إسلام ويب

معركة بين التوحيد والإلحادللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن توحيد الله وإفراده بالعبودية والبراءة من الكفر هي أهم ركيزة في دين الإسلام، وهي دعوة الرسل أجمعين، وهي تمثل صراعاً ومعركة منذ أن خلق الله البسيطة وما عليها، صراعاً بين الحق والباطل، بين الخير والشر، وهذا الصراع سنة من سنن الله الكونية، فما هي أسباب هذا الصراع؟ وما هي فوائده؟

    والصراع موجود حتى في الأدب والمقالات والكلمات، وللإلحاد مدارس خاصة مثل مدرسة التلمساني وأبي العلاء المعري، وليس لنا سعادة إلا بالرجوع إلى التوحيد والالتزام بدين الله لنحيا حياة هادئة مطمئنة بعيدة عن ضنك العيش؟ لكن ما هو الواجب المتحتم علينا في هذا الصراع؟

    1.   

    الصراع بين الحق والباطل

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    رفيقي من بعد اللظى والأسى قفا     ولا تريا جنح الظلام الملازم

    فهيا فهذا معبق الشيخ عائض      وحسب الحجى إن قلت معبق عالم

    ألم تريا الأزمان كيف ظلمننا     فما مقسط فيها بواهي الدعائم

    أعائض للخلان فيك منازل     لدينا ولكن يوم عمرو وحاتم

    إذا ارتاد بيت الله في حي صفونا     سعادتنا فيمن بباب الحوائم

    ألست ترى هذي الوجوه برفعة     فليس لها الكفر العنيد بهادم

    أعائض بات السعد حوزة عالم     وما كان لولا أنت ضربة جاثم

    فيا رب فاحفظ شيخنا من بعلمه     مدينتنا تزهو لفضل الغنائم

    هذه مقدمة كتبها أحد إخوانكم في حي السعادة، مرحباً بأخينا الحبيب وشيخنا الفاضل: الشيخ عائض بن عبد الله القرني الذي سوف يتحفنا هذه الليلة بما وهبه ربه جل وعلا، ونسأل الله عز وجل أن يجعل هذه المحاضرة في ميزان حسناته يوم القيامة، وألا يحرمكم الأجر الذي حدى بكم إلى الحضور إلى هذه المجالس الطيبة العطرة، وأسأل الله جل وعلا أن يكون هذا العلم الذي أعطيه الشيخ عائض حجة له يوم القيامة لا حجة عليه، وأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم ويجعلنا وإياكم ممن يستمع فيتبع أحسن الكلام وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، عنوان المحاضرة: معركة بين التوحيد والإلحاد.

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

    لـجدة حشد من شباب محمد     لها من بني الإسلام كل موحد

    أضاءت لياليها بنور أحبة      وكبرت الدنيا على كل مفسد

    أنا من رسول الله أروي قصائدي     فأتحف ربوع القلب يا خير منشد

    بعثت له دمعي وأهديته دمي      وأسلمت للرحمن وجهي ومقصدي

    عندي تحيتان: الأولى: خاصة لفضيلة الشيخ عبد العزيز الحمدان أثابه الله وبارك الله في جهوده ودعوته، وقد لبيت دعوته ولسان حالي يقول:

    أتاني رسولك مستعجلاً     فلباه شعري الذي أذخر

    ولو كان يوم وغىً قاتماً     للباه سيفي والأشقر

    أصرف نفسي كما اشتهي     وأملكها والقنا أحمر

    وتحية عامة لكم يا أهل الصحوة في مدينة جدة، يا حملة لا إله إلا الله، يا من رفعوا لافتة: (إياك نعبد وإياك نستعين).

    هذه ليلة لا تغيب نجومها لأنكم حضرتم هنا، تعلنون بحضوركم أن البقاء للتوحيد وللإسلام، وأن الانتصار للا إله إلا الله، قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109].

    نعم. عنوان المحاضرة: (معركة بين التوحيد والإلحاد) وهي معركة قديمة منذ وجد آدم وإبليس، ومروراً بموسى وفرعون، وإبراهيم والنمرود، ومحمد صلى الله عليه وسلم وأبي جهل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    معركة بين (لا إله إلا الله) و(لا إله والحياة مادة) بين المسجد والخمارة، بين المصحف المرتل والمجلة الخليعة، بين التلاوة الحسنه والأغنية الماجنة، بين تجمع المساجد وبين الشاطئ البعيد، بين المرأة الملتزمة المتحجبة وبين المرآة العلمانية السافرة، بين الكاتب المبدع المؤمن والكاتب الزنديق الملحد، وبين الصحفي الذي يرجو الله ويخاف الله ويأمل لقاء الله وبين الصحفي المتهتك الذي ينشر الجنس والفحش والتمرد على آيات الله، بين العالم المؤمن والعالم المجرم.

    النور من الله

    أنا أروي في هذه الليلة صراعاً بين التوحيد والإلحاد، يبدأ هذا الصراع بوسط التاريخ، ولا أعتني أن أبدأ من أول التاريخ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، يقول سبحانه: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] يقف فرعون واعظاً في الجماهير، هذا المجرم السفاك الذي أدخل المجلة الخليعة، والأغنية الماجنة، شارب الخمر، صاحب الليلة الحمراء، يقول لموسى الصحوة، موسى الإيمان، موسى الإمام، موسى النور.

    أين ما يدعى ظلام يا رفيق الليل أينا     إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

    قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا     ورسول الله قاد الركب تحذوه خطاه

    قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] من يعطيه النور؟ الشاطئ!! الأغنية!! الكأس!! المجلة الخليعة!! الفيديو المهدم!! ريفر سايد!! لوس أنجلوس!! باريس!! بانكوك؟!!

    لا. لا يعطيه النور إلا من أنزل النور، القائل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257] ويقول سبحانه: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] كثير من الناس أموات، يأكلون ويشربون ويغنون ويرقصون، ويسمرون ويسهرون، ولكنهم أموات غير أحياء، لم يروا النور ولا عرفوا الرسالة، ولا سجدوا لله، فهم في عالم الأموات، قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44].

    يسمع الأغنية لكن لا يسمع الله أكبر، ويسمع الكلمة الماجنة ولا يسمع حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].. وقال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى [غافر:26].

    قال سيد قطب: يظهر أن الرأي العام يضغط على فرعون، فيريد فرعون أن يستأذن الرأي العام في أن يذبح موسى.

    أسباب الصراع بين الحق والباطل

    والصراع سنة من سنن الله لثلاثة أسباب:

    أولاً: الصراع دائم: والله عز وجل خلق الخير والشر بجانبه، والليل والنهار، والرشد والضلال، والنور والظلمة، هكذا قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] وفي هذه الآية قراءة مشهورة، قال تعالى: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).. ويقول سبحانه: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان:20].

    أتظن أنك تعيش وحيداً في المسجد والصلاة وليس لك عدو؟! لا. قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] ما أحسن الختام، قال: هادياً: يهديه بالعلم. ونصيراً: ينصره بالسيف أو بما يقوم مقام السيف.

    قال سبحانه:أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

    ثانياً: إن العاقبة للمتقين:

    يا من يظن أنه سوف يلغي المسجد فالمسجد سوف يبقى، والقرآن سوف يعيش، ومكة، وزمزم، والحجر الأسود، وشباب الصحوة، قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52].

    العاقبة للمتقين.. يمر الباطل بالحق، وينتصر الحق بإذن الله.

    ما هي فوائد هذا الصراع؟

    من فوائد هذا الصراع:

    1- يمحص الله أولياءه ويظهر الصادقين، ويبطل كيد المنافقين , ويخزي الظالمين.

    أجر ومثوبة لأولياء الله.

    2- ويتخذ منكم شهداء، تقطع الرءوس، وتضرب الأعناق، وتسيل الدماء في سبيل الله، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    1.   

    نماذج من الإلحاد عبر التاريخ

    قصة موسى وفرعون

    أعود إلى موسى وفرعون:

    قوله: (وليدع ربه) أي: أتحداه وأتحدى ربه، وهذا منطق الكفر والإلحاد، وسوف أذكر لكم نماذج من الإلحاد المتطور الذي دخلت عليه التكنولوجيا، الإلحاد الذي بلغ النجوم وتطور مع الأصل.

    إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ [غافر:26] عجيب! أصبح فرعون واعظاً! أصبح حليماً حكيماً ويخاف أن يبدل دينكم؛ أتظن يا فرعون أن موسى حداثياً أو علمانياً، أو مطرباً.

    قال: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] يخاف أن يزعزع الأمن؛ فزعزة الأمن تأتي من موسى وأمثاله، أما مروج المخدرات فلا يزعزع الأمن! أما الذي يكتب الكفر في الصحف ويشتري الزندقة ويرسلها في البلاد طولاً وعرضاً، ويأتي بصور الجنس والفيديو المهدم فلا يزعزع الأمن! لكن موسى لأنه يخطب الجمعة، وتخاف أن يظهر في الأرض الفساد تخاف على الأمة منه.

    متى كان فرعون حكيماً ومتى كان المجرم حليماً؟ الذي يقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] فأجراها الله من فوق رأسه.

