائي، وليس معنى قولهم: (الشعر الغنائي) أنه يغنى، ولكن عندهم شعر غنائي هو الشعر الذي تعرفونه، وعندهم شعر قصصي وهو ما يكون على هيئة قصة، والشعر المسرحي -وهذا حديث- وهو ما يكون على هيئة مسرحية، وشعر يكون أحياناً على هيئة مطولات.

    والذي يعنينا منها الشعر الغنائي الذي عرفته العرب، ولكون الشعر ذا منزلة عظيمة عند العرب بين الله أن كتابه المبين الذي نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليس من الشعر في شيء، حتى لا يظن العرب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاعراً كما زعموا، قال الله جل ذكره: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:69-70].

    مدح الفرزدق لزين العابدين

    وللشعر أغراض، فمنه شعر الغزل بقسميه العذري والإباحي، ومنه المدح، ومنه الرثاء، ومنه الوصف، ومنه الحكمة وما إلى ذلك، ولعل من أظهره عندهم شعر المدح، ولا ريب أنه إذا كان الممدوح عظيماً والشاعر متمكناً، كان ذلك أقوى في أن تكون القصيدة مقبولة عند الناس، لكن إذا كان الممدوح دون حق المدح، فإن القصيدة لابد أن يظهر فيها شيء من الجناس، وهذا أمر معروف مشتهر.

    ومن أشهر قصائدهم في المدح في عصر بني أمية مثلاً: أن هشام بن عبد الملك رحمة الله تعالى عليه خليفة المؤمنين المعروف حج ذات مرة، ويظهر أنه حج في عهد أبيه عبد الملك بن مروان ، فلما أراد أن يقبل الحجر الأسود وكان الناس لا يعرفونه لم يفسح له أحد المجال، فقبله على زحمة من الناس ثم مضى إلى جانب الكعبة، فجاء زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فلما أراد أن يقبل الحجر عرفه الناس، فانزاحوا عنه وأفسحوا له الطريق حتى قبل الحجر، فلما رأى ذلك هشام أراد أن يصرف وجوه أهل الشام عن زين العابدين علي فقال من باب التهكم -وهو يعرف زين العابدين- قال: من هذا؟ يريد أن يبين أن هذه شخصية نكرة من النكرات، فكان من سوء حظ هشام أن الفرزدق كان موجوداً عند البيت، فارتجل تلك القصيدة التي يمدح بها زين العابدين قال:

    هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

    هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا النقي التقي الطاهر العلم

    وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم

    كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم

    سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم

    ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم

    مشتقة من رسول الله نبعته طابت مغارسه والخيم والشيم

    هذا ابن فاطمة إن كنت تجهله بجده أنبياء الله قد ختموا

    إلى آخر ما قال رحمة الله تعالى عليه.

    فلما قالها انصرفت وجوه الناس من هشام إلى زين العابدين بن علي ، وكانت تلك القصيدة سبباً في أن هشاماً سجن الفرزدق ؛ لأنه مدح زين العابدين علي على ملأ من الناس.

    مدح حسان لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    على أنه ما مدح أحد أعظم من رسولنا صلى الله عليه وسلم، وذلك أن شخصيته عليه الصلاة والسلام أهل لأن تمدح، فإن الله جمع الكمال البشري كله في شخصية هذا النبي العظيم صلوات الله وسلامه عليه، قال حسان :

    فما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد

    ونقل عن حسان قوله في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    وأجمل منك لم تر قط عيني وأعظم منك لم تلد النساء

    خلقت مبرأً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء

    صلوات الله وسلامه عليه.

    مدح شوقي للرسول صلى الله عليه وسلم

    وممن مدح النبي عليه الصلاة والسلام في عصرنا الحاضر أمير الشعراء شوقي ، وكان شوقي -والحق يقال- قد أوتي فصاحة وبلاغة شعرية كتابية، أما لفظياً فإن شوقي لم ينقل عنه أبداً أنه يلقي قصائده على الناس، بل إنه كان يأمر غيره أن يقرأها على الناس، والذي أحفظه من شعره أن شوقي لم يقرأ إلا قصيدة واحدة من قصائده ارتجلها لعدم وجود القائل، أما غيرها فقد كان غيره من الناس يقرؤها، وهذا ليس له دخل في الباب إلا من باب الفائدة.

