إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [1-6]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن الكريم كتاب الله المحكم، فصلت آياته ووضحت عباراته باللغة العربية، ولكن الجاحدين يعرضون عن الإذعان له وكأنهم لا يسمعون، بل يجاهرون بأن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فالله يتكفل بجزائهم وعقوبتهم.

    1.   

    سبب نزول سورة فصلت

    قال ربنا جل جلاله: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:1-4].

    هذه السورة سورة مكية، نزلت في مكة المكرمة، وهي مشتملة على 54 آية.

    وأول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم -ولعل ذلك كان سبب نزولها- أنه اجتمع كفار قريش في ناديهم حول الكعبة المشرفة فقال قائل منهم -قيل هو أبو جهل -: لقد التبس علينا أمر محمد، فهذا الذي أتى به ودعا إليه ما هو؟ هل هو سحر أم كهانة أم شعر؟

    وكان عتبة بن ربيعة أعلمهم بالشعر وبالكهانة وبالسحر وكان سيداً من ساداتهم وكبيراً من كبرائهم، فقالوا له: يا أبا الوليد اجتمع بمحمد واسمع خبره وكلمه لعله يكف عما هو قائم به نحونا.

    وكان ذلك منهم عندما أسلم حمزة وعمر معاً وأخذ أتباع النبي عليه الصلاة والسلام يكثرون يوماً بعد يوم.

    فجاء إليه عتبة وقال: يا محمد! يا أبا القاسم! لم تر العرب رجلاً مثلك شتت قومه وعاب آباءه، وشتم دينهم وذكر أبناءهم وآباءهم بسوء، فما هذا الذي أتيت به؟ هل أنت خير أم أبوك عبد الله أم جدك عبد المطلب أم جدك هاشم أم جدك قصي ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام ساكت لا يجيبه.

    فأخذ يزيد ويقول له: إن كان هذا الذي بك مرض جمعنا لك من أموالنا، حتى نأتيك بأطباء يعالجون مرضك، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا ورفعنا راياتك على رءوسنا، وإن كانت بك الباءة زوجناك عشراً من عقائل قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك من المال حتى تكون أغنى رجل في قريش أنت وعقبك!

    فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (أفرغت يا أبا الوليد ؟! قال: نعم.

    قال: فاسمع مني، قال: كلي لك سمع!

    فقرأ عليه النبي عليه الصلاة والسلام: بسم الله الرحمن الرحيم حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:1-4]، إلى أن تلا إلى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13])، وإذا بـعتبة عندما وصل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى هذه الآية يضع يده على فمه ويقول: نشدتك الله والرحم التي بينك وبيننا، فأتم السورة إلى أن وصل إلى السجدة فسجد وعتبة يرى ذلك في ذهول، ثم تركه وذهب إلى قريش فقالوا قبل أن يصل: والله لقد عاد إليكم عتبة بغير الوجه الذي ذهب به إلى محمد!

    فجاء فقالوا له: ما وراءك؟ فقال لهم: اجعلوها علي ودعوا محمداً وما يدعو إليه واعتزلوه واتركوه للعرب، فإنهم إن غلبوه كفيتموه وإن انتصر عليهم فملكه ملككم وعزّه عزّكم وشرفه شرفكم، فوالله لقد قلت الشعر وسمعته فما قوله بالشعر، ورأيت الكهانة واستعملتها فما قوله بالكهانة ولا هو بالكاهن، ورأيت السحر واستعملته وما هو بالساحر ولا قوله بالسحر.

    فصاح فيه أبو جهل وقال له: يا أبا الوليد! لقد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فغضب عتبة وقال: والله لا كلمت محمداً بعد اليوم، وإنكم لتعلمون أني أكثركم مالاً وأرفعكم نسباً.

    فكانت هذه السورة وهي إحدى الحواميم التي قال عنها ابن مسعود وابن عباس: الحواميم لباب القرآن، وقالوا عنها: هي عرائس القرآن.

    وكان شعار النبي صلى الله عليه وسلم وكلمة السر في بعض غزواته: حم لا ينصرون.

    1.   

    الكلام على الحروف المقطعة وبيان خلود معجزة القرآن

    قال تعالى: حم .

