إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب الإجارة [2]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية الحفاظ على المال، ومن ذلك ما شرع في حق الغاصب والمغصوب منه من أحكام جعلت كل واحدٍ يأخذ حقه ويسلم ما عليه من غير ضرر يلحق بأحدهما.

    1.   

    أحكام الغصب

    تعريف الغصب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: الغصب، وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق ].

    الغصب في اللغة: هو أخذ الشيء ظلماً بغير حق.

    وفي الاصطلاح: استيلاء الإنسان على حق غيره مالاً كان أو اختصاصاً قهراً بغير حق.

    فيخرج بهذا التعريف السرقة؛ فإن السرقة أخذ الشيء بخفية، وليس بقهر، والغصب قهر، فالغاصب يأخذ الشيء بقوة، أما السارق فإنه يأخذ الشيء بخفية واختلاس.

    ويخرج به أيضاً ما أخذ بحق، مثل الإنسان الظالم الذي لا يؤدي الحقوق، فإنه يجبر على أداء الحق، ويؤخذ منه قهراً حقوق الناس، ويجبره على ذلك الحاكم، فإن امتنع يباع ماله وتؤدى حقوق الناس، فهذا قهر لكن بحق.

    وقولنا: (أو اختصاصاً) مثاله الكلب المعلم؛ فإنه لا يباع، لكنه يختص بصاحبه فإذا استولى عليه أحد قهراً فهو غاصب.

    وجوب رد المغصوب ودفع أجرته مدة مقامه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ من غصب شيئاً فعليه رده ].

    هذا هو الواجب عليه، وعليه كذلك التوبة والندم والاستغفار واستسماح صاحب الحق، فيرد هذا الحق الذي أخذه، وعليه ضمان ما نقص منه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده ].

    أي: إذا غصب شيئاً فعليه أن يرده، وإذا كان كبيت غصبه ومضى عليه سنة فإنه يرد البيت ويرد معه أجرة سنة، وهكذا كل ما كان له أجرة، وإذا نقص فعليه ضمان النقص، وإذا زاد فإنه يكون لصاحب الحق هذه الزيادة كما سيأتي.

    ضمان الغاصب أرش نقص المغصوب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن نقص فعليه أرش نقصه ].

    الأرش: هو التكملة التي تكمل النقص، والواسطة التي تكون بين شيئين ناقص وتام، فإذا غصب -مثلاً- دابة تساوي مائة ريال، وردها بعد سنة حين صارت لا تساوي إلا ثمانين ريالاً فإن الأرش يكون عشرين ريالاً، فيرد الدابة ويرد عشرين؛ لأنها تكمل الأرش.

    ومثله أيضاً إذا غصب سيارة ثم صدم بها، واحتاجت إلى تصليح، فإنه يكون عليه ثمنه؛ لأنه هو الغاصب، فإذا قدرت الصدمة بألفين أو ثلاثة آلاف فإنه يرد السيارة، وعليه أن يدفع الألفين والثلاثة؛ لأن هذا بسببه.

    ضمان الغاصب جناية المغصوب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه سواء جنى على سيده أو أجنبي ].

    إذا جنى المغصوب فأرش جنايته على الغاصب؛ لأنه هو الذي تسبب، فإذا غصب دابة ثم اعتدت هذه الدابة على آخرين، فإن الضمان يكون على الغاصب؛ لأنه غصبها، فلزمه أرش الجناية.

    وكذلك إذا غصب عبداً، ثم جنى العبد على آخر فقطع يده، فإن الضمان يلزم الغاصب؛ لأنه هو الذي غصبه، فلزمه أرش جنايته.

    وقوله: سواء جنى على سيده أو أجنبي.

    أي: لو جنى العبد على سيده، أو جنى على أجنبي فإن الغاصب يدفع أرش جنايته؛ لأنه لما غصبه ترتب عليه هذه الآثار.

    جناية الأجنبي على المغصوب في يد الغاصب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما ].

    هذه المسألة عكس الأولى، فالأولى هي فيما إذا جنى العبد على أحد، فالذي يدفع أرش الجناية هو الغاصب، سواء جنى على سيده أو على غير سيده.

    أما إذا اعتدي على العبد، كأن جاء شخص واعتدى على العبد وقطع يده، فالسيد له الخيار: فإما أن يضمن الغاصب وإما أن يضمن الجاني، فله أن يضمن الغاصب؛ لأنه هو الذي تسبب، وله أن يضمن الذي قطع يده؛ لأنه هو الجاني.