    أقول: إن شوقي رحمة الله عليه رغم قدرته الشعرية إلا أنه لم يؤت باعاً علمياً، فلذلك صاحب قصيدته شيء من الخلل العقدي، وأظن أن شوقي لم يكن يفقه ما يقول من الناحية العقدية؛ أولاً: لأنه شاعر. ثانياً: أن الحقبة التي عاش فيها شوقي -ومعلوم أنه توفي عام 1932م- لم تكن حقبة ذات علم غزير، فإن الناس ما زال اليوم منهم من يخطئ في أمور العقيدة فضلاً عن تلك الحقبة وإن كان ذلك ليس عذراً له.

    الشاهد أن مما قاله شوقي في النبي المعصوم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قوله:

    فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء

    وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء

    وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء

    وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء

    وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الأبناء

    وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء

    يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء

    يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء

    بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء

    تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء

    أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء

    المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء

    صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء

    واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء

    والحق أنها من أجمل الشعر وأعذبه، لما تضمنته من أوصاف بليغة في حق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

    وقد أجاد شوقي في قوله في قصيدة أخرى:

    أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا

    فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا

    مدحت المالكين فزدت قدراً وحين مدحتك اقتدت السحابا

    صلوات الله وسلامه عليه بكرة وأصيلاً.

    مدح حافظ إبراهيم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه

    كما إن ممن أثني عليه ومدح في العصر الحاضر وهو شخصية سابقة ما قاله حافظ إبراهيم رحمة الله تعالى عليه في حق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

    فـعمر أحد أعلام المسلمين العظام، شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة فقال: (عمر في الجنة) .

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أنه قال: (رأيتني وأنا نائم كأني في الجنة وإذا بقصر جميل وامرأة تتوضأ فسألت: لمن هي؟ فقيل: لـعمر بن الخطاب ، فرجعت لما ذكرت غيرة عمر ! فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وقال: أمنك أغار يا رسول الله) .

    فهذا الحديث فيه بيان لما كان عليه هذا الخليفة الراشد من صفات جليلة عظيمة لا تخفى على جل المؤمنين.

    وقد صاحب حياة عمر أحداث كبيرة جمعها حافظ في قصيدة عرفت أدبياً بالعمرية، وألقاها حافظ في مدرج وزارة المعارف في القاهرة مساء يوم الجمعة 8/فبراير عام 1918م في حفل أقيم لهذه القصيدة بصفة خاصة، وصدرها بقوله:

    حسب القوافي وحسبي حين ألقيها أني إلى ساحة الفاروق أهديها

    لاهم هب لي بيان أستعين به على قضاء حقوق نام قاضيها

    يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها

    لا تمتطي شهوات النفس جامحة فكسرة الخبز عن حلواك تجزيها

    قال اذهبي واعلمي إن كنت جاهلة أن القناعة تغني نفس كاسيها

    فأقبلت بعد خمس وهي حاملة دريهمات لتقضي من تشهيها

    فقال نبهت مني غافلاً فدعي هذي الدراهم إذ لا حق لي فيها

    ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى فقومي لبيت المال رديها

    إن جاع في شدة قوم شركتهم في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها

    جوع الخليفة والدنيا بقبضته في الزهد منزلة سبحان موليها

    فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها

    وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها

    فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها

    فهان في عينه ما كان يكبره من الأكاسر والدنيا بأيديها

    فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها

    أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها

    وفتية أولعوا بالراح وانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها

    ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها

    قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها

    فأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيها

    واستأذن الناس أن تغشى بيوتهم ولا تلم بدار أو تحييها

    ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت في النهي عنه فلم تذكر نواهيها

    فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها

    وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها

    والقصيدة تقع في 188بيتاً قالها حافظ رحمة الله تعالى عليه كما أنبأنا وهي موجودة في الجزء الأول من ديوانه، رحمة الله تعالى عليه، وإنني لأسأل الله أن يغفر له بكل عمل صالح، وبهذه القصيدة بالذات لما فيها من نشر لمحاسن رجل خدم الأمة، وقدم لها أعظم الأعمال، وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

    رثاء حسان بن ثابت للرسول صلى الله عليه وسلم

    كما أن من أغراضهم في الشعر غرض الرثاء، وغرض الرثاء يعد من أصدق الأغراض؛ لأنه غالباً لا يوجد نفع عند شخص قد ووري في التراب وأفضى إلى رحمة الله، فيكون التعبير في الرثاء أمراً مقبولاً لدى الناس لانتفاء النفاق في الغالب منه، وحسبك أن تعلم ما قاله حسان رضي الله تعالى عنه في رثاء نبينا محمد صلى الله وعليه وسلم.

    قال حسان يرثي النبي المعصوم:

    بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

    بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد

    معالم لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد

    عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً بها واراه في الترب ملحد

    وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد

    صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد

    إلى آخر ما قال رضوان الله تعالى عليه.

    والقصيدة ذكرها ابن هشام وغيره في السير، وفيها كثير مما تذرف له الدموع، وتحزن له القلوب؛ لأن الأمة لم تصب بأحد أعظم من مصيبتها بنبيها صلوات الله وسلامه عليه.

    رثاء الأنباري للوزير المصلوب

    كما أن من قصائد الرثاء المؤرخة الموثوقة المثبتة أن أحد الولاة غضب يوماً على وزيره، وكان الوزير كريماً سخياً بين الناس، فصلبه بعد أن قتله، وعلقه مصلوباً، فكانت هيئة الرجل وهو مصلوب مثل هيئة الصليب، وأوقد حوله النيران، وجعل حوله الحرس حتى لا يصل أحد لإنقاذه.

    فجاء رجل من الشعراء كانت تربطه بذلك المصلوب صداقة حميمة، وكان المصلوب وزيراً فصيحاً بليغاً كثيراً ما يخطب في الناس، وكثيراً ما يتصدق على الناس، فالناس حوله إما أن يخطب فيهم، وإما أن يعطيهم، وهي هيئة تستلزم من الرجل أن يمد يديه، فلما رآه ذلك الشاعر قال أبياتاً حسد القاتل المقتول وتمنى لو كان هو المصلوب قال:

    علو في الحياة وفي الممات لحق تلك إحدى المعجزات

    كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات

    كأنك قائم فيهم خطيباً وكلهم قيام للصلاة

    وتوقد حولك النيران ليلاً كذلك كنت أيام الحياة

    ولما ضاق بطن الأرض عن أن يضم علاك من بعد الوفاة

    أحالوا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافيات

    وما لك تربة فأقول تسقى لأنك نصب هطل الهاطلات

    وهي أبيات في قمة الشعر يقول له: إن الناس من حولك ينظرون إليك كأنك حي، فكأنهم ينتظرون منك أن تخطب، أو ينتظرون منك أن تعطي، ولما كانت الأرض لا تليق بك جعلوا من الجو والأماكن العالية قبراً لك، وجرت العادة أن الناس تدعو على القبر أن يمطر ويسقى، فقال للمصلوب: أنت الغيث بعينه، وأنت المطر الذي تنزل على الناس، فجعل حسرة المصلوب رحمة عليه، وإن كانت بعد وفاته لا تنفعه، لكنها في قمة رثاء الذي علمناه وسمعنا به.

    1.   

    من أقضية شريح القاضي

    قضاء شريح بين عمر بن الخطاب والأعرابي

    القطوف الأخيرة: حول شخصية رجل عرفه التاريخ مثالاً أكبر للقضاء.