    ويقول كما قال تعالى: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38].

    قال ابن تيمية: "ولم ينكر الصانع ممن سبق إلا فرعون" أنكره في الظاهر وأما في الباطن فإنه اعترف به، ولذلك قال له موسى كما قال الله تعالى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102] لقد علمت أيها المجرم! أيها الخسيس الملحد! أن ما أنزل هذه الآيات إلا الله، الليل والنهار، الشمس والقمر، الهواء والماء والضياء؛ كلها من رب الأرض والسماء.

    دخل موسى يدعو إلى لا إله إلا الله، إلى التوحيد، فقال له المجرم وهذا من رعونته وفشله: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] قال الزمخشري: لله در موسى من جواب:

    قال موسى كما قال تعالى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] ولو قال موسى: ربنا حكيم: لقال أنا حكيم، لأنها صفة نسبية مشتركة، ولو قال: ربي عليم، لقال: أنا عليم، لأنها أيضاً صفة نسبية مشتركة، ولو قال: ربي قدير، لقال فرعون: أنا قدير، لأنها صفة مشتركة، لكن قال: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] قال: فلكمه على وجهه، أي أعطاه كفاً حاراً على وجهه وهذا فعل طائش.

    وانظر إلى الجواب:

    أعطى كل شيء خلقة، أعطى النملة خلقها، مع النملة قلب وعينان، وأذن وسمع وبصر، تأخذ الحبة وتدخرها للشتاء، من علمها أنه سوف يأتي الشتاء؟! من علَّم النحل أن تجتني الثمرة وتجمعه في الخلية، فيخرج عسلاً، ومن علَّم الطفل يوم خرج من بطن أمه أن يرضَع من ثدي أمه ويتناول اللبن؟ ذاك هو الله.

    والنحل قل للنحل يا طير البوا      دي ما الذي بالشهد قد حلاكا

    وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ      فاسأله من ذا بالسموم حشاكا

    واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو      تحيا وهذا السم يملأ فاكا

    وينتهي الصراع مع موسى وفرعون بنتيجة مخزية لفرعون، يقول الله: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8].

    لقد أخطئوا كثيراً ولقد أساءوا في الحسبان، عندما تمردوا على الله، وحاربوا المساجد، وأدخلوا الجنس البلاد، لقد دعوا إلى نزع الحجاب عن المرأة، والعلمنة والحداثة سفاحاً جهاراً نهاراً، إنهم كانوا خاطئين، فأغرقه الله في البحر، وانتصر موسى وبقي التوحيد، واستمر العهد، ولكن الصراع لم ينته بعد، وينتهي الصراع يوم يقول الله: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

    فيا شباب الصحوة! ربما تذَّمر متذمر، وخاف خائف من كثرة المفاسد وهذه هي الحياة، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخلص الناس، وأصدقهم وأبرهم، لم ينه المفاسد في عهده، وما زال الفساد موجود.

    جلد صلى الله عليه وسلم الزاني، ورجم الزاني الثيب، وجلد شارب الخمر، وقطع يد السارق، وقتل القاتل، وهذا دليل على وجود الفساد في ذاك المجتمع، لأن سنة الله وحكمته وأمره نفذ، وهي سنة كونية أن يكون هناك صراع عالمي بين الخير والشر، وتستمر الملحمة.

    قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود

    يدخل إبراهيم عليه السلام إمام التوحيد وأستاذ العقيدة، شيخ لا إله إلا الله، الذي أتى بالتوحيد الصادق، يدخل على النمرود، فيقص الله لنا القصة في قالب جميل بديع أخّاذ، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258] من أخص خصائص الله أنه يحي ويميت.

    ولا يحيي ويميت إلا الله، والملوك يموتون، والأطباء يفنون:

    مات المداوي والمداوى والذي     صنع الدواء وباعه ومن اشترى

    وبقى الله!!

    تقضون والقدر المسيّر ضاحك     وتقدرون فتضحك الأقدار

    ولا يدري الإنسان متى يموت، قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:58] كذاب ملحد مجرم، ولا يريد إبراهيم أن يسيره في الزندقة ويضيع الوقت معه، قال: كيف تحيي وتميت، فدعا أسيرين، فأطلق أحدهما، قال: هذا أحييته وهذا أمته؛ وهذا خطأ، فتركه إبراهيم فرضاً وجدلاً، وقال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258] فانظر أمامك.. إن الذي أتى بها من المشرق هو الله.

    تتبدى كل يوم وترسل أشعتها، والذي كلفها هو الله، فبهت وانهزم وانتصر التوحيد، ولكن بقي الصراع بين التوحيد والإلحاد.

    قصة صاحب الجنة

    يقول سبحانه عن ملحد ومؤمن دخلا بستاناً جميلاً وحديقة غناء بين الشجر والماء، فالشجر يدلك على الله، والماء يدلك على الله:

    وفي كل شيء له آية      تدل على أنه واحد

    فيا عجباً كيف يعصى الإله      أم كيف يجحده الجاحد

    تأمل درس التوحيد في النبات والحيوان، درس التوحيد في الأفلاك.

    تأمل في نبات الأرض وانظر      إلى آثار ما صنع المليك

    عيون من لجين شاخصات     بأحداق هي الذهب السبيك

    على قضب الزبرجد شاهدات     بأن الله ليس له شريك

    قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] قال تعالى: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً [الكهف:37].

    قال أهل العلم: ترك الحديقة واستدل بخلقه يقول: أنت كيانك، وهيكلك، وقلبك وعيناك من الذي خلقها وأبدعها؟ قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] نومك ويقظتك دروس في التوحيد لو أبصرت ولكن قليل من يبصر.

    وهزمه ولكن بقي الصراع بين التوحيد وبين الإلحاد، بين الإسلام والعلمنة، وبين أولياء الله وأعدائه، والخاتمة لأولياء الله.

    قصة العاص بن وائل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً [مريم:77].

    العاص بن وائل هذا المجرم أتى بعظم بالٍ وحته أمام الرسول عليه الصلاة والسلام في تحدٍ سافر، فيه سوء أدب أمام معلم الخير عليه الصلاة والسلام، أمام من أتى بلا إله إلا الله كما أتى بسعادة الإنسان.

    قال: يا محمد! أتزعم أن الله يحيي هذا العظم بعد أن يميته، قال: {نعم. ويدخلك النار}.

    لا يحييه فقط، لكن يحييه ويدخلك النار، فأنزل الله وثيقة العقيدة فقال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] قال: وأغفل الله اسمه، وهذا من عدم تعظيمه وتشريفه، من هذا الذي أتى ليضرب لنا مثلاً؟!

    من هذا الحقير الذي أتى ليتفلسف علينا بعد أن كبرناه وأطعمناه وسقيناه وأشبعناه؟

    قال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] وانتهى الصراع، ولكنه لم ينته ويستمر مع الخلفاء والوزراء والعلماء والزعماء والفقهاء والكتّاب والصحفيين والشعراء... حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    قصة الوليد بن يزيد مع المصحف

    قال ابن الأثير في التاريخ، 5/289: تولى الوليد بن يزيد الأموي الخلافة متأخراً، فلما تولى الخلافة كان فاجراً، ونسب إليه في التاريخ أنه كان ملحداً -والعياذ بالله- قال: ملأ بركة من الطيب (عطراً) وكان يشرب الخمر، فإذا سكر قفز في البركة، وقال: أطير إلى أين أطير -قل: إلى جهنم- فيطير على وجهه.

    وأخذ المصحف -كما يقول ابن كثير وابن الأثير والذهبي وغيرهم- ونصبه ليرى أي آية تخرج له، يرى هل هو سعيد أو شقي؟ يرى هل هو موحد أو ملحد؟ ففتح المصحف، فخرج له قوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15] فتح المصحف فأخرج الله له آية تؤدبه، فألقى المصحف وعلقه ورماه بالسهام، وقال:

    تهددني بجبار عنيد     فهأنذا جبار عنيد

    إذا ما جئت ربك يوم حشر      فقل يا رب مزقني الوليد

    هذا الوليد بن يزيد المجرم الذي تهتك وأبكى عيون العلماء، وهو قريب من عصر النبوة، وبعض الحفاظ يقول: ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في الأحاديث -قال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134] لكن أريد أن أبين لكم أن الشر من قديم، والعداء على المسجد من قديم، والعداء على الصالحين والمصحف والعلماء والأولياء من قديم.

    أتى وأخذ قروداً وكلاباً معه وأراد أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، فقتله الله في الطريق، من يقول هذا، راجعوا التاريخ وكتب الحديث، يقول: أنت يا قرآن تهددني بجبار عنيد، وهأنذا جبار عنيد، أنا في الأرض.

    إذا ما جئت ربك يوم حشر     فقل يا رب مزقني الوليد

    هذه كلمة جرحت مشاعر المسلمين، ومع العلم أنه خليفة المسلمين وما كان له أن يفعل ذلك، لكنه الصراع بين الحق والباطل.