    زيادة المغصوب ونقصانه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن زاد المغصوب رده بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة ].

    إذا زاد المغصوب فإن الغاصب يرده بزيادته، سواءً أكانت زيادة متصلة، كما إذا سمنت الدابة، ثم لما ردها بعد سنة، وزادت قيمتها، فقال الغاصب: أنا غصبتها وهي لا تساوي إلا مائة، والآن صارت تساوي مائة وخمسين، فأعطني الخمسين. فحينئذٍ نقول: أنت الجاني، والزيادة لصاحبها.

    وكذلك إذا تعلم العبد حرفة كخياطة أو نجارة فزادت قيمته، فالزيادة لصاحبه.

    أو كانت منفصلة، مثل الدابة إذا ولدت، فولدها يكون لصاحبها، أو الشجرة إذا أثمرت وما ردها إلا بعد سنة، فإنه يرد ما غصبه بزيادته.

    فالزيادة المتصلة أو المنفصلة ترد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرق ظالم حق).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن زاد أو نقص رده بزيادته وضمن نقصه ].

    إذا زاد يرده بزيادته، وإذا نقص يضمن النقص؛ لأنه معتد ظالم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ سواء زاد بفعله أو بغير فعله ].

    مثال الزيادة بالفعل تعليم العبد، ومثال الزيادة بغير الفعل ثمرة الشجرة، فهذه الزيادة تكون تابعة لصاحبها، فيردها على صاحبها بزيادتها، وليس للغاصب شيء من هذه الزيادة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلو نجر الخشبة باباً أو عمل الحديد إبرا ردهما بزيادتهما وضمن نقصهما إن نقصا ].

    إذا غصب الغاصب صوفاً ثم نسج الصوف، بحيث صار صوفاً، أو أخذ حبوباً وزرعها وصارت زرعاً، أو غصب بيضة فصارت دجاجة، فإن كل هذا يرده وليس له شيء منه.

    وكذلك إذا غصب خشبة ثم نجرها فصارت باباً، فإنه يردها على صاحبها، وليس له شيء؛ لأنه ظالم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولو غصب قطناً فغزله أو غزلاً فنسجه أو ثوباً فقصره أو فصله وخاطه أو حباً فصار زرعاً أو نوىً فصار شجرا أو بيضاً فصار فراخاً فكذلك ].

    قوله: فكذلك أي: يرده وليس له شيء؛ لأنه ظالم، فإذا غصب قطعة قماش، ثم فصلها أربعة أثواب أو خمسة أثواب، فإنه يردها وليس له شيء، وكذلك إذا أخذ ثوباً متسخاً ثم غسله وصار نظيفاً فإنه يرده وليس له شيء مقابل عمله.

    وكذلك إذا غصب بيضاً فصار فراخاً، أو غصب حباً ثم بذر فصار زرعاً، أو غصب نوى ثم غرسه فصار نخيلاً بعد مدة، فإنه يرد كل ذلك وليس له شيء.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن غصب عبداً فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة ].

    إذا غصب عبداً ثم حصلت له زيادة، سواء زيادة تتعلق ببدنه، أو بغير بدنه كأن علمه صنعة، ثم نسي هذه الصنعة، فإن عليه أن يرد العبد وعليه أرش مقابل نقص تعلم الصنعة، ولو كان ما تعلمها إلا عنده؛ لأنه لما حصلت له صارت ثابتة له، فيضمنها.

    وكذلك أيضاً لو غصب عبداً أو دابة ثم سمنت الدابة وصار لها قيمة، فبدلاً من أن كانت قيمتها مائة صارت قيمتها مائة وخمسين، ثم هزلت الدابة وصارت لا تساوي إلا مائة، فإنه يردها ويرد الخمسين مقابل نقص السمن، ولو لم يحصل السمن إلا عنده؛ لأنه لما حصلت الزيادة ثبتت له، فلما نقصت وزالت الزيادة زالت الصفة، فكان ضامناً لها؛ لأنه معتد.

    حكم تلف المغصوب وتعذر رده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً وقيمته إن لم يكن كذلك، ثم إن قدر على رده رده ويأخذ القيمة ].

    إذا غصب شيئاً ثم تلف فإنه يرد مثله إذا كان مثليا، وإن لم يكن له مثل فإنه يرد القيمة، فإذا كان المغصوب مكيلاً كحبوب فإنه يرد حبوباً مثلها.