    هذه الحروف المقطّعة في تفسيرها، هل هي كلمات ورموز لمعان؟ وهل هي أسماء للسور التي يبتدأ بها؟ حكي في ذلك الكثير من الأقوال، وقد تكلمنا على ذلك في بداية سورة البقرة وقلنا: إن معناها: أن هذه الحروف المقطّعة هي أجزاء من حروف الهجاء العربية التي ينشأ منها كلام العرب، فبها نطق القرآن وبها تكلم الله، فيا أيها السامعون من العرب ومتقني لغة العرب! القرآن نزل معجزاً في اللفظ وفي المعنى، فإن استطعتم أن تأتوا بمثله فأتوا، ولن تستطيعوا ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً، ولو تواطأ الجن والإنس على ذلك لعجزوا ولما استطاعوا.

    وتفسير ذلك كأن يقول مثلاً الطبيب الكيميائي: الإنسان عبارة عن عناصر ماء وفحم وكربون وملح وسكر وما إلى ذلك من العناصر الأخرى، ويقول لك: هذه المواد أمامك فاصنع منها إنساناً كما صنعه الله جل جلاله، فإن الله تعالى يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [غافر:67]، إلى بقية الأطوار، وها هو التراب أمامكم فخذوا منه وزن رجل واصنعوا منه إنساناً، أو اصنعوا من النطفة إنساناً! أيستطيع أحد ذلك؟ ذلك هو الإعجاز، وذلك هو كلام الله المعجز في لفظه ومعناه.

    وقد يأتي إنسان إلى بناء عظيم الطول والعرض، شاهق في عنان السماء، فيعجبه شكله وهندسته ومكانته ويبني مثله، أما أن يأتي بكتاب في البلاغة والفصاحة والإعجاز كالقرآن فما كان ذلك ولن يكون يوماً من الأيام.

    وقد حاول المتنبئون الكذبة منذ مسيلمة الكذاب الدجّال إلى المعري -فيما ذكروه- أن يُعارضوا القرآن ويأتوا بمثله، فأتوا باللفظ المضحك الذي يضحك الثكلى وتنسى موت ولدها وحزنها وبأسها وما ابتليت به.

    وكتاب الله هو المعجزة الدائمة المسترسلة المستمرة التي آمن بها من سبقنا في عصر الصحابة والنبوة، ونحن جئنا بعدهم بأربعة عشر قرناً والأمر كما قاله كتاب الله، لم يستطع أحد خلال هذه القرون المتطاولة أن يأتي بمثله أو بسورة منه، فقد بقي معجزاً في لفظه ومعناه، وتلك معجزة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدائمة كما أخبر عنها الله، وجميع المعجزات الماضية أدت مهمتها وقامت بوظائفها فآمن بها من آمن وانتهت بموت من أتى بها.

    وأما القرآن فهو المعجزة الدائمة المستمرة الذي يرى كل جيل معجزته، سواء جاء في عصر القرآن أو من بعده إلى يوم القيامة، فهذا الكتاب العظيم هو كلام الله وخاتم كتبه بما فيه من إعجاز لفظي ومعنوي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزيل من الرحمن الرحيم)

    تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2].

    أي: هذا الكتاب المنطوق به المكون من مثل حروفكم هو تنزيل من الرحمن الرحيم، أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، نزل به الروح الأمين على قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو تنزيل من الرحمن الرحيم، أي: من الله الكريم، وليس هو قول محمد صلى الله عليه وسلم ولا قول أحد من الخلق، فهو صلى الله عليه وسلم لبث فيهم عمراً من دهره ومن حياته، وكان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، فمن أين له هذه العلوم والمعارف التي تجاوز بها علوم الأولين والآخرين؟ وكما قال العارف:

    كفاك بالعلم في الأميّ معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم

    فقد عاش أربعين سنة بين قومه وكلهم أميون، وكلهم لا يحسبون ولا يكتبون وهو منهم، ثم جاءه جبريل روح الله في غار حراء وقال له: اقرأ، فقال: (ما أنا بقارئ؟)، فأخذه وضمه إليه أولاً وثانياً وثالثاً وهو يقول: (ما أنا بقارئ؟)، أي: أنا أمي، فقال: اقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] ومن يومئذ ألهم الله تعالى نبيه وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم، وأوحى إليه من العلوم والمعارف ما لم يسبقه فيها أحد منذ آدم أبي البشر إلى عصره، وما أعلم منه إلا الله جل جلاله، فلقد أحاط بعلوم الأولين والآخرين.