    وقبله بسنوات كان عمر بن عبد العزيز، فانظر الفرق بين الطائفتين، ذاك يحمل التوحيد والإيمان، ويبكي يوم الجمعة ويصلي الليل كله، ويوزع الأموال، ويقف على الأرملة ويتقلب بالليل باكياً فتقول له زوجته فاطمة: مالك لا تنام؟

    فيقول: كيف أنام وأمة محمد عليه الصلاة والسلام في عنقي؟

    ذاك العظيم عزل كل الوزراء الخونة في حكومة سليمان بن عبد الملك وأخذ الصالحين والعلماء وجعلهم جلاسه، اختار سبعة من العلماء للاستشارة، وقال: إياكم وثلاث:

    لا تغتابون في مجلسي، ولا توشون بمسلم إليَّ -يعني لا تخربون بيني وبين الناس- ولا تمزحون، وكانوا يحدثونه ويحدثهم في الآخرة فيقومون وكأنهم قاموا عن جنازة، لا إله إلا الله!

    1.   

    الإلحاد في الأدب

    دخل الإلحاد حتى في الأدب، عندنا أدب ملحد، وأدب مؤمن، وهناك أدب يبث، وباستطاعتنا بالوثائق أن نثبت أنه فجور، وقد أثبت من قبل كما تعرفون، وسوف يثبت إلى قيام الساعة، لأن الله يأبى إلا أن يكون صراع في القصائد القصص، المسرحيات، الخطب.

    أدب أحد الشعراء الملاحدة

    يأتيك أحد الشعراء الملاحدة كما ذكر ذلك ابن الجوزي في صيد الخاطر يقول:

    أيا رب تخلق أغصان رند     وألحاظ حور وكثبان رمل

    وتنهى عبادك أن يعشقوا     أيا حاكم العدل ذا حكم عدل

    سبحانك اللهم؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. يقول ابن الجوزي: هذا المفضوح أصابه الله بقارعة، ودائماً الملاحدة يلطمهم الله لطمات، قال تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126] يقولون: إن أحد الشباب الملاحدة دخل مستشفى، ودخل عليه الدعاة، فقالوا: تب، كم يأتيك من الحوادث، كم يأتيك من الأمراض، كم يأتيك من اللطمات، فيتوب إذا عاد على السرير، فإذا خرج نفث علينا بقلمه وبكفره وبزندقته.

    يقول:

    أيا رب تخلق أغصان رند أي: كيف تخلق الشجر الجميل.

    وألحاظ حور: نساء جميلات.

    وكثبان رمل... وتنهى عبادك أن يعشقوا: وتقول العشق حرام، أيا خالق العدل! ذا حكم عدل؟ فيأخذه الله.

    و الحسن بن هانئ: دخل هذا المجرم على سلطان فنسي الله، ونسى رهبة الله وعظمته، نسي ملك الملوك الذي نواصي الملوك بيده.

    وابن أبي ذئب دخل عليه الخليفة المهدي في مسجد المدينة، وابن أبي ذئب المحدث قرين الإمام مالك، الزاهد العابد يحدث فقام أهل المسجد جميعاً إلا ابن أبي ذئب لم يقم، فقال له: لماذا لا تقوم لي كما يقوم الناس؟

    قال: أردت أن أقوم لك، فتذكرت قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] فتركت القيام لذاك اليوم. قال: اجلس، والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت.

    يقول الأوزاعي لما سألوه: كيف وجد عبد الله بن علي العباسي.

    عبد الله بن علي العباسي عم أبي جعفر المنصور، الذي قتل في ساعة واحدة في دمشق ستة وثلاثين ألف مسلم، دخل عليه والسيوف مسلولة على رءوس الجنود، فزجره ونهاه وأمره، قالوا: كيف تجرأت عليه، قال: والله لما دخلت عليه صوره الله لي كأنه ذباب، وتصورت كأن عرش الله بارزٌ على الناس.

    قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51] والمقصود أن هذا تهتك على شرع الله.

    أدب الحسن بن هانئ

    الحسن بن هانئ دخل على السلطان فقال:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    فصرعه الله كما يصرع أعداءه، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، وأصابه مرض عضال، كان ينبح منه كما ينبح الكلب، ويقول في سكرات الموت:

    أبعين مفتقر إليك نظرت لي     فأهنتني وقذفتني من حالقِ

    لست الملوم أنا الملوم لأنني     علقت آمالي بغير الخالق

    أي: أنا لا ألومك، أنا ألوم نفسي، لأني ادعيت لك الألوهية وتعلقت بغير الله، قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65].. وقال تعالى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً [ص:5] وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان:60] الرحمن سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الذي تقطع جماجمنا لتبقى العقيدة من أجله والعبادة له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو تشريف لنا ليس لغيرنا.

    أدب أبي العلاء المعري

    أبو العلاء المعري أسرف على نفسه، وكان يكتب أدب الإلحاد، وليس الإلحاد جديداً، الإلحاد في الأدب قديم، ولا تستغربوا إذا قرأتم بعض المقطوعات في المنشورات وهي إلحادية فإن شيخهم أبو العلاء المعري.

    يخاطب الله، سبحان الله! وإنما أذكر هذا لنبين الكفر والإلحاد: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].

    عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه

    ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه

    يخاطب الله عز وجل فيقول:

    ونهيت عن قتل النفوس تعمداً     حتى بعثت لقتلها ملكين

    وزعمت أن لها معاداً ثانياً      ما كان أغناها عن الحالين

    يقول: يا رب! كيف تحرم قتل النفس العمد، وأنت ترسل ملكين وقت سكرات الموت تقتل الناس؟! ولماذا تخلق الإنسان إذا أردت أن تميته؟! أعوذ بالله، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

    قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] هذا هو الإلحاد، مدرسة الأدب المدبلجة التي تتظاهر لنا بالإسلام وفي باطنها سم مدفون من الإلحاد والفجور والعياذ بالله.

    أدب التلمساني

    قال ابن تيمية في الفتاوى (2/471) عن الفاجر التلمساني: أما هو فأخبث القوم وأعمقهم في الكفر، ثم قال: ولهذا كان يستحل جميع المحرمات حتى حكى عنه بعض الثقات أنه قال: البنت والأم والأجنبية شيء واحد، وليس في ذلك حرام علينا، وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم.

    وكان يقول: القرآن كله شرك، ليس فيه توحيد، وإنما التوحيد في كلامنا.

    هذا الفاجر التلمساني -يسمونه عفيف التلمساني- عنده مدرسة وكتب منشورة في العالم الإسلامي تطبع، هذا المجرم يقول هذا الكلام، وله صحف تؤيده وتؤيد مساره، وآخر ما رأيت هذه الليلة مقالة على مقالة الفاجر التلمساني في صحيفة جنس فاضح، فيها تحليل ما حرم الله، دعوة إلى تهتك الأمة وعدم وجود شريعة، والقائل صاحب الصحيفة يقول فيها:

    "إلى متى تظل الركائز المعرفية للإنسان حكراً على شيء يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون".

    معنى الكلام: لماذا يبقى الدين هذا؟ لماذا تبقى لا إله إلا الله؟ هل رأيتم الله؟ مكن أن يكون ويمكن ألا يكون؟

    هذه كلمة عصرية كتبت قبل أسبوع هنا في البلاد، أليس هذا هو الإلحاد، أصبحت الأمة مثل الأبقار لا يعرفون ولا يفهمون مقاصد اللغة.

    حدثنا بعض الدعاة: أن بعض العرب ذهبوا للدراسة في أمريكا، وبعضهم إذا ذهب يظن أن الله في الجزيرة فقط فيقول: كانوا يجتمعون، ويتبادلون الزوجات والعياذ بالله. وهذا ثابت عنهم، والناقل داعية بصير يعرف ذلك، وهذه تسمى طريقة التلمساني التي يقول فيها ابن تيمية في المجلد الثاني: "ويرى هذا أن البنت والأم والأجنبية شيء واحد" يقولون: كان يستخدم بناته -عليه غضب الله- ويريد الذين لا يؤمنون بالله من أفراخ العلمنة أن يوصلوا الأمة إلى هذه المأساة وإلى هذه النهاية.

    والمصيبة والضربة القاصمة أنهم يقولون: الدين شيء خاص بك، صلاة الضحى والاستسقاء لك، لكن لا تأمر بالمعروف ولا تنه عن المنكر، يزعجهم أن تخرج إلى الشاطئ وتنهى وتغضب ويتمعر وجهك، فوالله ثم والله ثم والله إن لم نخرج إلى الشواطئ والسكك والشوارع؛ فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ليغضبن الله علينا، ثم ندعوه فلا يستجيب لنا، ثم يلعنا كما لعن الذين من قبلنا، قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    إن الإسلام السلبي هو إسلام النوافل الخاصة، ورسول الهدى عليه الصلاة والسلام لا يعترف بهذا، وهذه الفلسفة التي ينثرها بعض الناس يقول: هذا وقت الفتن فر منه فرراك من الأسد، ويأتون بحديث أبي سعيد الصحيح عند البخاري: {يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر؛ يفر به من الفتن} فينزوي في شقته ويغلق بابه، ويترك الأمة تمور -والعياذ بالله- في الفجور والخمر والسفور، واختلاط الأجانب بالأجنبيات وانهداد الأمة، هذا أول ما يُبدأ به، أول ما تأتي المصيبة على هذا المتخلي.