    قوله: ثم إن قدر على رده رده ويأخذ القيمة.

    يعني أن الغاصب إذا غصب شيئاً ثم تعذر عليه أن يرده، فأعطى المغصوب منه القيمة وقال: أنا غصبت منك حبوباً وهذه قيمتها خمسة آلاف، ثم بعد ذلك وجدها فإنه يردها عليه ويسترجع القيمة، وكذلك إذا غصب دابة، تساوي ألفين أو ثلاثة، فضاعت فدفع قيمتها خمسة آلاف، ثم بعد ذلك وجدها فإنه يردها ويسترجع القيمة.

    كيفية رد المغصوب حال خلطه بغيره

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله منه ].

    إذا خلط البر ببر بحيث لم يتميز، كأن غصب مائة كيلو بر، وخلط معها مائة كيلو أخرى فإنه يرد مثلها من جنسها.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء ].

    إذا خلطه بغير جنسه ولم يتميز فعليه مثله من جنس آخر، ولا يلزم أن يكون من جنس هذا الشيء الذي خلطه به، بل عليه ما يماثله ولو من جنس آخر.

    حكم الغرس في الأرض المغصوبة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن غصب أرضاً فغرسها أخذ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها ].

    يعني: إذا غرس أرضاً غصبها فإنه يجبر بقلع غرسه ورد الأرض على صاحبها ورد النقص إذا كان حصل فيها نقص، وكذلك يلزمه الأجرة إذا كانت تؤجر ومضت عليها مدة يستطيع فيها أن يؤجرها.

    حكم أخذ الغاصب الأرض وزرعها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها ].

    أي: إذا زرعها فإن الغاصب يرد الأرض ويرد الأجرة مقابل الزرع الذي استفاد منه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن أدرك مالكها الزرع قبل حصاده خير بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته ].

    يعني أنه مضت مدة ورد الغاصب الأرض وفيها زرع، فإن صاحبها يخير بين أن يتركه لغاصبه ويأخذ الأجرة، أو يأخذ الزرع ويعطي قيمته للغاصب.

    أما إذا كان ليس فيها زرع ولا أشجار أثمرت فإن الغاصب يجبر على قلع غرسه.

    حكم غصب الجارية ووطئها وإيلادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وردها ورد ولدها ومهر مثلها وأرش نقصها وأجرة مثلها ].

    هذا الحكم حين كانت الجواري تباع وكان العبيد يباعون، والرق سببه الكفر، فالمسلمون إذا غزوا الكفار وجاهدوا في سبيل الله وغنموا أموالهم وأولادهم صاروا عبيداً للمسلمين، فيوزعون على الجيش، ثم يبقون عبيداً يتناسلون ويتوالدون ويباعون، فالعبد مثله مثل المال، يبيعه المرء ويشتريه، وإذا اشترى الجارية فله أن يتسراها، فيطؤها بملك اليمين، وله أن يزوجها بآخر إذا كان لا يريد أن يتسراها.

    فالرق الشرعي سببه الكفر، وأما سرقة الأولاد وبيعهم فهي أمر محرم، ومن باع حراً وأكل ثمنه فقد جاء في حقه الوعيد الشديد، فإذا اشترى شخص جارية، فجاء ظالم وغصب الجارية، بحيث أخذها بالقوة، ثم وطئها، فولدت ولداً، ثم استطاع المغصوب منه أن يرد الجارية وألزم الغاصب بأنه يردها، فيلزمه ردها، ويقام عليه حد الزنا، وعليه أن يردها وولدها إن كان أولدها، وعليه أرش النقص من قيمتها أيضاً؛ لأنه أولدها، وكل ما ترتب على غصبه فإنه يلزمه.

    فعليه أمور: الأول: يقام عليه الحد، والثاني: رد الجارية، والثالث: رد الولد، والرابع: مهر مثلها لو كانت حرة؛ لأن البكر لها مهر، والثيب لها مهر.

    والخامس: أرش النقص؛ لأن قيمتها نقصت الآن، والسادس: أجرة مثلها في المدة التي استولى عليها؛ لأن الأمة تؤجر وتعمل، فلو عملت عند أناس يكون لها أجرة، فلو غصبها سنتين أو ثلاثاً فعليه أجرة هذه المدة.

    حكم بيع الغاصب الجارية لمشتر وطئها بعد البيع

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها وقيمة ولدها إن أولدها وأجرة مثلها، ويرجع بذلك كله على الغاصب ].