    القضاء منصب حساس في حياة المسلمين، ومتى اختل أصاب الناس الفساد والظلم، أجارنا وإياكم من ذلك، وأعان من كلفهم مسئولية القضاء بين المسلمين، ونسأل الله جل وعلا أن يذكرهم جميعاً ذل الوقوف بين يديه، وحرمة التعرض لأموال المسلمين وأعراضهم، وعقاراتهم، وشئونهم الخاصة والعامة.

    من أعلام المسلمين في القضاء: شريح رضي الله تعالى عنه، هذا الرجل كان من أهل اليمن، وأدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه ما قدم المدينة إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فانتفى في حقه شرف الصحبة.

    اشترى عمر رضي الله تعالى عنه ذات يوماً فرساً من أعرابي فلما مضى بها وجد بها شيئاً من الخلل فردها للأعرابي، فرفض الأعرابي أن يقبلها منه، فقال عمر للرجل: اجعل بيني وبينك حكماً قال: هيا إلى شريح . ولم يكن شريح في ذلك الدهر قد ولي القضاء!

    فلما مثلا بين يديه وسمع أقوالهما، قال: يا أمير المؤمنين! جدك ما اشتريت أو اقبل كما أنت عليه، فتعجب عمر من جرأته وبيانه للحق، قال: اذهب فقد وليتك قضاء الكوفة.

    فولاه عمر قضاء الكوفة وبقي عليها والياً في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه.

    قضاء شريح بين علي بن أبي طالب واليهودي

    فلما آلت الخلافة إلى علي فقد علي في يوم صفين درعاً له، فوجدها في يد يهودي من أهل الذمة، فقال: هذه درعي، فقال: بل درعي يا أمير المؤمنين! فتخاصما فقال اليهودي: اجعل بيني وبينك حكماً، قال: نحتكم إلى قاضي المسلمين، فتحاكما إلى شريح رضي الله تعالى عنه، فلما مثلا بين يديه قال اليهودي: هذه درعي وهي في يدي.

    قال: ما تقول يا أمير المؤمنين؟

    قال: هذه درعي فقدتها، ولم أبعها ولم أهبها.

    قال: ومن يشهد لك؟

    قال: اثنان: مولاي قنبر ، وابني الحسن .

    قال: أما شهادة مولاك فأجزناها، وأما شهادة ابنك فرددناها.

    قال علي : سبحان الله! رجل يشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ترد شهادته!

    قال: يا أمير المؤمنين ، إني أعلم أن الحسن في الجنة، ولكني لا أجيز شهادة الابن لوالده.

    فقال: ليس عندي شاهد غيرة.

    قال: تبقى الدرع مع اليهودي.

    فقال اليهودي : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، إن ديناً يأمر بهذا لحق، قاضي المسلمين يحكم لي على أمير المؤمنين، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن هذه الدرع سقطت منك يوم صفين فأخذتها، ثم ردها عليه، فرفض علي أن يقبلها وقال: خذها هدية بسبب إسلامك.

    قضاء شريح لخصوم ابنه

    مما يروى عن شريح أنه جاءه ابنه وقال: يا أبت، بيني وبين أحد الناس خصومة، وسأعرض لك القضية، فإن كان الحق لي فأخبرني حتى أقاضيهم بين يديك.

    قال: قل يا بني.

    فأخذ الابن يقص على أبيه ما بينه وبين الناس، فلما فرغ قال له: ائت بهم، فلما أتى بهم بين يديه حكم شريح للخصوم على ابنه، فلما خرجوا غضب الابن وقال: يا أبت، والله لو لم أخبرك من قبل لوجدت لك عذراً، لكنني أخبرتك قبل أن نحتكم إليك.

    قال: يا بني، والله إنك في عيني أحب إلي منهم جميعاً، ولكن الله جل وعلا أعز علي منك.

    فانظر إلى عظمة قضاة الإسلام في ذلك العصر.