    وقد خطب صلى الله عليه وسلم يوماً في مسجده النبوي في المدينة المنورة خطبة ابتدأها عقب صلاة الصبح ولم ينهها إلا عند صلاة المغرب، فلما أذّن الظهر نزل فصلى ثم صعد المنبر، ولما أذّن العصر نزل فصلى ثم صعد المنبر، وبقي إلى أذان المغرب، وقد ذكر في هذه الخطبة التي استمرت أكثر من عشر ساعات ما كان وما يكون من بدء الخلق من يوم خلق السماوات والأرض، وتكلّم على خلق الدنيا وخلق بني آدم والخلائق وما كان من الأنبياء وأممهم إلى حياته، وتكلم على ما بعده إلى يوم القيامة والحشر والنشر، وتكلم على الجنة ومن يدخلها وعلى النار ومن يدخلها.

    وقد قال الرواة الذين حضروا هذه الخطبة وهم العشرات من الصحابة منهم عمر وعلي وحذيفة بن اليمان وأبو هريرة وغيرهم: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، ما من قائد فتنة ومعه رجل أو رجلان إلا وحدثنا باسمه واسم أبيه ونسبه والوقت الذي سيظهر فيه، ما من طائر يطير في السماء إلا وذكر لنا منه علماً، ولكن أعلمنا أحفظنا).

    وقال حذيفة : إني أنسى الشيء زمناً ثم أراه كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فأتذكّر قوله وكلامه، فأذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد حدّثنا عن ذلك يوماً.

    قوله: تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2]، أي: هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم، وليس كما زعم الكفرة الفجرة غير البررة بأن هذا القرآن من صنع بشر، وقد تمالأ عليه أقوام آخرون، بل هو وحي الله وكلامه أرسل به جبريل روح الله إلى قلب خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته...)

    معنى قوله تعالى: (فصلت آياته)

    قال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت:3] وهذه كلمة من مبتدأ وخبر، ومعناها: أنه كامل، فهو كتاب بيّنت آياته ووضّحت، وقد تكلم هذا الكتاب بتفاصيل الحلال والحرام والعقائد والآداب، وتكلم عن الأنبياء وعن شعوبهم وعمن آمن من هذه الشعوب ومن كفر، وكيف خلق الله السماوات والأرض، وكيف خلق الملك والجن والإنس، فقد احتوى هذا الكتاب على كل شيء، قال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] ففيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، وما حكم به مؤمن إلا وأعزّه الله وشرّفه.

    قوله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت:3] أي: فصّلت وبيّنت ووضّحت وتكلمت بتفاصيل الأحكام وما ينفع البشر في دنياهم وما ينفعهم في أخراهم وما ينفعهم فيما بينهم وبين أسرهم ومجتمعهم وحكّامهم وأعدائهم وإخوانهم.

    ففيه كل ما يفيد البشر والجن، وفيه ما لو تمسكوا به لسعدوا به سعادة الدنيا والآخرة، وفيه كل شيء تقر به عين المؤمن وتذل به نفس الكافر، كما قال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3].

    أي: ومع هذا أنزله الله تعالى قرآناً عربياً، أي: أنه نزل بلغة العرب وبقواعدهم نحواً ولغة ومعاني وبديعاً، ولذلك يُفهم القرآن كما تُفهم لغة العرب الفصحى بقواعدها من مرفوع ومنصوب ومجرور، وبقواعدها من الاستعارة والصراحة والمجاز والكلام البيّن بلا مجاز، ومن هنا فسّره علماؤنا تبعاً لتفسير الصحابة له.