    صورة هذه المسألة هي أن إنساناً غصب جارية، ولما غصبها باعها لشخص آخر لا يدري أنه غاصب، ويظن أنها ملك له، فتسراها وأولدها، ثم بعد ذلك علم أنها مغصوبة.

    فإنه يرد الجارية على صاحبها، ويرد الولد، وعليه مهر المثل، وعليه النقص، ثم يرجع بهذه الأشياء على الغاصب الذي باعها إليه، فتكون الغرامة راجعة إلى الغاصب.

    1.   

    الشفعة

    تعريف الشفعة

    قال الإمام أبو محمد بن قدامة رحمه الله تعالى:

    [ باب: الشفعة.

    وهو استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها ].

    الشفعة: مشتقة من الشفع، والشفع ضد الوتر، والوتر ما كان واحداً والشفع ما كان اثنين، وسمي الشفيع شفيعاً لأنه يضم صوته إلى صوت من يشفع له، فإذا جاءك إنسان وقال لك: اشفع لي عند فلان فمعنى ذلك أن تضم صوتك إلى صوته، فيصير الصوت اثنين بعد أن كان واحداً.

    والشفعة: هي أن ينتزع الإنسان حصة شريكه بعد بيعها، كأن يكون لك أرض -مثلاً- أو بيت مشترك بينك وبين زيد لك نصفه، وله نصفه فبعت أنت نصيبك لمحمد ولم تخبر شريكك، فإنه إذا علم يشفع، بمعنى أنه ينتزع حصة الشريك أي: ينتزع نصف البيت ممن بعته له ويسلمه الثمن دفعاً للضرر، فالحكمة في ذلك دفع الضرر عن الشريك لأنه قد يتضرر بالشراكة.

    فإذا كان لزيد وعمر بيت بمائة ألف ثم جاء عمر وباع نصيبه من محمد بستين ألفاً، ولم يعلم الشريك الثاني فإنه إذا علم ينتزع حصة شريكه ويسلمه الستين ألفاً، ويكون له البيت كاملاً دفعاً للضرر بشروط الشفعة كما سيأتي.

    شروط وجوب الشفعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولا تجب إلا بشروط سبعة: أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق ].

    يعني: إذا باع الشريك نصيبه يكون فيه شفعة، أما إذا وهبه فليس فيه شفعة، وكذلك إذا وقفه، كأن يقول: وقفت نصيبي من البيت لله. فإنك لا تستطيع أن تنتزعه وتقول: أنا أشفع؛ لأنه لم يبع، وكذلك إذا جعله عوضاً لخلع زوجته، فقال لها: أخالعك على نصف البيت، فليس للشريك أن يقول: سآخذ النصف منها.

    لأنه إذا وهب أو وقف لا يأخذ عوضاً، فكيف للشريك أن يشفع حيث لا عوض؟!

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الثاني: أن يكون عقاراً أو ما يتصل به من البناء والغراس ].

    يعني: أن يكون ثابتاً كالأراضي والبيوت، ويتبعها الغراس، أما إذا كان منقولاً مثل السيارة فلا شفعة فيه؛ لأن الضرر في المنقول ليس كالضرر في الثابت.

    والمسألة فيها خلاف، فقد قيل: إن له الشفعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الثالث: أن يكون شقصاً مشاعا فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه ].

    أي: إذا كانت الأرض محددة ومقسمة فلا شفعة فيها.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ لقول جابر رضي الله عنه: (قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) ].

    ولأنه يزول الضرر، فإذا قسمت ووضحت الحدود فلا ضرر في البيع حينئذٍ ولا شفعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه ].

    وذلك كالبئر والحمام، فمثل هذين إذا باع أحدهما نصفه لا شفعة فيه؛ لأنه لا يقسم، إلا أن بعض العلماء قال في الحمام: فيه الشفعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه سقطت شفعته ].

    الشرط الخامس: أن يأخذ الشقص كاملاً، فلو كانت أرض بين شخصين وباع أحدهما نصيبه فقال الشفيع: أنا لا أستطيع أن آخذ نصيبك كله، ولكن سآخذ الربع فإنه يقال له: إما أن تأخذ الجميع وإما أن تترك الجميع.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما ].