    ومما يروى عنه أنه كان يستظرف الشعر، فكان له ابن يرسله لمن يحفظونه القرآن، فخرج ذات يوم وقد رأى ابنه قد ترك الصلاة، وذهب إلى بعض الكلاب أجاركم الله يلعب بها، فلما كان اليوم الثاني أعطى الابن ورقة وقال: يا بني، اذهب بهذه إلى مؤدبك، فلما ذهب بها الابن إلى المؤدب وجد فيها أن شريحاً يقول:

    ترك الصلاة لأكلب يسعى لها يبغي اللهاة مع الغواة الرجس

    فليأتينك غدوة بصحيفة كتبت له كصحيفة المتلمس

    فإذا أتاك فداوه بملامة أو عظه موعظة الأديب الكيس

    وإذا هممت بضربه فبدرةٍ وإذا ضربت بها ثلاثاً فاحبسِ

    واعلم بأنك ما أتيت فنفسه مع ما تجرعني أعز الأنفس

    واستطرف أهل العلم أبياته الشعرية هذه، بأن فيها من نطق مخبره، وحسن معدنه.

    حكاية عن الشعبي

    ومما يروى في هذا الباب: أن الشعبي رحمة الله تعالى عليه وكان أحد أعلام المسلمين، وقضاتهم المشهورين، وهذا قد تكون من الحكمة ألا يعلن على ملأ، وإنما يقال من باب الظرافة:

    فإن الشعبي رحمة الله تعالى عليه احتكم إليه رجل وامرأة متزوجان، وكانت المرأة جميلة، فحكم للمرأة ولم يحكم للرجل، وقد سمع منها ولم ير شيئاً، فلما انصرف وطلق الرجل امرأته غضب على الشعبي أنه حكم للمرأة، ولم يحكم له، فنشر بين الناس.

    وهذا يستفاد منه أنه أحياناً تسمع ما لم يكن حقاً، تسمع في أعلام الناس ما ليس بحق، فنشر ذلك الرجل أبياتاً شعرية في حق الشعبي لا تليق برجل من علماء الأمة كـالشعبي فقال فيما قال:

    فتن الشعبي لما رفع الطرف إليها

    سحرته ببنان وخضاب في يديها

    كيف لو أبصر منها نحرها أو ساعديها

    الجثا حتى تراه ساجداً بين يديها

    فكان الشعبي كلما مر على ملأ من الناس يجدهم ينشدون هذه الآبيات، وهو يقول: والله! ما رأيت، ولا نظرت، ولا حكمت إلا على حق، لكن حسبنا الله والله المستعان!

    وهذا يستفاد منه: أنه قد يقذف الرجل بما ليس فيه، فليس كل ما يزعم في الأعلام حق، فالإنسان لا يأخذ الحق إلا من مصدره.

    هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    مراتب صلة الأرحام وذكر أبلغ بيت شعري وأصدق بيت

    السؤال: ذكرتم في محاضرة (رحماء بينهم) مراتب صلة الرحم الأربع، نرجو منكم إعادة هذه المراتب بشكل موجز، وما أبلغ بيت شعري قالته العرب، وما أصدق بيت أيضاً؟

    الجواب: بالنسبة لما ذكرناه من مراتب صلة الرحم فقد قلنا في ذلك الوقت إن مراتب صلة الرحم أربع:

    الأولى: أن يصل إنسان قوماً لا يصلون من أرحامه، وهذه أعلى المراتب منزلة.

    المرتبة الثانية: أن يصل الإنسان أقواماً يصلونه، وهذا بمنزلة المكافئ.

    المرتبة الثالثة: أن يقاطع الإنسان أقواماً يقاطعون.

    المرتبة الرابعة: أن يقطع الإنسان قوماً يصلونه، وهذه والعياذ بالله هي أعظم مراتب الإثم.