    وقد ورد في الإسرائيليات: أن جبريل عليه السلام، نزل يدمر قرية وفيها عابد، فأخبر ربه بالعابد والله يعلم، قال: به فابدأ، أسمعني صوته لكنه لم يتمعر وجهه غضباً لي.

    ما للأمة؟! ماذا أصاب الجيل؟! ماذا أصاب الشباب؟! ماذا أصاب العلماء؟!

    المنكرات صباح مساء، لا نطالبهم بالضرب ولا بمد الأيدي، مد الأيدي له جهات مسئولة، لكن اتقوا الله، كلمة: اتق الله، كلمة: تحجبي يا أمة الله، كلمة: حرام، لا يجوز، كلمة: خافوا من الله، ما للأمة سكتت؟!

    يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح وهذا عند أحمد: {لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليخالفن الله بين قلوبكم... }الحديث.

    يقول سفيان الثوري: أنا إن لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر أغمي عليَّ، وقد ذكروا ذلك عنه. ولكم أن تعودا إلى ترجمته. يغمى عليه ويفقد شعوره، لا أن يصل إحساس الإنسان إلى أن يتبلد ويموت:

    من يهن يسهل الهوان عليه     ما لجرح بميت إيلام

    إنما يريد هؤلاء الشباب أن ينقذوا الشباب ويحفظوا أمن الأمة، وأمن الصحوة، وأما لو تركناها لمسيرة التلمساني وفروخه وأتباعه، ضربوا الأمة على دماغها ضربة لا تفلح بعدها أبداً.

    وكان ابن تيمية إذا صلى الفجر سبح إلى طلوع الشمس، ثم يصلى ركعتين وينزل إلى السوق، وعنده مقص في جيبه يقص به شوارب البطائحية الفرقة المبتدعة، وعنده عصا يجلد ويؤدب ويقيم الموازين، ويتكلم للبقالين ومعه تلاميذه، ويأمر بالحجاب، ويأمر من أسبل إزاره أن يرفعه، والحليق أن يربي لحيته، هذا هو الإسلام وهذا هو الدين، ليس الجلوس تحت المكيف، وتأليف الرسائل التي كأنها قطع السندوتش، وليس التفكير من أدب راقي أو من برج عاجي، والإسلام لا يعترف بالمفكرين ويعترف بالعلماء الذين يحملون قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء العلماء يقول سبحانه فيمن كتم علمه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].

    من منا لا يحفظ الفاتحة؟!

    {بلغوا عني ولو آية} {نضر الله امرأً سمع مقالتي فأداها كما سمعها} لا نريد عواطف ولا حماساً هائجاً، ولا نريد تصرفات بالكلام، نريد فعلاً منضبطاً ينهي المفاسد بالبلد وينهي الإجرام ويحد من الفواحش، ينهي تسجيلات الجنس والكاسيت والفيديو المهدم والمجلات الخليعة، وتبرج النساء وانحطاط العلمنة، نريد فعلاً حكيماً منضبطاً حتى يؤدي ثمرته.

    وقد ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى، قال: ولهذا حدثني الثقة، أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال: "إن أرض الإسلام لا تسعه، لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان".

    وابن سبعين من الملاعين وله مدرسة موجودة إلى الآن، قال: أريد أن أخرج إلى الهند، لأن عندهم حرية فكر وعندنا إرهاب فكر، عندنا نحن المسلمون إرهاب فكر، لكن الهند عندهم حرية فكر، لأنهم يعبدون النبات والحيوان.

    يريد أن يتفسخ مثلما يفعل بعض الناس بالذهاب إلى بانكوك، يحج أو يعتمر ليهدم لا إله إلا الله هناك، وليلغي إياك نعبد وإياك نستعين.

    إذاً فالضياع من قديم، وإذا نظرت تجد ذاك حتى في العهد البدائي من العهد الإسلامي، كان يريد أن يذهب إلى الهند أما هنا فيوجد فقهاء وعلماء وأخيار ودعاة وصالحون، ويريد أن يأخذ حريته ونفسه هناك، مثلما يفعل بعض الناس اليوم، يذهب يعربد ويعود لاغياً ملهياً، هداه الله ورده إلى صوابه.

    وأنا أعرف رجلاً ألف كتاب صراع بين الإسلام والوثنية، في مجلدين، ومن يقرؤه كأنه يقرأ لـابن تيمية، وهو من أهل هذه البلاد.

    هذا الرجل فيه ذكاء عجيب، ولكن قبل أن يلحد هذا الرجل يشم رائحة الإلحاد من هذا الكتاب، وما كانت الخاتمة؟ ألحد وكفر بالله. ثم خرج من البلاد وألف كتاب الأغلال ويعني بالأغلال المسجد ومكة وزمزم والحجر الأسود، وخرج وهو الآن في سن الثمانيين، ومن رآه يقول: كأن الليل أظلم في وجهه، وأصابه الله بالتعاسة والتعب والاضطراب، حتى ذهب إلى مدينة عربية، ثم انتقل إلى الأخرى، وهو بين الفينة والأخرى يكاد ينحر نفسه.

    قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    رأيت يوم الخميس الماضي جريدة الظهيرة، وفي افتتاحيتها خطٌ كبير تقول فيه: طبيب السرطان ينحر نفسه، هذا أشهر طبيب في العالم كان يعالج المرضى من السرطان، أصابه فراغ داخلي، عالج المرضى ولكن لم يعالج روحه، يعيش في ضنك، والله كتب عليه ذلك، فأخذ السكين ثم دخل المطبخ وذبح نفسه ومات، وصورته موجودة، وهذا مثبت في وكالات الأنباء.

    وهذا يدلنا على أن التعاسة موجودة حتى يسلم الإنسان وجهه لله ويعود إلى الله، ووالله لا يرى النور ولا يرى السعادة، ولو ملك الدور والقصور والمناصب، والسيارة الفخمة، حتى ينهج منهج الصالحين.

    وبعض الملاحدة إذا أرادوا أن يجتمعوا بـالمقالح والبياتي خرجوا سراً بينهم، وعندهم مدن معروفة بفنادق يجتمعون فيها، ويوزعون أدوارهم كيف يكتبون؟ ما هي طريقة العرض في الصحف؟ وما هي المرحلة القادمة لكي نبث سمومنا وأفكارنا؟ فيأتوننا كل يوم بدبلجة وكل يوم بتخطيط، وكل يوم بثوب جديد.

    1.   

    طريقة الملاحدة في التوفيق بين الإيمان والإلحاد

    وقد ذكر ابن تيمية في الجزء الثاني من الفتاوى قال: فيقول هذا ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف.

    اسمع: يقول: من هؤلاء الذين يفرقون بين الإلحاد، هذا منطق الإلحاد، هذا منطق النفاق: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء:62] هؤلاء يقولون: لماذا تكفرون الناس؟

    إنسان يسب الله ويسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسب الإسلام، ويسب الكعبة، ويسب أبا بكر وعمر، فإذا كفرناه قالوا: متعجلون متهورون متطرفون متزمتون، لا يحق لكم ذلك.

    وقالوا: لا تكفروا الناس، ولا تثوروا الناس علينا، الناس فيهم خير وأنتم تسيئون ظن الناس بنا، ولقد جلست مع أحد الأدباء النفعيين، أدب البطن والنفع، أدب الباذنجان والجرجير الذي لا يرضاه ابن الدين، تنصب له اللافتات لكنه لا يحمل إياك نعبد وإياك نستعين؛ فهو متهالك ميت ليس عنده جذوة إيمان، ومنذ أن خلقة الله لم يتمعر وجهه لله، قلت له: لماذا هذا المجال يفتح؟ لماذا أنت تكون سبباً ولافتة يعملون المفاسد من تحتها؟ قال:لا تسيء الظن بشبابنا، فهل نقرأ الكفر ولا نسيء الظن؟! قال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء:62].

    يقول ابن تيمية: فيقول هذا: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، مثلما تعرفون، يقول: يمكن ألا نتوافق بالآراء ولا نختلف بدون إزعاج واستثارة.

    قال سيد قطب: "لا. إنه التوحيد لا يقبل أنصاف الحلول، إنه التوحيد لا يرضى بالخلط بين الأمزجة والأفكار، إنه التوحيد لا يرضى بالجمع بين المتناقضات.

    قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:1-6] توحيد خالص أو كفر خالص.

    وتقريب وجهات النظر واللعب بدين الله حرام، وإنما ذكرت هذا لأن بعض الناس قد يأتي بحسن نية أو بضعف أو بجهل في الإرادة أو بسوء نية فيقرب بين الأفكار، ولا بأس أن يكتب هنا من الإيمان، ولك مجال، واترك هؤلاء.. مالك ولهم، الله يحاسبهم. ويكون منطقنا نفسي نفسي إننا في الآخرة مسئولون عنهم، نحن نتكلم لهم.