    أي: لو كانت الأرض بين ثلاثة كل واحد له الثلث ثم باع أحدهم ثلثه، فإنه تكون الشفعة للشريكين بحسب نصيب كل واحد منهما، وحينئذٍ يكون لكل واحد السدس، فالأول يضم إلى نصيبه السدس، والثاني يضم إلى نصيبه السدس، فتكون بينهما نصفين، فبدلاً من أن كانت الأرض أثلاثاً صارت بينهما نصفين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلا أخذ الكل أو الترك ].

    أي: إذا كانت هناك أرض بين ثلاثة، ثم باع أحدهم فإن لكل واحد من الشريكين الآخرين أن يشفع بالسدس، فإذا قال أحدهما: أنا لا أريد الشفعة، نقول للثالث: عليك أن تأخذ الجميع، فإن قال: أنا لا أريد إلا السدس نصيبي نقول له: إما أن تأخذ الجميع وإما أن تترك الجميع.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السادس: إمكان أداء الثمن، فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته ].

    يعني: أن يستطيع الشفيع أن يؤدي الثمن، فإن كان فقيراً فقال: سأشفع، ولكن ليس لدي نقود نقول له: فإما أن تسلم الثمن وإلا فلا شفعة لك.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإذا كان الثمن مثليا فعليه مثله، وإن لم يكن مثليا فعليه قيمته ].

    أي: إذا كان الثمن مثلياً فإنه يسلم المثل، وإذا كان قيمياً فإنه يسلمه القيمة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه ].

    وذلك لأنه هو الغارم، فإذا اختلفا وليس لهما بينه فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه هو الدافع.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته، إلا أن يكون عاجزاً عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها ].

    أي: لا بد من أن يطالب بالشفعة ساعة أن يعلم، فإذا علم أن الشريك باع فإنه يطالب بالشفعة، فإن سكت مدة ثم ادعى الشفعة فلا شفعة له، إلا إذا منعه مانع، كأن يكون مريضاً أو صغير السن، أو محبوساً، أو غائباً، فهو حينئذٍ معذور، فالغائب متى ما جاء وعلم له الشفعة، ولو بعد سنين، والصغير إذا كبر يشفع، والمريض كذلك إذا شفي من مرضه يشفع، والمحبوس إذا خرج من حبسه وعلم له أن يشفع.

    أما إذا كان ليس له عذر وسمع أن شريكه باع وسكت، ثم بعد مدة بدى له أن يشفع فإنا نقول: ليس لك ذلك؛ لأنك سكت ورضيت أولاً ولم تطالب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته ].

    يعني: ينبغي له إذا كان في مثل الحبس أن يشهد من عنده، فيقول: اشهدوا أني أشفع لكنني لا أستطيع الآن، أو كان غائباً فإنه يشهد من حوله فيقول: اشهدوا أني على شفعتي الآن إذا قدمت. وهذا أحسن وأحوط.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإن لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه والثالث على الثاني ].

    إذا حصل أن بيعت الأرض مرات وهو مريض أو غائب أو لم يعلم فهو على شفته، فلو بيع الشقص على ثلاثة فإنه ينتزع الحصة ويسلم القيمة، فإن أخذها من الأول رجع عليه الثاني، وإن أخذها من الثاني رجع عليه الثالث، وهكذا.

    حكم أخذ المشتري المشفوع فيه وفيه بناء أو غراس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته، إلا أن يختار المشتري قلعه من غير ضرر فيه ].

    لو كان هناك شركة في أرض أو في بستان ثم باع أحد الشريكين نصيبه فغرس فيه المشتري نخلاً أو شجراً ثم جاء الشريك وشفع وأعطاه القيمة فإن النخل والأشجار تبقى ويدفع قيمتها للمشتري، إلا إذا اختار قلعها فقال: أنا سأقلع أشجاري. يقلع أشجاره إذا لم يكن عليه ضرر.

    حكم وجود الزرع والثمر البادي في المشفوع فيه بعد أخذه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد أو الجذاذ ].

    يعني: لو لم يعلم حتى أثمرت النخل، أو صار الزرع فيه حبوباً فإنه يبقى ويأخذه المشتري، فيأخذ التمر ويأخذ الزرع.

    الشفعة في الشقص المباع مع سيف في عقد واحد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن اشترى شقصا وسيفا في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته ].

    أي: إذا بيع الشقص من الأرض والسيف في عقد واحد فإن الشفيع يأخذ نصف الأرض بقيمته والسيف لا حاجة له فيه.

    وقال بعض العلماء: إنه ليس له الشفعة في هذه الحالة ما دام أنه باع شيئين، والصواب أن له الشفعة.