    والعرب كانوا يتكلمون بعربيتهم الفصحى سليقة وفطرة، ولم يكونوا يحتاجون لـسيبويه الفارسي ولا للأصمعي ولا للكسائي ؛ لأن القرآن نزل بلغتهم جملاً ومفرداً، فكانوا يفهمونه مباشرة، ولكنهم مع ذلك كانوا بشراً، وكان لكل قوم لهجتهم، ولذلك كان هناك من يفهم القرآن فهماً بيّنا واضحاً ومن يفهمه فهماً خاطئاً، ومن هنا نزل القرآن الكريم بلغة قريش، ونزل على أفضلهم أكرمهم وأنبلهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، سيد العرب لغة وفصاحة ونسباً وحسباً، وقد كلفه الله بفهمه وشرحه وبيانه، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    وقد تنازع العلماء والصحابة في بيان وتفسير النبي عليه الصلاة والسلام لبعض الآيات؛ لأنه وإن نزل بلغة قريش فقد كان يكثر أن يتكلم النبي عليه الصلاة والسلام فيسأله سائل من العرب من أهل قريش: ما معنى هذه الكلمة يا رسول الله؟! كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى يُكذّب الصادق ويُصدّق الكاذب، ويؤتمن الخائن ويخوّن الأمين، وينطق فيكم الرويبضة، فقال قائل: ما الرويبضة يا رسول الله؟! قال: المرء التافه يشتغل بأمر العامة).

    وهذا كزعماء عصرنا ورؤساء أحزابهم ونواب برلماناتهم المتكلمين في شئون العامة من الجهلة أشباه الأميين الذين قد يعرفون اللغة الفرنسية والإنجليزية ولا يعلمون عن الشريعة وعن دين الله وعن لغة كتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم قليلاً ولا كثيراً، فهم كالأعجام في ذلك أو أكثر.

    أهمية لغة القرآن

    قال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3] فقد نزل هذا الكتاب على قوم يعلمون لغة العرب ويفهمونها ويعلمون دقائقها وظواهرها كما يعلمون بواطنها، ولذلك لا يعذرون في الكفر بها، وكانوا هم الذين نشروا لغتهم بعد ذلك بعد الوفاة النبوية وعند زحف عرب الجزيرة بقيادة قريش بعد أن هداها الله للإسلام في عهد الخلفاء الراشدين وخاصة أبا بكر وعمر.

    فخرجوا بالإسلام عن حدود الجزيرة وضموا إليه أقاليم وشعوباً كأرض الشام والعراق وفارس ومصر والمغرب، ونشروا دينهم الذي هو دين الله بلغة الإسلام ولغة العرب، وما كاد ينتهي الجيل الأول حتى جاء الجيل الثاني وكان يتكلم العربية كأهلها، بل إن بعضهم كان أعلم بها من أهلها، ولم تتبلبل ألسنتهم وتختلط بلهجات فارسية أو حبشية أو رومانية، فقد تعلموها منذ الصغر فنطقوا بها بلهجاتها كما كان ينطق بها عبد المطلب وكما كان ينطق بها الأصحاب في الحياة النبوية.

    وعندما ننظر إلى علوم الإسلام على اختلاف فنونها وأنواعها نجد أن أئمتها غير عرب، فمثلاً نجد إمام النحو العربي هو رجل فارسي، ولا يزال اسماً فارسياً، وهو سيبويه ، والذي قاد المحدثين إلى جمع الصحيح وكان كتابه أعظم كتاب بعد كتاب الله هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه الجعفي البخاري ، فهو جعفي ولاءً وبخاري حسباً ونسباً، وقل مثل ذلك على أكثر أئمة علوم وفنون الإسلام لغة وبياناً وقرآناً وحديثاً وجميع علوم الإسلام.

    والعلم بالتعلم، وقد تعلم أبناؤنا ومعاصرونا لغة الأوروبيين والأمريكيين على اختلاف لهجاتهم وما تجاوزوا به الحد، وكان ذلك على حساب لغتهم العربية لغة الإسلام، ويا ليتهم عندما تعلموا ذلك تعلموا العربية بقواعدها وفنونها؛ حتى يستطيعوا فهم كتاب الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقد تجد بعضهم أساتذة كباراً في جامعات كبرى وأساتذة لدراسات عليا إذا نطق أحدهم بلغة العرب خطيباً أو متكلماً أو كاتباً تجده يلحن ويحرف الكلام عن مواضعه، وهذا الذي يكون كذلك إذا فهم آية أو حديثاً فإن فهمه لهما يكون محرفاً، ومن هنا تضاءل العلم ورجع إلى الوراء.