    أعجبني كاتب مسلم يقول في كتاب له: من أتانا في كتاب مليح يتوافق مع القرآن والسنة قبّلنا رأسه، ومن أتانا بكلام كفر ملأنا فمه تراباً.

    قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

    قال ابن دقيق العيد: إنما استولى التتار على بلاد المشرق لظهور الفلسفة فيهم وضعف الشريعة.

    وصدق فقد وقع هذا، فإنه إذا ضعفت معالم الشريعة في الأدب، والعلم، والسوق الشارع؛ انهزمت الأمة.

    والأمة لا تهزم بعددها وقلتها، وإنما تهزم بمعاصيها وذنوبها، قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    السلاجقة والتوفيق بين الشرع والإلحاد

    السلاجقة كانوا يقودون المسلمين مع التتار، لكن السلجوقي يصلى في المسجد ويشرب الخمر، لا يعرف حتى الفاتحة، إسلام شكلي عليه وصايا.

    يقول ابن دقيق العيد:

    استولى التتار علينا بذنوب هؤلاء الذين لا يفهمون الإسلام، ويريدون إحساناً وتوفيقاً، ويريدون مزج المجتمع والأمزجة، العلماني مع المسلم، والمصلي مع الفاجر، والشاطئ الأحمر مع المسجد، المصحف مع المجلة الخليعة، هذا لا يصلح، ولا يقر، قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] الخالص: الغير مشوب بشيء من المعاصي، ومن الرياء والسمعة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [يونس:22].

    وما فعلته العلمانية بالعالم الإسلامي مثلما فعل التتار ببلاد المشرق، وهو الصراع بين التوحيد والإلحاد، وسوف يستمر هذا الصراع.

    التوفيق بين الشرع والإلحاد عند أتاتورك وبيلا ومحمد علي

    أتى الأتراك أولئك المساكين الأحباب سلام الله عليهم، قدموا دماءهم، ويوم انتصر مصطفى كمال أتاتورك وتولى الرئاسة مزق المصحف، وألغى الإسلام، أين إيمان الأتراك؟! أين إسلام الأتراك؟! قدموا دماءهم من أجل هذا المجرم، وهم أهل الخلافة.

    وأتى أهل الجزائر فقدموا أكثر من مليون قتيل، حتى طردوا الفرنسية وأتى أحمد بن بيلا هذا المتشدق بالإسلام الذي حفظ القرآن في السجن، وأتى ليستجلب شباب الصحوة وأصحاب الرأي العام، حتى يؤيدوه.

    قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:14-16].

    أتى أحمد بن بيلا فألقى الإسلام، ويسميه إسلام الحيض، وإسلام الغسل من الجنابة، ويقول: صلوا صلاة الاستسقاء، وربما صلى الجمعة أحيانا بموكبه، ولكن السذج صدقوه، ولكن أين تحقيق الإسلام؟ أين الإعلام المسلم؟ أين تحكيم القرآن والسنة في حياة الناس؟

    وأتى محمد علي جناح، وصدقه أهل باكستان، وأيدوه، ولما تولى أول مرسوم، جعل دين البلاد العلمنة، فأين الإسلام والإيمان والكعبة؟

    وهكذا قال تعالى: أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذريات:53] الطغاة لم يتواصوا، فلم يوصِ أتاتورك ابن بلا ولا أوصى ابن بلا محمد علي جناح، ولكنهم قوم طاغون، ويستمر الطغيان في الطاغين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    1.   

    من أخبار الضُلاّل عند الموت

    أخبار ابن الفارض

    أحد هؤلاء الموسوسين المهلوسين وهو ابن الفارض حضرته سكرات الموت، فرأى أهوالاً في سكرات الموت فقال:

    إن كان منزلتي في الحب عندكم     ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي

    أمنية ظفرت نفسي بها زمناً     واليوم أحسبها أضغاث أحلام

    يقول: كنت أظن أنني مهتدي وأنا ضايع: قال تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] يقول أهل العلم: بدا لهم في سكرات الموت.

    ويقول بعضهم: بل بدا لهم في القبر.

    وقال فريق من أهل العلم: بل بدا لهم في الآخرة، وأنا أظن والله أعلم أنه بدا لهم في سكرات الموت، فإن الله يظهر للفاجر فجوره وللموحد توحيده.

    وكان ابن المبارك وهو في سكرات الموت يتبسم قالوا: مالك يا أبا عبد الرحمن تتبسم؟ قال: لمثل هذا فليعمل العاملون، وهي بشرى المؤمنين، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا [فصلت:30] قالوا: عند سكرات الموت، وهي بشرى المؤمن، تقول له الملائكة: لا تخف ولا تحزن، وأما الفاجر والملحد والمتهتك، فتقول له الملائكة: ويلٌ لك، ويل لك يا عدو الله، فيأتيه الحزن والرعب، ويأتيه قوله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    ذكر وكيع في كتاب الزهد أن ابن عمر قرأ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] فبكى حتى كادت أضلعه تختلف، قالوا: مالك يا أبا عبد الرحمن، قال: أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الإيمان، ونعوذ بالله أن يظهر لنا ما لم نكن نحتسب وما لم يكن ببالنا يخطر.

    إن المؤمن في هذا العصر الفاسد المفسد على خطر عظيم، ولولا الله ثم هؤلاء الأخيار الأبرار الذين يحفظ بهم البلاد وأمنها وسكينتها ورشدها وإسلامها، لذهبت الأمة سدى.

    التلمساني في نزعه الأخير

    الفاجر التلمساني وهو في سكرات الموت، قالوا: تغير واضطرب، وأخذ يهذي بكلام، فقالوا: قل لا إله إلا الله، قال: لا أعرف، قل لا إله إلا الله، قال: لا أعرف، قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    يقول ابن القيم في كتاب الجواب الكافي: حضّروا رجلاً عاشقاً، يعني فناناً مطرباً، والأمة مصدرة للفنانين والمطربين، ولا ينقصها مطرب ولا فنان، بل ينقصها مهندس وطبيب، أما الفنانون فبكثرة كاثرة أسأل الله أن يهديهم، هذا المطرب حضرته سكرات الموت، وكان يعرف تن، تن، تن ولا يعرف (قل هو الله أحد) ولا يعرف (حم. تنزيل الكتاب) يعيش على الأغنية الماجنة، قالوا: قل لا إله إلا الله، قال:

    أين الطريق إلى حمام منجاب

    يعني أغنيته في الحياة كانت هذه.

    وسمعت مقطوعة للشباب هي كفر، يقول: الله الأول أحبك يالوطن ثاني.

    هل سمعت الشعر الحديث المطور التكنولوجي، تعالى الله بل تفرد الله، وتعالى الله عما يقول الفسقة علواً كبيراً.

    احتضار أحد التجار

    وقال ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين، حضّرنا رجلاً من التجار، كان يضرب على وتره، وبعض التجار ساقط في تجارته يعبد الدرهم والدينار {تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة} والحديث في صحيح البخاري، وبعضهم يعبد الموديل الجديد من السيارات, وبعضهم يعبد الوظيفة وبإمكانه أن يسجد حتى يحصل على الوظيفة، وبعضهم يعبد الشهوة، وهناك أناس يعبدون الواحد الأحد، نعم وهم أنتم أيها الأخيار الأبرار، وهم أنتم يا من رفع التوحيد:

    فإما حياة نظَّم الوحي سيرها      وإلا فموت لا يسر الأعاديا

    رضينا بك اللهم رباً وخالقاً     وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا

    إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا     كفى للمطايا طيب ذكراك حادياً

    يقول إذا سرينا في ظلام الليل وأنت قائد المسيرة فلا نخاف، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] وفي ذات مرة كلمني أحد الشباب، قال: أنا مصروع، قلت: من جان؟ قال: لا. ذهب بلبي حب فتاة. أعوذ بالله، قلت له: هل تصلى الفجر في المسجد؟ قال: لا أصلى الفجر. وابن تيمية يصلى صلاة الفجر في المسجد، وهذا مرهم يعالج القلوب، ولا يعرفه إلا أهل الفجر في المسجد، أما الذين ينامون أو يلعبون الكيرم إلى صلاة الفجر فلا يجدون مرهماً ولا طباً، وفي الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: {من صلى الفجر في جماعة، فهو في ذمة الله؛ فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار} يسقط أهل المخدرات في المخدرات لأنهم لم يصلوا الفجر في جماعة، ويجلس السفهاء في الشارع يتهتكون على بنات المسلمين لأنهم لم يصلوا الفجر في جماعة، ويفسدون في البلد وينشرون الإلحاد لأنهم لم يصلوا الفجر في جماعة، وقس على ذلك.

    هذا التاجر ذكره ابن أبي الدنيا: قلنا له: قل لا إله إلا الله، قال: خمسه في ستة، كم تصير؟ قلنا قل لا إله إلا الله، قال: خمسة في ستة كم تصير؟ تصير إلى سوء المصير.

    وذكر ابن تيمية أن الشيخ إبراهيم الجعبري -أحد المشايخ الصالحين- قال: رأيت في منامي ابن عربي وابن الفارض وهما شيخان، وابن تيمية يؤيد هذه الرؤيا.