    أما أبلغ بيت شعري قالته العرب، فإن هذا سؤال أدبي، وأنا كنت أود أن تأخذ المحاضرة الطابع الأدبي بأكملها، لكن بما أنه قد سئل فإنه قولهم: أبلغ بيت قالته العرب يرجع إلى الناقد نفسه، فإن الناقد قد يكون أحياناً صادقاً، وقد يكون أحياناً غير موفق، لكن من أعظم ما قالته العرب قول جرير :

    ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح

    وأما أصدق بيت أيضاً فهو قول حسان :

    وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد

    صلى الله وعليه وسلم.

    من شعر الغزل العذري

    السؤال: قال الشاعر:

    أمر على الديار ديار ليلى إلى آخر ما قال، هذا من أي أنواع الشعر؟

    الجواب: هذا من الغزل العذري والبيت أصله:

    أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

    وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار

    وليس في ذكر البيت حرج؛ لأن المقصود به التنبيه على أن الأماكن لا تعرف بذاتها وجدرانها وحيطانها، وإنما تعرف بأهلها ومن يسكن فيها.

    حكم تطويل الأظافر

    السؤال: ما حكم تطويل الأظافر والحضور إلى الصلاة وهي طويلة؟

    الجواب: أما حكمها فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يطيل أظافره؛ لأن من الفطرة أن يقلم أظافره، لكن كون الأظافر طويلة لا يقدح في صحة الصلاة، وليس له علاقة بكون الصلاة باطلة أو صحيحة، ولكنه قد ينقص من كمال الصلاة؛ لأن من كمال الصلاة أن يكون الشخص مكتملاً في هيئته بسنة محمد صلى الله عليه وسلم.

    حكم تارك الصلاة

    السؤال: هل تارك الصلاة كافر أو لا وقد قال صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ؟

    الجواب: هذا الحديث صحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، لكن على أي كفر يحمل، كفر أكبر، أو كفر دون ذلك؟ فيه كلام طويل لأهل العلم، ولا أريد أن أفصل فيه، لكن الذي يريد أن يستقر في الأذهان أن تارك الصلاة دون جحود لها مسألة اختلف فيها أهل العلم، ولكل دليله، ولا يضير أحداً إن كان من أهل العلم والفتوى أن يتبنى أحد الرأيين دون الآخر، فإن هذا مما مضى فيه الخلاف.

    حكم الاستماع لبعض الدعاة دون الآخرين

    السؤال: ما رأيكم فيمن يفضل بعض الدعاة والعلماء، ولا يستمع إلا لنوع معين دون الآخرين؟

    الجواب: أنا أعطيك قاعدة: لا تحرم نفسك من الخير، كل من عنده حق فخذ الحق منه، وكل من قال باطلاً فاترك الباطل منه، ولا تنظر إلى الأسماء علت أم ضعفت، مشهورة أو مغمورة، فالحق يعرف ما عليه من نور، ولا يعرف الحق بالرجال، فاستخر الله جل وعلا والتمس لدينك ما هو أفضل لك، وخذ من الناس ما أصابوا فيه، ودع من الناس ما أخطئوا فيه، والله تعالى أعلم.

    متى يؤجر كافل اليتيم

    السؤال: من نعم الله الكثيرة علينا أن فتح لنا أبواب الخير الكثيرة، ومن هذه الأبواب ما تقوم به لجنة البر الإسلامية من عرض أعلام الخير للمسلمين على شكل اشتراكات دولية في دفع المال، ومنها كفالة اليتيم التي فيها يدفع المشترك مالاً سنوياً فقط دون أن أي مقدمات مقومات أخر، والسؤال هو:

    هل معنى كفالة اليتيم هنا أن تغطي المقصود التام لما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) ؟

    الجواب: إذا كان ذلك المال يغطي مستلزمات اليتيم كاملة، فإني أرجو أن يدخل في عموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما إن كان الأمر جزئياً فإني أرجو ألا يحرم ذلك العبد من الخير، وما عند الله خير وأبقى، والله تعالى أعلم.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737151112

    عدد مرات الحفظ

    684504809