    بدعة ترجمة القرآن

    قوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا [فصلت:3] هذا المعنى ذكر في غير ما سورة وآية؛ ليؤكد به عربية القرآن، ومعنى ذلك: أن من يحاول ترجمته أو نقل معانيه أو ألفاظه فمهما صنع فلن يصل إلى الحقيقة البتة.

    ويوجد اليوم بين الناس من يزعمون أنهم ينشرون الإسلام ويترجمون كتاب الله إلى مختلف لغات الأرض، وتلك بدعة في هذا العصر ومصيبة لم تكن في عصر الصحابة رضي الله عنهم، ولم تكن في عصر التابعين، بل ولم تكن من قبل مائة سنة؛ لأن لغة القرآن يجب تعلمها كتعلم القرآن فرضاً لازماً على كل مسلم، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    والقرآن عربي ونبي الإسلام عربي والسنة عربية، ولا يتم فهم القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بتعلم لغة العرب وإلا ضل الناس وأضلوا كما حدث في عصرنا.

    ونحن نعلم أشخاصاً أئمة في الدعوة إلى الإسلام ولا يعرفون العربية فأخطؤا وزلوا بما يعتبر خروجاً عن الإسلام؛ نتيجة جهلهم بلغة الإسلام وبلغة القرآن، وبلغة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي لغة السنة المحمدية ولغة الحديث الشريف، في حين أن عمر رضي الله عنه عندما خرج فاتحاً بجحافل المسلمين وقبله أبو بكر رضي الله عنه ومن جاء بعدهما ممن وصل إلى الصين وإلى عمق أوروبا وما بينهما، كانوا يعلمون العربية مع لا إله إلا الله؛ لأنه بدون تعلمها لا يُعرف كتاب ولا سنة ولا إسلام.

    ولم يكن هناك مترجمون ولم يكلفوا أحداً بالترجمة لا من أنفسهم ولا من الشعوب المفتوحة، وإنما كانوا يعلمون اللغة العربية للأجيال الصغيرة، وكانت تكفيهم سنتان أو ثلاث سنين ليتعلموها، كما هو حاصل اليوم عندما نرسل أطفالنا إلى المدارس الابتدائية أو الثانوية، فإنه لا يكاد يمر على ذلك سنتان أو ثلاث سنوات إلا ويتحدثون الإنجليزية والفرنسية أحياناً أكثر من أهلها فهماً وبلاغة وكلاماً، ويكون على حساب لغتهم العربية، فقد أصبحوا يجهلونها، وإذا علموا منها شيئاً علموا سطحها مما لا يكادون يفهمون به حكماً من أحكام الله في كتابه أو حكماً من أحكامه في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    وعلى ذلك فالترجمة لا تجوز بحال إلا عند البيان.

    نشر اللغة العربية مع الإسلام

    وكما يجب نشر الإسلام يجب نشر لغته، ولقد كان الأمر كذلك منذ القرن الأول إلى بعد القرن الثاني الهجري بقرنين أو ثلاثة قرون إلى مدة مائتي سنة، حتى جاءت وثنية الوطنية والقومية فتعصب لذلك؛ نتيجة نفاق المنافقين وكفر الكافرين وصد الصادين عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وابن تيمية في كتابه (الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) والذي ينبغي أن يسمى: الدولة العربية الإسلامية قال: لقد كان المسلمون في عصرهم الثاني في جميع شعوبهم عرباً وعجماً وفرساً وروماً وأحباشاً وهنوداً وعلوجاً يتكلمون العربية كأهلها.

    وفي عصره جاء الرحالة المغربي ابن بطوطة من أرض طنجة من المغرب ورحل لمدة ثلاثين عاماً في ديار المسلمين في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، ولم يكن يعرف إلا اللغة العربية، فكان يتكلم بها مسافراً ومهاجراً ورحالة، وتقلد في أكثر هذه الأقطار مناصب عالية كحاكم وقاض، وما كان يتكلم إلا بلغته العربية فيفهمون عنه ويفهم عنهم، وتزوج زوجات في كل مصر دخله زوجتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وكن يمتنعن من السفر معه فيطلقهن ويترك لهن أولاده، فلم يعودوا يتصلون به.