    ابن عربي هذا صاحب الفصوص الذي أبطل النصوص، وصاحب الفتوحات المكية، وهو ظلم وظلام والعياذ بالله، وابن الفارض.

    يقصد ابن تيمية أن الشيخ الجعبري رأى ابن عربي وابن الفارض في المنام وهما شيخان أعميان يمشيان ويتعثران، ويقولان: كيف الطريق؟ أين الطريق (اهدنا الصراط المستقيم)؟ أين طريق المسجد؟ أين طريق الاستقامة؟ أين طريق التوبة؟ وانتهيا وهما لا يعرفان (إياك نعبد وإياك نستعين) لا يعرفان لا إله إلا الله.

    وأنا أعرف أن هناك فرقاً في العالم تتبع ابن عربي، وقد كشف زيفها ابن تيمية وفضحها على رءوس الأشهاد، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن هؤلاء: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    والأستاذ الشهرستاني -يسمى الأستاذ من ذكائه- ذكي متوقد، لكن ليس كل ذكي زكي بعضهم ذكي، لكن يستخدم ذكاءه في الإلحاد والكفر والتعرض للصالحين، وعداوة أولياء الله، والطعن في الدين.

    هذا الشهرستاني ينسب إليه أنه قال:

    لعمري لقد طفت المعاهد كلها     وطوفت طرفي بين تلك المعالم

    فلم أرَ إلا واضعاً كف حائرٍ     على ذقن أو قارعاً سن نادم

    ما معنى الأبيات:

    يقول: أنا بحثت في الجامعات والمؤسسات عن الهداية فلم أجدت إلا محتارين، وجدت الناس حيارى، أين الهداية هذه.

    فرددت عليه ببيتين، قلت:

    لعلك يا أستاذ ما زرت أحمداً     رسول الهدى المبعوث من خير هاشم

    فوالله لو قد زرته الدهر مرة     لما كنت نهباً للصقور القشاعم

    أنت لم تعرف طيبة، ولم تعرف القرآن ولا زمزم، ولا عرفت الحديث، وذهبت تلتمس الهداية عند الرازي وعند ابن سبعين، وعند ابن عربي، فتقول: كلهم حيارى، نعم حيارى، لكن اذهب إلى أبي بن كعب، وابن عباس، ومعاذ وابن تيمية، ومالك، وأحمد والشافعي، وأبي حنيفة فكلهم والله مبصرون، على هدىً من ربهم، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    أبو العلاء المعري بعد الموت

    ذكر ابن كثير عن أبي العلاء المعري الملحد الزنديق -لا ندري ما الله صانع به، أما كلامه فإلحاد وزندقة- قال: لما توفى وضعوه في قبره فجاءته حية -وهذا في البداية- قال: فأخذت فرجه بفمها، وأخذت لسانه بذنبها، قال تعالى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16] وعذاب القبر نقره ونشهد به، ولو لم ينقل لنا لعلمنا أن عذاب القبر موجود قطعي عند أهل السنة والجماعة، لكن قصدي أن مثل هذه القصة ينقلها حافظ، وهي مصير هؤلاء الخونة المعرضين عن الله، ووالله إن القلق لعذاب الله لهم في الحياة الدنيا شديد، وإنهم ليعيشون حياة الضنك.

    يقول أحد الدعاة سافر إلى روسيا ومر بـموسكو: قال: ورأيت هناك معسكراً يجتمع فيه البشر -وهذا في عهد جرباتشوف- فذكرت قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] قال: والله إنهم مثل الحمير، لا يجدون الخبز، جعلوا لهم الماء في صحون، مثل الحيوانات يشربون في صحن واحد.

    وفي ذات يوم سافرت إلى واشنطن والتقينا بأحد الدكاترة، رئيس معهد الفكر الإسلامي، وقد رأينا أن نسأله مال هذا الشعب المبهوت؟! الشعب الأمريكي، لا رقي في الروح ولا اطمئنان، ولا سكنية، كل يلهث، عليهم البهت والاضطراب، قلنا: ما لهم؟ تبسم وقال: والله الذي لا إله إلا هو منذ أن وصلت إلى أمريكا وأنا أتذكر قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ [الأنعام:110] لا يصبحون مطمئنين أبداً، يصبح يلهث ويملك المادة، ويملك كل شيء لكن السعادة لا يملكها، والله لن ينالها كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون [الأنعام:110].

    1.   

    كونوا أنصار الله

    إنها مسيرة من الصراع العالمي كما أسلفت، ونحن في هذه اللحظة نعيش هذا الصراع وسوف يعيشه من بعدنا، ولكني أقول لكم: كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ [الصف:14] كونوا في صف حزب الله، كونوا مع الله، أيدوا لا إله إلا الله، فوالله إن الساكت لشيطان أخرس، وإنما افترى على نفسه وكتم ما آتاه الله من علم معرفة، وأساء إلى مصيره ومستقبله مع الله، إن دعاة العلمنة يدعون إلى العلمانية والإلحادية والبعثية والشيوعية والنصرانية واليهودية فأين أنت يا موحد؟ أين أنت وأنت رجل الكلمة الحقة؟ أين أنت وأنت الثابت على الكلمة الأصيلة؟ أين كلمتك؟

    الإصلاح في جانب النساء

    الصراع في جانب النساء: صراع بين المرأة الوقورة المتحشمة المتحجبة، والمرأة المتهتكة المعرضة عن منهج الله، المرأة التي تدوس الحجاب وتتشدق على الصالحين، المرأة التي لا تستحي على شرفها وعرضها وشرف أبيها وأمها. يريدون أن تنقلب المرأة من عاقلة متحجبة أرادها الإسلام: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] يريدون أن تكون المرأة عارضة أزياء، ودعاية للصابون وللصحف والمجلات والميراندا والببسي والشركات، يريدون أن تكون المرأة كالحذاء، سافرة في الفنادق والمنتديات والمنتزهات، يريدون أن تكون جندية مرور أو في الجيش تصارع الأبطال.

    أي مصيبة هذه؟ وكيف يصبح المجتمع وهذا حاله؟ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    وواجب المرأة هنا أن تجاهد وتدعو وتتحرك بلا إله إلا الله، وأن تنشر دعوة الله في صفوف النساء، وأن تكون قائمة على منهج الله، يقول عليه الصلاة والسلام: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم} هذا والله المكسب.

    فيا أمة الله كوني داعية، وجهي جيل النساء والأمهات أن يعتصمن بالحجاب، وبتقوى الله والستر والعفاف، وأن يكن كما أراد صلى الله عليه وسلم.

    من هو الذي أعلن حقوق المرأة هو زولا الفرنسي، الذي يقول: أنا أشك في المرأة أنها إنسانة، وألف كتاباً في الجنس؟

    أهو نزار قباني الذي ألف ديوان العاشقين عليه غضب الله؟ وأنا أنصحكم لا تدخلوا شعره بيوتكم، أخرجوا دواوينه وشعره من بيوتكم، وليقل كل واحد منكم: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثاً.

    يقول في سمير العاشقين وهو يخاطب المرأة:

    يجوز أن تثوري

    يجوز أن تعربدي

    يجوز أن تخرجي

    عارية أمام الناس

    هذا من شعره، وهناك شعر أطم، أجلل هذا المنبر، وأقدس هذا المكان أن أذكره فيه، وأحترم هذه الوجوه الغالية والقلوب المؤمنة أن يذكر أمامها مثل هذا الكلام على صاحبه غضب الله.. اللهم انتقم لنا منه.

    وشعره هذا يسري في البيوت، والله لقد بلغ بعض القرى، وله ثلاثة دواوين كبرى ديوان واحد يستطيع أن يدمر به مدينة كاملة، بل شعباً كاملاً.

    ماذا نقول للمرأة؟ أين كتاب الله؟ أين سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أين كتب أهل العلم؟ أين من ينشرها في الناس؟ تترك الساحة لمثل هؤلاء الفجرة الذين لا يؤمنون بالله، قال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] إن تطعهم والله يلغون المسجد، ولا إله إلا الله! وغداً إذا أطعتهم ووافقتهم تخرج بنتك، ثم لا تستطيع أن تخرج عليها ولا أن تأمرها ولا أن تنهاها.

    فيا رب احفظ علينا عرضنا، وشرفنا، وديننا، وكرامتنا في ظل لا إله إلا الله.

    قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] معاذ الله أن نرضى بغير حكم الله، ما دام أن لنا قراراً في الأرض ونريد شرعة الله، وأن نحيا حياة سعيدة. ويوم نتخلى عن الدين، والله لتضيع مقدساتنا وسعادتنا، والصراع سوف يستمر، ومن لم يعش هذا الصراع فهو مدفون وسوف يعيش في عالم الأموات وهو مكفن، يأكل ويشرب لكنه لا يصارع.

    المجاهدة بالنصيحة

    والله يحب من أوليائه المجاهد والدفاع، قال تعالى: وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [المائدة:35] ويقول سبحانه: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] ويقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:111].

    ذكر الإمام أحمد بسند جيد عن أبي ذر قال: {بايعني صلى الله عليه وسلم خمساً وأشهد عليها سبعاً، وعرف بي تسعاً أو -كما قال- أن لا أخاف في الله لومه لائم}.

    وروى ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخمس -وفي رواية بثمان- أن أقول الحق ولو كان مراً} وذكره ابن حجر وصححه في بلوغ المرام قل الحق ولو ذهب رأسك.

    وعند البخاري من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وأرضاه قال: {بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم -وفي لفظ- واشترط علي النصح لكل مسلم} فالله الله في النصح: {الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة} إنها لوصيتي وإن واجبنا أن نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر وهو الصراع الذي يعيشه الإنسان في الشارع، وفي المقهى والمدرسة وفي ملعب الكرة، وفي الصحيفة والمجلة.

    أنا أمامي مئات من الشباب الأخيار صفوة المجتمع صفوة هذه المدينة حضروا هنا: فيهم الطبيب وصراعه مع الوثنية في عيادته، فيهم الأستاذ وصراعه مع الوثنية في فصله، وفيهم الأديب وصراعه مع الوثنية مع أدبه، وفيهم الصحفي وصراعه مع الوثنية في الصحافة، فالله الله قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] وقال تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160] أسأل الله أن ينصرنا وإياكم، وأن يرعانا وإياكم، وأن يتولانا وإياكم، وأن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: شاب يحلق اللحية فيجد الغلظة والفظاظة من الملتزمين فنرجو النصيحة؟

    الجواب: وأنت في توبة طيبة كأنك تريد الهداية الكاملة المطلقة، وما قلته يا أخي فنحاكم هؤلاء جميعاً إلى شرع الرسول عليه الصلاة والسلام، ونقول: إن الله تعالى يقول: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ويقول: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] ويقول: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] فالفضاضة ليست واردة حتى مع طاغية الدنيا فرعون، أرسل الله موسى وهارون فقال تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    يا أخي: إن وجدت إنساناً أغلظ عليك بهذا فاعلم أن الكل لا يفعلون هذا، إن عندنا حكماء فطناء ألباء، لا يظن السامع أن الناس كلهم متطرفون كما يقولون، والله ما سمعنا أنهم أزعجوا أو أنهم روعوا الأمن، وما سمعنا أنهم أحدثوا في البلد فتنة، ولا زلزلوا الكيان، وإنما سمعنا الانضباط والحكمة والرشد والحمد لله، فأنت تحمّل هذه منا، ونضمن إن شاء الله ألا تعود إليك، ولكن نطالبك أمام هذا الجمع الحافل أن تطلق لحيتك كما أطلقها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، فهو حبيبك وما حضرت هنا إلا لتحيي سنته، وترحب بدعوته وشرعته، وما حضرت هنا إلا لصلاح فيك وإشراق في قلبك، غيرك يوم أن حضر الناس هنا حضر في الشاطئ، وغيرك يوم أن أتى الناس يسمع المحاضرة هنا بقى يسمع الأغنية الماجنة، وغيرك يوم رفع الناس المصحف رفع المجلة الخليعة، فإنها ليلة أنت تولد فيها إن شاء الله بدعوات المؤمنين.

    هي ليلة فيها ولدت وشاهدي     فيما رأيت الأرض والمريخ

    فنسأل الله أن نكون شهداء لك، وأن تكون شهيداً لنا عند الله على الهداية والاستقامة، ونسأل الله أن يثبتك وشباب الأمة، وأن يزيد فيكم من الصلاح.

    فضل جيل الصحوة

    السؤال: ما رأيك في شباب الصحوة؟

    الجواب: الجواب واضح، وماذا تتوقع مني أن أقول: قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36] ماذا تريد مني أن أقول في أناس سجدوا لله يوم سجد غيرهم للكيرم والبلوت وكأس الخمر والمجلة الخليعة؟ ماذا تريد مني أن أقول في أناس جددوا هويتهم لله، يوم هوى غيرهم المذاهب الهدامة؟ ماذا تريد مني أن أقول في أناس شرفت بهم البلاد والعالم الإسلامي وأصبحوا تاجاً على رأس أمة محمد عليه الصلاة والسلام؟

    والله إن القلب لينتعش إذا رأى هذه الوجوه الغالية الثمينة عند الله، يأتي الإنسان بلا كلام، فكأنه يتلقن من وجوههم الكلام فيندفع قوياً متكلماً، ماذا يقول في شباب الصحوة.

    شباب الصحوة الأمن والطمأنينة والسعادة.

    شباب الصحوة القوة والمناعة والحكمة.

    شباب الصحوة الهداية والاستقامة والالتزام.

    شباب الصحوة الإشراق والإبداع والكنز للأمة.

    أتظن أنا سوف نساويهم الليلة بمروج المخدرات، أو بفروخ العلمنة، أو بأذناب الحداثة، أو بالمتهتكين، أو بالنفعيين، أو بأكلة الرز الذين لا يعرفون (إياك نعبد وإياك نستعين) أو بالمردة الذين يريدون تلصيق الأمزجة والأقوال وجمعها في بوتقة واحدة كما يقولون، لا.

    يا أمة المجد قومي مزقي الحجبا      وأشعلي في ليالي دهرك الشهبا

    أتذكرين صلاح الدين سفسطة     من غير بذل صلاح الدين قد ذهبا

    قبر العظيم إذا ما زاره ذنب     رغا وأزبد لا حييت يا ذنبا

    لو أخبروا عمر الفاروق نسبتهم     واسمعوه الرزايا أنكر النسبا

    أبواب أجدادنا منحوتة ذهباً     فما لها كلها قد أصبحت خشبا

    من زمزم قد سقينا الناس قاطبة     وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا

    لكن أبشر هذا الكون أجمعه     أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا

    بفتية طهر القرآن أنفسهم     كالأسد تزأر في غابتها غضبا

    عافوا حياة الخنى والرجس فاغتسلوا      بتوبة لا ترى في صفهم جنبا

    نصيحة للشباب

    السؤال: نريد كلمة للشباب؟

    الجواب: أوصي الشباب في هذه المرحلة أن يحملوا الغيرة، ويجيدوا الوسيلة في تبليغ هذه الغيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تكون الوسيلة خطأ، مقصدكم جليل وممتاز.

    والطريقة هي: العودة إلى العلماء والمشايخ والدعاة الكبار، ونوصيكم بالشورى ولا ندعو إلى عمل عجول طائش تكون مفسدته على الشباب، وردة فعله على شباب الصحوة سيئة، فليسأل الإنسان نفسه، وليتق ربه، لا نقول للإنسان مت، لا تحمل غيرة، هذا يصبح ميتاً ويصبح حيواناً، اشتعل بالغيرة في داخلك، ولكن نفذها في تصريف حكيم ينهى المنكر.

    يقول ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر بلا منكر.

    بعض الناس إذا نهى عن منكر يأتي بمنكر أطم، ويأتي بمصيبة أعم، ولكن العلم وشورى الإخوة، وخطباء المساجد، والأئمة المشايخ، هي الطريقة السليمة لإنكار هذا المنكر وهذا هو المطلوب.

    وندعو الشباب إلى إنكار المنكر مع العلماء والمشايخ متى قاموا بإنكار المنكر، وإلا ماذا ننتظر، هل ننتظر أن يحل بنا ما حل بالقرى التي كانت من قبلنا لما أعرضت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل ننتظر قارعة من قوارع الله عز وجل؟

    قبل فترة كنت في القويعية وبعد المحاضرة قام القاضي وأعلن في الناس أنه من غدٍ لا يباع أي شريط للغناء في هذا البلد أبداً، قال: وأخبرنا أنه اجتمع التجار في هذا البلد واشتروا تسجيلات الغناء وحوّلوها إلى تسجيلات إسلامية، وقبلهم بفترة اجتمع أهل الزلفي وفعلوا ذلك، وحوّلوا تسجيلات الغناء إلى تسجيلات إسلامية، وقام قاضيهم، وقال: من بعد هذا لا يباع شريط غناء أبداً.

    وهل هذا إلا النور، وهل هذا إلا الصلاح، وهل واجب القضاة والدعاة وطلبة العلم إلا أن يفعلوا هذا، أما أن يبقى الإنسان على وضع، ويفضي أسراره في هيجان وعواطف وسب وشتم في المجالس ليس بصحيح، ندعو إلى الحكمة الحية المنفذة المؤثرة التي تنفع، وكم أعجبنا ورفع رءوسنا ما فعلتم أيها الأخيار، فسلام الله عليكم.

    أيها الإخوة: يظهر من بعض الأسئلة أن بعض الناس يريد أن نظهر له عيوباً من عيوب الصحوة، ولا أدري ماله:

    أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم     من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

    ويقول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث} يريدكم معصومين لا تخطئون أبداً ولا تذنبون، لا... لكنهم يصلون الجماعة خمس صلوات، ويحملون القرآن والسنة، ويتمنون الشهادة صباح مساء، ويحافظون على أمن البلاد، لكنهم حكماء يريدون تثبيت المعروف وإنهاء المنكر وإنقاذ الأمة، لكنهم يريدون إسعاد المرأة في الدنيا والآخرة، هذه تكفيهم، الواحدة منها خير من الدنيا وما فيها، أما أنك تريد عيوباً فليس عندنا شيء، كلهم بركة ونور وهداية.

    أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم     من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

    أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا     وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

    كيفية تغيير المنكرات

    السؤال: يخبرنا الأخ بالمنكرات التي تقع في جدة؟

    الجواب: أيها الأخ الكريم:

    تكاثرت الظباء على خراشٍ     فما يدري خراش ما يصيد

    وأنا أعرف أنها من اليمين والشمال ومن فوق ومن تحت، لكن بجهودك أنت وإخوانك وإخلاصك -بإذن الله- وتنوركم وتحمسكم -وأمامي حشد هائل- وجه الوجهة الصحيحة، لأن الشعب مسلم، الشعب لا يريد إلا لا إله إلا الله، والأمة تريد (إياك نعبد وإياك نستعين) هؤلاء الذين يدندنون بالعلمنة ليس لهم نصيب، أنا أعرف والله لو قام علماني في مسجد يريد أن يلقي خطبه لضربة الناس بالأحذية وأخرجوه، فلماذا الأمة كلها تريد الله والدار الآخرة، والناس يرحبون بالكلمة اللينة الهادئة الوقورة، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    يحيون الابتسامة، يحيون من يدخل إلى قلوبهم، ما سمعت أنا نصحنا رجلاً فأنكر علينا النصيحة أو رد علينا رداً لأنه على الفطرة، قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله [الروم:30] مؤمن في الأصل، ونريد أن تخاطبوهم بالفطرة وأن تدعوهم إلى العودة والله معكم.

    أثر خطبة الجمعة على الناس

    السؤال: شخص يتحدث عن خطب الجمعة، وما لها من أثر في الناس، ويريد توجيههم؟

    الجواب: يا إخوة! خطب الجمعة تكون حكيمة لا تكون ميتة، لا تكون دائماً في الحيض والغسل من الجنابة، والمسح على الخفين، بل تكون في شئون الحياة، لكن بدون تعرض أو جرح أو شتم، وتكون في الإيمان والسياسة، والاقتصاد والإعلام والأدب، تخاطب مشاكل الأمة، لكن بقالب من الحكمة والاتزان، والكلام الهادف الصادق، الذي لا يثير شغباً ولا مشاكل ولا يهيج الناس هيجاناً منحرفاً، إنما يفهم الناس بالواقع ويبصرهم بالعلاج، ويبصرهم الصواب ويعرفهم بالخطأ، هذه هي خطبة الجمعة.

    وأبو بكر رضي الله عنه كان يخطب الجمعة في حروب الردة في شئون الساعة، يتكلم ماذا فعل أهل الردة، وعمر يتكلم عن الجيوش، وعن أخبار المعارك التي تقع في الأقاليم والجبهات، ويتكلم عن الاقتصاد الذي في دولته، ويتكلم عن عام الرمادة، وماذا حل بالأمة، فأنت تكلم عن الأحداث، الناس في أزمة في الخليج، وأنت تتكلم في كل جمعة عن المسح عن الخفين وبيع العينة، ينامون في المسجد وينتقض وضوءهم، فعليك أن تتكلم عن أحداث الخليج بمنطق القرآن:

    التوكل على الله، إخلاص التوحيد، التضرع إلى الله، بماذا تصاب الأمم، تدمير الشعوب بالذنوب والخطايا، قال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43].

    اختلاط العلماء بالشباب

    السؤال: شكوى من عدم نزول العلماء إلى الشباب؟

    الجواب: هذا يوجد، ولكن الآن بدأ التنبيه على العلماء والدعاة والقضاة في النزول إلى الشباب، أن يكونوا علماء عامة، مثل علماء أهل السنة والجماعة.

    ابن تيمية كان عالم عامة، كان يجلس في المسجد والشارع وفي السكة، وكان الإمام أحمد مع الشباب دائماً، والعالم لا يصنع من فراغ، العالم لا يعترف به أن يكون في برج عاجي تحت مكيف يأتي بأفكاره من فوق، لا. بل لا بد أن يخالط الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم كان رجلاً يمشي بين الناس، قال تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:7].

    فأنا أطلب من العلماء أن يأكلوا الطعام ويمشوا في الأسواق، ويجلسوا مع الشباب، وهذا أمر معلوم وفيه بركة، لكن البقية الباقية ينزلون مع الشباب ويسمعون همومهم وطموح الشباب، لا بد أن نجمع بين أمرين: بين حماس واندفاع الشباب، وبين حكمة الشيوخ والعلماء، لأن العالم بدون حماس خيشة، والشاب بدون حكمة وعلم سيل جارف، فلا تضبط هذا إلا بهذا، فعلى العالم أن ينزل خطوة، والشباب أن يتقدموا خطوة، وتلتقي المسيرة وتصلح بإذن الله، والحمد لله قد سمعنا أن حصل هذا وهناك ملتقى ويحضره الخطباء والدعاة في هذا المكان.

    واجب الشباب في تغيير المنكر والأمر بالمعروف

    السؤال: لماذا لا ينزل الشباب إلى الأسواق والشواطئ، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن هذا يجتمع فيه الصغير والكبير ويحدث فيه من المفاسد ما الله به عليم؟

    الجواب: أنا قلت هذا وأنبه إليه وأطلب من الشباب أن ينزلوا لكن بالكلمة وبالقول، لا بمد اليد والإزعاج، يأمرون وينهون، بل وجود كثرة من الشباب الأتقياء الأخيار بشكلهم ومظهرهم الإسلامي؛ ينهي ويحرج أهل الفواحش وأهل المعاصي، وكم رأينا من أناس يشرب أحدهم الدخان ويشيش ويختلط بالأجنبيات فإذا رأى الشباب ارتدع وخاف، وصاحب المعصية ذليل، كما يقول الحسن البصري: والله إن ذل المعصية في قلوبهم ولو طقطقت بهم البراذين.

    فمهما كان صاحب المعصية فهو ذليل ينهار سريعاً.

    طلب الدعاء بالغيث

    نسأل الله عز وجل أن يسقينا وإياكم غيث القلوب وغيث الأرض فإن الله قرن بينهما، يقول سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [ الحديد:16].

    وغيث الأرض: المطر ونحن بحاجة إليه، فأما غيث الأرواح والقلوب فقد أتى به عليه الصلاة والسلام، يقول في الصحيحين: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً} فهذا الغيث ننتظره وقد سمعناه، وننتظر من الله أن يغيثنا، وعسى ألا تكون معاصينا وتخلفنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقاعسنا وسكوتنا ألا تكون هذه من النكبات التي جربناها في القحط.

    أيها الإخوة: أنا أذكر أننا استسقينا ما يقارب أربع مرات أو خمس مرات وما نزلت قطرة، لأننا يوم خرجنا المصلى خرج منا أناس أموالهم في البنوك الربوية، وخرج أناس بيوتهم مليئة بالأشرطة الغنائية، وخرج أناس عند مخداتهم المجلات الخليعة، وخرج أناس لا يصلون في المسجد، وخرج أناس يتنكرون للسنة، وخرج أناس يغتابون وينمون ويشهدون الزور ويعصون الله ولا نبرأ أنفسنا كلنا ذاك الرجل، فدعونا.. ولكن سددنا باب الإجابة بالذنوب: {يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام فأنى يستجاب له!} فنريد من الأخيار أن يسارعوا في إنقاذ الأمة، والنهي عن المنكرات قال تعالى: لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [ المائدة:63].

    لماذا لا ينهون؟ أين المتكلم؟ أين الدعاة؟ أين الخطباء؟ أين العلماء؟ الله يلوم أولئك يقول: أين هم يتكلمون للأمة ويتكلمون للجيل وينهون عن المنكرات ويأمرون بالمعروف.

    يا أيها الإخوة: إن الأمانة أمانة في أعناق الدعاة وطلبة العلم وشباب الصحوة أن يجعلوا للفساد حداً لئلا ندمر تدميراً ما بعده تدمير قال تعالى: فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً [الطلاق:9].

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضر يحل بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعة     فما سقطنا لأن الحافظ الله

    ربنا إننا سمعنا منادياً للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، ربنا إن الناس اتجهوا إلى المناهج الأرضية واتجهنا إليك فلا تحرمنا رحمتك وعفوك ورشدك ونورك.

    اللهم إن أعطيت الناس من أسباب الدنيا فاعطنا من أسباب تقواك، ومن الإيمان بك أعظم الأسباب.

    اللهم إن الناس تعلقوا بحبال الدنيا ومناهج الدنيا وتعلقنا بحبلك ومنهجك فلا تسلمنا لغيرك يا رب العالمين!

    نسألك توفيقاً وهداية ورشداً ونوراً وبصيرة، ونسألك أن تهدي ولاة الأمر وأن تصلحهم وأن تريهم الحق حقاً وترزقهم اتباعه، وتريهم الباطل باطلاً وترزقهم اجتنابه.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.