    فهو كان عملياً يتكلم اللغة العربية وكانت كل شعوب الإسلام تتكلم بها.

    فـابن تيمية ذكر هذا علماً، وابن بطوطة المغربي ذكر هذا جلوساً ووقوفاً بنفسه على ذلك، وما تغير هذا إلا منذ قرنين بعد فساد الأزمان وانتشار الجهل وتولي الكافرين مصالح المسلمين وشئونهم، فاخترعوا لهم التعصّب للوطن وللأقوام، وهي عقائد وثنية جاهلية. والمسلم جميع ديار الإسلام وطنه، وجميع المسلمين إخوانه؛ ولذلك الكفرة من بعض الحكام إذا أرادوا امتحان موظف سألوه: هل المواطن اليهودي أو النصراني أقرب إليك أو المسلم الهندي أو الأندونيسي؟ فإن قال: المسلم أخي حيث كان أسقطوه ولم يعدوه وطنياً أو قومياً، مع أن كتاب الله وعقيدة المسلمين على خلاف ذلك، والله يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

    فالمؤمن أخي حيث كان في أرض الله، في أمريكا أو في أوروبا أو في الهند أو في الصين، فجميع من قال: لا إله إلا الله فهو أخي، وليس أخي من أشرك بالله ولم يؤمن بالإسلام ديناً ولو كان من أقرب الأقربين إليّ، فذاك أخي؛ لأن الله آخى بيني وبينه، وذاك عدوي أو تحت ذمتي وليس أخاً لي بحال من الأحوال.

    معنى قوله تعالى: (لقوم يعلمون)

    إذاً: فقوله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3].

    أي: لقوم يدركون ويفهمون لغة العرب، ولا حجة بعد ذلك لهم، فمن لا يعرفها يتعلمها ويدرسها، وإن كان كبيراً ترجم له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يتعلق بالصلوات.

    ومن هنا لابد أن يعلم الكل أن الصلاة التي هي في الدرجة الثانية بعد كلمة الشهادتين لا يجوز أن يُقرأ فيها بلغة العجم قط، بل لابد أن تقرأ الفاتحة بالعربية والسورة بالعربية، فمن لم يفعل ذلك عد متلاعباً ولم يصل أبداً.

    وكذلك أذكار الحج من التلبية، وغيرها كلها كذلك يجب أن تكون بلغة العرب.

    والتلاوة إذا كُتبت بالحروف اللاتينية أو تُرجمت ثم قرئت لا تُعتبر تلاوة ولا أجر عليها ولا ثواب، بل القارئ بذلك يعود بالوزر وبالخزي؛ لأنه حرّف كلام الله العربي ونقله إلى لغة ليست عربية لم ينزل الله الوحي بها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)

    بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4].

    قوله تعالى: بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فصلت:4]، أي: حال هذا القرآن ونزوله أنه نزل بشيراً لأوليائه المؤمنين، يبشرهم بالجنة وبالطاعة وبالرضا، ونذيراً للكافرين وللمشركين ينذرهم بعذاب الله وبالنار وبخزي الدنيا والآخرة.

    قوله تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4]، أي: أعرض أكثر الناس وابتعدوا وأعطوا ظهورهم لدعوة الله وللا إله إلا الله، ولدعوة الرسل ولدعوة خاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم، فأعرضوا عن ذلك، فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4].

    أي: لا يريدون سماعاً، فقد أصموا آذانهم وابتعدوا عن الفهم وعن الوعي، فهم كالصم الذين لا يسمعون، وإن سمعوا فهم لا يفقهون ولا يفهمون ولا يعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ...)

    قال تعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5].

    أي: أنهم لا يسمعون ولا يريدون السماع، ومع ذلك فإنهم وبكل تحد وشرك وكفر يقولون: قلوبنا في أكنة، أي: إن القلوب التي تفهم وتعي وتحفظ وتسمع في أكنة: جمع كنان، أي: في أغطية مغلفة فهي لا تسمع، قد غطاها الران، ولذلك يقولون لأنبيائهم وخلفاء أنبيائهم من العلماء والدعاة إلى الله: لا تسمعونا فنحن قلوبنا مغلّفة لا تسمع ولا تحفظ ولا تعي.

    فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يدعونهم إلى لا إله إلا الله وإلى الإسلام وإلى التزام الحلال وترك الحرام، وإلى الآداب وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإلى مؤاخاة كل مسلم ومعاداة غير المسلم؛ وهم يقولون لهم: دعوتكم إلى التوحيد والحلال والحرام والرقائق والآداب لا تسمعها قلوبنا ولا تفهمها، فهي مغلّفة ومغطّاة، فلا تتعبوا أنفسكم.

    وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ .

    أي: يقولون إن في آذانهم صمماً، والأصم لا يسمع، وآذاننا: جمع أذن، وقر أي: ثقل وصمم، فهم لا تسمع آذانهم ولا تعي قلوبهم.

    وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت:5]، أي: بيننا وبينك يا محمد! حجاب من الكفر ومن الفسق، فقد حجبوا أنفسهم خلف الكفر فكفروا بالله وبكتابه وبرسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحجبوا أنفسهم بالشرك وبالجحود وبالضلال وبارتكاب المعاصي والمخالفات على كل أشكالها وأنواعها.

    فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5].

    أي: اعمل على دينك وعلى توحيدك واصنع ما تشاء في نفسك. إِنَّنَا عَامِلُونَ ، أي: أنهم عاملون بكفرهم وبشركهم، وعلى حسب صممهم والأغلفة التي على قلوبهم والحجب التي حجبوا بها قلوبهم وعقولهم من الشرك والكفر عن سماع كلمة الحق والتوحيد.

    وهذا وإن كان وصفاً للكفار المعاصرين فهو وصف لكل كافر قبلهم وبعدهم، وفي عصرنا شاهدنا هذا وعلمناه وعاشرنا أصحابه، فإنك إذا أسمعتهم كلمة الله وشعروا بأن الحاضرين على وشك أن يسمعوا ويفهموا ويتقيدوا به صاحوا: لا نريد أن نسمع، ونحن لا نعقل، وآذاننا لا تقبل هذا، هذا تخريف ورجعية!

    فالكفر واحد، ولذلك فالكافر يرجع لكفر آبائه وأجداده في الجاهلية.

    والمسلم هو الذي يجدد الإسلام في كل حين ويبينه كما بيّنه السلف الصالح من غير تحريف ولا زيادة ولا تأويل.

    فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ، أي: فليعمل النبي والمؤمنون على دينهم وبمقتضاه فإنهم سيعملون حسب ظنهم وكفرهم وشركهم، وحسب ما هم فيه من غضب ولعنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ...)

    قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت:6].

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ومع ذلك لست إلا عبداً من عبيد الله وبشراً كبقية البشر، آكل كما تأكلون، وأمشي في الأسواق كما تمشون، وأمرض كما تمرضون، وأجوع كما تجوعون، وأسرّ كما تسرّون، وأتألم كما تألمون، ولكنني أزيد عليكم بأن الله أوحى إلي وجعلني رسوله ونبيه إليكم.

    وقد كانوا يتصورون أن النبي لا يكون إلا ملكاً، ولا يمكن التفاهم بين الملك والبشر، ولو حضر الملك على خلقته الأصلية لفجعوا وفروا، ولربما أصابهم الصرع والصمم فعلاً، وربما ذهلوا عن أنفسهم وغابوا عن عقولهم، ولو نزل بشراً -كما كانت الملائكة في بعض الأحيان تنزل على نبي الله عليه الصلاة والسلام- لقالوا له: أنت بشر ولست ملكاً، ولا يؤمنون، وهم ليس لهم خيار في ذلك وإنما ضلت عقولهم وأخذوا يهرفون بما لا يعرفون.

    فقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، أي: قل يا محمد! شكلي شكلكم ونوعي نوعكم، ولي أب وأم وزوجة وأولاد كما أن لكم ذلك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002652841

    عدد مرات الحفظ

    718583729